John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وستمائة]

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 734 of 840

** [الأحداث الواقعة فيها] **

في خامس المحرم وصل الظاهر دمشق من بلاد السواحل التي فتحها وقد مهدها، وركب في أواخر المحرم إلى القاهرة، فأقام بها سنة، ثم عاد فدخل دمشق في رابع صفر.

وفي المحرم منها وصل صاحب النوبة إلى عيذاب، فنهب تجارها، وقتل خلقا من أهلها، منهم الوالي والقاضي، فسار إليه الأمير علاء الدين أيدغدي الخزندار، فقتل خلقا من بلاده، ونهب وحرق وهدم ودوخ البلاد، وأخذ بالثأر، ولله الحمد والمنة.

وفي ربيع الأول توفي الأمير سيف الدين محمد بن مظفر الدين عثمان بن ناصر الدين منكورس صاحب صهيون، ودفن في تربة والده في عشر السبعين، وكان له في ملك صهيون وبرزيه إحدى عشرة سنة، وتسلمها بعده ولده سابق الدين، وأرسل إلى الملك الظاهر يستأذنه في الحضور، فأذن له، فلما

حضر أقطعه خبزا، وبعث إلى البلدين نوابا من جهته.

وفي خامس جمادى الأولى وصل السلطان بعسكره إلى الفرات; لأنه بلغه أن طائفة من التتار هنالك، فخاض إليهم الفرات بنفسه وجنده، وقتل من أولئك مقتلة كبيرة وخلقا كثيرا، وكان أول من اقتحم الفرات يومئذ الأمير سيف الدين قلاوون وبدر الدين بيسري، وتبعهما السلطان، ثم فعل بالتتار ما فعل، ثم ساق إلى ناحية البيرة، وقد كانت محاصرة بطائفة من التتار أخرى، فلما سمعوا بقدومه هربوا وتركوا أموالهم وأثقالهم، ودخل السلطان إلى البيرة في أبهة عظيمة، وفرق في أهلها أموالا كثيرة، ثم عاد إلى دمشق في ثالث جمادى الآخرة ومعه الأسرى. وخرج منها في سابعه إلى الديار المصرية، وخرج ولده الملك السعيد لتلقيه، ودخلا إلى القاهرة وكان يوما مشهودا. ومما قاله القاضي شهاب الدين محمود الكاتب - وأولاده يقال لهم: بنو الشهاب محمود - في خوض السلطان الفرات بالجيش:

سر حيث شئت لك المهيمن جار ... واحكم فطوع مرادك الأقدار

لم يبق للدين الذي أظهرته ... يا ركنه عند الأعادي ثار

لما تراقصت الرءوس تحركت ... من مطربات قسيك الأوتار

خضت الفرات بسابح أفضى به ... موج الصبا من فعله الآثار

حملتك أمواج الفرات ومن رأى ... بحرا سواك تقله الأنهار

وتقطعت فرقا ولم يك طودها ... إذ ذاك إلا جيشك الجرار

وقال بعض من شاهد ذلك:

ولما تراءينا الفرات بخيلنا ... سكرناه منا بالقنا والصوارم

فأوقفت التيار عن جريانه ... إلى حين عدنا بالغنى والغنائم

وقال آخر ولا بأس به:

الملك الظاهر سلطاننا ... نفديه بالأموال والأهل

اقتحم الماء ليطفي به ... حرارة القلب من المغل

وفي يوم الثلاثاء ثالث رجب خلع على جميع الأمراء من حاشيته ومقدمي الحلقة وأرباب الدولة، وأعطى كل إنسان ما يليق به من الخيل والذهب والحوائص، وكان مبلغ ما أنفق بذلك نحو ثلاثمائة ألف دينار.

وفي شعبان أرسل السلطان إلى منكوتمر هدايا عظيمة.

وفي يوم الاثنين ثاني عشر شوال استدعى السلطان شيخه الشيخ خضرا الكردي إلى بين يديه إلى القلعة، وحوقق على أشياء كثيرة رمي بها، وعلى منكرات كثيرة ارتكبها، فأمر السلطان عند ذلك باعتقاله وحبسه ثم باغتياله، وكان آخر العهد به.

وفي ذي القعدة سلمت الإسماعيلية ما كان بقي بأيديهم من الحصون، وهي الكهف والقدموس والمينقة، وعوضوا عن ذلك بإقطاعات، ولم يبق بالشام شيء لهم من القلاع، واستناب السلطان فيها.

وفيها أمر السلطان بعمارة جسورة في السواحل، وغرم عليها مالا كثيرا، وحصل للناس بذلك رفق كبير.

** [من توفي فيها من الأعيان] **

وممن توفي فيها من الأعيان: ### $ الشيخ تاج الدين أبو الفضل يحيى بن محمد بن أحمد بن حمزة بن علي بن هبة الله بن الحبوبي الثعلبي الدمشقي

كان من أعيان أهل دمشق ولي نظر الأيتام والحسبة، ثم وكالة بيت المال، وسمع الكثير، وخرج له ابن بلبان مشيخة قرأها عليه الشيخ شرف الدين الفزاري بالجامع، فسمعها جماعة من الأعيان والفضلاء، رحمه الله. ### $ الخطيب فخر الدين أبو محمد

عبد القاهر بن عبد الغني بن محمد بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني، الخطيب بها، وبيته معروف بالعلم والخطابة والرياسة، ودفن بمقبرة الصوفية، وقد قارب الستين، رحمه الله تعالى،

وقد سمع الحديث من جده فخر الدين صاحب ديوان الخطب المشهورة، توفي بخانقاه القصر ظاهر دمشق. ### $ الشيخ خضر بن أبي بكر المهراني العدوي

شيخ الملك الظاهر بيبرس كان حظيا عنده مكرما لديه، له عنده المكانة الرفيعة، كان السلطان ينزل بنفسه إلى زاويته التي بناها له في الحسينية في كل أسبوع مرة أو مرتين، وبنى له عندها جامعا يخطب فيه للجمعة، وكان يعطيه مالا كثيرا ويطلق له ما أراد، ووقف على زاويته شيئا كثيرا جدا، وكان معظما عند الخاص والعام بسبب حب السلطان وتعظيمه له، وكان يمازحه إذا جلس عنده، وكان فيه خير ودين وصلاح، وقد كاشف السلطان بأشياء كثيرة، وقد دخل مرة كنيسة القمامة بالمقدس، فذبح قسيسها بيده، ووهب ما فيها لأصحابه، وكذلك فعل بالكنيسة التي بالإسكندرية، وهي من أعظم كنائسهم، نهبها وحولها مسجدا ومدرسة أنفق عليها أموالا كثيرة من بيت المال، وسماها المدرسة الخضراء، وكذلك فعل بكنيسة اليهود بدمشق، دخلها ونهب ما فيها من الآلات والأمتعة ومد فيها سماطا، واتخذها مسجدا مدة، ثم سعوا إليه في ردها إليهم وإبقائها عليهم، ثم اتفق في هذه السنة أنه وقعت منه أشياء أنكرت عليه، وحوقق عليها عند السلطان الملك الظاهر، فظهر له منه ما أوجب سجنه، ثم أمر بإعدامه وهلاكه، وكانت وفاته في هذه السنة، ودفن بزاويته، سامحه الله، وقد كان السلطان يحبه محبة عظيمة حتى إنه سمى بعض أولاده خضرا موافقة لاسمه، وإليه تنسب القبة التي على الجبل غربي الربوة التي يقال لها: قبة الشيخ خضر.

### $ مصنف " التعجيز "

العلامة تاج الدين عبد الرحيم بن محمد بن محمد بن يونس بن محمد بن سعد بن مالك، أبو القاسم الموصلي، من بيت الفقه والرياسة والتدريس، ولد سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وسمع واشتغل وحصل وصنف، واختصر " الوجيز " في كتابه " التعجيز "، واختصر " المحصول "، وله طريقة في الخلاف أخذها عن ركن الدين الطاوسي، وكان جده عماد الدين بن يونس شيخ المذهب في وقته، كما تقدم.

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com