Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة ثمان وسبعمائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 771 of 840
** [الأحداث التي قعت فيها] **
استهلت والحكام هم المذكورون في التي قبلها، والشيخ تقي الدين في الحبس، والناس قد انعكفوا عليه زيارة وتعلما وإفتاء وغير ذلك.
وفي مستهل ربيع الأول أفرج عن الأمير نجم الدين خضر ابن السلطان الملك الظاهر، فأخرج من البرج، وأسكن دار الأفرم بالقاهرة، ثم كانت وفاته في خامس رجب من هذه السنة. وفي أواخر جمادى الأولى تولى نظر ديوان ملك الأمراء الشريف زين الدين بن عدنان عوضا عن ابن الزملكاني، ثم أضيف إليه نظر الجامع أيضا عوضا عن ابن الحظيري، وتولى نجم الدين الدمشقي نظر الأيتام عوضا عن نجم الدين بن هلال. وفي رمضان عزل الصاحب أمين الدين بن الرقاقي عن نظر الدواوين بدمشق، وسافر إلى مصر.
وفيها عزل كمال الدين بن الشريشي نفسه عن وكالة بيت المال، وصمم على الاستمرار على العزل، وعرض عليه العود فلم يقبل، وحملت إليه الخلعة لما خلع على المباشرين فلم يلبسها، واستمر معزولا إلى يوم عاشوراء من السنة
الآتية، فجدد له تقليد، وخلع عليه في الدولة الجديدة.
وفيها خرج الملك الناصر محمد بن قلاوون من الديار المصرية قاصدا الحج، وذلك في السادس والعشرين من رمضان، وخرج معه جماعة من الأمراء لتوديعه، فردهم، ولما اجتاز بالكرك عدل إليها، فنصب له الجسر، فلما توسطه كسر به، فسلم من كان أمامه، وقفز به الفرس فسلم، وسقط من كان وراءه وكانوا خمسين، فمات منهم أربعة، وتهشم أكثرهم في الوادي الذي تحته، وبقي نائب الكرك الأمير جمال الدين آقوش خجلا، يتوهم أن يكون هذا يظنه السلطان عن قصد، وكان قد عمل للسلطان ضيافة غرم عليها أربعة عشر ألفا، فلم تقع الموقع لاشتغال السلطان بهمه وما جرى له ولأصحابه، ثم خلع على النائب، وأذن له في الانصراف إلى مصر، فسافر، واشتغل السلطان بتدبير المملكة في الكرك وحدها، فكان يحضر دار العدل، ويباشر الأمور بنفسه، وقدمت عليه زوجته من مصر، فذكرت له ما كانوا فيه من ضيق الحال وقلة النفقات.
** [سلطنة الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير] **
ذكر سلطنة الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير
لما استقر الملك الناصر بالكرك، وعزم على الإقامة بها، كتب كتابا إلى الديار المصرية يتضمن عزل نفسه عن المملكة، فأثبت ذلك على القضاة بمصر، ثم نفذ على قضاة الشام، وبويع الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير بالسلطنة في الثالث والعشرين من شوال يوم السبت بعد العصر بدار الأمير سيف الدين سلار، اجتمع بها أعيان الدولة من الأمراء وغيرهم، وبايعوه، وخاطبوه بالملك المظفر، ثم ركب إلى القلعة، ومشوا بين يديه، وجلس على سرير المملكة بالقلعة، ودقت البشائر، وسارت البريدية بذلك إلى سائر البلدان. وفي مستهل ذي القعدة وصل الأمير عز الدين البغدادي إلى دمشق، فاجتمع بنائب السلطنة، والقضاة، والأمراء، والأعيان، بالقصر الأبلق، فقرأ عليهم كتاب الناصر إلى مصر، وأنه قد نزل عن الملك، وأعرض عنه، فأثبته القضاة، وامتنع الحنبلي من إثباته، وقال: ليس أحد يترك الملك مختارا، ولولا أنه مضطهد ما تركه، فعزل، وأقيم غيره، ثم استحلفهم للسلطان الملك المظفر، وكتبت العلامة على القلعة، وألقابه على محال المملكة، ودقت البشائر، وزين البلد، ولما قرئ كتاب السلطان على الأمراء بالقصر، وفيه: إني قد صحبت الناس عشر سنين، ثم اخترت المقام بالكرك - تباكى جماعة من الأمراء، ثم بايعوا كالمكرهين، وتولى مكان بيبرس الأمير سيف الدين برلغي، ومكان برلغي سيف الدين بتخاص، ومكان بتخاص جمال الدين آقوش نائب الكرك، وخطب للمظفر يوم الجمعة على المنابر بدمشق وغيرها، وحضر نائب السلطنة
الأفرم، والقضاة في تاسع عشر ذي القعدة، وقرأ تقليد النائب كاتب السر القاضي محيي الدين بن فضل الله بالقصر بحضرة الأمراء، وعليهم الخلع كلهم، وركب الملك المظفر بالخلعة السوداء الخليفتية والعمامة المدورة، والدولة بين يديه عليهم الخلع، يوم السبت سابع ذي القعدة، والصاحب ضياء الدين النشائي حامل تقليد السلطان من جهة الخليفة في كيس أطلس أسود، وأوله: {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} [النمل: 30] ويقال: إنه خلع في القاهرة قريب ألف خلعة ومائتي خلعة، وكان يوما مشهودا، وفرح بنفسه أياما يسيرة، وكذا شيخه المنبجي، ثم أزال الله عنهما نعمته سريعا.
وفيها خطب ابن جماعة بالقلعة، وباشر الشيخ علاء الدين القونوي تدريس الشريفية.
** [من توفي فيها من الأعيان] **
وممن توفي فيها من الأعيان: الشيخ الصالح عثمان الحلبوني، أصله من صعيد مصر، فأقام مدة بقرية حلبون وغيرها من تلك الناحية، ومكث مدة لا يأكل الخبز، واجتمع عليه جماعة من المريدين، وتوفي بقرية برزة في أواخر المحرم، ودفن بها، وحضر جنازته نائب الشام، والقضاة، وجماعة من الأعيان. ### $ الشيخ الصالح أبو الحسن علي بن محمد بن كثير الحراني الحنبلي، إمام
مسجد عطية، ويعرف بابن المقرئ، روى الحديث، وكان فقيها بمدارس الحنابلة، ولد بحران سنة أربع وثلاثين وستمائة، وتوفي بدمشق في العشر الأخير من رمضان، ودفن بسفح قاسيون. ### $ وتوفي قبله الشيخ أمير الدين بن سعد الحراني بغزة، وعمل عزاؤه بدمشق، رحمهما الله. ### $ السيد الشريف زين الدين أبو علي الحسين بن محمد بن عدنان الحسيني، نقيب الأشراف، كان فاضلا بارعا فصيحا متكلما، يعرف طريقة الاعتزال، ويباحث الإمامية، ويناظر على ذلك بحضرة القضاة وغيرهم، وقد باشر قبل وفاته بقليل نظر الجامع ونظر ديوان الأفرم، توفي يوم الخامس من ذي القعدة عن خمس وخمسين سنة، ودفن بتربتهم بباب الصغير. ### $ الشيخ الجليل ظهير الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي الفضل بن منعة البغدادي، شيخ الحرم الشريف بمكة، بعد عمه عفيف الدين منصور بن منعة، وقد سمع الحديث، وأقام ببغداد مدة طويلة، ثم سار إلى مكة بعد موت عمه، فتولى مشيخة الحرم إلى أن توفي بها.