John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[ثم دخلت سنة سبع وستين وسبعمائة]

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 830 of 840

** [الأحداث التي وقعت فيها] **

استهلت وسلطان البلاد المصرية، والشامية، والحرمين الشريفين، وما يتبع ذلك من الأقاليم الملك الأشرف بن الحسين ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون، وعمره عشر سنين فما فوقها، وأتابك العساكر ومدبر ممالكه الأمير سيف الدين يلبغا الخاصكي، وقاضي قضاة الشافعية بمصر بهاء الدين أبو البقاء السبكي، وبقية القضاة هم المذكورون في السنة التي قبلها، ونائب دمشق الأمير سيف الدين منكلي بغا، وقضاة دمشق هم المذكورون في التي قبلها سوى الحنفي، فإنه الشيخ جمال الدين بن السراج شيخ الحنفية، والخطابة بيد قاضي القضاة تاج الدين الشافعي، وكاتب السر وشيخ الشيوخ القاضي فتح الدين بن الشهيد، ووكيل بيت المال الشيخ جمال الدين بن الرهاوي. ودخل المحمل السلطاني يوم الجمعة بعد العصر قريب الغروب، ولم يشعر بذلك أكثر أهل البلد، وذلك لغيبة النائب في الرحبة مما يلي ناحية الفرات; ليكون كالرد للتجريدة التي تعينت لتخريب الكنيسات التي هي إقطاع حيار بن مهنا من أرض السلطان أويس ملك العراق.

** [استيلاء الفرنج لعنهم الله على الإسكندرية] **

وفي العشر الأخير من شهر الله المحرم احتيط على الفرنج بمدينة دمشق، وأودعوا في الحبوس في القلعة المنصورة، واشتهر أن سبب ذلك أن مدينة الإسكندرية محاصرة بعدة شوان، وذكر أن صاحب قبرس معهم، وأن الجيش المصري صمدوا إلى حراسة مدينة الإسكندرية، حرسها الله تعالى وصانها وحماها، وسيأتي تفصيل أمرها في الشهر الآتي، فإنه وضح لنا فيه، ومكث القوم بعد الإسكندرية بأيام فيما بلغنا، بعد ذلك حاصرها أمير من التتار يقال له: ماميه، واستعان بطائفة من الفرنج ففتحوها قسرا، وقتلوا من أهلها خلقا، وغنموا شيئا كثيرا، واستقرت عليها يد ماميه ملكا عليها.

وفي يوم الجمعة سلخ هذا الشهر توفي الشيخ برهان الدين إبراهيم ابن الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية ببستانه بالمزة، ونقل إلى عند والده بمقابر باب الصغير، فصلي عليه بعد صلاة العصر بجامع جراح، وحضر جنازته القضاة، والأعيان، وخلق من التجار والعامة، وكانت جنازته حافلة، وقد بلغ من العمر ثمان وأربعين سنة، وكان بارعا فاضلا في النحو، والفقه، وفنون أخر على

طريقة والده، رحمهما الله تعالى، وكان مدرسا بالصدرية، والتدمرية، وله تصدير بالجامع، وخطابة بجامع ابن خليخان، وترك مالا جزيلا يقارب المائة ألف درهم.

ثم دخل شهر صفر وأوله الجمعة، أخبرني بعض علماء السير أنه اجتمع في هذا اليوم - مستهل هذا الشهر - الكواكب السبعة سوى المريخ في برج العقرب، ولم يتفق مثل هذا من سنين متطاولة، فأما المريخ فإنه كان قد سبق إلى برج القوس.

فيه ووردت الأخبار بما وقع من الأمر الفظيع بمدينة الإسكندرية من الفرنج، لعنهم الله، وذلك أنهم، وصلوا إليها في يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شهر الله المحرم، فلم يجدوا بها نائبا، ولا جيشا، ولا حافظا للبحر، ولا ناصرا، فدخلوها يوم الجمعة بكرة النهار بعد ما حرقوا أبوابا كبيرة منها، وعاثوا في أهلها فسادا; يقتلون الرجال، ويأخذون الأموال، ويأسرون النساء والأطفال، فالحكم لله العلي الكبير المتعال، وأقاموا بها يوم الجمعة، والسبت، والأحد، والاثنين، والثلاثاء، فلما كان صبيحة يوم الأربعاء قدم الشاليش المصري، فأقلعت الفرنج - لعنهم الله - عنها وقد أسروا خلقا كثيرا يقاربون الأربعة آلاف، وأخذوا من الأموال ذهبا، وحريرا، وبهارا، وغير ذلك ما لا يحد ولا يوصف، وقدم السلطان والأمير الكبير يلبغا ظهر يومئذ، وقد تفارط الحال، وتحولت الغنائم كلها إلى الشواني بالبحر، فسمع للأسارى من العويل والبكاء والشكوى والجأر إلى الله والاستغاثة به وبالمسلمين - ما قطع الأكباد، وذرفت له العيون،

وأصم الأسماع، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولما بلغت الأخبار إلى أهل دمشق شق عليهم ذلك جدا، وذكر ذلك الخطيب يوم الجمعة على المنبر، فتباكى الناس كثيرا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وجاء المرسوم الشريف من الديار المصرية إلى نائب السلطنة بمسك النصارى من الشام جملة واحدة، وأن يأخذ منهم ربع أموالهم لعمارة ما خرب من الإسكندرية، ولعمارة مراكب تغزو الفرنج، فأهانوا النصارى، وطلبوا من بيوتهم بعنف، وخافوا أن يقتلوا، ولم يفهموا ما يراد بهم، فهربوا كل مهرب، ولم تكن هذه الحركة شرعية، ولا يجوز اعتمادها شرعا، وقد طلبت يوم السبت السادس عشر من صفر إلى الميدان الأخضر للاجتماع بنائب السلطنة، وكان اجتماعنا بعد العصر يومئذ بعد الفراغ من لعب الكرة، فرأيت منه أنسا كثيرا، ورأيته كامل الرأي والفهم، حسن العبارة، كريم المجالسة، فذكرت له أن هذا لا يجوز اعتماده في النصارى، فقال: إن بعض فقهاء مصر أفتى للأمير الكبير بذلك، فقلت له: هذا مما لا يسوغ شرعا، ولا يجوز لأحد أن يفتي بهذا، ومتى كانوا باقين على الذمة، يؤدون إلينا الجزية، ملتزمين بالذلة والصغار، وأحكام الملة قائمة - لا يجوز أن يؤخذ منهم الدرهم الواحد الفرد فوق ما يبذلونه من الجزية، ومثل هذا لا يخفى على الأمير، فقال: كيف أصنع وقد ورد المرسوم بذلك، ولا يمكنني أن أخالفه؟ وذكرت له أشياء كثيرة مما ينبغي اعتماده في حق أهل قبرس من الإرهاب، ووعيد العقاب، وأنه يجوز ذلك، وإن لم يفعل ما يتوعدهم به، كما قال سليمان بن داود عليهما السلام: «ائتوني بالسكين أشقه نصفين» كما هو الحديث مبسوط في " الصحيحين "، فجعل

يعجبه هذا جدا، وذكر أن هذا كان في قلبه، وأني كاشفته بهذا، وأنه كتب به مطالعة إلى الديار المصرية، وسيأتي جوابها بعد عشرة أيام، فتجيء حتى تقف على الجواب، وظهر منه إحسان، وقبول وإكرام زائد، رحمه الله. ثم اجتمعت به في دار السعادة في أوائل شهر ربيع الأول، فبشرني أنه قد رسم بعمل الشواني والمراكب لغزو الفرنج، ولله الحمد والمنة. ثم في صبيحة يوم الأحد طلب النصارى الذين اجتمعوا في كنيستهم إلى بين يديه، وهم قريب من أربعمائة، فحلفهم: كم أموالهم؟ وألزمهم بأداء الربع من أموالهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقد أمروا إلى الولاة بإحضار من في معاملتهم، ووالي البر قد خرج إلى القرايا بسبب ذلك، وجردت أمراء إلى النواحي لاستخلاص الأموال من النصارى في القدس وغير ذلك.

وفي أول شهر ربيع الأول كان سفر قاضي القضاة تاج الدين السبكي الشافعي إلى القاهرة. وفي يوم الأربعاء خامس ربيع الأول اجتمعت بنائب السلطنة بدار السعادة، وسألته عن جواب المطالعة، فذكر لي أنه جاء المرسوم الشريف السلطاني بعمل الشواني والمراكب; لغزو قبرس، وقتال الفرنج، ولله الحمد والمنة، وأمر نائب السلطنة بتجهيز القطاعين، والنشارين من دمشق إلى الغابة التي بالقرب من بيروت، وأن يشرع في عمل الشواني. وفي آخر يوم من هذا الشهر - وهو يوم الجمعة - فتحت دار القرآن التي وقفها الشريف التفتازاني إلى جانب حمام الكاس شمالي المدرسة البادرائية، وعمل فيها

وظيفة حديث، وحضر عند واقفها يومية قاضي القضاة تاج الدين السبكي.

** [عقد مجلس بسبب قاضي القضاة تاج الدين السبكي] **

[عقد مجلس حافل بدار السعادة بسبب ما رمي به قاضي القضاة]

عقد مجلس بسبب قاضي القضاة تاج الدين السبكي

ولما كان يوم الاثنين الرابع والعشرين من ربيع الأول عقد مجلس حافل بدار السعادة ; بسبب ما رمي به قاضي القضاة تاج الدين الشافعي ابن قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وكنت ممن طلب إليه، فحضرته فيمن حضر، وقد اجتمع فيه القضاة الثلاثة، وخلق من المذاهب الأربعة، وآخرون من غيرهم - بحضرة نائب الشام سيف الدين منكلي بغا، وكان قد سافر هو إلى الديار المصرية إلى الأبواب الشريفة، واستنجز كتابا إلى نائب السلطنة لجمع هذا المجلس ليسأل عنه الناس، وكان قد كتب فيه محضران متعاكسان; أحدهما له والآخر عليه، وفي الذي عليه خط القاضيين المالكي والحنبلي، وجماعة آخرين، وفيه عظائم، وأشياء منكرة جدا ينبو السمع عن استماعه، وفي الآخر خطوط جماعات من المذاهب بالثناء عليه، وفيه خطي بأني ما رأيت عليه إلا خيرا. ولما اجتمعوا أمر نائب السلطنة بأن يمتاز هؤلاء عن هؤلاء في المجالس، فصارت كل طائفة وحدها، وتحاوروا فيما بينهم، وناضل عنه نائبه

القاضي شمس الدين الغزي، والنائب الآخر بدر الدين بن وهيبة، وغيرهما، وصرح قاضي القضاة جمال الدين الحنبلي بأنه قد ثبت عنده ما كتب به خطه فيه، وأجابه بعض الحاضرين منهم بدائم النفوذ، فبادر القاضي الغزي، فقال للحنبلي: أنت قد ثبتت عداوتك لقاضي القضاة تاج الدين.

فكثر القول، وارتفعت الأصوات، وكثر الجدال والمقال، وتكلم قاضي القضاة جمال الدين المالكي أيضا بنحو ما قال الحنبلي، فأجيب بمثل ذلك أيضا، وطال المجلس، فانفصلوا على مثل ذلك، ولما بلغت الباب أمر نائب السلطنة برجوعي إليه، فإذا بقية الناس من الطرفين، والقضاة الثلاثة جلوس، فأشار نائب السلطنة بالصلح بينهم وبين قاضي القضاة تاج الدين - يعني: وأن يرجع القاضيان عما قالا - فأشار الشيخ شرف الدين ابن قاضي الجبل وأشرت أنا أيضا بذلك، فلان المالكي وامتنع الحنبلي، فقمنا والأمر باق على ما تقدم. ثم اجتمعنا يوم الجمعة بعد العصر عند نائب السلطنة عن طلبه، فتراضوا كيف يكون جواب الكتابات مع مطالعة نائب السلطنة، ففعل ذلك، وسار البريد بذلك إلى الديار المصرية، ثم اجتمعنا أيضا يوم الجمعة بعد الصلاة التاسع عشر من ربيع الآخر بدار السعادة، وحضر القضاة الثلاثة وجماعة آخرون، واجتهد نائب السلطنة في الصلح بين القضاة وقاضي الشافعية وهو بمصر، فحصل خلف وكلام طويل، ثم كان الأمر أن سكنت أنفس جماعة منهم إلى ذلك، على ما سنذكره في الشهر الآتي.

وفي مستهل ربيع الآخر كانت وفاة المعلم داود الذي كان مباشرا لنظارة

الجيش، وأضيف إليه نظر الدواوين إلى آخر وقت فاجتمع له هاتان الوظيفتان، ولم يجتمعا لأحد قبله كما في علمي، وكان من أخبر الناس بنظر الجيش، وأعلمهم بأسماء رجاله ومواضع الإقطاعات، وقد كان والده نائبا لنظار الجيوش، وكان يهوديا قرائيا، فأسلم ولده هذا قبل وفاة نفسه بسنوات عشر أو نحوها، وقد كان ظاهره جيدا، والله أعلم بسره وسريرته، وقد تمرض قبل وفاته بشهر أو نحوه، حتى كانت وفاته في هذا اليوم، فصلي عليه بالجامع الأموي تجاه النسر بعد العصر، ثم حمل إلى تربة له أعدها في بستانه بجوبر، وله من العمر قريب الخمسين.

وفي أوائل هذا الشهر ورد المرسوم الشريف السلطاني بالرد على نساء النصارى ما كان أخذ منهن مع الجباية التي كان تقدم أخذها منهن، وإن كان الجميع ظلما، ولكن الأخذ من النساء أفحش وأبلغ في الظلم، والله أعلم، وفي يوم الاثنين الخامس عشر منه أمر نائب السلطنة - أعزه الله - بكبس بساتين أهل الذمة، فوجد فيها من الخمر المعتصر من الخوابي والحباب، فأريقت عن آخرها - ولله الحمد والمنة - بحيث جرت في الأزقة والطرقات، وفاض نهر ثورا من ذلك، وأمر بمصادرة أهل الذمة الذين وجد عندهم ذلك بمال جزيل وهم تحت الجباية، وبعد أيام نودي في البلد بأن نساء

أهل الذمة لا تدخل الحمامات مع المسلمات، بل تدخل حمامات تختص بهن، ومن دخل من أهل الذمة الرجال مع الرجال المسلمين يكون في رقاب الكفار علامات يعرفون بها من أجراس، وخواتيم، ونحو ذلك، وأمر نساء أهل الذمة بأن تلبس المرأة خفيها مخالفين في اللون بأن يكون أحدهما أبيض، والآخر أصفر أو نحو ذلك.

ولما كان يوم الجمعة التاسع عشر من الشهر - أعني: ربيعا الآخر - طلب القضاة الثلاثة وجماعة من المفتين; فمن ناحية الشافعي نائباه، وهما القاضي شمس الدين الغزي، والقاضي بدر الدين بن وهيبة، والشيخ جمال الدين ابن قاضي الزبداني، والمصنف الشيخ عماد الدين بن كثير، والشيخ بدر الدين حسن الزرعي، والشيخ تقي الدين الفارقي، ومن الجانب الآخر قاضيا القضاة جمال الدين المالكي والحنبلي، والشيخ شرف الدين ابن قاضي الجبل الحنبلي، والشيخ جمال الدين بن الشريشي، والشيخ عز الدين بن حمزة ابن شيخ السلامية الحنبلي، وعماد الدين الأخنائي، فاجتمعت مع نائب السلطنة بالقاعة التي في صدر إيوان دار السعادة، وجلس نائب السلطنة في صدر المكان، وجلسنا حوله، فكان أول ما قال: كنا نحن الترك وغيرنا إذا اختلفنا واختصمنا نجيء بالعلماء فيصلحون بيننا، فصرنا نحن إذا اختلفت العلماء واختصموا، فمن يصلح بينهم؟! وشرع في تأنيب من شنع على الشافعي بما تقدم ذكره من تلك الأقوال والأفاعيل التي كتبت في تلك الأوراق وغيرها، وأن هذا يشفي الأعداء بنا، وأشار بالصلح بين القضاة بعضهم من بعض، فصمم بعضهم،

وامتنع من ذلك، وجرت مناقشات من بعض الحاضرين فيما بينهم، ثم حصل بحث في مسائل، ثم قال نائب السلطنة أخيرا: أما سمعتم قول الله تعالى: {عفا الله عما سلف} [المائدة: 95] . فلانت القلوب عند ذلك، وأمر كاتب السر أن يكتب مضمون ذلك في مطالعة إلى الديار المصرية، ثم خرجنا على ذلك.

** [عودة قاضي القضاة تاج الدين السبكي إلى دمشق] **

في يوم الأربعاء التاسع والعشرين من جمادى الأولى قدم من ناحية الكسوة، وقد تلقاه جماعة من الأعيان إلى الصنمين وما فوقها، فلما وصل إلى الكسوة كثر الناس جدا، وقاربها قاضي قضاة الحنفية الشيخ جمال الدين بن السراج، فلما أشرف من عقبة سجورا تلقاه خلائق لا يحصون كثرة، وأشعلت الشموع حتى مع النساء، والناس في سرور عظيم، فلما كان قريبا من الجسورة تلقته السناجق الخليفتية مع الجوامع، والمؤذنون يكبرون، والناس في سرور كثير، ولما قارب باب النصر وقع مطر عظيم، والناس معه لا تسعهم الطرقات، يدعون له، ويفرحون بقدومه، فدخل دار السعادة، وسلم على نائب السلطنة، ثم دخل الجامع بعد العصر، ومعه شموع عظيمة، والرؤساء أكثر من العامة. ولما كان يوم الجمعة ثاني شهر جمادى الآخرة ركب قاضي القضاة السبكي إلى دار السعادة، وقد استدعى نائب السلطنة بالقاضيين; المالكي والحنبلي، فأصلح بينهم، وخرج من عنده ثلاثتهم يتماشون إلى الجامع، فدخلوا دار الخطابة فاجتمعوا هناك، وضيفهما الشافعي،

ثم حضرا خطبته الحافلة البليغة الفصيحة، ثم خرجوا ثلاثتهم من جوا إلى دار المالكي، فاجتمعوا هنالك، وضيفهم المالكي هنالك ما تيسر، والله الموفق للصواب.

وفي أوائل هذا الشهر وردت المراسيم الشريفة السلطانية من الديار المصرية بأن يجعل للأمير من إقطاعه النصف خاصا له، والنصف الآخر يكون لأجناده، فحصل بهذا رفق عظيم بالجند وعدل كثير - ولله الحمد - وأن يتجهز الأجناد ويحرضوا على السبق، والرمي بالنشاب، وأن يكونوا مستعدين، متى استنفروا نفروا، فاستعدوا لذلك، وتأهبوا لقتال الفرنج كما قال الله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} [الأنفال: 60] الآية [الأنفال: 60] . وثبت في الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال على المنبر: «ألا إن القوة الرمي» ، وفي الحديث الآخر: «ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا» .

وفي يوم الاثنين بعد الظهر عقد مجلس بدار السعادة للكشف على قاضي القضاة جمال الدين المرداوي الحنبلي بمقتضى مرسوم شريف ورد من الديار المصرية بذلك; وذلك بسبب ما يعتمده كثير من شهود مجلسه من بيع أوقاف لم يستوف فيها شرائط المذهب، وإثبات إعسارات أيضا كذلك، وغير ذلك.

** [الوقعة بين الأمراء بالديار المصرية] **

وفي العشر الأخير من جمادى الآخرة ورد الخبر بأن الأمير الكبير يلبغا

الخاصكي خرج عليه جماعة من الأمراء مع الأمير سيف الدين طيبغا الطويل، فبرز إليهم إلى قبة النصر، فالتقوا معه هنالك، فقتل جماعة وجرح آخرين، وانفصل الحال على مسك طيبغا الطويل وهو جريح، ومسك أرغون الإسعردي الدوادار، وخلق من أمراء الألوف والطبلخاناه، وجرت خبطة عظيمة استمر فيها الأمير الكبير يلبغا على عزه وتأييده، ونصره، ولله الحمد والمنة.

وفي ثاني رجب يوم السبت توجه الأمير سيف الدين بيدمر الذي كان نائب دمشق إلى الديار المصرية بطلب الأمير يلبغا; ليؤكد أمره في دخول البحر لقتال الفرنج وفتح قبرس، إن شاء الله.

** [ما يتعلق بأمر بغداد] **

مما يتعلق بأمر بغداد

أخبرني الشيخ عبد الرحمن البغدادي أحد رؤساء بغداد، وأصحاب التجارات، والشيخ شهاب الدين العطار السمسار في الشرب - بغدادي أيضا - أن بغداد استعادها أويس ملك العراق وخراسان من يد الطواشي مرجان، واستحضره فأكرمه، وأطلق له، واتفقا أن أصل الفتنة من الأمير أحمد أخي الوزير، فأحضره السلطان إلى بين يديه، وضربه بسكين في كرشه فشقه، وأمر بعض الأمراء فقتله، فانتصر أهل السنة لذلك نصرة عظيمة، وأخذ جثته أهل باب الأزج فأحرقوه، وسكنت الأمور، وتشفوا بمقتل الشيخ جمال الدين الأنباري الذي قتله الوزير الرافضي فأهلكه الله بعده سريعا.

** [وفاة قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن حاتم الشافعي] **

وفي العشر الأول من شهر شعبان قدم كتاب من الديار المصرية بوفاة قاضي القضاة عز الدين ابن قاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة بمكة - شرفها الله - في العاشر من جمادى الآخرة، ودفن في الحادي عشر في باب المعلى، وذكروا أنه توفي وهو يقرأ القرآن، وأخبرني صاحبنا الشيخ محيي الدين الرحبي - حفظه الله تعالى - أنه كان يقول كثيرا: أشتهي أن أموت وأنا معزول، وأن تكون وفاتي بأحد الحرمين. فأعطاه الله ما تمناه; عزل نفسه في السنة الماضية، وهاجر إلى مكة، ثم قدم المدينة لزيارة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم عاد إلى مكة، وكانت وفاته بها في الوقت المذكور، فرحمه الله، وبل بالرحمة ثراه.

وقد كان مولده في سنة أربع وتسعين، فتوفي عن ثلاث وسبعين سنة، وقد نال العز عزا في الدنيا، ورفعة هائلة، ومناصب، وتداريس كبارا، ثم عزل نفسه، وتفرغ للعبادة والمجاورة بالحرمين الشريفين، فيقال له ما قلته في بعض المراثي:

فكأن قد أعلمت بالموت حتى ... قد تزودت من خيار الزاد

وحضر عندي في يوم الثلاثاء تاسع شوال البترك بشارة الملقب بميخائيل النصراني الملكي، وأخبرني أن المطارنة بالشام بايعوه على أن جعلوه بتركا بدمشق عوضا عن البترك بأنطاكية، فذكرت له أن هذا أمر مبتدع في دينهم، فإنه لا تكون البتاركة إلا أربعة; بالإسكندرية، وبالقدس، وبأنطاكية، وبرومية، فنقل بترك رومية إلى إسطنبول وهي القسطنطينية، وقد أنكر عليهم كثير منهم إذ ذاك، فهذا الذي ابتدعوه في هذا الوقت أعظم من ذلك! لكن اعتذر بأنه في الحقيقة هو عن أنطاكية، وإنما أذن له في المقام بالشام الشريف; لأجل أنه أمره نائب السلطنة أن يكتب عنه وعن أهل ملتهم إلى صاحب قبرس، يذكر له ما حل بهم من الخزي، والنكال، والجناية بسبب عدوان صاحب قبرس على مدينة الإسكندرية، وأحضر لي الكتب إليه وإلى ملك إسطنبول، وقرأها علي من لفظه - لعنه الله ولعن المكتوب إليهم أيضا - وقد تكلمت معه في دينهم ونصوص ما يعتقده كل من الطوائف الثلاث; وهم الملكية، واليعقوبية - ومنهم الإفرنج والقبط - والنسطورية، فإذا هو يفهم بعض الشيء، ولكن حاصله أنه حمار من أكفر الكفار، لعنه الله.

وفي هذا الشهر بلغنا استعادة السلطان أويس ابن الشيخ حسن ملك العراق وخراسان لبغداد من يد الطواشي مرجان الذي كان نائبه عليها وامتنع من طاعة أويس، فجاء إليه في جحافل كثيرة، فهرب مرجان، ودخل

أويس إلى بغداد دخولا هائلا، وكان يوما مشهودا.

وفي يوم السبت السابع والعشرين من شعبان قدم الأمير سيف الدين بيدمر من الديار المصرية على البريد أمير مائة مقدم ألف، وعلى نيابة يلبغا في جميع دواوينه بدمشق وغيرها، وعلى إمارة البحر وعمل المراكب، فلما قدم أمر بجمع جميع النشارين، والنجارين، والحدادين، وتجهيزهم لبيروت لقطع الأخشاب، فسيروا يوم الأربعاء ثاني رمضان، وهو عازم على اللحاق بهم إلى هنالك، وبالله المستعان، ثم أتبعوا بآخرين من نجارين، وحدادين، وعتالين، وغير ذلك، وجعلوا كل من وجدوه من ركاب الحمير ينزلونه ويركبوا إلى ناحية البقاع، وسخروا لهم من الصناع وغيرهم، وجرت خطبة عظيمة، وتباكى عوائلهم وأطفالهم، ولم يسلفوا شيئا من أجورهم، وكان من اللائق أن يسلفوه حتى يتركوه إلى أولادهم.

وخطب برهان الدين المقدسي الحنفي بجامع يلبغا عوضا عن تقي الدين ابن قاضي القضاة شرف الدين الكفري، بمرسوم شريف ومرسوم نائب صفد أسندمر أخي يلبغا، وشق ذلك عليه وعلى جده وجماعتهم، وذلك يوم الجمعة الرابع من رمضان، هذا وحضر عنده خلق كثير.

وفي يوم الخميس الرابع والعشرين منه قرئ تقليد قاضي القضاة شرف الدين ابن قاضي الجبل لقضاء الحنابلة، عوضا عن قاضي القضاة جمال الدين المرداوي، عزل هو والمالكي معه أيضا; بسبب أمور تقدم نسبتها لهما، وقرئ التقليد بمحراب الحنابلة، وحضر عنده الشافعي، والحنفي، وكان المالكي معتكفا بالقاعة

من المنارة الغربية، فلم يخرج إليهم; لأنه معزول أيضا بسري الدين قاضي حماة، وقد وقعت شرور وتخبيط بالصالحية وغيرها.

وفي صبيحة يوم الأربعاء الثلاثين من شهر رمضان خلع على قاضي القضاة سري الدين إسماعيل المالكي - قدم من حماة على قضاء المالكية - عوضا عن قاضي القضاة جمال الدين المسلاتي - عزل عن المنصب - وقرئ تقليده بمقصورة المالكية من الجامع، وحضر عنده القضاة والأعيان.

وفي صبيحة يوم الأربعاء سابع شوال قدم الأمير حيار بن مهنا إلى دمشق سامعا مطيعا، بعد أن جرت بينه وبين الجيوش حروب متطاولة، كل ذلك ليطأ البساط، فأبى خوفا من المسك والحبس أو القتل، فبعد ذلك كله قدم هذا اليوم قاصدا الديار المصرية; ليصطلح مع الأمير الكبير يلبغا، فتلقاه الحجبة، والمهمندارية، والخلق، وخرج الناس للفرجة، فنزل القصر الأبلق، وقدم معه نائب حماة عمر شاه فنزل معه ثاني يوم إلى الديار المصرية. وأقرأني القاضي ولي الدين عبد الله وكيل بيت المال كتاب والده قاضي القضاة بهاء الدين أبي البقاء قاضي قضاة الشافعية بالديار المصرية; أن الأمير الكبير جدد درسا بجامع ابن طولون فيه سبعة مدرسين للحنفية، وجعل لكل فقيه منهم في الشهر أربعين درهما، وإردب قمح، وذكر فيه أن جماعة من غير الحنفية انتقلوا إلى مذهب أبي حنيفة لينزلوا في هذا الدرس.

** [درس التفسير بالجامع الأموي] **

وفي صبيحة يوم الأربعاء الثامن والعشرين من شوال سنة سبع وستين وسبعمائة حضر الشيخ العلامة عماد الدين بن كثير درس التفسير الذي أنشأه ملك الأمراء نائب السلطنة الأمير سيف الدين منكلي بغا، من أوقاف الجامع التي جددها في حال نظره عليه، أثابه الله، وجعل من الطلبة من سائر المذاهب خمسة عشر طالبا، لكل طالب في الشهر عشرة دراهم، وللمعيد عشرون، ولكاتب الغيبة عشرون، وللمدرس ثمانون، وتصدق حين دعوته لحضور الدرس، فحضر، واجتمع القضاة والأعيان، وأخذت في أول تفسير " الفاتحة "، وكان يوما مشهودا، ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة.

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com