John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين]

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 81 of 840

** [الفتوحات التي تمت في سنة ثنتين وعشرين] **

وفيها كانت فتوحات كثيرة فيما ذكر ابن جرير وغيره في هذا الشأن منها: فتح همذان ثانية، ثم الري وما بعدها، ثم أذربيجان.

قال الواقدي وأبو معشر: كانت في سنة ثنتين وعشرين. وقال سيف: كانت في سنة ثماني عشرة بعد فتح همذان والري وجرجان. وأبو معشر يقول بأن أذربيجان كانت بعد هذه البلدان، ولكن عنده أن الجميع كان في هذه السنة. وعند الواقدي أن فتح همذان والري كان في سنة ثلاث وعشرين؛ فهمذان افتتحها المغيرة بعد مقتل عمر بستة أشهر، قال: ويقال: كان

** فتح الري **

قبل وفاة عمر بسنتين. إلا أن الواقدي وأبا معشر متفقان على أن أذربيجان في هذه السنة، وتبعهما ابن جرير وغيره.

وكان السبب في ذلك أن المسلمين لما فرغوا من نهاوند وما وقع من الحرب المتقدم، فتحوا حلوان وهمذان بعد ذلك. ثم إن أهل همذان نقضوا عهدهم الذي صالحهم عليه القعقاع بن عمرو، فكتب عمر إلى نعيم بن مقرن أن يسير

إلى همذان، وأن يجعل على مقدمته أخاه سويد بن مقرن، وعلى مجنبتيه ربعي بن عامر الطائي، ومهلهل بن زيد اليمني. فسار حتى نزل على ثنية العسل، ثم تحدر على همذان، واستولى على بلادها، وحاصرها فسألوه الصلح فصالحهم ودخلها، فبينما هو فيها ومعه اثنا عشر ألفا من المسلمين إذ تكاتب الديلم وأهل الري وأهل أذربيجان، واجتمعوا على حرب نعيم بن مقرن في جمع كثير، فعلى الديلم ملكهم واسمه موتا، وعلى أهل الري أبو الفرخان، وعلى أهل أذربيجان إسفندياذ أخو رستم، فخرج إليهم نعيم بن مقرن بمن معه من المسلمين حتى التقوا بمكان يقال له: واج روذ. فاقتتلوا قتالا شديدا وكانت وقعة عظيمة تعدل نهاوند ولم تك دونها، فقتلوا من المشركين جمعا كثيرا، وجما غفيرا لا يحصون كثرة، وقتل ملك الديلم موتا وتمزق شملهم، وانهزموا بأجمعهم، بعد من قتل بالمعركة منهم، فكان نعيم بن مقرن أول من قاتل الديلم من المسلمين.

وقد كان نعيم كتب إلى عمر يعلمه باجتماعهم فهمه ذلك واغتم له. فلم يفجأه إلا البريد بالبشارة، فحمد الله وأثنى عليه، وأمر بالكتاب فقرئ على الناس، ففرحوا وحمدوا الله، عز وجل. ثم قدم عليه بالأخماس ثلاثة من

الأمراء؛ وهم سماك بن خرشة - وليس بأبي دجانة - وسماك بن عبيد، وسماك بن مخرمة. فلما استسماهم عمر، قال: " اللهم اسمك بهم الإسلام، وأمد بهم الإسلام. ثم كتب إلى نعيم بن مقرن بأن يستخلف على همذان ويسير إلى الري. فامتثل نعيم. وقد قال نعيم في هذه الوقعة:

ولما أتاني أن موتا ورهطه ... بني باسل جروا جنود الأعاجم

نهضت إليهم بالجنود مساميا ... لأمنع منهم ذمتي بالقواصم

فجئنا إليهم بالحديد كأننا ... جبال تراءى من فروع القلاسم

فلما لقيناهم بها مستفيضة ... وقد جعلوا يسمون فعل المساهم

صدمناهم في واج روذ بجمعنا ... غداة رميناهم بإحدى العظائم

فما صبروا في حومة الموت ساعة ... لحد الرماح والسيوف الصوارم

كأنهم عند انبثاث جموعهم ... جدار تشظى لبنه للهوادم

أصبنا بها موتا ومن لف جمعه ... وفيها نهاب قسمه غير عاتم

تبعناهم حتى أووا في شعابهم ... فنقتلهم قتل الكلاب الجواحم

كأنهم في واج روذ وجوه ... ضئين أصابتها فروج المخارم

** [فتح الري] **

استخلف نعيم بن مقرن على همذان يزيد بن قيس الهمداني، وسار بالجيوش حتى لحق بالري فلقي هناك جمعا كثيرا من المشركين عظيما، فاقتتلوا عند سفح جبل الري، فصبروا صبرا عظيما، ثم انهزموا فقتل منهم نعيم بن مقرن مقتلة عظيمة بحيث عدوا بالقصب فيها، وغنموا منهم غنيمة عظيمة قريبا مما غنم المسلمون من المدائن. وصالحه أبو الفرخان على الري، وكتب له أمانا بذلك، ثم كتب نعيم إلى عمر بالفتح ثم بالأخماس. ولله الحمد والمنة.

** [فتح قومس] **

ولما ورد البشير بفتح الري وأخماسها، كتب عمر إلى نعيم بن مقرن أن يبعث أخاه سويد بن مقرن إلى قومس، فسار إليها سويد، فلم يقم له شيء حتى أخذها سلما، وعسكر بها وكتب لأهلها كتاب أمان وصلح.

** [فتح جرجان] **

لما عسكر سويد بقومس بعث إليه أهل بلدان شتى؛ منها جرجان وطبرستان

وغيرها يسألونه الصلح على الجزية، فصالح الجميع وكتب لأهل كل بلدة كتاب أمان وصلح. وحكى المدائني أن جرجان فتحت في سنة ثلاثين، أيام عثمان، فالله أعلم.

** [فتح أذربيجان] **

وهذا فتح أذربيجان

لما افتتح نعيم بن مقرن همذان ثم الري، وكان قد بعث بين يديه بكير بن عبد الله من همذان إلى أذربيجان، وأردفه بسماك بن خرشة، فلقي إسفندياذ بن الفرخزاذ بكيرا وأصحابه، قبل أن يقدم عليهم سماك، فاقتتلوا فهزم الله المشركين، وأسر بكير إسفندياذ، فقال له إسفندياذ: الصلح أحب إليك أم الحرب؟ فقال: بل الصلح. قال: فأمسكني عندك. فأمسكه، ثم جعل يفتح بلدا بلدا، وعتبة بن فرقد أيضا يفتح معه بلدا بلدا في مقابلته من الجانب الآخر. ثم جاء كتاب عمر، بأن يتقدم بكير إلى الباب، وجعل سماك موضعه نائبا لعتبة بن فرقد. وجمع عمر أذربيجان كلها لعتبة بن فرقد، وسلم إليه بكير إسفندياذ، وصار كما أمره عمر إلى الباب. قالوا: وقد كان اعترض بهرام بن فرخزاذ لعتبة بن فرقد، فهزمه عتبة وهرب بهرام، فلما بلغ ذلك إسفندياذ وهو في الأسر عند بكير قال: الآن تم الصلح وطفئت الحرب. فصالحه فأجاب إلى ذلك كلهم، وعادت أذربيجان سلما، وكتب بذلك عتبة وبكير إلى عمر، وبعثوا بالأخماس

إليه، وكتب عتبة - حين انتهت إليه إمرة أذربيجان - لأهلها كتاب أمان وصلح.

** [فتح الباب] **

قال ابن جرير: وزعم سيف أنه كان في هذه السنة؛ كتب عمر بن الخطاب كتابا بالإمرة على هذه الغزوة لسراقة بن عمرو - الملقب بذي النور - وجعل على مقدمته عبد الرحمن بن ربيعة، ويقال له: ذو النور أيضا. وجعل على إحدى المجنبتين حذيفة بن أسيد، وعلى الأخرى بكير بن عبد الله الليثي - وكان قد تقدمهم إلى الباب - وعلى المقاسم سلمان بن ربيعة. فساروا كما أمرهم عمر، وعلى تعبئته، فلما انتهى مقدم العساكر - وهو عبد الرحمن بن ربيعة - إلى الملك الذي هناك عند الباب وهو شهربراز ملك أرمينية وهو من بيت الملك الذي قتل بني إسرائيل وغزا الشام في قديم الزمان، فكتب شهربراز لعبد الرحمن واستأمنه، فأمنه عبد الرحمن بن ربيعة، فقدم عليه الملك، فأنهى إليه أن صغوه إلى المسلمين، وأنه مناصح للمسلمين. فقال له: إن فوقي رجلا

فاذهب إليه. فبعثه إلى سراقة بن عمرو أمير الجيش، فسأل من سراقة الأمان، فكتب إلى عمر، فأجاز ما أعطاه من الأمان، واستحسنه، فكتب له سراقة كتابا بذلك. ثم بعث سراقة بكيرا، وحبيب بن مسلمة، وحذيفة بن أسيد، وسلمان بن ربيعة، إلى أهل تلك الجبال المحيطة بأرمينية جبال اللان وتفليس وموقان، فافتتح بكير موقان، وكتب لهم كتاب أمان، ومات في غبون ذلك أمير المسلمين هنالك، وهو سراقة بن عمرو، واستخلف بعده عبد الرحمن بن ربيعة، فلما بلغ عمر ذلك أقره على ذلك وأمره بغزو الترك.

** [أول غزو الترك] **

وهو تصديق الحديث المتقدم الثابت في " الصحيح "، عن أبي هريرة، وعمر بن تغلب؛ أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما عراض الوجوه، ذلف الأنوف، حمر الوجوه، كأن وجوههم المجان المطرقة» وفي رواية ينتعلون الشعر.

لما جاء كتاب عمر إلى عبد الرحمن بن ربيعة يأمره بأن يغزو الترك، سار حتى قطع الباب قاصدا لما أمره عمر، فقال له شهربراز: أين تريد؟ قال: أريد ملك الترك بلنجر. فقال له شهربراز: إنا لنرضى منهم بالموادعة، ونحن من وراء

الباب. فقال له عبد الرحمن: إن الله بعث إلينا رسولا، ووعدنا على لسانه بالنصر والظفر، ونحن لا نزال منصورين. فقاتل الترك وسار في بلاد بلنجر مائتي فرسخ، وغزا مرات متعددة. ثم كانت له وقائع هائلة في زمن عثمان، كما سنورده في موضعه، إن شاء الله تعالى.

وقال سيف بن عمر، عن الغصن بن القاسم، عن رجل، عن سلمان بن ربيعة، قال: لما دخل عليهم عبد الرحمن بن ربيعة بلادهم حال الله بين الترك والخروج عليه، وقالوا: ما اجترأ علينا هذا الرجل إلا ومعهم الملائكة تمنعهم من الموت. فتحصنوا منه وهربوا بالغنم والظفر. ثم إنه غزاهم غزوات في زمن عثمان فظفر بهم، كما كان يظفر بغيرهم. فلما ولى عثمان على الكوفة بعض من كان ارتد، غزاهم فتذامرت الترك، وقال بعضهم لبعض: إنهم لا يموتون. وقال: انظروا. وفعلوا فاختفوا لهم في الغياض، فرمى رجل منهم رجلا من المسلمين على غرة، فقتله وهرب عنه أصحابه، فخرجوا على المسلمين بعد ذلك حتى عرفوا أن المسلمين يموتون، فاقتتلوا قتالا شديدا، ونادى

مناد من الجو: صبرا آل عبد الرحمن وموعدكم الجنة. فقاتل عبد الرحمن حتى قتل وانكشف الناس، وأخذ الراية سلمان بن ربيعة فقاتل بها، ونادى المنادي من الجو: صبرا آل سلمان بن ربيعة. فقاتل قتالا شديدا، ثم تحيز سلمان وأبو هريرة بالمسلمين، وفروا من كثرة الترك ورميهم الشديد السديد على جيلان فقطعوها إلى جرجان واجترأت الترك بعدها، ومع هذا أخذت الترك عبد الرحمن بن ربيعة فدفنوه في بلادهم، فهم يستسقون بقبره إلى اليوم. وسيأتي تفصيل ذلك كله.

** [قصة السد] **

ذكر ابن جرير بسنده أن شهربراز قال لعبد الرحمن بن ربيعة لما قدم عليه حين وصل إلى الباب، وأراه رجلا فقال شهربراز: أيها الأمير إن هذا الرجل كنت بعثته نحو السد، وزودته مالا جزيلا، وكتبت له إلى الملوك الذين يلوني، وبعثت لهم هدايا، وسألت منهم أن يكتبوا له إلى من يليهم من الملوك حتى ينتهي إلى سد ذي القرنين، فينظر إليه ويأتينا بخبره. فسار حتى انتهى إلى الملك الذي السد في أرضه، فبعثه إلى عامله مما يلي السد، فبعث معه بازياره ومعه عقابه، فلما انتهوا إلى السد إذا جبلان بينهما سد مسدود، حتى ارتفع على الجبلين، وإذا دون السد خندق أشد سوادا من الليل لبعده، فنظر إلى ذلك كله وتفرس فيه، ثم

لما هم بالانصراف قال له البازيار: على رسلك. ثم شرح بضعة لحم معه فألقاها في ذلك الوادي، وانقض عليها العقاب. فقال: إن أدركها في الهواء قبل أن تقع فلا شيء، وإن لم يدركها حتى تقع، فذلك شيء. قال: فلم يدركها حتى وقعت في أسفله وأتبعها العقاب فأخرجها، فإذا فيها ياقوتة، وهي هذه. ثم ناولها الملك شهربراز لعبد الرحمن بن ربيعة، فنظر إليها عبد الرحمن ثم ردها إليه، فلما ردها إليه فرح وقال: والله لهذه خير من مملكة هذه المدينة - يعني مدينة باب الأبواب التي هو فيها - ووالله لأنتم أحب إلي ملكة من آل كسرى، ولو كنت في سلطانهم ثم بلغهم خبرها لانتزعوها مني، وايم الله لا يقوم لكم شيء ما وفيتم ووفى ملككم الأكبر.

ثم أقبل عبد الرحمن بن ربيعة على الرسول الذي ذهب على السد فقال: ما حال هذا الردم؟ يعني: ما صفته؟ - فأشار إلى ثوب في زرقة وحمرة؛ فقال: مثل هذا. فقال رجل لعبد الرحمن: صدق والله؛ لقد نفذ ورأى. فقال: أجل، وصف صفة الحديد والصفر، قال الله تعالى: {آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا} [الكهف: 96] . [الكهف: 96] وقد ذكرت صفة السد في " التفسير "، وفي

أوائل هذا الكتاب.

وقد ذكر البخاري في " صحيحه " تعليقا «أن رجلا قال للنبي، صلى الله عليه وسلم، رأيت السد. فقال: " كيف رأيته؟ " قال: مثل البرد المحبر. فقال: " رأيته» ".

قالوا: ثم قال عبد الرحمن بن ربيعة لشهربراز: كم كانت هديتك؟ قال: قيمة مائة ألف في بلادي، وثلاثة آلاف ألف في تلك البلدان.

** [بقية من خبر السد] **

أورد شيخنا أبو عبد الله الذهبي الحافظ في هذه السنة ما ذكره صاحب كتاب " مسالك الممالك "، عما أملاه عليه سلام الترجمان، حين بعثه الواثق بأمر الله بن المعتصم - وكان قد رأى في النوم كأن السد قد فتح - فأرسل سلاما هذا وكتب له إلى الملوك بالوصاة به، وبعث معه ألفي بغل تحمل طعاما، فساروا من سامراء إلى إسحاق بتفليس، فكتب لهم إلى صاحب السرير، وكتب لهم صاحب السرير إلى ملك اللان، فكتب لهم إلى

فيلانشاه، فكتب لهم إلى ملك الخزر، فوجه معه خمسة أدلاء فساروا ستة وعشرين يوما، فانتهوا إلى أرض سوداء منتنة حتى جعلوا يشمون الخل، فساروا فيها عشرة أيام، فانتهوا إلى مدائن خراب مدة سبعة وعشرين يوما، وهي التي كانت يأجوج ومأجوج تطرقها فخربت من ذلك الحين وإلى الآن، ثم انتهوا إلى حصن قريب من السد فوجدوا قوما يعرفون بالعربية وبالفارسية ويحفظون القرآن، ولهم مكاتب ومساجد، فجعلوا يعجبون منهم ويسألونهم من أين أقبلوا؟ فذكروا لهم أنهم من جهة أمير المؤمنين، فلم يعرفوه بالكلية. ثم انتهوا إلى جبل أملس ليس عليه خضراء وإذا السد هنالك من لبن حديد مغيب في نحاس، وهو مرتفع جدا لا يكاد البصر ينتهي إليه، وله شرفات من حديد، وفي وسطه باب عظيم بمصراعين مغلقين، عرضهما مائة ذراع، في طول مائة ذراع، في ثخانة خمسة أذرع، وعليه قفل طوله سبعة أذرع في غلظ باع - وذكر أشياء كثيرة - وعند ذلك المكان حرس يضربون عند القفل في كل يوم، فيسمعون بعد ذلك صوتا عظيما مزعجا؛ فيعلمون أن وراء هذا الباب حرسا وحفظة، وقريب من هذا الباب حصنان عظيمان بينهما عين ماء عذبة، وفي

إحداهما بقايا العمارة من مغارف ولبن وحديد وغير ذلك، وإذا طول اللبنة ذراع ونصف في مثله، في سمك شبر.

وذكروا أنهم سألوا أهل تلك البلاد هل رأوا أحدا من يأجوج ومأجوج؟ فأخبروهم أنهم رأوا منهم يوما أشخاصا فوق الشرفات، فهبت الريح فألقتهم إليهم، فإذا طول الرجل منهم شبر ونصف شبر. والله أعلم.

قال الواقدي: وفي هذه السنة غزا معاوية الصائفة من بلاد الروم، في عشرة آلاف من المسلمين، فسار وغنم ورجع سالما.

وفيها ولد يزيد بن معاوية، وعبد الملك بن مروان. وفيها حج بالناس عمر بن الخطاب، وكان عماله فيها على البلاد، هم الذين كانوا في السنة قبلها.

وذكر أن عمر عزل عمارا في هذه السنة عن الكوفة؛ اشتكاه أهلها وقالوا: لا يحسن السياسة. فعزله وولى أبا موسى الأشعري، فقال أهل الكوفة لا نريده. وشكوا من غلامه. فقال: دعوني حتى أنظر في أمري. وذهب إلى طائفة من المسجد ليفكر من يولي. فنام من الهم فجاءه المغيرة فجعل يحرسه حتى استيقظ فقال له: إن هذا الأمر عظيم، يا أمير المؤمنين، الذي بلغ بك هذا. قال: وكيف لا وأهل الكوفة مائة ألف لا يرضون عن أمير، ولا يرضى عنهم أمير. ثم جمع الصحابة واستشارهم ; هل يولي عليهم قويا مشددا أو ضعيفا مسلما؟ فقال له المغيرة بن شعبة: يا أمير المؤمنين، إن القوي قوته لك وللمسلمين،

وتشديده لنفسه، وأما الضعيف المسلم فضعفه عليك وعلى المسلمين، وإسلامه لنفسه. فقال عمر للمغيرة - واستحسن ما قال له -: اذهب فقد وليتك الكوفة. فرده إليها بعد ما كان عزله عنها بسبب ما كان شهد عليه الذين تقدم حدهم بسبب قذفه، والعلم عند الله، عز وجل. وبعث أبا موسى الأشعري إلى البصرة، فقيل لعمار: أساءك العزل؟ فقال: والله ما سرتني الولاية، ولقد ساءني العزل. وفي رواية، أن الذي سأله عن ذلك عمر، رضي الله عنه. ثم أراد عمر أن يبعث سعد بن أبي وقاص على الكوفة بدل المغيرة فعالجته المنية في سنة ثلاث وعشرين، على ما سيأتي بيانه، ولهذا أوصى لسعد به.

قال الواقدي: وفي هذه السنة غزا الأحنف بن قيس بلاد خراسان وقصد البلد الذي فيه يزدجرد ملك الفرس.

قال ابن جرير وزعم سيف أن هذا كان في سنة ثماني عشرة. قلت: والأول هو المشهور. والله أعلم.

** [قصة يزدجرد بن شهريار بن كسرى] **

الذي كان ملك الفرس لما استلب سعد من يديه مدينة ملكه، ودار

مقره، وإيوان سلطانه، وبساط مشورته وحواصله، تحول من هناك إلى حلوان ثم جاء المسلمون ليحاصروا حلوان فتحول إلى الري وأخذ المسلمون حلوان، ثم أخذت الري، فتحول منها إلى أصبهان، فأخذت أصبهان، فسار إلى كرمان، فقصد المسلمون كرمان فافتتحوها، فانتقل إلى خراسان فنزلها. هذا كله، والنار التي يعبدها من دون الله يسير بها معه من بلد إلى بلد، ويبنى لها في كل بلد بيت توقد فيه على عادتهم، وهو يحمل في الليل في مسيره إلى هذه البلدان على بعير عليه هودج ينام فيه، فبينما هو ذات ليلة في هودجه وهو نائم فيه، إذ مروا به على مخاضة فأرادوا أن ينبهوه قبلها؛ لئلا ينزعج إذا استيقظ في المخاضة، فلما أيقظوه تغضب عليهم شديدا وشتمهم، وقال: حرمتموني أن أعلم مدة بقاء هؤلاء في هذه البلاد وغيرها، إني رأيت في منامي هذا أني ومحمدا تناجينا عند الله، فقال له: ملككم مائة سنة. فقال: زدني. فقال: عشرا ومائة. فقال: زدني. فقال: عشرين ومائة سنة. فقال: زدني. فقال: لك. وأنبهتموني، فلو تركتموني لعلمت مدة هذه الأمة.

** [غزو المسلمين بلاد خراسان مع الأحنف بن قيس] **

وذلك أن الأحنف بن قيس هو الذي أشار على عمر بأن يتوسع المسلمون بالفتوحات في بلاد العجم، ويضيقوا على كسرى يزدجرد، فإنه هو الذي يستحث الفرس والجنود على قتال المسلمين، فأذن عمر بن الخطاب في ذلك عن رأيه، وأمر الأحنف، وأمره بغزو بلاد خراسان. فركب الأحنف في جيش كثيف إلى خراسان قاصدا حرب يزدجرد، فدخل خراسان فافتتح هراة عنوة واستخلف عليها صحار بن فلان العبدي. ثم سار إلى مرو الشاهجان وفيها يزدجرد، وبعث الأحنف بين يديه مطرف بن عبد الله بن الشخير إلى نيسابور، والحارث بن حسان إلى سرخس، ولما اقترب الأحنف من مرو الشاهجان، ترحل منها يزدجرد إلى مرو الروذ، فافتتح الأحنف مرو الشاهجان فنزلها، وكتب يزدجرد حين نزل مرو الروذ إلى خاقان ملك الترك يستمده، وكتب إلى ملك الصغد يستمده، وكتب إلى ملك الصين يستعينه. وقصده الأحنف بن

قيس إلى مرو الروذ، وقد استخلف على مرو الشاهجان حارثة بن النعمان، وقد وفدت إلى الأحنف أمداد من أهل الكوفة مع أربعة أمراء. فلما بلغ مسيره إلى يزدجرد، ترحل إلى بلخ وجاء الأحنف، فافتتح مرو الروذ، ثم سار وراء يزدجرد إلى بلخ فالتقى معه ببلخ يزدجرد، فهزمه الله، عز وجل، وهرب هو ومن بقي معه من جيشه، فعبر النهر.

واستوثق ملك خراسان على يدي الأحنف بن قيس، واستخلف في كل بلدة أميرا، ورجع الأحنف فنزل مرو الروذ، وكتب إلى عمر بما فتح الله عليه من بلاد خراسان بكمالها، فقال عمر: وددت أنه كان بيننا وبين خراسان بحر من نار. فقال له علي: ولم يا أمير المؤمنين؟ فقال: إن أهلها سينقضون عهدهم ثلاث مرات، فيجتاحون في الثالثة. فقال: يا أمير المؤمنين، لأن يكون ذلك بأهلها، أحب إلي من أن يكون ذلك بالمسلمين.

وكتب عمر إلى الأحنف ينهاه عن العبور إلى ما وراء النهر وقال: احفظ ما بيدك من بلاد خراسان. ولما وصل رسولا يزدجرد إلى اللذين استنجد بهما لم يحتفلا بأمره، فلما عبر يزدجرد النهر، ودخل في بلادهما تعين عليهما إنجاده

في شرع الملوك، فسار معه خاقان الأعظم ملك الترك، ورجع يزدجرد بجنود عظيمة فيهم ملك التتار خاقان، فوصل إلى بلخ واسترجعها، وفر عمال الأحنف إليه إلى مرو الروذ، وخرج المشركون من بلخ حتى نزلوا على الأحنف بمرو الروذ، فبرز الأحنف بمن معه من أهل البصرة، وأهل الكوفة، والجميع عشرون ألفا، فسمع رجلا يقول لآخر: إن كان الأمير ذا رأي، فإنه يقف دون هذا الجبل، فيجعله وراء ظهره، ويبقي هذا النهر خندقا حوله ; فلا يأتيه العدو إلا من جهة واحدة، فلما أصبح الأحنف، أمر المسلمين فوقفوا في ذلك الموقف بعينه، وكان أمارة النصر والرشد، وجاءت الأتراك والفرس في جمع عظيم هائل مزعج، فقام الأحنف في الناس خطيبا فقال: إنكم قليل وعدوكم كثير، فلا يهولنكم، ف {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} [البقرة: 249] . فكانت الترك يقاتلون بالنهار، ولا يدري الأحنف أين يذهبون في الليل. فسار ليلة مع طليعة من أصحابه نحو جيش خاقان، فلما كان قريب الصبح، خرج فارس من الترك طليعة، وعليه طوق، وضرب بطبله، فتقدم إليه الأحنف فاختلفا طعنتين فطعنه الأحنف فقتله وهو يرتجز:

إن على كل رئيس حقا ... أن يخضب الصعدة أو يندقا

إن لنا شيخا بها ملقى ... سيف أبي حفص الذي تبقى

قال: ثم استلب التركي طوقه ووقف موضعه، فخرج آخر عليه طوق ومعه

طبل، فجعل يضرب بطبله، فتقدم إليه الأحنف فقتله أيضا، واستلبه طوقه ووقف موضعه، فخرج ثالث فقتله، وأخذ طوقه ثم أسرع الأحنف الرجوع إلى جيشه ولا يعلم بذلك أحد من الترك بالكلية. وكان من عادتهم أنهم لا يخرجون من مبيتهم، حتى يخرج ثلاثة من كهولهم بين أيديهم؛ يضرب الأول بطبله، ثم الثاني، ثم الثالث، ثم يخرجون بعد الثالث، فلما خرجت الترك ليلتئذ بعد الثالث، فأتوا على فرسانهم مقتلين، تشاءم بذلك الملك خاقان وتطير، وقال لعسكره: قد طال مقامنا، وقد أصيب هؤلاء القوم بمكان لم نصب بمثله، ما لنا في قتال هؤلاء القوم من خير، فانصرفوا بنا. فرجعوا إلى بلادهم وانتظرهم المسلمون يومهم ذلك؛ ليخرجوا إليهم من شعبهم، فلم يروا أحدا منهم، ثم بلغهم انصرافهم إلى بلادهم راجعين عنهم. وقد كان يزدجرد - وخاقان في مقابلة الأحنف بن قيس ومقاتلته - ذهب إلى مرو الشاهجان فحاصر حارثة بن النعمان بها واستخرج منها خزانته التي كان دفنها بها، ثم رجع وانتظره خاقان ببلخ حتى رجع إليه.

وقد قال المسلمون للأحنف: ما ترى في اتباعهم؟ فقال: أقيموا بمكانكم ودعوهم. وقد أصاب الأحنف في ذلك، فقد جاء في الحديث: «اتركوا الترك ما تركوكم» وقد رد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا [الأحزاب: 25] . ورجع كسرى خاسرا الصفقة لم يشف له غليل، ولا حصل على خير، ولا انتصر كما كان في

زعمه، بل تخلى عنه من كان يرجو النصر منه، وتنحى عنه وتبرأ منه أحوج ما كان إليه، وبقي مذبذبا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا. وتحير في أمره ماذا يصنع؟ وإلى أين يذهب؟ وقد أشار عليه بعض أولي النهى من قومه حين قال: قد عزمت أن أذهب إلى بلاد الصين أو أكون مع خاقان في بلاده. فقالوا: إنا نرى أن نصانع هؤلاء القوم، فإن لهم ذمة ودينا يرجعون إليه، فنكون في بعض هذه البلاد وهم مجاورينا، فهم خير لنا من غيرهم. فأبى عليهم كسرى ذلك، ثم بعث إلى ملك الصين يستغيث به ويستنجده، فجعل ملك الصين يسأل عن صفة هؤلاء القوم الذين قد فتحوا البلاد وقهروا رقاب العباد، فجعل يخبره عن صفتهم، وكيف يركبون الخيل والإبل، وماذا يصنعون، وكيف يصلون. فكتب معه إلى يزدجرد، إنه لم يمنعني أن أبعث إليك بجيش أوله بمرو وآخره بالصين الجهالة بما يحق علي، ولكن هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولك صفتهم ; لو يحاولون الجبال لهدوها، ولو جئت لنصرك، أزالوني ما داموا على ما وصف لي رسولك، فسالمهم وارض منهم بالمسالمة. فأقام كسرى وآل كسرى في بعض البلاد مقهورين، ولم يزل ذلك دأبه حتى قتل بعد سنتين من إمارة عثمان، كما سنورده في موضعه.

ولما بعث الأحنف بكتاب الفتح، وما أفاء الله عليهم من أموال الترك ومن كان معهم، وأنهم قتلوا منهم مع ذلك مقتلة عظيمة، ثم ردهم الله بغيظهم لم

ينالوا خيرا. فقام عمر على المنبر وقرئ الكتاب بين يديه، ثم قال عمر: إن الله بعث محمدا بالهدى، ووعد على اتباعه من عاجل الثواب وآجله خير الدنيا والآخرة، فقال: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} [التوبة: 33] . فالحمد لله الذي أنجز وعده، ونصر جنده، ألا وإن الله قد أهلك ملك المجوسية وفرق شملهم، فليسوا يملكون من بلادهم شبرا يضر بمسلم، ألا وإن الله قد أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم؛ لينظر كيف تعملون، فقوموا في أمره على وجل، يوف لكم بعهده، ويؤتكم وعده، ولا تغيروا فيستبدل قوما غيركم، فإني لا أخاف على هذه الأمة أن تؤتى إلا من قبلكم.

وقال شيخنا أبو عبد الله الذهبي الحافظ في تاريخ هذه السنة - أعني سنة ثنتين وعشرين -: وفيها فتحت أذربيجان على يدي المغيرة بن شعبة. قاله ابن إسحاق. فيقال: إنه صالحهم على ثمانمائة ألف درهم. وقال أبو عبيدة: فتحها حبيب بن مسلمة الفهري بأهل الشام عنوة، ومعه أهل الكوفة؛ فيهم حذيفة فافتتحها بعد قتال شديد. والله أعلم.

وفيها افتتح حذيفة الدينور عنوة، بعد ما كان سعد افتتحها فانتقضوا عهدهم.

وفيها افتتح حذيفة ماسبذان عنوة - وكانوا نقضوا أيضا عهد سعد -

وكان مع حذيفة أهل البصرة فلحقهم أهل الكوفة فاختصموا في الغنيمة، فكتب عمر: إن الغنيمة لمن شهد الوقعة. قال أبو عبيدة: ثم غزا حذيفة همذان فافتتحها عنوة، ولم تكن فتحت قبل ذلك، وإليها انتهى فتوح حذيفة. قال: ويقال: افتتحها جرير بن عبد الله بأمر المغيرة. ويقال: افتتحها المغيرة سنة أربع وعشرين. وفيها افتتحت جرجان.

قال خليفة: وفيها افتتح عمرو بن العاص أطرابلس المغرب. ويقال: في السنة التي بعدها. قلت: وفي هذا كله غرابة بالنسبة إلى ما سلف. والله أعلم.

قال شيخنا وفيها توفي أبي بن كعب في قول الواقدي، وابن نمير، والذهلي، والترمذي. وقد تقدم في سنة تسع عشرة.

معضد بن يزيد الشيباني، استشهد بأذربيجان ولا صحبة له.

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com