Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya
[ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة]
Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 816 of 840
** [الأحداث التي وقعت فيها] **
استهلت هذه السنة وسلطان الديار المصرية، والبلاد الشامية، والحرمين الشريفين، وما يتبع ذلك - الملك الصالح صلاح الدين صالح ابن السلطان الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاوون، والخليفة الذي يدعى له المعتضد بأمر الله، ونائب الديار المصرية الأمير سيف الدين قبلاي، وقضاة مصر هم المذكورون في التي قبلها، والوزير القاضي ابن زنبور، وأولو الأمر الذين يدبرون المملكة فلا تصدر الأمور إلا عن آرائهم لصغر السلطان المذكور - جماعة من أعيانهم ثلاثة; سيف الدين شيخون، وطاز، وصرغتمش، ونائب دمشق الأمير سيف الدين أرغون الكاملي، وقضاتها هم المذكورون في التي قبلها، ونائب البلاد الحلبية الأمير سيف الدين بيبغا آروس، ونائب طرابلس الأمير سيف الدين بكلمش، ونائب حماة الأمير شهاب الدين أحمد بن مشد الشربخانة.
ووصل بعض الحجاج إلى دمشق في تاسع الشهر - وهذا نادر - وأخبر بموت المؤذن شمس الدين بن سعيد بعد منزلة العلا في المطالع.
وفي ليلة الاثنين سادس عشر صفر في هذه السنة وقع حريق عظيم عند باب جيرون شرقيه، فأحرق دكان الفقاعي الكبيرة المزخرفة وما حولها، واتسع اتساعا فظيعا، واتصل الحريق بالباب الأصفر من النحاس، فبادر ديوان الجامع إليه، فكشطوا ما عليه من النحاس، ونقلوه من يومه إلى خزانة الحاصل بمقصورته الحلبية بجوار مشهد علي، ثم غدوا عليه يكسرون خشبه بالفئوس الحداد، والسواعد الشداد، وإذا هو من خشب الصنوبر الذي في غاية ما يكون من القوة والثبات، وتأسف الناس عليه; لكونه كان من محاسن البلد ومعالمه، وله في الوجود ما ينيف عن أربعة آلاف سنة.
** [ترجمة باب جيرون المشهور بدمشق] **
** [هلاك باب شرقي جامع دمشق] **
ترجمة باب جيرون المشهور بدمشق
الذي كان هلاكه وذهابه وكسره في هذه السنة، وهو باب شرقي جامع دمشق، لم ير باب أوسع ولا أعلى منه فيما يعرف من الأبنية في الدنيا، وله غلقان من نحاس أصفر بمسامير من نحاس أصفر أيضا بارزة، من عجائب الدنيا ومحاسن دمشق ومعالمها، وقد تم بناؤها، وقد ذكرته العرب في أشعارها والناس، وهو منسوب إلى ملك يقال له: جيرون بن سعد بن عاد بن عوص
بن إرم بن سام بن نوح، وهو الذي بناه، وكان بناؤه له قبل الخليل عليه السلام، بل قبل ثمود وهود أيضا، على ما ذكره الحافظ ابن عساكر في " تاريخه " وغيره، وكان فوقه حصن عظيم، وقصر منيف، ويقال: بل هو منسوب إلى اسم المارد الذي بناه لسليمان عليه السلام، وكان اسم ذلك المارد جيرون. والأول أظهر وأشهر، فعلى الأول يكون لهذا الباب من المدد المتطاولة ما يقارب خمسة آلاف سنة، ثم كان انجعاف هذا الباب لا من تلقاء نفسه، بل بالأيدي العادية عليه; بسبب ما ناله من شوظ حريق اتصل إليه من حريق وقع إلى جانبه في صبيحة ليلة الاثنين السادس عشر من صفر، سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، فتبادر ديوان الجامع ففرقوا شمله، وقضموا ثمله، وعروا جلده النحاس عن بدنه الذي هو من خشب الصنوبر الذي كأن الصانع قد فرغ منه يومئذ، وقد شاهدت الفئوس تعمل فيه ولا تكاد تحيل فيه إلا بمشقة، فسبحان الذي خلق الذين بنوه أولا، ثم قدر أهل هذا الزمان على أن هدموه آخرا بعد هذه المدد المتطاولة، والأمم المتداولة، ولكن: {لكل أجل كتاب} [الرعد: 38]
ولا إله إلا رب العباد.
[بيان تقدم مدة بناء باب دمشق]
** بيان تقدم مدة هذا الباب وزيادتها على مدة أربعة آلاف سنة بل يقارب الخمسة **
ذكر الحافظ ابن عساكر في أول " تاريخه " باب بناء دمشق بسنده عن القاضي يحيى بن حمزة البتلهي الحاكم بها في الزمن المتقدم - وقد كان هذا القاضي من تلاميذ أبي عمرو الأوزاعي - قال: لما فتح عبد الله بن علي دمشق بعد حصارها - يعني: وانتزعها من أيدي بني أمية، وسلبهم ملكهم - هدموا سور دمشق، فوجدوا حجرا مكتوبا عليه باليونانية، فجاءوا براهب فقرأه لهم، فإذا هو مكتوب عليه: ويك إرم الجبابر، من رامك بسوء قصمه الله، إذا وهى منك جيرون الغربي من باب البريد، ويلك من خمسة أعين، نقض سورك على يديه بعد أربعة آلاف سنة تعيشين رغدا، فإذا وهى منك جيرون الشرقي أديل لك ممن يعرض لك. قال: فوجدنا الخمسة أعين: عبد الله بن
علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، عين بن عين بن عين بن عين بن عين. فهذا يقتضي أنه كان بسورها سنينا إلى حين إخرابه على يد عبد الله بن علي أربعة آلاف سنة، وقد كان إخرابه له في سنة ثنتين وثلاثين ومائة، كما ذكرنا في " التاريخ الكبير " فعلى هذا يكون لهذا الباب إلى يوم خرب من هذه السنة - أعني: سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة - أربعة آلاف وستمائة وإحدى وعشرين سنة. والله أعلم.
وقد ذكر ابن عساكر عن بعضهم أن نوحا - عليه السلام - هو الذي أسس دمشق بعد حران، وذلك بعد مضي الطوفان. وقيل: بناها دمسقس غلام ذي القرنين عن إشارته. وقيل: العازر الملقب بدمشق، وهو غلام الخليل.
وقيل غير ذلك من الأقوال، وأظهرها أنها من بناء اليونان; لأن محاريب معابدها كانت موجهة إلى القطب الشمالي، ثم كان بعدهم النصارى فصلوا فيها إلى الشرق، ثم كان فيها بعدهم أجمعين أمة المسلمين فصلوا إلى الكعبة المشرفة.
وذكر ابن عساكر وغيره أن أبوابها كانت سبعة، كل منها يتخذ عنده عيد لهيكل من الهياكل السبعة، فباب القمر باب السلامة، وكانوا يسمونه باب
الفراديس المسدود، ولعطارد باب الفراديس الكبير، وللزهرة باب توماء، وللشمس الباب الشرقي، وللمريخ باب الجابية، وللمشتري باب الجابية الصغير، ولزحل باب كيسان.
وفي أوائل شهر رجب الفرد اشتهر أن نائب حلب بيبغا آروس اتفق مع نائب طرابلس بكلمش، ونائب حماة أمير أحمد بن مشد الشربخانه على الخروج عن طاعة السلطان حتى يمسك شيخون وطاز، وهما عضدا الدولة بالديار المصرية، وبعثوا إلى نائب دمشق وهو الأمير سيف الدين أرغون الكاملي، فأبى عليهم ذلك، وكاتب إلى الديار المصرية بما وقع من الأمر، وانزعج الناس لذلك، وخافوا من غائلة هذا الأمر، وبالله المستعان. ولما كان يوم الاثنين ثامن الشهر جمع نائب السلطنة الأمراء عنده بالقصر الأبلق، واستحلفهم بيعة أخرى لنائب السلطنة الملك الصالح، فحلفوا واتفقوا على السمع والطاعة والاستمرار على ذلك. وفي ليلة الأربعاء سابع عشر رجب جاءت الجبلية الذين جمعوهم من البقاع لأجل حفظ ثنية العقاب من قدوم العساكر الحلبية، ومن معهم من أهل طرابلس وحماة، وكان هؤلاء الجبلية قريبا من أربعة آلاف، فحصل بسببهم ضرر كثير على أهل برزة وما جاورهم من الثمار وغيرها.
وفي بكرة يوم السبت العشرين منه ركب نائب السلطنة سيف الدين أرغون، ومعه الجيوش الدمشقية قاصدين ناحية الكسوة لئلا يقاتلوا المسلمين، ولم
يبق في البلد من الجند أحد، وأصبح الناس وليس لهم نائب ولا عسكر، وخلت الديار منهم، ونائب الغيبة الأمير سيف الدين ألجيبغا العادلي، وانتقل الناس من البساتين ومن أطراف العقيبة وغيرها إلى المدينة، وأكثر الأمراء نقلت حواصلهم وأهاليهم إلى القلعة المنصورة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولما اقترب دخول الأمير بيبغا بمن معه انزعج الناس، وانتقل أهل القرى الذين في طريقه، وسرى ذلك إلى أطراف الصالحية والبساتين وحواضر البلد، وغلقت أبواب البلد إلى ما يلي القلعة; كباب النصر، وباب الفرج، وكذا باب الفراديس، وخلت أكثر المحال من أهاليهم، ونقلوا حوائجهم، وحواصلهم، وأنعامهم إلى البلد على الدواب والحمالين، وبلغهم أن أطراف الجيش انتهبوا ما في القرايا في طريقهم من الشعير والتبن وبعض الأنعام للأكل، وربما وقع فساد غير هذا من بعض الجهلة، فخاف الناس كثيرا، وتشوشت خواطرهم.
** [دخول بيبغا آروس إلى دمشق] **
ولما كان يوم الأربعاء الرابع والعشرين من رجب دخل الأمير سيف الدين بيبغا آروس - نائب حلب - إلى دمشق المحروسة بمن معه من العساكر الحلبية، وغيرهم، وفي صحبته نائب طرابلس الأمير سيف الدين بكلمش، ونائب حماة الأمير شهاب الدين أحمد، ونائب صفد الأمير علاء الدين طيبغا - يلقب
برناق - وكان قد توجه قبله قيل: بيوم. ومعه نواب قلاع كثيرة من بلاد حلب وغيرها، في عدد كثير من الأتراك والتركمان، فوقف في سوق الخيل مكان نواب السلطان تحت القلعة، واستعرض الجيوش الذين وفدوا معه هناك، فدخلوا في تجمل كثير ملبسين، وكان عدة من كان معه من أمراء الطبلخاناه قريبا من ستين أميرا، يزيدون أو ينقصون، على ما استفاض عن غير واحد ممن شاهد ذلك، ثم سار قريبا من الزوال إلى المخيم الذي ضرب له قبل مسجد القدم عند قبة بيبغا عند الجدول الذي هناك، وكان يوما مشهودا هائلا; لما عاين الناس من كثرة الجيوش والعدد، وعذر كثير من الناس صاحب دمشق في ذهابه بمن معه لئلا يقاتل هؤلاء، فنسأل الله أن يجمع قلوبهم على ما فيه صلاح المسلمين. وقد أرسل إلى نائب القلعة، وهو الأمير سيف الدين أياجي - يطلب منه حواصل أرغون التي عنده، فامتنع عليه أيضا، وقد حصن القلعة، وسترها، وأرصد فيها الرجال، والرماة، والعدد، وهيأ بعض المجانيق ليبعد بها فوق الأبرجة، وأمر أهل البلد أن لا يفتحوا الدكاكين، ويغلقوا الأسواق، وجعل
يغلق أبواب البلد إلا بابا أو بابين منها، واشتد حنق العسكر عليه، وهموا بأشياء كثيرة من الشر، ثم يرعوون عن الناس، والله المسلم، غير أن أقيال العسكر وأطرافه قد عاثوا فيما جاوروه من القرايا، والبساتين، والكروم، والزروع، فيأخذون ما يأكلون وتأكل دوابهم، وأكثر من ذلك، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ونهبت قرايا كثيرة، وفجروا بنساء وبنات، وعظم الخطب، وأما التجار ومن يذكر بكثرة مال فأكثرهم مختف لا يظهر لما يخشى من المصادرة، نسأل الله أن يحسن عاقبتهم.
واستهل شهر شعبان، وأهل البلد في خوف شديد، وأهل القرايا والحواضر في نقلة أثاثهم، وأبقارهم، ودوابهم، وأبنائهم، ونسائهم، وأكثر أبواب البلد مغلقة سوى بابي الفراديس، والجابية، وفي كل يوم نسمع بأمور كثيرة من النهب للقرايا، والحواضر، حتى انتقل كثير من أهل الصالحية أو أكثرهم، وكذلك من أهل العقيبة، وسائر حواضر البلد، فنزلوا عند معارفهم وأصحابهم، ومنهم من نزل على قارعة الطريق بنسائهم وأولادهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وقال كثير من المشايخ الذين أدركوا زمن قازان: إن هذا الوقت كان أصعب من ذلك; لما ترك الناس من ورائهم من الغلات، والثمار التي هي عمدة قوتهم في سنتهم، وأما أهل البلد ففي قلق شديد أيضا لما يبلغهم
في كل وقت من الأراجيف أنهم على عزم نهب البلد، فجعل كثير من الناس يودعون عزيز ما يملكون عند من يأمنون، واشتد الحال جدا، وخاف كثير من الناس أو أكثرهم من العار; لما يبلغهم عنهم من الفجور بالنساء، وجعلوا يدعون عقيب الصلوات عليهم، يصرحون بأسمائهم، ويعقبون بأسماء أمرائهم وأتباعهم، ونائب القلعة الأمير سيف الدين أياجي الناصري في كل وقت يسكن جأش الناس، ويقوي عزمهم، ويبشرهم بخروج العساكر المنصورة من الديار المصرية صحبة السلطان إلى بلاد غزة حيث الجيش الدمشقي، ليجيئوا كلهم في خدمته وبين يديه، وتدق البشائر فيفرح الناس، ثم تسكن الأخبار، وتبطل الروايات فتقلق، ويخرجون في كل يوم وساعة في تجمل عظيم، ووعد، وهيئات حسنة، ثم جاء السلطان - أيده الله تعالى - وقد ترجل الأمراء بين يديه من حين بسط له عند مسجد الذبان إلى داخل القلعة المنصورة، وهو لابس قباء أحمر له قيمته، على فرس أصيلة مؤدبة معلمة المشي على القوس لا تحيد عنه، وهو حسن الصورة، مقبول الطلعة، عليه بهاء المملكة والرياسة، والخز فوق رأسه يحمله بعض الأمراء الأكابر، وكلما عاينه من عاينه من الناس يبتلهون بالدعاء بأصوات عالية، والنساء بالزغرطة، وفرح الناس فرحا
شديدا، وكان يوما مشهودا، وأمرا حميدا، جعله الله مباركا على المسلمين، فنزل بالقلعة المنصورة، وقد قدم معه الخليفة المعتضد أبو الفتح بن أبي بكر بن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد، وكان راكبا إلى جانبه من ناحية اليسار، ونزل بالمدرسة الدماغية في أواخر هذا اليوم سائر الأمراء مع نائب الشام، ومقدمهم طاز، وشيخون - في طلب بيبغا، ومن معه من البغاة المفسدين.
وفي يوم الجمعة ثانيه حضر السلطان - أيده الله - إلى الجامع الأموي، وصلى فيه الجمعة بالمشهد الذي يصلي فيه نواب السلطان - أيده الله - فكثر الدعاء والمحبة له ذاهبا وآيبا - تقبل الله منه - وكذلك فعل في الجمعة الأخرى، وهي تاسع الشهر.
وفي يوم السبت عاشره اجتمعنا - يقول الشيخ عماد الدين بن كثير المصنف، رحمه الله - بالخليفة المعتضد بالله أبي الفتح أبي بكر بن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد، وسلمنا عليه، وهو نازل بالمدرسة الدماغية داخل باب الفرج، وقرأت عنده جزءا فيه ما رواه أحمد بن حنبل، عن محمد بن إدريس الشافعي في " مسنده "، وذلك عن الشيخ عز الدين بن الضياء الحموي بسماعه من ابن البخاري وزينب بنت مكي، عن
أحمد بن الحصين، عن ابن المذهب، عن أبي بكر بن مالك، عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه - فذكرهما، والمقصود أنه شاب حسن الشكل، مليح الكلام، متواضع، جيد الفهم، حلو العبارة، رحم الله سلفه.
وفي رابع عشره قدم البريد من بلاد حلب بسيوف الأمراء الممسوكين من أصحاب بيبغا. وفي يوم الخميس خامس عشره وقت العصر نزل السلطان الملك الصالح من الطارمة إلى القصر الأبلق في أبهة المملكة، ولم يحضر يوم الجمعة إلى الصلاة، بل اقتصر على الصلاة بالقصر المذكور.
وفي يوم الجمعة باكر النهار دخل الأمير سيف الدين شيخون، وطاز بمن معهما من العساكر من بلاد حلب، وقد فات تدارك بيبغا وأصحابه; لدخولهم بلاد ابن دلغادر التركماني بمن بقي معهم، وهم القليل، وقد أسر جماعة من الأمراء الذين كانوا معه، وهم في القيود والسلاسل صحبة الأميرين المذكورين، فدخلا على السلطان - وهو بالقصر الأبلق - فسلما عليه، وقبلا الأرض، وهنآه بالعيد، ونزل طاز بدار أيتمش بالشرق الشمالي، ونزل شيخون بدار إياس الحاجب بالقرب من الظاهرية البرانية، ونزل بقية الجيش في أرجاء البلد، وأما الأمير سيف الدين أرغون فأقام بحلب نائبا بها عن سؤاله إلى ما ذكر، وخوطب في تقليده بألقاب هائلة، ولبس خلعة سنية، وعظم تعظيما زائدا; ليكون هناك ألبا على بيبغا وأصحابه لشدة ما بينهما
من العداوة، ثم صلى السلطان بمن معه من المصريين، ومن انضاف إليهم من الشاميين صلاة عيد الفطر بالميدان الأخضر، وخطب بهم القاضي تاج الدين المناوي المصري - قاضي العسكر المصري - بمرسوم السلطان وذويه، وخلع عليه.
** [قتل الأمراء السبعة من أصحاب بيبغا] **
وفي يوم الاثنين ثالث شوال قبل العصر ركب السلطان من القصر إلى الطارمة وعلى رأسه القبة والجتر، يحملهما الأمير بدر الدين بن الخطير، فجلس في الطارمة، ووقف الجيش بين يديه تحت القلعة، وأحضروا الأمراء الذين قدموا بهم من بلاد حلب، فجعلوا يوقفون الأمير منهم، ثم يشاورون عليه، فمنهم من يشفع فيه، ومنهم من يؤمر بتوسيطه، فوسط سبعة: خمس طبلخاناه ومقدما ألف، منهم نائب صفد برناق، وشفع في الباقين، فردوا إلى السجن، وكانوا خمسة آخور. وفي يوم الأربعاء خامسه مسك جماعة من أمراء دمشق ; سبعة، وتحولت دول كثيرة، وتأمر جماعة من الأجناد وغيرهم.
** [خروج السلطان من دمشق متوجها إلى بلاد مصر] **
وفي يوم الجمعة سابع شوال ركب السلطان في جيشه من القصر الأبلق قاصدا لصلاة الجمعة بالجامع الأموي، فلما انتهى إلى باب النصر ترجل الجيش بكماله بين يديه مشاة، وذلك في يوم شات كثير الوحل، فصلى بالمقصورة إلى جانب المصحف العثماني، وليس معه في الصف الأول أحد، بل بقية الأمراء خلفه صفوف، فسمع خطبة الخطيب، ولما فرغ من الصلاة قرئ كتاب بإطلاق أعشار الأوقاف، وخرج السلطان بمن معه من باب النصر، فركب الجيش، واستقل ذاهبا نحو الكسوة بمن معه من العساكر المنصورة، مصحوبين بالسلامة والعافية المستمرة، وخرج السلطان وليس بدمشق نائب سلطنة، وبها الأمير بدر الدين بن الخطير هو الذي يتكلم في الأمور نائب غيبة، حتى يقدم إليها نائبها ويتعين لها، وجاءت الأخبار بوصول السلطان إلى الديار المصرية سالما، ودخلها في أبهة عظيمة في أوائل شهر ذي القعدة، وكان يوما مشهودا، وخلع على الأمراء كلهم، ولبس خلعة نيابة الشام الأمير علاء الدين المارداني، ومسك الأمير علم الدين بن زنبور، وتولية الوزارة الصاحب موفق الدين.
وفي صبيحة يوم السبت خامس ذي الحجة دخل الأمير علاء الدين على الجمدار من الديار المصرية إلى دمشق المحروسة في أبهة هائلة، وموكب حافل مستوليا نيابة بها، وبين يديه الأمراء على العادة، فوقف عند تربة بهادرآص حتى استعرض عليه الجيش، فلحقهم، فدخل دار السعادة فنزلها على عادة النواب قبله،
جعله الله وجها مباركا على المسلمين.
وفي يوم السبت ثالث عشره قدم دوادار السلطان الأمير عز الدين طقطاي من الديار المصرية فنزل القصر الأبلق، ومن عزمه الذهاب إلى البلاد الحلبية ليجهز الجيوش نحو بيبغا وأصحابه.