John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[ثم دخلت سنة أربع وستين وستمائة]

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 727 of 840

** [الأحداث الواقعة فيها] **

استهلت والخليفة الحاكم العباسي، وسلطان المسلمين الملك الظاهر، وقضاة مصر أربعة.

وفيها استجد بدمشق أربعة قضاة، كما فعل في العام الماضي في ديار مصر وسيأتي تفصيله، ونائب الشام آقوش النجيبي، وفيها وردت الولايات لقضاء القضاة من المذاهب; فصار كل مذهب فيه قاضي قضاة، فكان في منصب الشافعية شمس الدين أحمد بن إبراهيم بن خلكان البرمكي، وصار على قضاء الحنفية شمس الدين عبد الله بن محمد بن عطا، والحنابلة شمس الدين عبد الرحمن بن الشيخ أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة، وللمالكية عبد السلام بن الزواوي، وقد امتنع من الولاية، فألزم بها حتى قبل، ثم عزل نفسه، ثم ألزم بها فقبل بشرط أن لا يباشر أوقافا، ولا يأخذ جامكية على أحكامه، فأجيب إلى ذلك، وكذلك قاضي الحنابلة لم يأخذ على أحكامه أجرا وقال: نحن في كفاية. فأعفي من ذلك أيضا، رحمهم الله. وقد كان هذا الصنيع الذي لم يسبق إلى مثله قد فعل في العام الماضي بالديار المصرية أيضا، واستقرت الأحوال على هذا المنوال ولله الحمد.

وفيها كمل عمارة الحوض الذي شرقي قناة باب البريد، وعمل له شاذروان، وفيه أنابيب يجرى فيها الماء من القناة التي هي غربيه إلى جانب الدرج الشمالية.

وفيها قدم السلطان الملك الظاهر بعساكره ونازل مدينة صفد، واستدعى بالمجانيق من دمشق وأحاط بها ولم يزل حتى افتتحها، ونزل أهلها على حكمه، فتسلم البلد في يوم الجمعة ثامن عشر شوال من هذه السنة، وقتل المقاتلة وسبى الذرية، وقد كان الملك صلاح الدين افتتحها في شوال أيضا في سنة أربع وثمانين وخمسمائة، ثم استعادوها أيضا فانتزعها منهم قسرا وقهرا الملك الظاهر رحمه الله في هذه السنة، ولله الحمد، وكان السلطان في نفسه منهم شيء كثير، فلما توجه إلى فتحها طلبوا الأمان، فأجلس على سرير مملكته الأمير سيف الدين كرمون التتري، وجاءت رسلهم، فحلفوه وانصرفوا، ولا يشعرون أن الذي أعطاهم العهود بالأمان إنما هو الأمير الذي أجلسه على السرير، والحرب خدعة، فلما خرجت الإسبتارية والداوية من القلعة وقد فعلوا بالمسلمين الأفاعيل، فأمكن الله منهم، فأمر السلطان بضرب أعناقهم عن آخرهم، وجاءت البشائر إلى القلاع بذلك، فدقت البشائر وزينت البلاد وفرح العباد ولله الحمد، ثم بثت السرايا يمينا وشمالا في بلاد الفرنج، فاستولى المسلمون على حصون كثيرة تقارب عشرين حصنا،

وأسروا قريبا من ألف أسير ما بين امرأة وصبي، وغنموا شيئا كثيرا، ودقت البشائر في البلدان، وفرح المسلمون بنصر الله وتأييده.

وفيها قدم ولد الخليفة المستعصم بن المستنصر بن الظاهر بن الناصر العباسي - واسمه علي - إلى دمشق، فأكرم وأنزل بالدار الأسدية تجاه المدرسة العزيزية، وقد كان أسيرا في أيدي التتار، فلما كسرهم بركة خان تخلص من أيديهم وصار إلى دمشق، ولما فتح السلطان صفد أخبره بعض من كان بها من أسرى المسلمين أن سبب أسرهم أن أهل قرية قارا كانوا يأخذونهم فيحملونهم إلى الفرنج، فيبيعونهم منهم، فعند ذلك ركب السلطان قاصدا قارا، فأوقع بهم بأسا شديدا وقتل منهم خلقا كثيرا، وأسر من أبنائهم ونسائهم أخذا بثأر المسلمين، جزاه الله خيرا. ثم أرسل السلطان الملك الظاهر جيشا هائلا إلى بلاد سيس، فجاسوا خلال الديار وفتحوا سيس عنوة، وأسروا ابن ملكها وقتلوا أخاه، ونهبوها وقتلوا أهلها، وأخذوا بثأر الإسلام وأهله منهم; وذلك أنهم كانوا أضر شيء على المسلمين زمن التتار، لما أخذوا مدينة حلب وغيرها أسروا من نساء المسلمين وأطفالهم خلقا كثيرا وجما غفيرا، ثم كانوا بعد ذلك يغيرون على بلاد المسلمين في زمن هولاكو، فكبته الله وأهانه على يدي أنصار الإسلام، ولله الحمد والمنة كثيرا دائما، وكانت النصرة عليهم في يوم الثلاثاء العشرين من ذي القعدة من هذه السنة، وجاءت الأخبار بذلك إلى البلاد وضربت البشائر.

وفي الخامس والعشرين من ذي الحجة دخل السلطان الملك الظاهر دمشق المحروسة وبين يديه ابن صاحب سيس وجماعة من ملوك الأرمن أسارى أذلاء صغرة والعساكر صحبته، وكان يوما مشهودا. ثم سار إلى الديار المصرية مؤيدا منصورا مسرورا محبورا ولله الحمد، وطلب صاحب سيس أن يفادي ولده من السلطان فقال: لا نفاديه إلا بأسير لنا عند التتار يقال له: سنقر الأشقر. فذهب صاحب سيس إلى ملك التتر، فتذلل وتخضع له، حتى أطلق له سنقر الأشقر فأطلق السلطان ابن صاحب سيس.

وفيها عمر الظاهر الجسر المشهور بين قراوا ودامية، تولى عمارته الأمير جمال الدين محمد بن نهار وبدر الدين محمد بن رحال والي نابلس والأغوار، ولما تم بناؤه اضطرب بعض أركانه، فقلق السلطان لذلك، وأمر بتأكيده فلم يستطيعوا من قوة جرى الماء حينئذ، فاتفق بإذن الله أن انسالت على النهر أكمة من تلك الناحية، فسكن الماء بمقدار ما أصلحوا ما يريدون، ثم عاد الماء كما كان، وذلك بتيسير الله وعونه وعنايته العظيمة.

** [من توفي فيها] **

وممن توفي فيها: ### $ أيدغدي بن عبد الله، الأمير جمال الدين العزيزي

كان من

أكابر الأمراء وأحظاهم عند الملك الظاهر، لا يكاد يخرج عن رأيه، وهو الذي أشار عليه بولاية القضاة من كل مذهب على سبيل الاستقلال، وكان - رحمه الله تعالى - متواضعا لا يلبس محرما كريما وقورا رئيسا معظما في الدولة، أصابته جراحة في حصار صفد فلم يزل مريضا منها حتى مات ليلة عرفة، ودفن بالرباط الناصري بسفح قاسيون. ### $ هولاكوقان بن تولي قان بن جنكز خان

ملك التتار بن ملك التتار بن ملك التتار، وهو والد ملوكهم، والعامة يقولون هولاوون مثل قلاوون، وقد كان ملكا جبارا عنيدا، قتل من المسلمين شرقا وغربا مالا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم، وسيجازيه على ذلك شر الجزاء، كان لعنه الله، لا يتقيد بدين من الأديان، وإنما كانت زوجته ظفر خاتون قد تنصرت، وكانت تفضل النصارى، وكان - لعنه الله - يترامى على محبة المعقولات، ولا يتصور منها شيئا، وكان أهلها من أفراخ الفلاسفة عنده لهم وجاهة ومكانة، وإنما كانت همته في تدبير مملكته وتملك البلاد شيئا فشيئا، حتى أباده الله في هذه السنة، وقيل: في سنة ثلاث وستين، ودفن في مدينة تلا، لا رحمه الله، وقام في الملك من بعده ولده أبغا في المملكة، وكان أبغا أحد إخوة عشرة ذكور. والله سبحانه أعلم، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com