John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[ثم دخلت سنة إحدى وستين وستمائة]

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 724 of 840

** [الأحداث الواقعة فيها] **

استهلت وسلطان الديار المصرية والبلاد الشامية الملك الظاهر بيبرس البندقداري، ونائبه على الشام جمال الدين آقوش النجيبي، وقاضيه شمس الدين بن خلكان، والوزير بها عز الدين بن وداعة، وليس للناس خليفة، وإنما تضرب السكة باسم المستنصر الذي قتل في السنة الماضية.

** [ذكر خلافة الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد بن الأمير] أبي على القبي بن الأمير علي بن الأمير أبي بكر بن الإمام المسترشد بالله أمير المؤمنين أبي منصور الفضل بن الإمام المستظهر بالله أبي العباس أحمد العباسي الهاشمي **

فلما كان يوم الخميس ثاني المحرم، جلس السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس وأمراؤه وأهل الحل والعقد في الإيوان الكبير بقلعة الجبل، وجاء

الخليفة الحاكم بأمر الله راكبا حتى نزل عند الإيوان، وقد بسط له إلى جانب السلطان، وذلك بعد ثبوت نسبه، فقرئ نسبه على الناس، ثم أقبل عليه الملك الظاهر بيبرس فبايعه وبايعه الناس بعده، وكان يوما مشهودا.

فلما كان يوم الجمعة ثانيه خطب الخليفة بالناس، فقال في خطبته: الحمد لله الذي أقام لآل العباس ركنا ظهيرا، وجعل لهم من لدنه سلطانا نصيرا، أحمده على السراء والضراء، وأستعينه على شكر ما أسبغ من النعماء، وأستنصره على دفع الأعداء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه نجوم الاهتداء، وأئمة الاقتداء الأربعة، وعلى العباس عمه وكاشف غمه أبي السادة الخلفاء الراشدين وأئمة المهديين، وعلى بقية الصحابة أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أيها الناس اعلموا أن الإمامة فرض من فروض الإسلام، والجهاد محتوم على جميع الأنام، ولا يقوم علم الجهاد إلا باجتماع كلمة العباد، ولا سبيت الحرم إلا بانتهاك المحارم، ولا سفكت الدماء إلا بارتكاب الجرائم، فلو شاهدتم أعداء الإسلام لما دخلوا دار السلام، واستباحوا الدماء والأموال، وقتلوا الرجال والأطفال، وهتكوا حرم الخلافة والحريم، وأذاقوا من استبقوا العذاب الأليم، فارتفعت الأصوات بالبكاء والعويل، وعلت الضجات من هول ذلك اليوم الطويل، فكم من شيخ خضبت شيبته

بدمائه، وكم من طفل بكى فلم يرحم لبكائه، فشمروا عن ساق الاجتهاد في إحياء فرض الجهاد {فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [التغابن: 16] فلم يبق معذرة في القعود عن أعداء الدين، والمحاماة عن المسلمين، وهذا السلطان الملك الظاهر السيد الأجل العالم العادل المجاهد المؤيد ركن الدنيا والدين، قد قام بنصر الإمامة عند قلة الأنصار، وشرد جيوش الكفر بعد أن جاسوا خلال الديار، فأصبحت البيعة باهتمامه منتظمة العقود، والدولة العباسية به متكاثرة الجنود، فبادروا عباد الله إلى شكر هذه النعمة، وأخلصوا نياتكم تنصروا، وقاتلوا أولياء الشيطان تظفروا، ولا يروعكم ما جرى، فالحرب سجال والعاقبة للمتقين، والدهر يومان، والأجر للمؤمنين، جمع الله على الهدى أمركم، وأعز بالإيمان نصركم، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. ثم خطب الثانية، ونزل فصلى.

وكتب بيعته إلى الآفاق ليخطب له، وضربت السكة باسمه. قال أبو شامة: فخطب له بجامع دمشق وسائر الجوامع يوم الجمعة سادس عشر المحرم من هذه السنة. وهذا الخليفة هو التاسع والثلاثون من خلفاء بني العباس، ولم يل الخلافة من بني العباس من ليس والده وجده خليفة بعد السفاح والمنصور سوى هذا، فأما من ليس والده خليفة فكثير، منهم المستعين أحمد بن محمد بن المعتصم، والمعتضد بن طلحة بن المتوكل، والقادر بن إسحاق بن المقتدر، والمقتدي بن الذخيرة بن القائم بأمر الله.

** [ذكر أخذ الظاهر الكرك وإعدام صاحبها] **

وفيها ركب الملك الظاهر من الديار المصرية في العساكر المنصورة قاصدا ناحية بلاد الكرك، واستدعى صاحبها الملك المغيث عمر بن العادل أبي بكر بن الكامل محمد بن العادل، فلما قدم عليه بعد جهد أرسله إلى الديار المصرية معتقلا، فكان آخر العهد به، وذلك أنه كاتب هولاكو وحثه على القدوم إلى الشام مرة أخرى، وجاءته كتب التتار بالثبات ونيابة البلاد، وأنه سيقدم عليه عشرون ألفا لفتح الديار المصرية، وأخرج السلطان فتاوى الفقهاء بقتله، وعرض ذلك على ابن خلكان - وكان قد استدعاه من دمشق - وعلى جماعة من الأمراء، ثم سار فتسلم الكرك يوم الجمعة ثالث عشر جمادى الأولى، ودخلها يومئذ في أبهة عظيمة، ثم عاد إلى الديار المصرية مؤيدا منصورا.

وفيها قدمت رسل بركة خان إلى الظاهر يقول له: قد علمت محبتي لدين الإسلام، وعلمت ما فعل هولاكو بالمسلمين، فاركب أنت من ناحية، وآتيه أنا من ناحية حتى نصطلمه أو نخرجه من البلاد، وأيا ما كان أعطيتك جميع ما كان بيده من البلاد. فاستصوب الظاهر هذا الرأي، وشكره وخلع على رسله وأكرمهم.

وفيها زلزلت الموصل زلزلة عظيمة، وتهدمت أكثر دورها.

وفي رمضان جهز الظاهر صناعا وأخشابا وآلات كثيرة لعمارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد حريقه، فطيف بتلك الأخشاب والآلات بالديار المصرية فرحة بها وتعظيما لها، ثم ساروا بها إلى المدينة النبوية.

وفي شوال سار الظاهر إلى الإسكندرية، فنظر في أحوالها وأمورها، وعزل قاضيها وخطيبها ناصر الدين أحمد بن المنير، وولى غيره.

وفيها التقى بركة قان وهولاوو ومع كل واحد جيوش كثيرة، فاقتتلوا فهزم هولاكو هزيمة فظيعة، وقتل أكثر أصحابه، وغرق أكثر من بقي، وهرب هو في شرذمة قليلة من أصحابه، ولله الحمد.

ولما نظر بركة خان إلى كثرة القتلى قال: يعز علي أن يقتل المغول بعضهم بعضا، ولكن كيف الحيلة فيمن غير سنة جنكزخان؟ ! ثم أغار بركة خان على بلاد القسطنطينية، فصانعه صاحبها، وأرسل الظاهر هدايا عظيمة إلى بركة وتحفا كثيرة هائلة.

** [من توفي فيها من الأعيان] **

وممن توفي فيها من الأعيان: ### $ محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن سيد الناس، أبو بكر اليعمري الأندلسي الحافظ

ولد سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وسمع الكثير، وحصل كتبا عظيمة، وصنف أشياء حسنة، وختم به الحفاظ في تلك البلاد، توفي بمدينة تونس في الرابع والعشرين من رجب من هذه السنة.

### $ عبد الرزاق بن رزق الله بن أبي بكر بن خلف عز الدين، أبو محمد الرسعني

المحدث المفسر، سمع الكثير وحدث، وكان من الفضلاء الأدباء، له مكانة عند البدر لؤلؤ صاحب الموصل، وكذلك عند صاحب سنجار، وبها توفي في ليلة الجمعة الثاني عشر من ربيع الآخر، وقد جاوز السبعين، ومن شعره:

نعب الغراب فدلنا بنعيبه ... أن الحبيب دنا أوان مغيبه

يا سائلي عن طيب عيشي بعدهم ... جد لي بعيش ثم سل عن طيبه ### $ محمد بن أحمد بن عنتر السلمي الدمشقي

محتسبها، وكان من عدولها وأعيانها، وله بها أملاك وثروة وأوقاف، توفي بالقاهرة، ودفن بالمقطم. ### $ علم الدين أبو محمد القاسم بن أحمد بن الموفق بن جعفر المرسي اللورقي

اللغوي النحوي المقرئ، شرح " الشاطبية " شرحا مختصرا، وشرح " المفصل " في عدة مجلدات، وشرح " الجزولية " وقد اجتمع بمصنفها، وسأله عن بعض مسائلها، وكان ذا فنون متعددة، حسن الشكل،

مليح الوجه، له هيئة حسنة وبزة وجمال، وقد سمع الكندي وغيره. ### $ الشيخ أبو بكر الدينوري

وهو باني الزاوية بالصالحية، وكان له فيها جماعة مريدون يذكرون الله بأصوات حسنة طيبة، رحمه الله. ### $ مولد الشيخ تقي الدين ابن تيمية شيخ الإسلام

قال الشيخ شمس الدين الذهبي: وفي هذه السنة ولد شيخنا تقي الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ شهاب الدين عبد الحليم بن أبي القاسم ابن تيمية الحراني بحران يوم الاثنين عاشر ربيع الأول من سنة إحدى وستين وستمائة. ### $ الأمير الكبير مجير الدين أبو الهيجاء عيسى بن خشترين الأزكشي الكردي الأموي

كان من أعيان الأمراء وشجعانهم، وله يوم عين جالوت اليد البيضاء في كسر التتار، ولما دخل الملك المظفر إلى دمشق بعد الوقعة جعله - مع الأمير علم الدين سنجر الحلبي نائب البلد - مستشارا ومشاركا في الرأي والمراسيم والتدبير، وكان يجلس معه في دار العدل، وله الإقطاع الكامل والرزق الواسع، إلى أن توفي في هذه السنة. قال أبو شامة: ووالده الأمير

حسام الدين توفي في حبس الملك الأشرف ببلاد الشرق هو والأمير عماد الدين أحمد بن المشطوب، رحمهما الله تعالى.

قلت: وولده الأمير عز الدين تولى ولاية هذه المدينة - أعني دمشق - مدة، وكان مشكور السيرة، وإليه ينسب درب سقون بالصاغة العتيقة، فيقال: درب ابن أبي الهيجاء. لأنه كان به سكنه، وكان يعمل الولاية فيه، فعرف به، وبعد موته بقليل كان فيه نزولنا حين قدمنا من حوران وأنا صغير، فختمت فيه القرآن العظيم، ولله الحمد.

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com