John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[كتاب الفتن والملاحم وأشراط الساعة والأمور العظام يوم القيامة]

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 832 of 840

** [مقدمة المصنف] **

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم يسر وأعن.

قال الشيخ الإمام العالم العلامة أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن كثير، رحمه الله تعالى: هذا كتاب الفتن والملاحم الواقعة في آخر الزمان مما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر أشراط الساعة والأمور العظام التي تكون قبل يوم القيامة، مما يجب الإيمان بها. الصادق المصدوق قد أخبر بها، وهو لا ينطق عن الهوى.

وقد ذكرنا فيما تقدم من كتابنا هذا إخباره صلى الله عليه وسلم عن الغيوب الماضية، وبسطناه في بدء الخلق، وقصص الأنبياء، وأيام الناس إلى زماننا، وأتبعنا ذلك بذكر سيرته صلى الله عليه وسلم وأيامه، وذكر شمائله ودلائل نبوته، وذكرنا فيها ما أخبر به من الغيوب التي وقعت بعده صلى الله عليه وسلم طبق إخباره، كما شوهد ذلك عيانا قبل زماننا هذا، وقد أوردنا جملة ذلك في آخر كتاب دلائل النبوة من سيرته، وذكرنا عند كل زمان ما ورد فيه من الحديث الخاص به عند ذكر حوادث الزمان، ووفيات الأعيان، كما بسطنا في كل سنة ما حدث فيها من الأمور الغريبة، وترجمنا من توفي فيها من مشاهير الناس; من الصحابة والخلفاء، والملوك والوزراء والأمراء، والفقهاء والصلحاء، والشعراء والنحاة والأدباء، والمتكلمين ذوي الآراء، وغيرهم من النبلاء، ولو أعدنا الأحاديث المذكورة

فيما تقدم لطال ذلك، ولكن نشير إلى ذلك، إشارة لطيفة، ثم نعود إلى ما قصدنا له هاهنا وبالله المستعان.

فمن ذلك «قوله صلى الله عليه وسلم لتلك المرأة التي قالت: أرأيت إن لم أجدك؟ كأنها تريد الموت، فقال: " إن لم تجديني فأتي أبا بكر ".» رواه البخاري، فكان القائم بالأمر بعده أبو بكر. وقوله صلى الله عليه وسلم حين أراد أن يكتب للصديق كتابا بالخلافة فتركه; لعلمه أن أصحابه لا يعدلون عن أبي بكر إلى غيره; لعلمهم بسابقته وأفضليته، رضي الله عنه، فقال: " «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» ". وهو في الصحيح أيضا. وقوله صلى الله عليه وسلم: " «اقتدوا باللذين من بعدي، أبي بكر، وعمر» ". رواه أحمد، وابن ماجه، والترمذي وحسنه، وصححه ابن حبان، وهو من رواية حذيفة بن اليمان. وقد روي من طريق ابن مسعود، وابن عمر، وأبي الدرداء، رضي الله عنهم. وقد بسطنا القول في هذا في فضائل الشيخين.

والمقصود: أنه وقع الأمر كذلك؟ ولي أبو بكر الصديق الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم وليها بعده عمر، كما أخبر صلى الله عليه وسلم سواء بسواء.

وروى مالك والليث، عن الزهري، عن ابن لكعب بن مالك، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط ". وفي رواية: " فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما ".» وقد افتتحها عمرو بن العاص

في سنة عشرين، أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وفي " صحيح مسلم " عن أبي ذر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرا; فإن لهم ذمة ورحما» ".

وقد مصر في أيام عمر بن الخطاب المصران; البصرة والكوفة. فروى أبو داود، حدثنا عبد الله بن الصباح، ثنا عبد العزيز بن عبد الصمد، ثنا موسى الحناط - لا أعلم إلا أنه ذكره عن موسى بن أنس، عن أنس بن مالك - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «يا أنس، إن الناس يمصرون أمصارا، وإن مصرا منها يقال له: البصرة - أو البصيرة - فإن أنت مررت بها أو دخلتها فإياك وسباخها وكلاءها، وسوقها وأبواب أمرائها، وعليك بضواحيها; فإنه يكون بها خسف وقذف ورجف، وقوم يمسخون قردة وخنازير» ".

** [خبر الأبلة] **

: قال أبو داود: حدثنا ابن المثنى، ثنا إبراهيم بن صالح بن درهم، سمعت أبي يقول: انطلقنا حاجين، فإذا رجل، فقال لنا: من أين جئتم؟

فقلنا: من بلد كذا وكذا. فقال: إن بجنبكم قرية يقال لها: الأبلة؟ فقلنا: نعم. فقال: من يضمن أن يصلي لي في مسجد العشار ركعتين أو أربعا، ويقول: هذه لأبي هريرة؟ فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم يقول: " «إن الله يبعث من مسجد العشار شهداء لا يقوم مع شهداء بدر غيرهم» ".

وقال صلى الله عليه وسلم فيما ثبت عنه في " الصحيحين ": " «إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله» ". وقد وقع ذلك كما أخبر به سواء بسواء، في زمن أبي بكر، وعمر، وعثمان; انزاحت يد قيصر ذلك الوقت - واسمه هرقل - عن بلاد الشام والجزيرة، وثبت ملكه مقصورا على بلاد الروم فقط، والعرب إنما كانوا يسمون قيصر لمن ملك بلاد الروم مع الشام والجزيرة. وفي هذا الحديث بشارة عظيمة لأهل الشام; وهو أن يد ملك الروم لا تعود إليها أبد الآبدين. وسنورد هذا الحديث قريبا بإسناده ومتنه إن شاء الله تعالى. وأما كسرى فإنه سلب عامة ملكه في زمن عمر بن الخطاب، ثم استؤصل باقيه في خلافة عثمان، وقتل في سنة ثنتين وثلاثين، ولله الحمد والمنة، وقد بسطنا ذلك مطولا فيما سلف، وقد «دعا على كسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه أنه مزق كتابه، بأن يمزق ملكه» كل ممزق، فوقع الأمر كذلك.

وثبت في " الصحيحين " من حديث الأعمش، وجامع بن أبي راشد، عن

شقيق بن سلمة، «عن حذيفة، قال: كنا جلوسا عند عمر بن الخطاب، فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ قلت: أنا. قال: هات إنك لجريء. فقلت: ذكر فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره، يكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقال: ليس هذا أعني، إنما أعني التي تموج موج البحر. فقلت: يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابا مغلقا. فقال: ويحك! أيفتح الباب أم يكسر؟ قلت: بل يكسر. قال: إذا لا يغلق أبدا. قلت: أجل. فقلنا لحذيفة: أكان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم; إني حدثته حديثا ليس بالأغاليط. قال: فهبنا أن نسأل حذيفة: من الباب؟ فقلنا لمسروق: سله. فسأله، فقال: هو عمر.» وهكذا وقع الأمر سواء بعد مقتل عمر في سنة ثلاث وعشرين; وقعت الفتن بين الناس بعد مقتله، وكان ذلك سبب انتشارها بينهم.

«وأخبر صلى الله عليه وسلم عن عثمان بن عفان أنه من أهل الجنة، على بلوى تصيبه،» فوقع الأمر كذلك; حصر وقتل صابرا محتسبا شهيدا، رضي الله عنه، وقد ذكرنا عند مقتله الأحاديث التي وردت بالإنذار بذلك، والإعلام به قبل كونه; فوقع طبق ذلك سواء بسواء. وذكرنا ما ورد من الأحاديث في الجمل وصفين، فوقع الأمر كذلك. وكذلك الإخبار بمقتل عمار. وما ورد في

الأحاديث بمقتل الخوارج الذين قتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وصفتهم، ونعت ذي الثدية منهم. كل ذلك قد حررناه فيما سلف، ولله الحمد والمنة. وذكرنا عند مقتل علي الحديث الوارد في ذلك بطرقه، وألفاظه، وتقدم الحديث الذي رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي وحسنه، من طريق سعيد بن جمهان، عن سفينة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا» ". وقد اشتملت هذه الثلاثون سنة على خلافة أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعثمان الشهيد، وعلي بن أبي طالب الشهيد أيضا، وكان تمامها وختامها بستة أشهر وليها الحسن بن علي بعد أبيه، وعند تمام الثلاثين نزل عن الأمر لمعاوية بن أبي سفيان، وأصفقت البيعة لمعاوية وسمي ذلك عام الجماعة، وقد بسطنا ذلك فيما تقدم. وروى البخاري عن أبي بكرة، رضي الله عنه، أنه «سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول - والحسن بن علي إلى جانبه على المنبر -: " إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ".» وهكذا وقع.

وثبت في " الصحيحين " «عن أم حرام بنت ملحان أن ناسا من هذه الأمة يغزون البحر مرتين، وأنها تكون مع الأولين،» فكان الأمر كذلك في سنة سبع وعشرين، مع معاوية في خلافة عثمان، حين استأذن عثمان في غزو قبرس،

فأذن له فركب المسلمون المراكب إليها وفتحوها قسرا، وتوفيت أم حرام في هذه الغزوة، وكانت أم حرام مع زوجها عبادة بن الصامت، وكان مع معاوية في هذه الغزوة زوجته فاختة بنت قرظة. وأما غزوة البحر الثانية فكانت في سنة ثنتين وخمسين في أيام معاوية أيضا، غزاها ابنه يزيد ومعه الجنود فدخلوا إلى القسطنطينية، وكان معه في هذا الجيش جماعة من أعيان الصحابة، منهم أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد، رضي الله عنه، فمات هنالك وأوصى إلى يزيد بن معاوية، أن يدفنه تحت سنابك الخيل، وأن يوغل به إلى أقصى ما يمكن أن ينتهي به إلى نحو جهة العدو، ففعل ذلك.

وتفرد البخاري بما رواه من طريق ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عمير بن الأسود العنسي، عن أم حرام، أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا ". قالت أم حرام: قلت: يا رسول الله، أنا فيهم؟ قال: " أنت فيهم ". ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم ". قلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: " لا ".»

** [ذكر قتال الهند] **

قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا البراء، عن الحسن، «عن أبي هريرة، قال: حدثني خليلي الصادق رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يكون في هذه الأمة بعث إلى السند والهند ". فإن أنا أدركته فاستشهدت فذاك، وإن أنا - فذكر كلمة - رجعت، فأنا أبو هريرة المحرر; قد أعتقني من النار» . ورواه أحمد أيضا، عن هشيم، عن سيار، عن جبر بن عبيدة، «عن أبي هريرة، قال: وعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الهند، فإن استشهدت، كنت من خير الشهداء، وإن رجعت فأنا أبو هريرة المحرر» . ورواه النسائي من حديث هشيم وزيد بن أبي أنيسة، عن سيار، عن جبر - ويقال: جبير - عن أبي هريرة، فذكره. وقد غزا المسلمون الهند في سنة أربع وأربعين، في إمارة معاوية أيضا، فجرت هنالك أمور قد ذكرناها مبسوطة فيما تقدم، وقد غزاها الملك السعيد المحمود محمود بن سبكتكين صاحب غزنة وما والاها، في حدود أربعمائة، ففعل هنالك أفعالا مشهورة، وأمورا مشكورة؟ كسر الصنم الأعظم المسمى بسومنات، وأخذ قلائده وجواهره وذهبه وشنوفه، وأخذ من الأموال ما لا

يحصى، ورجع إلى بلاده سالما مؤيدا منصورا.

وقد كان نواب بني أمية يقاتلون الأتراك، في أقصى بلاد السند والصين، وقهروا ملكهم القان الأعظم، ومزقوا عساكره، واستحوذوا على أمواله وحواصله، وقد وردت الأحاديث بذكر صفتهم ونعتهم، ولنذكر شيئا من ذلك على سبيل الإيجاز: قال البخاري: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، أخبرنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر، وحتى تقاتلوا الترك; صغار الأعين، حمر الوجوه، ذلف الأنوف، كأن وجوههم المجان المطرقة، وتجدون من خير الناس أشدهم كراهية لهذا الأمر، حتى يدخل فيه، والناس معادن; خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، وليأتين على أحدكم زمان لأن يراني أحب إليه من أن يكون له مثل أهله وماله» ". تفرد به البخاري. ثم قال: حدثنا يحيى، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزا وكرمان من الأعاجم، حمر الوجوه فطس الأنوف، كأن

وجوههم المجان المطرقة، نعالهم الشعر» ". ورواه أحمد عن عبد الرزاق.

وقال أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما كأن وجوههم المجان المطرقة، نعالهم الشعر» "، وأخرجه الجماعة سوى النسائي، من حديث سفيان بن عيينة به. ورواه البخاري عن علي بن المديني، عن سفيان بن عيينة. ورواه مسلم أيضا من حديث إسماعيل بن أبي خالد، كلاهما عن قيس بن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكر نحوه. قال سفيان بن عيينة: وهم أهل البارز. كذا قال سفيان، ولعله: البازر، وهو سوق الفسوق الذي لهم.

** حديث عمرو بن تغلب: **

وقال أحمد: حدثنا عفان، حدثنا جرير بن حازم، سمعت الحسن، حدثنا عمرو بن تغلب، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما نعالهم الشعر " أو: " ينتعلون الشعر " - وإن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما عراض الوجوه، كأن وجوههم المجان المطرقة ".» ورواه البخاري من حديث جرير بن حازم.

وقد روي من حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي. قال أحمد: ثنا أبو نعيم، ثنا بشير بن المهاجر، حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول: " «إن أمتي يسوقها قوم صغار الأعين، كأن وجوههم الحجف، ثلاث مرار " حتى يلحقوهم بجزيرة العرب; أما السياقة الأولى فينجو من هرب منهم، أما الثانية فينجو بعض ويهلك بعض، وأما الثالثة فيصطلمون كلهم من بقي منهم ". قالوا: يا رسول الله، من هم؟ قال: " الترك، والذي نفسي بيده ليربطن خيولهم بسواري مسجد المسلمين ". قال: فكان بريدة لا يفارقه بعيران أو ثلاثة ومتاع بعد ذلك للهرب; لما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم من البلاء في الترك» . ورواه أبو داود في كتاب الملاحم من " سننه " عن جعفر بن مسافر، عن خلاد بن يحيى، عن بشير بن المهاجر. ورواه أبو يعلى عنه، به، وفيه: " «قوم صغار العيون، عراض الوجوه، كأن وجوههم الحجف، يلحقون أهل الإسلام بمنابت

الشيح ثلاث مرات; أما المرة الأولى فينجو من هرب، وأما المرة الثانية فينجو بعض، وأما الثالثة فيهلكون جميعا، كأني أنظر إليهم وقد ربطوا خيولهم بسواري المسجد ". قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: " هم الترك ".»

** حديث أبي بكرة الثقفي في ذلك: **

قال الإمام أحمد: ثنا أبو النضر هاشم بن القاسم، ثنا الحشرج بن نباتة القيسي الكوفي، ثنا سعيد بن جمهان، ثنا عبد الله بن أبي بكرة، حدثني أبي في هذا المسجد مسجد البصرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «لتنزلن طائفة من أمتي أرضا يقال لها: البصرة. فيكثر بها عددهم ونخلهم، ثم يجيء بنو قنطوراء، عراض الوجوه، صغار العيون، حتى ينزلوا على جسر لهم يقال له: دجلة. فيفترق المسلمون ثلاث فرق؟ فأما فرقة فتأخذ بأذناب الإبل فتلحق بالبادية، فهلكت، وأما فرقة فتأخذ على أنفسها، فكفرت، فهذه وتلك سواء، وأما فرقة فيجعلون عيالهم خلف ظهورهم ويقاتلون، فقتلاهم شهداء، ويفتح الله على بقيتهم» ".

ورواه أبو داود في الملاحم، عن محمد بن يحيى بن فارس، عن

عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن سعيد بن جمهان، ثنا مسلم بن أبي بكرة، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «ينزل أناس من أمتي بغائط يسمونه البصرة عند نهر يقال له: دجلة. يكون عليه جسر، يكثر أهلها، وتكون من أمصار المهاجرين - وفي لفظ: المسلمين - فإذا كان في آخر الزمان جاء بنو قنطوراء عراض الوجوه صغار الأعين، حتى ينزلوا على شط النهر، فيتفرق المهاجرون ثلاث فرق، فرقة تأخذ بأذناب البقر والبرية وهلكوا، وفرقة يأخذون لأنفسهم وكفروا، وفرقة يجعلون ذراريهم خلف ظهورهم، ويقاتلونهم، وهم الشهداء» ".

وتقدم حديث أنس في ذكر البصرة، التي مصرت في زمان عمر بن الخطاب.

وروى مسلم وأبو داود والنسائي، عن قتيبة، عن يعقوب الإسكندراني، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله، قال: " «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون الترك، قوما كأن وجوههم المجان المطرقة، يلبسون الشعر» ". وهذا لفظ أبي داود.

وقد روي من حديث أبي سعيد، فقال أحمد ثنا عمار بن محمد ابن أخت سفيان الثوري، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما صغار الأعين، عراض الوجوه، كأن أعينهم حدق الجراد، وكأن وجوههم المجان المطرقة، ينتعلون الشعر، ويتخذون الدرق حتى يربطوا خيولهم بالنخل» ". تفرد به أحمد.

** [حديث معاوية بن أبي سفيان في قتال الترك] **

: قال أبو يعلى: ثنا محمد بن يحيى البصري، ثنا محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن إبراهيم، حدثني إسحاق بن إبراهيم بن الغمر، مولى سموك، ثنا أبي، عن جدي، سمعت معاوية بن حديج يقول: كنت عند معاوية بن أبي سفيان إذ جاءه كتاب عامله يخبر أنه أوقع بالترك وهزمهم، وبكثرة من قتل منهم وكثرة ما غنم منهم، فغضب معاوية من ذلك، ثم أمر أن يكتب إليه: قد فهمت ما ذكرت مما قتلت وغنمت فلا أعلمن أنك عدت إلى شيء من ذلك، ولا تقاتلهم حتى يأتيك

أمري. فقلت له: ولم أمير المؤمنين؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «إن الترك تحارب العرب حتى تلحقها بمنابت الشيح والقيصوم» ". فأكره قتالهم لذلك. طريق أخرى عن معاوية: قال الطبراني: ثنا يحيى بن أيوب العلاف، حدثنا أبو صالح الحراني، ثنا ابن لهيعة، عن كعب بن علقمة التنوخي، ثنا حسان بن كريب الحميري، سمعت ابن ذي الكلاع يقول: سمعت معاوية بن أبي سفيان يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «اتركوا الترك. ما تركوكم» ". وروى الطبراني، عن إبراهيم بن أبي حاتم، عن نعيم بن حماد في كتاب " الملاحم "، ثنا يحيى بن سعيد العطار وأبو المغيرة، عن إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن دينار، عن كعب الأحبار قال: ينزل الترك آمد ويشربون من نهر الدجلة والفرات، سبعون ألفا، ويسعون في الجزيرة وأهل الإسلام، في الحيرة، لا يستطيعون لهم شيئا، فيبعث الله عليهم ثلجا بغير كيل فيه صر من ريح شديدة وجليد، فإذا هم خامدون. فيرجعون فيقولون: إن الله قد أهلكهم وكفاكم العدو، ولم يبق منهم أحد، قد هلكوا من عند آخرهم. والمقصود: أن الترك قاتلهم الصحابة، فهزموهم، وغنموهم، وسبوا نساءهم وأبناءهم، وظاهر هذه الأحاديث أن قتالهم يكون من أشراط الساعة،

وأشراطها لا تكون إلا بين يديها قريبا منها، فقد يكون هذا واقعا مرة أخرى عظيمة بين المسلمين والترك، حتى يكون آخر ذلك قتالهم مع الدجال، ويأجوج ومأجوج، كما سيأتي ذكر ذلك، وإن كان أشراط الساعة أعم من أن يكون بين يديها قريبا منها، أو يكون مما يقع في الجملة، حتى ولو تقدم قبلها بدهر طويل، إلا أنه مما يقع بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الذي يظهر بعد تأمل الأحاديث الواردة في هذا الباب، كما ترى ذلك قريبا إن شاء الله تعالى.

وقد ذكرنا ما ورد في مقتل الحسين بن علي بكربلاء، في أيام يزيد بن معاوية، كما سلف. وما ورد من الأحاديث في ذكر خلفاء بني أمية وأغيلمة بني عبد المطلب; قال أحمد: حدثنا روح، حدثنا أبو أمية عمرو بن يحيى بن سعيد بن العاص، أخبرني جدي سعيد بن عمرو بن سعيد، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «هلكة أمتي على يدي غلمة» ". فقال مروان، وهو معنا في الحلقة قبل أن يلي شيئا: لعنة الله عليهم غلمة. قال أبو هريرة: أما والله لو أشاء أن أقول بني فلان، وبني فلان لفعلت. قال: فكنت أخرج مع أبي وجدي إلى بني مروان بعد ما ملكوا، فإذا هم يبايعون

الصبيان، ومنهم من يبايع له وهو في خرقة. قال لنا: هل عسى أصحابكم هؤلاء أن يكونوا الذين سمعت أبا هريرة يذكر أن هذه الملوك يشبه بعضها بعضا. ورواه البخاري بنحوه عن أبي هريرة. والأحاديث في هذا كثيرة جدا، وقد حررناها في دلائل النبوة.

وتقدم الحديث في ذكر الكذاب والمبير من ثقيف، فالكذاب هو المختار بن أبي عبيد الذي ظهر بالكوفة أيام عبد الله بن الزبير، وكان رافضيا خبيثا،. بل كان ينسب إلى الزندقة، وادعى أنه يوحى إليه، وقد قتله مصعب بن الزبير، وأما المبير فهو الحجاج بن يوسف الثقفي، الذي قتل عبد الله بن الزبير، وكان ناصبيا جبارا عنيدا، عكس الأول في الرفض. وتقدم حديث الرايات السود التي جاء بها بنو العباس من خراسان لما استلبوا الملك من أيدي بني أمية، وذلك في سنة ثنتين وثلاثين ومائة، أخذوا الخلافة من مروان بن محمد بن مروان بن الحكم بن العاص ويعرف بمروان الحمار الجعدي; لاشتغاله على الجعد بن درهم المعتزلي، وكان آخر خلفاء بني أمية، فصارت الخلافة إلى السفاح أول خلفاء بني العباس، وقد صرح باسمه في الحديث الذي رواه أحمد، وقد تقدم ذلك.

وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا جرير بن حازم، عن ليث، عن

عبد الرحمن بن سابط، عن أبي ثعلبة الخشني، عن أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «إن الله بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة، وكائنا خلافة ورحمة، وكائنا ملكا عضوضا، وكائنا عزة وجبرية وفسادا في الأمة، يستحلون الفروج، والخمور، والحرير، وينصرون على ذلك، ويرزقون أبدا، حتى يلقوا الله» ". وروى البيهقي من حديث عبد الله بن الحارث بن محمد بن حاطب الجمحي، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يكون بعد الأنبياء خلفاء يعملون بكتاب الله، ويعدلون في عباد الله، ثم يكون من بعد الخلفاء ملوك يأخذون بالثأر، ويقتلون الرجال، ويصطفون الأموال، فمغير بيده، ومغير بلسانه، ومغير بقلبه، وليس وراء ذلك من الإيمان شيء» ".

وثبت في " صحيح البخاري " من حديث شعبة، عن فرات القزاز، عن

أبي حازم، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء; كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وإنه سيكون خلفاء فيكثرون ". قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: " فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم; فإن الله سائلهم عما استرعاهم ".»

وفي " صحيح مسلم " من حديث أبي رافع، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «ما كان نبي إلا كان له حواريون يهدون بهديه، ويستنون بسنته، ثم يكون من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويعملون ما ينكرون» ".

وثبت في " الصحيحين " من رواية عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «يكون اثنا عشر خليفة كلهم من قريش» ". ورواه أبو داود من طريق أخرى، عن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «لا يزال هذا الدين قائما حتى يكون اثنا عشر خليفة» ". وفي رواية: " «لا تزال هذه الأمة مستقيما أمرها، ظاهرة على عدوها، حتى يمضي منهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش ". قالوا: ثم يكون ماذا؟ قال: " يكون الهرج ".»

فهؤلاء الخلفاء المبشر بهم في هذا الحديث ليسوا بالاثني عشر الذين تزعمهم

الروافض، فإن ذلك كذب وبهتان منهم، لأن أكثر أولئك لم يل أحد منهم شيئا من أعمال هذه الأمة في خلافة، بل ولا في بلد من البلدان، وإنما ولى منهم علي وابنه الحسن، وليس المراد من هؤلاء الاثني عشر الذين تتابعت ولايتهم سردا إلى أثناء دولة بني أمية; لأن حديث سفينة: " «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» ". يمنع من هذا المسلك، وإن كان البيهقي قد رجحه، وقد بحثنا معه في كتاب دلائل النبوة من كتابنا هذا بما أغنى عن إعادته، ولله الحمد، ولكن هؤلاء الأئمة الاثني عشر وجد منهم الأئمة الأربعة: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وابنه الحسن بن علي أيضا، ومنهم عمر بن عبد العزيز، كما هو عند كثير من الأئمة، وجمهور الأمة، وكذلك وجد منهم طائفة من بني العباس، وسيوجد بقيتهم فيما يستقبل من الزمان، حتى يكون منهم المهدي المبشر به في الأحاديث الواردة فيه، كما سيأتي بيانها، وبالله المستعان، وعليه التكلان، وقد نص على هذا الذي قلناه غير واحد، كما قررنا ذلك.

** [حديث عبادة فيما يتعلق بما بعد المائة سنة] **

: قال أحمد: ثنا الحكم بن نافع، ثنا إسماعيل بن عياش، عن يزيد بن سعيد، عن أبي عطاء يزيد بن عطاء السكسكي، عن معاذ بن شقراء، عن جنادة بن أبي أمية، أنه سمع عبادة بن الصامت يذكر «أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ما مدة أمتك في الرخاء؟ فلم يرد عليه شيئا، حتى سأله ثلاث مرار، كل ذلك لا يجيبه، ثم انصرف الرجل، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أين السائل "؟ فردوه عليه، فقال:

" سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي; مدة أمتي من الرخاء مائة سنة ". قالها مرتين أو ثلاثا، فقال الرجل: يا رسول الله، فهل لذلك من أمارة أو علامة أو آية؟ فقال: " نعم، الخسف والرجف وإرسال الشياطين المجلبة على الناس ".» وفي " مسند أبي يعلى "، والبزار من حديث مصعب بن مصعب، ولا أعرفه إلا عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «ترفع زينة الدنيا سنة خمس وعشرين ومائة» ". هذا حديث غريب جدا.

** [حديث فيما بعد المائتين من الهجرة] **

قال ابن ماجه: حدثنا الحسن بن علي الخلال، حدثنا عون بن عمارة، حدثني عبد الله بن المثنى بن ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك، عن أبيه، عن جده، عن أنس، عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «الآيات بعد المائتين» ". ثم أورده ابن ماجه من وجهين آخرين، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، ولا يصح، ولو صح فهو محمول على ما وقع من الفتنة بسبب القول بخلق القرآن، ومحنة الإمام

أحمد وأصحابه من أئمة الحديث، كما بسطنا ذلك هنالك.

وروى رواد بن الجراح - وهو منكر الرواية - عن سفيان الثوري، عن منصور، عن ربعي، عن حذيفة مرفوعا: «خيركم بعد المائتين خفيف الحاذ ". قالوا: وما خفيف الحاذ يا رسول الله؟ قال: " من لا أهل له، ولا مال ولا ولد ".» وهذا منكر.

وثبت في " الصحيحين " من حديث شعبة، عن أبي جمرة، عن زهدم بن مضرب، عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ". قال عمران: فلا أدري ذكر بعد قرنه قرنين، أو ثلاثة: " ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن» ". لفظ البخاري.

** [ذكر سنة خمسمائة] **

قال أبو داود: حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبو المغيرة، حدثني صفوان، عن شريح بن عبيد، عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" «إني لأرجو أن لا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرها نصف يوم ". قيل لسعد: وكم نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة» . تفرد به أبو داود.

وأخرج أحمد بن حنبل، عن أبي ثعلبة الخشني من قوله مثل ذلك. وهذا التحديد بهذه المدة لا ينفي ما يزيد عليها، إن صح رفع الحديث. والله أعلم.

فأما ما يورده كثير من العامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤلف تحت الأرض» . فهو من قولهم وكلامهم، وليس له أصل ولا ذكر في كتب الحديث المعتمدة، ولا سمعناه في شيء من المبسوطات، والأجزاء المختصرات، ولا ثبت في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حد الساعة بمدة محصورة، وإنما ذكر شيئا من أشراطها وأماراتها وعلاماتها، على ما سنذكره إن شاء الله.

** [ذكر الخبر الوارد في ظهور نار من أرض الحجاز أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى] من أرض الشام، وذلك في سنة أربع وخمسين وستمائة **

قال البخاري: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري، قال: قال سعيد بن المسيب، أخبرني أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى» ".

ورواه مسلم من حديث الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، به.

وقد رواه أبو نعيم الأصبهاني، ومن خطه نقلت من طريق أبي عاصم النبيل، عن عبد الحميد بن جعفر، عن عيسى بن علي الأنصاري، عن رافع بن بشر السلمي، عن أبيه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «تخرج نار تضيء أعناق الإبل ببصرى، تسير سير بطيئة الإبل، تسير النهار وتقيم الليل، تغدو وتروح، فيقال: أيها الناس، قد غدت النار فاغدوا. أو: قالت النار أيها الناس فقيلوا. غدت النار أيها الناس فروحوا. من أدركته أكلته» ". هكذا رواه أبو نعيم، وهو

في " مسند أحمد " من رواية رافع بن بشر السلمي، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدون هذه الزيادة إلى: " تضيء أعناق الإبل ببصرى ". وهو الصواب; فإن هذه النار التي ذكر أبو نعيم هي النار التي تسوق الناس إلى أرض المحشر، كما سيأتي بيان ذلك قريبا.

وقال الإمام أحمد: ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي، سمعت الأعمش يحدث عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن حبيب بن حماز، عن أبي ذر قال: «أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلنا ذا الحليفة فتعجلت رجال منا إلى المدينة، وبات رسول الله، فلما أصبح سأل عنهم، فقيل: تعجلوا إلى المدينة. فقال: " تعجلوا إلى المدينة والنساء، أما إنهم سيدعونها أحسن ما كانت ". ثم قال: " ليت شعري، متى تخرج نار من اليمن من جبل الوراق تضيء لها أعناق الإبل بروكا ببصرى كضوء النهار» ". وهذا الإسناد لا بأس به، وكأنه مما اشتبه على بعض الرواة، فإن النار التي تخرج من قعر عدن من اليمن، هي التي تسوق الناس الموجودين في آخر الزمان إلى المحشر، وأما النار التي تضيء لها أعناق الإبل، فتلك تخرج من أرض المدينة النبوية، كما تقدم بيان ذلك.

وقد ذكر الشيخ شهاب الدين أبو شامة - وكان شيخ المحدثين في زمانه،

وأستاذ المؤرخين في أوانه - أن في سنة أربع وخمسين وستمائة في يوم الجمعة خامس جمادى الآخرة منها ظهرت نار بأرض الحجاز في أرض المدينة النبوية، في بعض تلك الأودية، طول أربعة فراسخ وعرض أربعة أميال، تسيل الصخر، حتى يبقى مثل الآنك، ثم يصير مثل الفحم الأسود، وأن الناس كانوا يسيرون على ضوئها بالليل إلى تيماء، وأنها استمرت شهرا، وقد ضبط ذلك أهل المدينة، وعملوا فيها أشعارا، وقد ذكرناها فيما تقدم.

وأخبرني قاضي القضاة صدر الدين علي بن أبي القاسم الحنفي، قاضيهم بدمشق، عن والده الشيخ صفي الدين مدرس الحنفية ببصرى، أنه أخبره غير واحد من الأعراب صبيحة تلك الليلة، ممن كان بحاضرة بلد بصرى، أنهم شاهدوا أعناق الإبل في ضوء هذه النار التي ظهرت من أرض الحجاز، وقد تقدم بسط ذلك سنة أربع وخمسين وستمائة بما فيه كفاية عن إعادته هنا.

** [ذكر إخباره صلى الله عليه وسلم بالغيوب المستقبلة بعد زماننا هذا] **

قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عاصم، حدثنا عزرة بن ثابت، حدثنا علباء بن أحمر اليشكري، حدثنا أبو زيد الأنصاري، قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، ثم نزل

فصلى الظهر، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى العصر، ثم صعد المنبر فخطبنا، حتى غابت الشمس، فحدثنا بما كان، وما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا» .

وقد رواه مسلم منفردا به في كتاب الفتن من " صحيحه "، عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وحجاج بن الشاعر، عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد النبيل، عن عزرة، عن علباء، عن أبي زيد - وهو عمرو بن أخطب. بن رفاعة - الأنصاري به.

وقال البخاري في كتاب بدء الخلق من " صحيحه ": روي عن عيسى بن موسى غنجار، عن رقبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: «قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما، فأخبرنا عن بدء الخلق، حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه، ونسيه من نسيه» . هكذا ذكره البخاري معلقا بصيغة التمريض عن عيسى غنجار، عن رقبة وهو ابن مصقلة، قال أبو مسعود الدمشقي في " الأطراف ": وإنما رواه عيسى غنجار عن أبي حمزة عن رقبة. فالله أعلم.

وقال أبو داود في أول كتاب الفتن من " سننه ": حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي وائل، «عن حذيفة قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما، فما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدثه، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه.» وهكذا رواه البخاري من حديث سفيان الثوري، ومسلم من حديث جرير، كلاهما عن الأعمش به.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن علي بن زيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ذات يوم بنهار، ثم قام فخطبنا إلى أن غابت الشمس، فلم يدع شيئا مما يكون إلى يوم القيامة إلا حدثناه، حفظ ذلك من حفظ، ونسي ذلك من نسي، فكان مما قال: " يا أيها الناس، إن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء ". وذكر تمامها إلى أن قال: " وقد دنت الشمس أن تغرب، وإن ما بقي من الدنيا فيما مضى منها مثل ما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه ".»

علي بن زيد بن جدعان التيمي له غرائب ومنكرات، ولكن لهذا الحديث

شواهد من وجوه أخر. وفي " صحيح مسلم "، من طريق أبي نضرة، عن أبي سعيد بعضه، وفيه الدلالة على ما هو المقطوع به; أن ما بقي من الدنيا بالنسبة إلى ما مضى منها شيء يسير جدا، ومع هذا لا يعلم مقدار ما بقي على التعيين والتحديد إلا الله تعالى، كما لا يعلم مقدار ما مضى منها إلا الله عز وجل. والذي في كتب الإسرائيليين وأهل الكتاب من تحديد ما سلف بألوف ومئين من السنين قد نص غير واحد من العلماء على تخطئتهم فيه، وتغليطهم، وهم جديرون بذلك حقيقون به. وقد ورد في حديث: " «الدنيا جمعة من جمع الآخرة» ". ولا يصح إسناده. وكذا كل حديث ورد فيه تحديد بوقت يوم القيامة على التعيين، لا يثبت إسناده، وقد قال الله تعالى: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها} [النازعات: 42] إلى قوله: {أو ضحاها} [النازعات: 46] إلى قوله: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [الأعراف: 187] ، والآيات في هذا والأحاديث كثيرة، وقال الله تعالى: {اقتربت الساعة وانشق القمر} [القمر: 1] .

وثبت في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره عن سهل بن سعد،

قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " «بعثت أنا والساعة كهاتين ". وفي رواية: " إن كادت لتسبقني ".» وهذا يدل على اقترابها بالنسبة إلى ما مضى من الدنيا، وقال تعالى: {اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون} [الأنبياء: 1] ، وقال تعالى: {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} [النحل: 1] وقال تعالى: {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق} [الشورى: 18] .

وفي " الصحيح " «أن رجلا من الأعراب سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فقال: " إنها كائنة، فما أعددت لها "؟ فقال الرجل: والله يا رسول الله، لم أعد لها كثير صلاة ولا عمل، ولكني أحب الله ورسوله. فقال: " أنت مع من أحببت ".» فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث.

وفي بعض الأحاديث، أنه صلى الله عليه وسلم «سئل عن الساعة، فنظر إلى غلام فقال: " لن يدرك هذا الهرم حتى تأتيكم ساعتكم ".» والمراد: انخرام قرنهم، ودخولهم في عالم الآخرة، فإن كل من مات فقد دخل في حكم الآخرة، وبعض الناس يقول: من مات فقد قامت قيامته. وهذا الكلام بهذا المعنى صحيح، وقد يقول هذا بعض الملاحدة، ويشيرون به إلى شيء من الزندقة والباطل. فأما الساعة العظمى وهو اجتماع الأولين والآخرين في صعيد واحد، فهذا مما استأثر الله تعالى بعلم وقته، كما ثبت في الصحيح: " «خمس لا

يعلمهن إلا الله ". ثم قرأ: {إن الله عنده علم الساعة} [لقمان: 34] » [لقمان: 34] . وقد سأل جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام فأخبره به، ثم سأله عن الإيمان فأخبره به، ثم سأله عن الإحسان فأخبره به، فلما سأله عن الساعة، قال له: " ما المسئول عنها بأعلم من السائل ". قال: فأخبرني عن أشراطها. فأخبره عن ذلك. كما سيأتي إيراده بسنده ومتنه، مع أمثاله وأشكاله من الأحاديث.

** [باب ذكر الفتن جملة ثم نفصل ذكرها بعد ذلك إن شاء الله تعالى] **

قال البخاري: حدثنا يحيى بن موسى، حدثنا الوليد، حدثني ابن جابر، حدثني بشر بن عبيد الله الحضرمي، حدثني أبو إدريس الخولاني، أنه «سمع حذيفة بن اليمان يقول: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر; مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: " نعم ". قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: " نعم، وفيه دخن ". قلت: وما دخنه؟ قال: " قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر ". قلت: فهل

بعد ذلك الخير من شر؟ قال: " نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها ". قلت: يا رسول الله، صفهم لنا. قال: " هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا ". قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: " تلزم جماعة المسلمين وإمامهم ". قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: " فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك ".» ثم رواه البخاري أيضا ومسلم، عن محمد بن المثنى، عن الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، به نحوه. وقد روي هذا الحديث من طرق كثيرة، عن حذيفة; فرواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، من طريق نصر بن عاصم، عن خالد بن خالد اليشكري الكوفي، عنه مبسوطا، وفيه تفسير لما فيه من مشكل، وقد رواه النسائي وابن ماجه من رواية عبد الرحمن بن قرط، عنه. وفي " صحيح البخاري "، من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن حذيفة، قال: تعلم أصحابي الخير، وتعلمت الشر.

وثبت في الصحيح من حديث الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن الإسلام بدأ

غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء ". قيل: ومن الغرباء؟ قال " النزاع من القبائل ".» ورواه ابن ماجه عن أنس، وأبي هريرة.

وقال أحمد: ثنا هارون بن معروف، أنبأنا عبد الله بن وهب، أخبرني أبو صخر، أن أبا حازم حدثه عن ابن لسعد بن أبي وقاص، قال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «إن الإيمان بدأ غريبا وسيعود كما بدأ، فطوبى يومئذ للغرباء، إذا فسد الناس، والذي نفس أبي القاسم بيده ليأرزن الإيمان بين هذين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها» ".

وقال أحمد، ثنا حسن بن محمد بن موسى، ثنا ابن لهيعة، ثنا جميل الأسلمي، عن سهل بن سعد الساعدي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «اللهم لا يدركني زمان - أو قال: لا تدركوا زمانا - لا يتبع فيه العليم ولا يستحيا فيه من الحليم، قلوبهم قلوب الأعاجم، وألسنتهم ألسنة العرب» ". تفرد به أحمد.

** [باب افتراق الأمم] **

وقال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ". ورواه أبو داود عن وهب بن بقية، عن خالد، عن محمد بن عمرو، به.

وقال ابن ماجه: حدثنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، حدثنا عباد بن يوسف، حدثنا صفوان بن عمرو، عن راشد بن سعد، عن عوف بن مالك، قال: قال رسول الله: " «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، وسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، والذي نفسي بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار ". قيل: يا رسول الله، من هم؟ قال: " الجماعة ".» تفرد به، وإسناده لا بأس به.

وقال ابن ماجه أيضا: حدثنا هشام، هو ابن عمار، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا أبو عمرو، حدثنا قتادة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة» ". وهذا إسناد قوي على شرط الصحيح، تفرد به ابن ماجه أيضا.

وقد روى أبو داود، من حديث الأوزاعي، عن قتادة، عن أنس. وأبي سعيد، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «سيكون في أمتي اختلاف وفرقة، وقوم يحسنون القيل، ويسيئون الفعل» ". الحديث.

وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل، ومحمد بن يحيى بن فارس، قالا: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، هو ابن عمرو، حدثنا أزهر، هو ابن عبد الله الحرازي - قال أحمد - عن أبي عامر الهوزني، عن معاوية بن أبي سفيان، أنه قام فقال: «ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا، فقال: " ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه

الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة» ". تفرد به أبو داود، وإسناده حسن. وفي " مستدرك الحاكم " «أن الصحابة لما سألوه عن الفرقة الناجية: من هم؟ قال: " ما أنا عليه اليوم وأصحابي» .

وقال الإمام أحمد: ثنا يحيى بن إسحاق، ثنا ابن لهيعة، عن بكر بن سوداة، عن سهل بن سعد الأنصاري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " «والذي نفسي بيده، لتركبن سنن من كان قبلكم مثلا بمثل» ". تفرد به أحمد من هذا الوجه ".

وقد تقدم في حديث حذيفة أن المخلص من الفتن عند وقوعها اتباع الجماعة ولزوم الإمام بالطاعة إذا كانوا على حق واتباع الشرع، وإذا فسدوا فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإنما الطاعة في المعروف. قال أبو بكر الصديق: أطيعوني ما أطعت الله عز وجل، فإذا خالفت فلا طاعة لي عليكم.

وقد قال ابن ماجه: حدثنا العباس بن عثمان الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا معان بن رفاعة السلامي، حدثنا أبو خلف الأعمى، أنه سمع أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «إن أمتي لا تجتمع على

ضلالة، فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم» ". ولكن هذا حديث ضعيف; لأن معان بن رفاعة السلامي قد ضعفه غير واحد من الأئمة. وفي بعض الروايات: " «عليكم بالسواد الأعظم; الحق وأهله» ". وقد كان الإمام أحمد يقول: السواد الأعظم محمد بن أسلم الطوسي. وقد كان أهل الحق في الصدر الأول هم أكثر الأمة; فكان لا يوجد فيهم مبتدع لا في الأقوال ولا الأفعال، وفي الأعصار المتأخرة فقد يجتمع الجم الغفير على بدعة، وقد يخلو الحق في بعض الأزمان المتأخرة عن عصابة يقومون به، كما قال في حديث حذيفة: «فإن لم يكن لهم إمام ولا جماعة؟ قال له: " فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» ". وتقدم الحديث الصحيح: " «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ» ". وسيأتي في الحديث: " «لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله الله» ".

والمقصود أنه إذا ظهرت الفتن، فإنه يسوغ اعتزال الناس حينئذ، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: " «إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك، ودع أمر العوام» ".

وفي رواية: " «إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة فعليك

بخاصة نفسك، فإن من بعدكم زمان الصبر، صبر فيهن كقبض على الجمر» "، وقد اعتزل جماعة من السلف الناس والجمعة والجماعة وهم أئمة كبار; كأبي ذر وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وسلمة بن الأكوع في جماعة من الصحابة، حتى اعتزلوا مسجد النبي صلى الله عليه وسلم الذي الصلاة فيه بألف صلاة. واعتزل مالك الجمعة والجماعة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم مع معرفته الحديث في فضل الصلاة فيه، فكان لا يشهد جمعة ولا جماعة، وكان إذا ليم في ذلك يقول: ما كل ما يعلم يقال. وقصته معروفة، وكذلك اعتزل سفيان الثوري وخلق من التابعين وتابعيهم; لما شاهدوه من الظلم والشرور والفتن خوفا على إيمانهم أن يسلب منهم، وقد ذكر الخطابي في كتاب " العزلة " وكذلك ابن أبي الدنيا قبله من هذا جانبا كبيرا.

وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " " «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر; يفر بدينه من الفتن» ". لم يخرجه مسلم، وقد رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من طريق ابن أبي صعصعة به، ويجوز حينئذ سؤال الموت وطلبه من الله عند ظهور الفتن والظلم وإن كان قد نهي عنه لغير ذلك، كما صح به الحديث ".

وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو يونس، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " «لا يتمنى أحدكم الموت ولا يدعو به من قبل أن يأتيه، إلا أن يكون قد وثق بعمله فإنه إن مات أحدكم انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا» ". والدليل على جواز سؤال الموت عند الفتن، الحديث الذي رواه أحمد في " مسنده " عن معاذ بن جبل، وهو حديث المنام الطويل. وفيه: " «اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون، اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك» ".

وهذه الأحاديث المتقدمة دالة على أنه يأتي على الناس زمان شديد لا يكون فيه للمسلمين جماعة قائمة بالحق، إما في جميع الأرضية أو في بعضها.

وقد ثبت في " الصحيح " عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما، اتخذ الناس رءوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير

علم، فضلوا وأضلوا» ". وفي الحديث الآخر: " «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» ". وفي " صحيح البخاري ": " وهم بالشام ". قال عبد الله بن المبارك وغير واحد من الأئمة: وهم أهل الحديث.

وقال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود المهري، حدثنا ابن وهب، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، عن شراحيل بن يزيد المعافري، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها» ". تفرد به أبو داود. ثم قال ": عبد الرحمن بن شريح لم يجز به شراحيل. يعني أنه موقوف عليه، وقد ادعى كل قوم في إمامهم أنه المراد بهذا الحديث، والظاهر، والله أعلم، أنه يعم حملة العلم العاملين به من كل طائفة، ممن عمله مأخوذ عن الشارع، أو ممن هو موافق من كل طائفة وكل صنف من أصناف العلماء، من مفسرين، ومحدثين، وقراء، وفقهاء، ونحاة، ولغويين، إلى غير ذلك من أصناف العلوم النافعة، والله أعلم. قال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى.

وقوله في حديث عبد الله بن عمرو: " «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن بقبض العلماء» ". ظاهر في أن العلم لا ينتزع من صدور العلماء بعد أن وهبهم الله إياه. وقد ورد في الحديث الآخر الذي رواه ابن ماجه عن بندار، ومحمد بن المثنى، عن غندر، عن شعبة سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك قال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحدثكم به أحد بعدي، سمعته منه: " «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويفشو الزنى، ويشرب الخمر، ويذهب الرجال، ويبقى النساء، حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد» ". وأخرجاه في " الصحيحين "، من حديث غندر، به. وقال ابن ماجه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبي ووكيع، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يكون بين يدي الساعة أيام، يرفع فيها العلم، وينزل فيها الجهل، ويكثر فيها الهرج، والهرج القتل» ". وهكذا رواه البخاري ومسلم من حديث الأعمش، به ".

وقال ابن ماجه: حدثني علي بن محمد، حدثنا أبو معاوية، عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " «يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام ولا

صلاة ولا نسك ولا صدقة، ويسرى على الكتاب في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس; الشيخ الكبير، والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولها ". فقال له صلة: ما تغني عنهم: " لا إله إلا الله " وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام، ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: يا صلة، تنجيهم من النار. ثلاثا» .

وهذا دال على أن العلم قد يرفع من صدور الرجال في آخر الزمان، حتى إن القرآن يسرى عليه فيرفع من المصاحف والصدور، ويبقى الناس بلا علم ولا قرآن، وإنما الشيخ الكبير والعجوز المسنة يخبران أنهم أدركوا الناس وهم يقولون: لا إله إلا الله فهم يقولونها أيضا على وجه التقرب بها إلى الله عز وجل، فهي نافعة لهم، وإن لم يكن عندهم من العمل الصالح والعلم النافع غيرها، وقوله: تنجيهم من النار. يحتمل أن يكون المراد أنها تدفع عنهم دخول النار بالكلية، ويكون فرضهم في ذلك الزمان القول المجرد عن العمل، لعدم تكليفهم بالأعمال، التي لم يخاطبوا بها، والله أعلم. ويحتمل أن يكون أراد نجاتهم من النار بعد دخولهم إليها، وأن لا إله إلا الله تكون سبب نجاتهم من العذاب الدائم المستمر. وعلى هذا يحتمل أن يكونوا من المرادين بقوله تعالى في الحديث: " «وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال يوما من الدهر: لا إله إلا الله» ". كما سيأتي بيانه في أحاديث الشفاعة، ويحتمل أن يكون أولئك قوما آخرين. والله أعلم.

والمقصود: أن العلم يرفع في آخر الزمان، ويكثر الجهل، في رواية، وفي رواية: وينزل الجهل. أي يلهم أهل ذلك الزمان الجهل، وذلك من قهر الله عليهم، وخذلانه إياهم، نعوذ بالله من ذلك، ثم لا يزالون كذلك في تزايد من الجهالة والضلالة، إلى منتهى الآجال، كما في الحديث الأخير: " «لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله الله» "، و " «لا تقوم الساعة إلا على أشرار الناس» ".

وفي الطبراني من حديث مطرح بن يزيد، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن لهذا الدين إقبالا وإدبارا، وإن من إقباله أن تفقه القبيلة بأسرها حتى لا يبقى فيها إلا الفاسق أو الفاسقان، فهما ذليلان فيها مضطهدان، إن تكلما قهرا وذلا واضطهدا، وإن من إدبار هذا الدين أن تجفو القبيلة بأسرها فلا يبقى فيها إلا الفقيه أو الفقيهان، فهما ذليلان مضطهدان، إن تكلما قهرا واضطهدا، ويلعن آخر هذه الأمة أولها، ألا وعليهم حلت اللعنة، حتى يشرب الخمر علانية، وحتى تمر المرأة بالقوم، فيقوم إليها بعضهم، فيرفع بذيلها كما يرفع بذنب النعجة، فيقول بعضهم: ألا واريتها وراء حائط. فهو يومئذ فيهم مثل أبي بكر وعمر فيكم، ومن أمر يومئذ بمعروف، ونهى عن منكر، فله أجر خمسين ممن رآني وآمن بي وأطاعني وبايعني» ".

** [ذكر شرور تحدث في هذه الأمة في آخر الزمان] وإن كان قد وجد بعضها في زماننا أيضا **

قال ابن ماجه في كتاب الفتن من " سننه ": حدثنا محمود بن خالد الدمشقي، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أبو أيوب، عن ابن أبي مالك، عن أبيه، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عمر، قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " «يا معشر المهاجرين، خمس خصال إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم، إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله، إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا مما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم» ". تفرد به ابن ماجه، وفيه غرابة.

وقال الترمذي: حدثنا صالح بن عبد الله، حدثنا الفرج بن فضالة أبو فضالة الشامي، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن عمر بن علي، عن

علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل فيها البلاء ". قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: " إذا كان المغنم دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وأطاع الرجل زوجته، وعق أمه، وبر صديقه، وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وشربت الخمر، ولبس الحرير، واتخذت القينات، والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء، أو خسفا ومسخا» ". ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث علي إلا من هذا الوجه، ولا نعلم أحدا روى هذا الحديث عن يحيى بن سعيد الأنصاري غير الفرج بن فضالة،، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وقد روى عنه وكيع وغير واحد من الأئمة.

وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن الحسين القيسي، حدثنا يونس بن أرقم، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن، عن زيد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، فلما صلى صلاته ناداه رجل: متى الساعة؟ فزبره رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهره، وقال: " اسكت ". حتى إذا أسفر

رفع طرفه إلى السماء، فقال: " تبارك رافعها ومدبرها ". ثم رمى ببصره إلى الأرض، فقال: " تبارك داحيها وخالقها ". ثم قال: " أين السائل عن الساعة؟ " فجثا الرجل على ركبتيه، فقال: أنا بأبي وأمي سألتك. فقال: " ذلك عند حيف الأئمة، وتصديق بالنجوم، وتكذيب بالقدر، وحتى تتخذ الأمانة مغنما، والصدقة مغرما، والفاحشة زيادة. فعند ذلك هلك قومك» ". ثم قال البزار: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ويونس بن أرقم كان صادقا، روى عنه الناس، وفيه شيعية شديدة.

ثم قال الترمذي: حدثنا علي بن حجر، حدثنا محمد بن يزيد، عن المستلم بن سعيد، عن رميح الجذامي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إذا اتخذ الفيء دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وتعلم لغير الدين، وأطاع الرجل امرأته، وعق أمه، وأدنى صديقه، وأقصى أباه، وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وظهرت القينات والمعازف، وشربت الخمور، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء، وخسفا، ومسخا، وقذفا، وآيات تتابع، كنظام بال قطع سلكه فتتابع» ". وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

حدثنا عباد بن يعقوب الكوفي، حدثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن هلال بن يساف، عن عمران بن حصين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «في هذه الأمة خسف، ومسخ، وقذف ". فقال رجل من المسلمين: ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال: " إذا ظهرت القينات والمعازف، وشربت الخمور» ". ثم قال: هذا حديث غريب، وروي هذا الحديث عن الأعمش، عن عبد الرحمن بن سابط، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا.

وقال الترمذي: حدثنا موسى بن عبد الرحمن الكندي، حدثنا زيد بن حباب، أخبرني موسى بن عبيدة، أخبرني عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا مشت أمتي المطيطاء، وخدمها أبناء الملوك، أبناء فارس والروم، سلط شرارها على خيارها ".» وهذا حديث غريب، وقد رواه أبو معاوية، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، فذكره، ولا نعرف له أصلا، وقد رواه مالك، عن يحيى بن سعيد، مرسلا.

ثم روى من حديث صالح المري، عن سعيد الجريري، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأموركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير

لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأموركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها» ". ثم قال: غريب، لا نعرفه إلا من حديث صالح المري، وله غرائب لا يتابع عليها، وهو رجل صالح.

وروى الحافظ أبو بكر الإسماعيلي من طريق مبارك بن حسان، عن عمر بن عاصم بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «كيف أنتم إذا طغى نساؤكم، وفتق شأنكم؟ " قالوا: يا رسول الله، وإن ذلك لكائن؟! قال: " وأشد من ذلك، لا تأمرون بالمعروف، ولا تنهون عن المنكر ". قالوا: وإن ذلك لكائن؟! قال: " وأشد من ذلك، ترون المعروف منكرا والمنكر معروفا ". قالوا: وإن ذلك لكائن؟! قال: " وأشد منه; تأمرون بالمنكر وتنهون عن المعروف ". قالوا: وإن ذلك لكائن؟ قال: " وأشد من ذلك ". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بئس أولئك القوم، وبئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، وبئس القوم قوم يستحلون المحرمات والشهوات بالشبهات، وبئس القوم قوم يمشي المؤمن بين أظهرهم بالتقية والكتمان» ".

وقال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا عباد بن عباد، عن مجالد بن سعيد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «لتضربن مضر عباد الله حتى لا يعبد لله اسم، وليضربنهم المؤمنون حتى لا يمنعوا ذنب تلعة» ". تفرد به أحمد من هذا الوجه.

وقال أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، يعني ابن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» ".

ورواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، زاد أبو داود: وعن قتادة، كلاهما عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، به، وسيأتي في ذكر أشراط الساعة حديث ابن مسعود، وفيه: " «وتزخرف المحاريب، وتخرب القلوب» ".

وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا شريك بن عبد الله، عن عثمان بن عمير، عن زاذان أبي عمر، عن عليم، قال: كنا جلوسا على سطح، معنا رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال يزيد: لا أعلمه إلا عبسا الغفاري - والناس يخرجون في الطاعون، فقال عبس: يا طاعون، خذني. ثلاثا يقولها، فقال له عليم: لم تقول هذا؟ ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «لا يتمنى أحدكم الموت؟ فإنه عند انقطاع عمله، ولا يرد فيستعتب» ". فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «بادروا بالموت ستا: إمرة السفهاء، وكثرة الشرط، وبيع الحكم، واستخفافا بالدم، وقطيعة الرحم، ونشوا يتخذون القرآن مزامير

يقدمونه يغنيهم وإن كان أقل منهم فقها» ". تفرد به أحمد.

وفي رواية أبي معلى عن الحكم بن عمرو مثله أو نحوه، كما ذكرنا في الزيادات على " مسند أحمد "، والله سبحانه أحمد، وقد قال الطبراني: حدثنا ابن إسحاق التستري، حدثنا عبد الله بن معاوية الجمحي، حدثنا جميل بن عبيد الطائع، حدثنا أبو معلى، قال: قال الحكم الغفاري: يا طاعون، خذني إليك. فقال له رجل من القوم: لم تقول هذا، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «لا يتمنين أحدكم الموت» "؟ فقال: قد سمعت ما سمعتم، ولكني أبادر ستا: بيع الحكم، وكثرة الشرط، وإمارة الصبيان، وسفك الدماء، وقطيعة الرحم، ونشوا يكونون في آخر الزمان يتخذون القرآن مزامير.

وروى الطبراني من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ ". قيل: ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال: " إذا ظهرت المعازف والقينات، واستحلت الخمر» ". له شاهد في " صحيح البخاري " من حديث أبي مالك أو أبي عامر، كما جزم به البخاري.

وقال الإمام أحمد: ثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا عبيد الله بن إياد بن لقيط،

سمعت أبي يذكر عن حذيفة، قال «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فقال: " علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو، ولكن أخبركم بمشاريطها، وما يكون بين يديها، إن بين يديها فتنا وهرجا ". قالوا: يا رسول الله، الفتنة عرفناها، فالهرج ما هو؟ قال: " هو بلسان الحبشة القتل ". قال: " ويلقى بين الناس التناكر فلا يكاد أحد يعرف أحدا ".» تفرد به أحمد.

وقال أحمد أيضا: ثنا أبو المغيرة، ثنا صفوان، حدثني السفر بن نسير الأزدي وغيره، عن حذيفة بن اليمان، أنه قال: «يا رسول الله، إنا كنا في شر، فذهب الله بذلك الشر، وجاء بخير على يديك، فهل بعد الخير من شر؟ قال: " نعم ". قلت: ما هو؟ قال: " فتن كقطع الليل المظلم يتبع بعضها بعضا، تأتيكم مشتبهة كوجوه البقر لا تدرون أيا من أي ".»

وقال أحمد: ثنا سليمان، ثنا إسماعيل، حدثني عمرو، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي، عن حذيفة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «لا تقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم، وتجتلدوا بأسيافكم، ويرب دنياكم شراركم» ".

وبه: " «لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع» ". وقال الطبراني: ثنا الحسين بن إسحاق التستري، ثنا عمرو بن هشام

أبو أمية الحراني، ثنا عثمان بن عبد الرحمن، عن صدقة، عن زيد بن واقد، عن العلاء بن الحارث، عن حزام بن حكيم بن حزام، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «إنكم قد أصبحتم في زمان كثير فقهاؤه، قليل خطباؤه، كثير معطوه، قليل سائلوه، العمل فيه خير من العلم، وسيأتي زمان قليل فقهاؤه، كثير خطباؤه، كثير سؤاله، قليل معطوه، العلم فيه خير من العمل» ".

وقال أحمد: ثنا حماد بن أسامة، أخبرني مسعر، عن عبد الملك، عن هلال بن يساف، عن عبد الله بن ظالم، عن سعيد بن زيد قال: «ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنا كقطع الليل المظلم، أراه قال: " فيذهب الناس أسرع ذهاب ". قال: فقيل: يا رسول الله، كلهم هالك أو بعضهم؟ قال: " حسبهم - أو: بحسبهم - القتل» ". تفرد به.

وقال أحمد أيضا: ثنا عبد الرحمن، ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان، عن خالد بن عرفطة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يا خالد، إنها ستكون بعدي أحداث وفتن، فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول لا القاتل فافعل» ".

وروى الطبراني من حديث ثابت بن عجلان، حدثني أبو كثير المحاربي،

سمعت خرشة المحاربي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «ستكون فتن، النائم فيها خير من اليقظان، والجالس فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، ألا فمن أتت عليه فليمش بسيفه إلى الصفا فليضرب به حتى ينكسر، ثم ليضطجع حتى تنجلي عما انجلت» ". وذكر الحديث.

** [فصل في ذكر المهدي الذي يكون في آخر الزمان] **

وهو أحد الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، وليس هو بالمنتظر الذي تزعم الرافضة، وترتجي ظهوره من سرداب سامرا، فإن ذلك ما لا حقيقة له، ولا عين، ولا أثر، ويزعمون أنه محمد بن الحسن العسكري، وأنه دخل السرداب وعمره خمس سنين، وأما ما سنذكره فقد نطقت به الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه يكون في آخر الزمان، وأظن ظهوره يكون قبل نزول عيسى ابن مريم؟ فإن هذا يملأ الأرض عدلا، كما ملئت جورا وظلما، وهكذا عيسى ابن مريم، كما دلت على ذلك الأحاديث.

قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج وأبو نعيم، قالا: حدثنا فطر، عن

القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل، قال حجاج: سمعت عليا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لبعث الله رجلا منا يملؤها عدلا، كما ملئت جورا» ". قال أبو نعيم: " رجلا مني ". وقال: سمعته مرة يذكره عن حبيب، عن أبي الطفيل، عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم. ورواه أبو داود، عن عثمان بن أبي شيبة، عن أبي نعيم الفضل بن دكين.

وقال الإمام أحمد: حدثنا فضل بن دكين، حدثنا ياسين العجلي، عن إبراهيم بن محمد ابن الحنفية، عن أبيه، عن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة» ". ورواه ابن ماجه، عن عثمان بن أبي شيبة، عن أبي داود الحفري، عن ياسين العجلي، وليس هذا ياسين بن معاذ الزيات، الزيات ضعيف، والعجلي أوثق منه.

وقال أبو داود: حدثت عن هارون بن المغيرة، حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن شعيب بن خالد، عن أبي إسحاق، قال: «قال علي، ونظر إلى ابنه الحسن، فقال: إن ابني هذا سيد كما سماه النبي صلى الله عليه وسلم، وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم صلى الله عليه وسلم، يشبهه في الخلق، ولا يشبهه في الخلق - ثم ذكر قصة - يملأ الأرض عدلا» .

وقد عقد أبو داود السجستاني، رحمه الله، كتاب المهدي مفردا في

" سننه "، فأورد في صدره حديث جابر بن سمرة، «عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يزال هذا الدين قائما حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة، كلهم تجتمع عليه الأمة ". وفي رواية: " لا يزال هذا الدين عزيزا إلى اثني عشر خليفة ". قال: فكبر الناس وضجوا، ثم قال كلمة خفية، قلت لأبي: ما قال؟ قال: " كلهم من قريش ". وفي رواية قال: فلما رجع إلى بيته أتته قريش، فقالوا: ثم يكون ماذا؟ قال: " ثم يكون الهرج» ".

ثم روى أبو داود من حديث سفيان الثوري، وأبي بكر بن عياش، وزائدة، وفطر، ومحمد بن عبيد، كلهم عن عاصم بن أبي النجود، وهو ابن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم ". قال زائدة: " لطول الله ذلك اليوم ". ثم اتفقوا: " حتى يبعث فيه رجلا مني - أو: من أهل بيتي - يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي ". زاد في حديث فطر: " يملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت ظلما وجورا ". وقال في حديث سفيان: " لا تذهب - أو: لا تنقضي - الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي» ". وهكذا رواه أحمد عن عمر بن عبيد، وعن سفيان بن عيينة، ومن حديث سفيان الثوري،

كلهم عن عاصم، به. ورواه الترمذي من حديث السفيانين، به، وقال: حسن صحيح. قال الترمذي: وفي الباب عن علي، وأبي سعيد، وأم سلمة، وأبي هريرة.

ثم قال الترمذي: حدثنا عبد الجبار بن العلاء العطار، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي» ". قال عاصم: وأخبرنا أبو صالح، عن أبي هريرة، قال: " «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يلي» " ثم قال: هذا حديث حسن صحيح.

وقال أبو داود: حدثنا سهل بن تمام بن بزيع، حدثنا عمران القطان، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «المهدي مني، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت ظلما وجورا، يملك سبع سنين» ".

وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي،

حدثنا أبو المليح الحسن بن عمر، عن زياد بن بيان، عن علي بن نفيل، عن سعيد بن المسيب، عن أم سلمة، قالت: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " المهدي من عترتي، من ولد فاطمة» ". قال عبد الله بن جعفر: سمعت أبا المليح يثني على علي بن نفيل، ويذكر عنه صلاحا. ورواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أحمد بن عبد الملك، عن أبي المليح الرقي، عن زياد بن بيان، به. فأما الحديث الذي رواه ابن عساكر في ترجمة محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وهو المهدي ابن المنصور، من طريق الدارقطني، ثنا إبراهيم بن عبد الصمد بن موسى الهاشمي، ثنا محمد بن الوليد القرشي، ثنا أسباط بن محمد الضبي، وصلة بن سليمان الواسطي، عن سليمان التيمي، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عثمان بن عفان، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المهدي من ولد العباس عمي» ". فإنه حديث غريب، كما قال الدارقطني، تفرد به محمد بن الوليد مولى بني هاشم، قال: ولم يكتب إلا عن شيخنا أبي إسحاق.

وقال أبو داود: حدثنا محمد بن المثني، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن صاحب له، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من أهل المدينة هاربا إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة، فيخرجونه وهو

كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إليه بعث من الشام، فيخسف بهم بالبيداء; بين مكة والمدينة، فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال الشام، وعصائب أهل العراق، فيبايعونه، ثم ينشأ رجل من قريش، أخواله كلب، فيبعث إليهم بعثا، فيظهرون عليهم، وذلك بعث كلب، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، فيقسم المال، ويعمل في الناس بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، ويلقي الإسلام بجرانه إلى الأرض، فيلبث سبع سنين، ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون» ".

وقال أبو داود: قال هارون، يعني ابن المغيرة، حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن مطرف بن طريف، عن أبي الحسن، عن هلال بن عمرو، سمعت عليا يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " «يخرج رجل من وراء النهر، يقال له: الحارث. حراث، على مقدمته رجل يقال له: منصور. يوطئ - أو: يمكن - لآل محمد، كما مكنت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وجبت على كل مؤمن نصرته» ". أو قال: " إجابته ".

وقال ابن ماجه: حدثنا حرملة بن يحيى المصري، وإبراهيم بن سعيد الجوهري، قالا: حدثنا أبو صالح عبد الغفار بن داود الحراني، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي زرعة عمرو بن جابر الحضرمي، عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يخرج ناس من المشرق، فيوطئون للمهدي» ". يعني سلطانه.

وقال ابن ماجه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا معاوية بن هشام، حدثنا علي بن صالح، عن يزيد بن أبي زياد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: «بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل فتية من بني هاشم، فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم اغرورقت عيناه، وتغير لونه، قال: فقلت: ما نزال نرى في وجهك شيئا تكرهه. فقال: " إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء وتشريدا وتطريدا، حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود، فيسألون الخير، فلا يعطونه، فيقاتلون فينصرون، فيعطون ما سألوا، فلا يقبلونه حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي، فيملؤها قسطا، كما ملئوها جورا، فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم ولو حبوا على الثلج» ". ففي هذا الحديث إشارة إلى ملك بني العباس، كما تقدم التنبيه على ذلك عند ذكر ابتداء دولتهم في سنة ثنتين وثلاثين ومائة، وفيه دلالة على أن المهدي يكون بعد دولة بني العباس، وأنه يكون من أهل البيت من ذرية فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم من ولد الحسن، لا الحسين، كما تقدم في حديث علي بن أبي طالب، والله سبحانه أعلم.

وقال ابن ماجه: حدثنا محمد بن يحيى، وأحمد بن يوسف، قالا: حدثنا عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يقتتل عند كنزكم

ثلاثة كلهم ابن خليفة. ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود، من قبل المشرق، فيقتلونكم قتلا لم يقتله قوم ". ثم ذكر شيئا لا أحفظه، فقال: " فإذا رأيتموه فبايعوه، ولو حبوا على الثلج; فإنه خليفة الله المهدي» ". تفرد به ابن ماجه، وإسناده قوي صحيح، والظاهر أن المراد بهذا الكنز المذكور كنز الكعبة، يقتتلون عنده; ليأخذه ثلاثة من أولاد الخلفاء، حتى إذا كان في آخر الزمان خرج المهدي من بلاد المشرق، وقيل: من مكة. لا من سرداب سامرا، كما تزعمه الرافضة من أنه محبوس فيه الآن، وهم ينتظرون خروجه في آخر الزمان، وهذا من الهذيان، وقسط كبير من الخذلان، وهوس شديد من الشيطان; إذ - لا دليل على ذلك ولا برهان، من كتاب ولا سنة ولا معقول صحيح ولا بيان.

وقال الترمذي: حدثنا قتيبة، حدثنا رشدين بن سعد، عن يونس، عن ابن شهاب الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يخرج من خراسان رايات سود، فلا يردها شيء حتى تنصب بإيلياء» ". هذا - حديث غريب. وهذه الرايات السود ليست هي التي أقبل بها أبو مسلم الخراساني، فاستلب بها دولة بني أمية، في سنة ثنتين وثلاثين ومائة، بل هي رايات سود أخرى تأتي صحبة المهدي، وهو محمد بن عبد الله العلوي الفاطمي الحسني، والله أعلم، يصلحه الله في ليلة واحدة، أي: يتوب عليه، ويوفقه، يلهمه رشده، بعد أن لم يكن كذلك، ويؤيده بناس من أهل المشرق، ينصرونه، ويقيمون سلطانه، ويشيدون أركانه، وتكون راياتهم سودا أيضا،

وهو زي عليه الوقار; لأن «راية رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت سوداء، يقال لها: العقاب. وقد ركزها خالد بن الوليد على الثنية التي هي شرقي دمشق، حين أقبل من العراق،» فعرفت بها الثنية، فهي إلى الآن يقال لها: ثنية العقاب. وقد كانت عقابا على الكفار، من نصارى الشام والروم والعرب والفرس. وأطدت حسن العاقبة لعباد الله الذين وعدهم الله أن يرثوا الأرض، من المهاجرين والأنصار، ولمن كان معهم وبعدهم إلى يوم الدين. وكذلك «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح إلى مكة وعلى رأسه المغفر وكان أسود، وجاء في رواية أنه كان معتما بعمامة سوداء، فوق البيضة» .

والمقصود أن المهدي الموعود به يكون في آخر الزمان، ويكون أصل خروجه من ناحية المشرق، ثم يأتي مكة، فيبايع له عند البيت الحرام، كما ذكر ذلك في الحديث، وقد أفردت في ذكر المهدي جزءا على حدة.

وقال ابن ماجه: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا محمد بن مروان العقيلي، حدثنا عمارة بن أبي حفصة، عن زيد العمي، عن أبي صديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «يكون في أمتي المهدي إن قصر فسبع وإلا فتسع تنعم فيه أمتي نعمة لم (ينعموا مثلها) قط; تؤتي الأرض أكلها، ولا تدخر منه شيئا، والمال يومئذ كدوس، يقوم الرجل فيقول: يا مهدي،

أعطني. فيقول: خذ» ".

وقال الترمذي: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت زيدا العمي، سمعت أبا الصديق الناجي يحدث عن أبي سعيد الخدري، قال: خشينا أن يكون بعد نبينا حدث، فسألنا نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " «إن في أمتى المهدي، يخرج يعيش خمسا أو سبعا أو تسعا ". زيد الشاك، قال: قلنا: وما ذاك؟ قال: سنين. قال: " فيجيء إليه الرجل فيقول: يا مهدي، أعطنى، أعطنى ". قال: فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله» ". هذا حديث حسن، وقد روي من غير وجه، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو الصديق الناجي اسمه بكر بن عمرو، ويقال: بكر بن قيس! . وهذا يدل على أن أكثر مدته تسع سنين، وأقلها خمس أو سبع، ولعله هو الخليفة الذى يحثو المال حثيا ولا يعده عدا، والله أعلم، وفى زمانه تكون الثمار كثيرة، والزروع غزيرة، والمال وافرا، والسلطان قاهرا، والدين قائما ظاهرا، والعدو ملوما مخذولا داخرا، والبلاد آمنة، والأمر والنهي قائما، والرزق دارا دائما.

. وقال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا عباد بن عباد، حدثنا مجالد بن سعيد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد، قال: قلت: والله ما يأتي علينا أمير إلا وهو شر من الماضي، ولا عام إلا وهو شر من الماضي. قال: لولا شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لقلت مثل ما يقول، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «إن من أمرائكم أميرا يحثو المال حثوا ولا يعده عدا، يأتيه الرجل

فيسأله، فيقول: خذ. فيبسط ثوبه، فيحثو فيه ". وبسط رسول الله صلى الله عليه وسلم ملحفة غليظة كانت عليه، يحكي صنع الرجل، ثم جمع إليه أكنافها، قال: " فيأخذه، ثم ينطلق» ". تفرد به أحمد من هذا الوجه.

وقال ابن ماجه: حدثنا هدية بن عبد الوهاب، حدثنا سعد بن عبد الحميد بن جعفر، عن علي بن زياد اليمامي، عن عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «نحن، ولد عبد المطلب، سادة أهل الجنة، أنا، وحمزة، وعلي، وجعفر، والحسن، والحسين، والمهدي» ". قال شيخنا أبو الحجاج المزي: كذا وقع في " سنن ابن ماجه "، وفي إسناده علي بن زياد اليمامي، والصواب: عبد الله بن زياد السحيمي.

قلت: وكذا أورده البخاري في " التاريخ "، وابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل "، وهو رجل مجهول، وهذا الحديث منكر.

وفي " الطبراني " من حديث حسين بن علي، عن الأوزاعي، عن

قيس بن جابر الصدفي، عن أبيه، عن جده مرفوعا: " «سيكون بعدي خلفاء، ثم ملوك، ثم أمراء، ثم جبابرة، ثم يخرج رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، ثم يؤمر القحطاني، فوالذي نفسي بيده ما هو بدونه» ".

فأما الحديث الذي رواه ابن ماجه في " سننه ": حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن إدريس الشافعي، حدثني محمد بن خالد الجندي، عن أبان بن صالح، عن الحسن، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا الدنيا إلا إدبارا، ولا الناس إلا شحا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس، ولا المهدي إلا عيسى ابن مريم» ". فإنه حديث مشهور بمحمد بن خالد الجندي الصنعاني المؤذن، شيخ الشافعي، وروى عنه غير واحد أيضا، وليس هو بمجهول كما زعمه الحاكم، بل قد روي عن ابن معين أنه وثقه، ولكن من الرواة من حدث به عنه، عن أبان بن أبي عياش، عن الحسن البصري، مرسلا، وذكر شيخنا في " التهذيب "، عن بعضهم، أنه رأى الشافعي في المنام وهو يقول: كذب علي يونس بن عبد الأعلى الصدفي، ليس هذا من حديثي.

قلت: يونس بن عبد الأعلى من الثقات، لا يطعن فيه بمجرد منام، وهذا الحديث فيما يظهر في بادي الرأي مخالف للأحاديث التي أوردناها في إثبات مهدي غير عيسى ابن مريم، إما قبل نزوله وهو الأظهر، والله أعلم، وإما بعد

نزوله، وعند التأمل يكون هذا الحديث لا ينافيها، ويكون المراد من ذلك أن المهدي حق المهدي هو عيسى ابن مريم، ولا ينفي ذلك أن يكون غيره مهديا أيضا.

** [ذكر أنواع من الفتن وقعت وستكثر وتتفاقم في آخر الزمان] **

قال البخاري: حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا ابن عيينة أنه سمع الزهري، عن عروة، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم حبيبة، عن زينب بنت جحش، أنها قالت: «استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من النوم محمرا وجهه، يقول: " لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب! فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه ". وعقد سفيان تسعين أو مائة، قيل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: " نعم، إذا كثر الخبث» ". وهكذا رواه مسلم عن عمرو الناقد، عن سفيان بن عيينة، به. قال: وعقد سفيان بيده عشرة. وكذلك رواه عن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، وقال: وحلق بإصبعه الإبهام، والتي تليها. ثم رواه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وسعيد بن عمرو، وزهير بن حرب، وابن أبي عمر، عن سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن زينب، عن حبيبة، عن أم حبيبة، عن زينب بنت جحش، فاجتمع فيه تابعيان، وربيبتان،

وزوجتان، أربع صحابيات، رضي الله عنهن.

وقال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " «فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه ". وعقد وهيب تسعين» . وهكذا رواه مسلم من حديث وهيب مثله.

وروى البخاري من حديث الزهري، عن هند بنت الحارث الفراسية، أن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فزعا، يقول: " سبحان الله! ماذا أنزل الليلة من الخزائن، وماذا أنزل من الفتن؟ من يوقظ صواحب الحجرات - يريد أزواجه - لكي يصلين، رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة» ".

ثم روى البخاري ومسلم من حديث الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد، قال: «أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على أطم من آطام المدينة، فقال: " هل ترون ما أرى؟ " قالوا: لا. قال: " فإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم، كوقع القطر» ". وروى البخاري من حديث الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن

النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «يتقارب الزمان، وينقص العلم، ويلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج ". قالوا: يا رسول الله، أيما هو؟ قال: " القتل، القتل» ". ورواه أيضا، عن الزهري، عن حميد، عن أبي هريرة، ثم رواه من حديث الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود، وأبي موسى.

وقال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن الزبير بن عدي، قال: أتينا أنس بن مالك، فشكونا إليه ما يلقون من الحجاج، فقال: " «اصبروا فإنه لا يأتي على الناس زمان إلا الذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم» " سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم. ورواه الترمذي من حديث الثوري، وقال: حسن صحيح. وهذا الحديث يعبر عنه العوام، فيما يوردونه، بلفظ آخر: كل عام ترذلون.

وروى البخاري ومسلم من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب، وعن

أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من يشرف لها تستشرفه، فمن وجد فيها ملجأ أو معاذا فليعذ به» ". ولمسلم عن أبي بكرة نحوه بأبسط منه.

وقال البخاري: حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سفيان، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، حدثنا حذيفة، قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا «أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة. وحدثنا عن رفعها قال: " ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت، ثم ينام النومة فتقبض، فيبقى أثرها مثل أثر المجل، كجمر دحرجته على رجلك فنفط،

فتراه منتبرا وليس فيه شيء، فيصبح الناس يتبايعون، ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلا أمينا. ويقال للرجل: ما أعقله، وما أظرفه، وما أجلده! وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلما رده علي الإسلام، وإن كان نصرانيا رده علي ساعيه، وأما اليوم فما كنت أبايع إلا فلانا وفلانا» ". ورواه مسلم من حديث الأعمش، به.

وروى البخاري من حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه، ومن حديث الليث، عن نافع، عن ابن عمر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام إلى جنب المنبر وهو مستقبل المشرق، فقال: " ألا إن الفتنة هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان ". أو قال: " قرن الشمس» ". ورواه مسلم من حديث الزهري وغيره، عن سالم به. ورواه أحمد من طريق عبد الله بن دينار، والطبراني من رواية عطية، كلاهما عن عبد الله بن عمر، به.

وقال البخاري: حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه» ".

وقال الإمام أحمد: ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنا يونس، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " «توشكون أن يملأ الله أيديكم من العجم - وقال عفان مرة: من الأعاجم - يكونون أسدا لا يفرون، يقتلون مقاتلتكم، ويأكلون فيئكم» .

وقال البخاري: حدثنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة» ". وذو الخلصة طاغية دوس، التي كانوا يعبدون في الجاهلية.

وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي، عن عقبة بن خالد، حدثنا عبيد الله، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن جده حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يوشك الفرات أن يحسر عن

كنز من ذهب، فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا» ". قال عقبة: وحدثنا عبيد الله، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، إلا أنه قال: " «يحسر عن جبل من ذهب» ". وكذلك رواه مسلم، من حديث عقبة بن خالد، من الوجهين.

ثم رواه عن قتيبة، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا «تقوم الساعة حتى ينحسر الفرات عن جبل من ذهب، يقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو» ".

ثم روى من حديث عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال: كنت واقفا مع أبي بن كعب في ظل أجم " حسان، فقال: لا يزال الناس مختلفة أعناقهم في طلب الدنيا، قلت: أجل. قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب، فإذا سمع به الناس ساروا إليه، فيقول من عنده: لئن تركنا الناس يأخذون منه ليذهبن به كله ". قال: " فيقتتلون عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون» ".

وقال البخاري: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن

عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان يكون بينهما مقتلة عظيمة، دعواهما واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين، كل يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، وهو القتل، وحتى يكثر فيكم المال فيفيض، حتى يهم رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي به. وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه. وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون وذلك حين {لا ينفع نفسا إيمانها لم تكنءامنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا} [الأنعام: 158] . ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه. ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه. ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها» ".

وقال الإمام أحمد: ثنا سريج بن النعمان، ثنا عبد العزيز، يعني الدراوردي، عن زيد بن أسلم، عن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «لا تقوم الساعة حتى يخرج قوم يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقر

بألسنتها» ". تفرد به أحمد.

وقال مسلم: حدثني حرملة بن يحيى التجيبي، أنا ابن وهب، أنا يونس، عن ابن شهاب، أن أبا إدريس الخولاني، قال: «قال حذيفة بن اليمان: والله إني لأعلم الناس بكل فتنة كائنة فيما بيني وبين الساعة، وما بي إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أسر إلي في ذلك شيئا لم يحدثه غيري، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يحدث مجلسا أنا فيه عن الفتن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعد الفتن: " منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئا، ومنهن فتن كرياح الصيف، منها صغار، ومنها كبار ". قال حذيفة: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري» .

وروى مسلم من حديث زهير، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إذا منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم ". شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه» .

قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا الجريري، عن أبي نضرة، قال: كنا عند جابر فقال: «يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم. قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل العجم، يمنعون ذاك. ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولا مدي. قلنا: من أين ذاك. قال: من قبل الروم، يمنعون ذاك. قال: ثم سكت هنيهة، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يكون من آخر أمتي خليفة يحثو المال حثيا لا يعده عدا ". قال الجريري: فقلت لأبي نضرة وأبي العلاء: أتريانه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا: لا» ورواه مسلم من حديث الجريري، بنحوه.

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا أفلح بن سعيد الأنصاري، شيخ من أهل قباء من الأنصار، حدثني عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «إن طالت بكم مدة أوشك أن ترى قوما يغدون في سخط الله، ويروحون في لعنته، في أيديهم مثل أذناب البقر» ". وأخرجه مسلم عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن زيد بن

الحباب، عن أفلح بن سعيد، به.

ثم روى عن زهير بن حرب، عن جرير، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «صنفان من أهل النار لم أرهما بعد; قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» ".

وقال أحمد: حدثنا زيد بن يحيى الدمشقي، حدثنا أبو معيد، حدثنا مكحول، عن أنس بن مالك، قال: «قيل: يا رسول الله، متى ندع الائتمار بالمعروف، والنهي عن المنكر؟ قال: " إذا ظهر فيكم مثل ما ظهر في بني إسرائيل، إذا كانت الفاحشة في كباركم، والعلم في رذالكم، والملك في صغاركم» ". ورواه ابن ماجه، عن العباس بن الوليد الدمشقي، عن زيد بن يحيى بن عبيد، عن الهيثم بن حميد، عن أبى معيد حفص بن غيلان، عن مكحول، عن أنس، فذكر نحوه.

وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا أبو عوانة، عن عطاء

بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، أنه حدثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «ضاف رجل رجلا من بني إسرائيل، وفي داره كلبة مجح، فقالت الكلبة: والله لا أنبح ضيف أهلي. قال: فعوى جراؤها في بطنها. قال: قيل: ما هذا؟ قال: فأوحى الله، عز وجل، إلى رجل منهم: هذا مثل أمة تكون من بعدكم، يقهر سفهاؤها حلماءها» ".

وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق، عن الأوزاعي، حدثني أبو عمار، حدثني جار لجابر بن عبد الله، قال: قدمت من سفر، فجاءني جابر يسلم علي، فجعلت أحدثه عن افتراق الناس وما أحدثوا، فجعل جابر يبكي، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الناس دخلوا في دين الله أفواجا، وسيخرجون منه أفواجا ".»

وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو يونس، عن أبي هريرة. وقال حسن: حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو يونس، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «ويل للعرب من شر قد اقترب; فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا، ويمسي كافرا، يبيع قوم دينهم بعرض من الدنيا قليل، المتمسك يومئذ بدينه كالقابض على الجمر» ". أو قال: " على الشوك ". وقال حسن في حديثه: " بخبط الشوك ".

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو جعفر المدائني، حدثنا عبد الصمد بن حبيب الأزدي، عن أبيه حبيب بن عبد الله، عن شبيل بن عوف، عن أبي هريرة، قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لثوبان: " كيف أنت يا ثوبان، إذا تداعت عليكم الأمم كتداعيهم إلى قصعة الطعام، يصيبون منه؟ " قال ثوبان: بأبي وأمي يا رسول الله، أمن قلة بنا؟ قال: " لا، بل أنتم يومئذ كثير، ولكن يلقى في قلوبكم الوهن ". قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: " حبكم الدنيا، وكراهيتكم القتال» ".

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن رجل، عن عمرو بن وابصة الأسدي، عن أبيه، قال: إني بالكوفة في داري، إذ سمعت على باب الدار: السلام عليكم، أألج؟ فقلت: عليكم السلام، فلج. فلما دخل، فإذا هو عبد الله بن مسعود، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أية ساعة زيارة هذه؟! وذلك في نحر الظهيرة، فقال: طال علي النهار، فذكرت من أتحدث إليه. قال: فجعل يحدثني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحدثه، ثم أنشأ يحدثني، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «تكون فتنة، النائم فيها خير من المضطجع، والمضطجع فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير

من الماشي، والماشي خير من الراكب، والراكب خير من المجري، قتلاها كلها في النار ". قال: قلت: يا رسول الله، ومتى ذلك؟ قال: " ذلك أيام الهرج ". قلت: ومتى أيام الهرج؟ قال: " حين لا يأمن الرجل جليسه ". قال: قلت: فما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: " اكفف نفسك ويدك، وادخل دارك ". قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن دخل رجل علي داري؟ قال: " فادخل بيتك ". قال: قلت: أرأيت إن دخل علي بيتي؟ قال: " فادخل مسجدك، واصنع هكذا - وقبض بيمينه على الكوع - وقل: ربي الله. حتى تموت على ذلك» ". وقال أبو داود: حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبي، حدثنا شهاب بن خراش، عن القاسم بن غزوان، عن إسحاق بن راشد الجزري، عن سالم، حدثني عمرو بن وابصة، عن أبيه، «عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، فذكر بعض حديث أبي بكرة، قال: " قتلاها كلهم في النار ". قال فيه: قلت: متى ذلك يا ابن مسعود؟ قال: " تلك أيام الهرج، حيث لا يأمن الرجل جليسه ". قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك الزمان؟ قال: " تكف لسانك ويدك، وتكون حلسا من أحلاس بيتك» ". قال - يعني وابصة -: فلما قتل عثمان طار قلبي مطاره، فركبت حتى أتيت دمشق، فلقيت خريم بن فاتك الأسدي، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو لسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حدثنيه ابن مسعود.

وقال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن عثمان الشحام، حدثني مسلم بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إنها ستكون فتنة، المضطجع فيها خير من الجالس، والجالس خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي ". قال: يا رسول الله، ما تأمرني؟ قال: " من كانت له إبل فليلحق إبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه ". قال: فمن لم يكن له شيء من ذلك. قال: " فليعمد إلى سيفه فليضرب بحده على حرة، ثم لينج ما استطاع النجاء» ". وقد رواه مسلم من حديث عثمان الشحام بنحوه.

وقال أبو داود: حدثنا يزيد بن خالد الرملي، حدثنا المفضل، عن عياش، عن بكير، عن بسر بن سعيد، عن حسين بن عبد الرحمن الأشجعي، أنه «سمع سعد بن أبي وقاص، عن النبي صلى الله عليه وسلم، في هذا الحديث قال: فقلت: يا رسول الله، أرأيت إن دخل علي بيتي، وبسط يده ليقتلني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كن كابن آدم ". وتلا يزيد: {لئن بسطت إلي يدك لتقنلني} [المائدة: 28] »

الآية [المائدة: 28] انفرد به أبو داود من هذا الوجه.

وقال أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث بن سعد، عن عياش بن عباس، عن بكير بن عبد الله، عن بشر بن سعيد، أن سعد بن أبي وقاص قال عند فتنة عثمان بن عفان: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «إنها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي ". قال: أفرأيت إن دخل علي بيتي فبسط يده إلي ليقتلني؟ قال: " كن كابن آدم» ". وهكذا رواه الترمذي، عن قتيبة، عن الليث، عن عياش بن عباس القتباني، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن بسر بن سعيد الحضرمي، عن سعد بن أبي وقاص، فذكره، وقال: هذا حديث حسن، ورواه بعضهم عن الليث، وزاد في الإسناد رجلا. يعني: الحسين - وقيل: الحسيل - ابن عبد الرحمن، ويقال: عبد الرحمن بن الحسين عن سعد، كما رواه أبو داود آنفا.

ثم قال أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن محمد بن جحادة، عن عبد الرحمن بن ثروان، عن هزيل، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنا، ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا، ويصبح كافرا، القاعد فيها خير من القائم، والماشي فيها خير من الساعي، فكسروا قسيكم، وقطعوا أوتاركم، واضربوا سيوفكم بالحجارة، فإن دخل - يعني: على أحد منكم - فليكن

كخير ابني آدم» ".

وقال الإمام أحمد: حدثنا مرحوم، حدثني أبو عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا، وأردفني خلفه، فقال: «يا أبا ذر، أرأيت إن أصاب الناس جوع شديد، حتى لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك، كيف تصنع؟ " قال: الله ورسوله أعلم. قال: " تعفف ". قال: " يا أبا ذر، أرأيت إن أصاب الناس موت شديد، يكون البيت فيه بالعبد - يعني: القبر - كيف تصنع؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: " اصبر ". قال: " يا أبا ذر، أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضا - يعني حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء - كيف تصنع؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: " اقعد في بيتك، وأغلق عليك بابك ". قال: فإن لم أترك؟ قال: " فائت من أنت منهم، فكن فيهم ". قلت: فآخذ سلاحي؟ قال: " إذا تشاركهم فيما هم فيه، وكن إن خشيت أن يردعك شعاع السيف، فألق طرف ردائك على وجهك كي يبوء بإثمه وإثمك» ". هكذا رواه الإمام أحمد، وقد رواه أبو داود عن مسدد وابن ماجه عن أحمد بن عبدة، كلاهما عن حماد بن زيد، عن أبي عمران الجوني، عن المشعث بن طريف، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، بنحوه ". ثم قال أبو داود: لم يذكر المشعث في هذا

الحديث غير حماد بن زيد.

وقال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، ثنا عفان بن مسلم، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا عاصم الأحول، عن أبي كبشة، قال: سمعت أبا موسى يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن «بين أيديكم فتنا كقطع الليل، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي ". قالوا. فما تأمرنا؟ قال: " كونوا أحلاس بيوتكم» ".

وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبى قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وإني أعطيت الكنزين; الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكوا بسنة بعامة، ولا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي، عز وجل، قال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء، فإنه لا يرد، وإني أعطيت لأمتك أن لا أهلكهم بسنة بعامة، ولا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها - أو قال: من بأقطارها - حتى يكون بعضهم يسبي بعضا، وإنما أخاف على أمتي

الأئمة المضلين، وإذا وضع في أمتي السيف لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله، عز وجل» ". ورواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه من طرق، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، عن أبي أسماء عمرو بن مرثد، عن ثوبان بن بجدد، بنحوه، وقال الترمذي: حسن صحيح.

وقال أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا أبو داود الحفري، عن بدر بن عثمان، عن عامر، عن رجل، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «تكون في هذه الأمة أربع فتن، آخرها الفناء» ".

ثم قال أبو داود: حدثنا يحيى بن عثمان بن سعيد الحمصي، حدثنا أبو المغيرة، حدثني عبد الله بن سالم، حدثني العلاء بن عتبة، عن عمير بن هانئ العنسي، سمعت عبد الله بن عمر يقول: «كنا قعودا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الفتن، فأكثر في ذكرها، حتى ذكر فتنة الأحلاس، فقال قائل: يا رسول الله، وما فتنة الأحلاس؟ قال: " هي حرب وهرب، ثم فتنة السراء،

دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي، يزعم أنه مني، وليس مني، وإنما أوليائي المتقون، ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع، ثم فتنة الدهيماء، لا تدع أحدا من هذه الأمة إلا لطمته، حتى إذا قيل: انقضت عادت، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا، حتى يصير الناس إلى فسطاطين; فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، فإذا كان ذاكم، فانتظروا الدجال، من يومه أو من غده» ". تفرد به أبو داود، وقد رواه أحمد في " مسنده "، عن أبي المغيرة، بمثله.

وقال أبو داود: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز، يعني ابن أبي حازم، عن أبيه، عن عمارة بن عمرو، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «كيف بكم وزمان - أو: أوشك أن يأتي زمان - يغربل الناس فيه غربلة، تبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فكانوا

هكذا ". وشبك بين أصابعه، فقالوا: كيف بنا يا رسول الله؟ قال: " تأخذون بما تعرفون، وتدعون ما تنكرون، تقبلون على أمر خاصتكم، وتذرون أمر عامتكم» ". قال أبو داود: هكذا روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه. وهكذا رواه ابن ماجه، عن هشام بن عمار، ومحمد بن الصباح، عن عبد العزيز بن أبي حازم، به. ورواه أحمد في " مسنده "، عن سعيد بن منصور، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، به. وقد رواه الإمام أحمد، عن حسين بن محمد، عن محمد بن مطرف، عن أبي حازم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، فذكر نحوه، أو مثله.

ثم قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا يونس، يعني ابن أبي إسحاق، عن هلال بن خباب أبي العلاء، حدثنا عكرمة، حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: «بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذكر الفتنة، أو ذكرت عنده، فقال: " إذا رأيتم الناس قد مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا ". وشبك بين أصابعه، قال: فقمت إليه، فقلت: كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك؟ قال: " الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك،

ودع عنك أمر العامة» ". وهكذا رواه أحمد، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، به، وأخرجه النسائي في اليوم والليلة، عن أحمد بن بكار، عن مخلد بن يزيد، عن يونس بن أبي إسحاق، فذكر بإسناده نحوه.

قال أحمد: ثنا عبد القدوس بن الحجاج، ثنا حريز، يعني ابن عثمان الرحبي، ثنا راشد بن سعد المقرائي، عن أبي حي، عن ذي مخمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «كان هذا الأمر في حمير، فنزعه الله منهم، فجعله في قريش وس ي ع ود إل ي ه م» ". قال عبد الله بن أحمد: هكذا في كتاب أبي مقطع، وحيث حدثنا به تكلم به على الاستواء.

وقال أبو داود: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا الليث، عن طاوس، عن رجل يقال له: زياد. عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إنه ستكون فتنة تستنظف العرب، قتلاها في النار، اللسان فيها أشد من وقع السيف» ". وقد رواه أحمد، عن أسود بن عامر، عن حماد بن سلمة، والترمذي، وابن ماجه، من حديثه عن الليث، عن طاوس، عن زياد،

وهو الأعجم، ويقال له: زياد سيمين كوش. وقد حكى الترمذي عن البخاري أنه ليس لزياد هذا حديث سواه، وأن حماد بن زيد رواه عن الليث فوقفه، وقد استدرك ابن عساكر على البخاري هذا الحديث، فإن أبا داود رواه من طريق حماد بن زيد مرفوعا، فالله أعلم.

وقال أبو داود: حدثنا عبد الملك بن شعيب، حدثني ابن وهب، حدثني الليث، عن يحيى بن سعيد، قال: قال خالد بن أبي عمران، عن عبد الرحمن بن البيلماني، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «ستكون فتنة صماء بكماء عمياء، من أشرف لها استشرفت له، وإشراف اللسان فيها كوقوع السيف ".»

وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع - وقال: حدثنا أبو معاوية - حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، «عن عبد الله بن عمرو - وكنت جالسا معه في ظل الكعبة وهو يحدث الناس - قال: كنا مع

رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فنزلنا منزلا، فمنا من يضرب خباءه، ومنا من هو في جشره، ومنا من ينتضل، إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة جامعة. قال: فانتهيت إليه وهو يخطب الناس، ويقول: " أيها الناس، إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على ما يعلمه خيرا لهم، وينذرهم ما يعلمه شرا لهم، ألا وإن عافية هذه الأمة في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وفتن يرقق بعضها بعضا، تجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه مهلكتي. ثم تنكشف، ثم تجئ فيقول: هذه هذه. ثم تجيء فيقول: هذه، هذه. ثم تنكشف، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع ". وقال مرة: " ما استطاع ". قال عبد الرحمن: فلما سمعتها أدخلت رأسي بين رجلين، قلت: فإن ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، وأن نقتل أنفسنا، وقد قال الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [النساء: 29] . {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] . قال: فجمع يديه، فوضعهما على جبهته، ثم نكس هنيهة، ثم رفع رأسه، فقال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله.

قلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، سمعته أذناي، ووعاه قلبي» . ورواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، من حديث الأعمش، به، وأخرجه مسلم أيضا، من حديث الشعبي، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، عن عبد الله بن عمرو، بنحوه.

وقال أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا الحسن بن عمرو، عن أبي الزبير، عن عبد الله بن عمرو، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له: إنك ظالم. فقد تودع منهم» ".

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يكون في أمتي قذف وخسف ومسخ» ".

وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا يحيى بن أيوب، حدثني أبو قبيل، قال: كنا عند عبد الله بن عمرو، وسئل: أي المدينتين تفتح أولا؟ القسطنطينية أو رومية؟ قال: فدعا عبد الله بصندوق له حلق، قال: فأخرج منه كتابا. قال: فقال عبد الله: «بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المدينتين تفتح أولا؟ قسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مدينة هرقل تفتح أولا ". يعني القسطنطينية» .

وقال القرطبي في " التذكرة ": وروي من حديث حذيفة بن اليمان، عن

النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " «ويبدأ الخراب في أطراف الأرض حتى تخرب مصر، ومصر آمنة من الخراب حتى تخرب البصرة، وخراب البصرة من الغرق، وخراب مصر من جفاف النيل، وخراب مكة من الحبشة، وخراب المدينة من الجوع، وخراب اليمن من الجراد، وخراب الأبلة من الحصار، وخراب فارس من الصعاليك، وخراب الترك من الديلم، وخراب الديلم من الأرمن، وخراب الأرمن من الخزر، وخراب الخزر من الترك. . .، وخراب الترك من الصواعق، وخراب السند من الهند، وخراب الهند من الصين، وخراب الصين من الرمل، وخراب الحبشة من الرجفة، وخراب الزوراء من السفياني، وخراب الروحاء من الخسف، وخراب العراق من القحط» ". ثم قال: ذكره أبو الفرج ابن الجوزي، قال: وسمعت أن خراب الأندلس بالريح العقيم. والله أعلم.

وهذا الحديث لا يعرف في شيء من الكتب المعتمدة، وأخلق به أن لا يكون صحيحا، بل أخلق به أن يكون موضوعا، أو أن يكون موقوفا على حذيفة، ولا يصح عنه أيضا، والله سبحانه أعلم.

** [فصل في تعداد الآيات والأشراط الواقعة] **

قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا خلف، يعني ابن خليفة، عن أبي جناب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: «دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو

يتوضأ وضوءا مكيثا، فرفع رأسه، فنظر إلي، فقال: ست فيكم أيتها الأمة: موت نبيكم صلى الله عليه وسلم. فكأنما انتزع قلبي من مكانه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: واحدة ". قال: ويفيض المال فيكم، حتى إن الرجل ليعطى عشرة آلاف، فيظل يسخطها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثنتين. قال: وفتنة تدخل بيت كل رجل منكم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث ". قال: وموت كقعاص الغنم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أربع. وهدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، يجمعون لكم تسعة أشهر كقدر حمل المرأة، ثم يكونون أولى بالغدر منكم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس ". قال: وفتح مدينة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ست. قلت: يا رسول الله، أي مدينة؟ قال: قسطنطينية» ". وهذا الإسناد فيه نظر من جهة رجاله، ولكن له شاهد من وجه آخر صحيح، فقال البخاري: حدثنا الحميدي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الله بن العلاء بن زبر، قال: سمعت بسر بن عبيد الله، أنه سمع أبا إدريس قال: سمعت عوف بن مالك، قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فقال: " اعدد ستا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال، حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بنى الأصفر فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين راية، تحت كل

راية اثنا عشر ألفا» ". ورواه أبو داود وابن ماجه والطبراني، من حديث الوليد بن مسلم، ووقع في رواية الطبراني: عن الوليد، عن ابن زبر، عن زيد بن واقد، عن بسر بن عبيد الله، وقد صرح البخاري في روايته بسماع ابن زبر من بسر بن عبيد الله. فالله أعلم.

وعند أبي داود: فقلت: أدخل يا رسول الله؟ قال: " نعم ". قلت: كلي؟ قال: " نعم ". وإنما قلت ذلك; من صغر القبة.

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثنا عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، «عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فسلمت عليه، فقال: " عوف؟ " فقلت: نعم. فقال: " ادخل ". قال: قلت: كلي أو بعضي؟ قال: " بل كلك ". قال: " اعدد يا عوف ستا بين يدي الساعة: أولهن موتي ". قال: فاستبكيت حتى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسكتني. قال: " قل: إحدى ". قلت: إحدى. " والثانية فتح بيت المقدس، قل: اثنتين ". فقلت. " والثالثة موتان يكون في أمتي يأخذهم مثل قعاص الغنم، قل: ثلاثا ". فقلت. " والرابعة فتنة تكون في أمتي - وعظمها - قل: أربعا. والخامسة يفيض المال فيكم حتى إن الرجل ليعطى المائة دينار، فيسخطها، قل: خمسا. والسادسة: هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيسيرون إليكم على ثمانين غاية ". قلت: وما الغاية؟ قال: " الراية، تحت كل غاية اثنا عشر

ألفا، فسطاط المسلمين يؤمئذ في أرض يقال لها: الغوطة، في مدينة يقال لها: دمشق» ". تفرد به أحمد من هذا الوجه.

وقال أبو داود: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا يحيى بن حمزة، حدثنا ابن جابر، حدثني زيد بن أرطاة، سمعت جبير بن نفير، يحدث عن أبي الدرداء، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها: دمشق، من خير مدائن الشام» ".

وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن النهاس بن قهم، حدثني شداد أبو عمار، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «ست من أشراط الساعة: موتي، وفتح بيت المقدس، وموت يأخذ في الناس كقعاص الغنم، وفتنة يدخل حربها بيت كل مسلم، وأن يعطى الرجل ألف دينار، فيسخطها، وأن تغدر الروم فيسيرون بثمانين بندا تحت كل بند اثنا عشر ألفا» ".

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد وعفان، قالا: حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن زياد بن رباح، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدخان، ودابة

الأرض، وخويصة أحدكم، وأمراء العامة» ". وكان قتادة يقول: إذا قال: " وأمر العامة ". قال: أي أمر الساعة. وهكذا رواه مسلم، من حديث شعبة وعبد الصمد، كلاهما عن همام، به. ثم رواه أحمد منفردا به، عن أبي داود، عن عمران القطان، عن قتادة، عن عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة، مرفوعا مثله.

وقال أحمد: حدثنا سليمان، حدثنا إسماعيل، أخبرني العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدخان، والدابة، وخاصة أحدكم، وأمر العامة» ". ورواه مسلم من حديث إسماعيل بن جعفر المدني، به.

وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة، عن فرات، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد، قال: «اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر الساعة، فقال: " ما تذكرون؟ " قالوا: نذكر الساعة. فقال: " إنها لن تقوم حتى تروا عشر آيات: الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من

قبل عدن، تطرد الناس إلى محشرهم» ". قال أبو عبد الرحمن عبد الله ابن الإمام أحمد: سقط كلمة.

ثم رواه أحمد من حديث سفيان الثوري وشعبة، كلاهما عن فرات القزاز، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أسيد، أبي سريحة الغفاري، فذكره، وقال فيه: " ونار تخرج من قعر عدن، تسوق - أو: تحشر - الناس، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا ". قال شعبة: وحدثني بهذا الحديث رجل، عن أبي الطفيل، عن أبي سريحة، ولم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أحد هذين الرجلين: نزول عيسى ابن مريم. وقال الآخر: ريح تلقيهم في البحر.

وقد رواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة وشعبة، عن فرات القزاز، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد موقوفا. ورواه أهل السنن الأربعة من طرق، عن فرات القزاز، به، وقال الترمذي: حسن صحيح.

وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن زياد بن سليمان بن

سمعان، أبي عبد الرحمن القرشي المدني من طريقه، حدثني الزهري، حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي سريحة حذيفة بن أسيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «بين يدي الساعة عشر آيات كالنظم في الخيط، إذا سقط منها واحدة توالت: الدجال، ونزول عيسى ابن مريم، وفتح يأجوج ومأجوج، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها» . . . ". وذكر الحديث. هذا لفظه.

وقال أبو يعلى: ثنا عقبة بن مكرم، ثنا يونس، ثنا عبد الغفار بن القاسم، ثنا إياد بن لقيط، عن قرظة بن حسان، سمعت أبا موسى في يوم جمعة على منبر البصرة يقول: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة وأنا شاهد، فقال: " لا يعلمها إلا الله، لا يجليها لوقتها إلا هو، ولكن سأحدثكم بمشاريطها، وما يكون بين يديها، إن بين يديها ردما من الفتن، وهرجا ". فقيل له: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: " هو بلسان الحبشة: القتل. وأن تجف قلوب الناس، ويلقى بينهم التناكر فلا يكاد أحد يعرف أحدا، ويرفع ذوو الحجا، وتبقى رجرجة من الناس لا تعرف معروفا، ولا تنكر منكرا» ".

** [ذكر قتال الملحمة مع الروم الذي يكون آخره فتح القسطنطينية] **

وعند ذلك «يخرج الدجال، وينزل المسيح عيسى ابن مريم من السماء إلى الأرض، على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق، وقت صلاة الفجر،» كما سيأتي بيان ذلك كله، بالأحاديث الصحيحة.

قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن مصعب، هو القرقساني، حدثنا الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن ذي مخمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «تصالحون الروم صلحا آمنا، وتغزون أنتم وهم عدوا من ورائهم، فتسلمون وتغنمون، ثم تنزلون بمرج ذي تلول، فيقوم رجل من الروم، فيرفع الصليب، ويقول: ألا غلب الصليب. فيقوم إليه رجل من المسلمين، فيقتله، فعند ذلك تغدر الروم، وتكون الملاحم، فيجمعون لكم، فيأتونكم في ثمانين غاية، مع كل غاية عشرة آلاف» ". ثم رواه أحمد، عن روح، عن الأوزاعي، به، وقال فيه: " «فعند ذلك تغدر الروم، ويجمعون للملحمة» ". وهكذا رواه أبو داود وابن ماجه، من حديث

الأوزاعي، به.

وقد تقدم في حديث عوف بن مالك، في " صحيح البخاري ": " «فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفا» ". وهكذا في حديث شداد أبي عمار، عن معاذ: " «فيسيرون إليكم بثمانين بندا، تحت كل بند اثنا عشر ألفا» ".

وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن حميد بن هلال، عن أبي قتادة، عن أسير بن جابر، قال: هاجت ريح حمراء بالكوفة، فجاء رجل ليس له هجيرى إلا: يا عبد الله بن مسعود، جاءت الساعة. قال: وكان متكئا فجلس، فقال: إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث، ولا يفرح بغنيمة. قال: عدو يجمعون لأهل الإسلام، ويجمع لهم أهل الإسلام. ونحا بيده نحو الشام، قلت؟ الروم تعني؟ قال: نعم، وتكون عند ذاكم القتال ردة شديدة. قال: فيشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون، حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء، كل غير غالب، وتفنى

الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء، كل غير غالب، وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يمسوا، فيفيء هؤلاء وهؤلاء، كل غير غالب، وتفنى الشرطة، فإذا كان اليوم الرابع نهد إليهم بقية أهل الإسلام، فيجعل الله الدبرة عليهم، فيقتتلون مقتلة - إما قال: لا يرى مثلها، وإما قال: لم ير مثلها - حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم. فما يخلفهم حتى يخر ميتا. قال: فيتعاد بنو الأب، كانوا مائة، فلا يجدونه بقي منهم إلا الرجل الواحد، فبأي غنيمة يفرح؟ أو أي ميراث يقاسم؟ قال: فبينما هم كذلك إذ سمعوا ببأس هو أكبر من ذلك. قال: فجاءهم الصريخ: إن الدجال قد خلفهم في ذراريهم، فيرفضون ما في أيديهم، ويقبلون فيبعثون عشرة فوارس طليعة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني لأعلم أسماءهم، وأسماء آبائهم، وألوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ ".

تفرد بإخراجه مسلم، فرواه عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن حجر، كلاهما عن إسماعيل ابن علية، ومن حديث حماد بن زيد، كلاهما عن أيوب، ومن حديث سليمان بن المغيرة، كلاهما عن حميد بن هلال العدوي، عن أبي قتادة العدوي. وقد اختلف في اسمه، والأشهر ما ذكره ابن معين أنه تميم بن نذير، ووثقه. وقال ابن منده وغيره: كانت له صحبة. فالله أعلم.

وتقدم من رواية جبير بن نفير، عن عوف بن مالك في تعداد الأشراط: " وهدنة تكون بينكم، وبين بني الأصفر، فيسيرون إليكم في ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفا، وفسطاط المسلمين يومئذ في أرض يقال لها: الغوطة. في مدينة يقال لها: دمشق ". رواه أحمد.

وروى أبو داود " من حديث جبير بن نفير أيضا، عن أبى الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها: دمشق، من خير مدائن الشام ".

وتقدم حديث أبي حية، عن عبد الله بن عمرو، في فتح القسطنطينية، وكذا حديث أبي قبيل في فتح رومية بعدها أيضا.

وقال مسلم بن الحجاج: حدثني زهير بن حرب، حدثنا معلى بن

منصور، حدثنا سليمان بن بلال، حدثني سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة، من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم. فيقول المسلمون: لا والله، لا نخلي بينكم وبين إخواننا. فيقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدا، ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث لا يفتنون أبدا، فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم. فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام خرج، فبينما هم يعدون للقتال، يسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم فأمهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته» ".

وقال مسلم: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز، يعني ابن محمد، عن ثور، وهو ابن زيد الديلي، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «سمعتم بمدينة جانب منها في البر، وجانب منها في البحر؟ " قالوا: نعم، يا رسول الله. قال: " لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفا من بني

إسحاق، فإذا جاءوها نزلوا، فلم يقاتلوا بسلاح، ولم يرموا بسهم; قالوا: لا إله إلا الله، والله أكبر، فيسقط أحد جانبيها ". قال ثور: لا أعلمه إلا قال: " الذي في البحر، ثم يقولوا الثانية: لا إله إلا الله، والله أكبر. فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولوا الثالثة: لا إله إلا الله، والله أكبر. فيفرج لهم، فيدخلوها فيغنموا، فبينما هم يقتسمون المغانم إذ جاءهم الصريخ، فقال: إن الدجال قد خرج، فيتركون كل شيء ويرجعون» ".

وقال ابن ماجه: حدثنا علي بن ميمون الرقي، حدثنا أبو يعقوب الحنيني، عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «لا تقوم الساعة حتى تكون أدنى مسالح المسلمين ببولاء» ". ثم قال صلى الله عليه وسلم: " «يا علي، يا علي، يا علي ". قال: بأبي وأمي. قال: " إنكم

ستقاتلون بني الأصفر، ويقاتلهم الذين من بعدكم، حتى تخرج إليهم روقة الإسلام، أهل الحجاز الذين لا يخافون في الله لومة لائم، فيفتتحون القسطنطينية بالتسبيح والتكبير، فيصيبون غنائم لم يصيبوا مثلها، حتى يقتسموا بالأترسة، ويأتي آت، فيقول: إن المسيح قد خرج في بلادكم، ألا وهي كذبة، فالآخذ نادم، والتارك نادم» ".

وقال مسلم: حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن عبد الملك بن عمير،. عن جابر بن سمرة، عن نافع بن عتبة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثم فارس فيفتحها الله، ثم تغزون الروم فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله ".»

وقد روى مسلم من حديث الليث بن سعد، حدثني موسى بن علي، عن أبيه، قال: «قال المستورد القرشي عند عمرو بن العاص: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " تقوم الساعة والروم أكثر الناس ". فقال له عمرو: أبصر ما تقول. قال: أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالا أربعا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك» .

ثم قال مسلم: حدثني حرملة بن يحيى التجيبي، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثني أبو شريح أن عبد الكريم بن الحارث حدثه أن المستورد القرشي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «تقوم الساعة والروم أكثر الناس ". قال: فبلغ ذلك عمرو بن العاص، فقال: ما هذه الأحاديث التي تذكر عنك أنك تقولها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال له المستورد: قلت الذي سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فقال عمرو: لئن قلت ذلك، إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأصبر الناس عند مصيبة، وخير الناس لمساكينهم وضعفائهم» . وهذا يدل على أن الروم يسلمون في آخر الزمان، ولعل فتح القسطنطينية يكون على يدي طائفة منهم، كما نطق به الحديث المتقدم أنه يغزوها سبعون ألفا من بني إسحاق، والروم من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، عليه الصلاة والسلام، فهم أولاد عم بني إسرائيل، وهو يعقوب بن إسحاق، فالروم يكونون في آخر الزمان خيرا من بني إسرائيل، فإن الدجال يتبعه سبعون ألفا من يهود أصبهان، فهم أنصار الدجال، وهؤلاء أعني الروم، قد مدحوا في هذا الحديث، فلعلهم يسلمون على يدي المسيح ابن مريم، والله أعلم. على أنه قد وقع في بعض الروايات: " من بني إسماعيل ". وقوى ذلك عياض وغيره، والله أعلم.

وقال إسماعيل بن أبي أويس: حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «ستقاتلون بني الأصفر، ويقاتلهم من بعدكم من المؤمنين أهل الحجاز، حتى يفتح الله عليهم القسطنطينية ورومية بالتسبيح والتكبير، فينهدم حصنها فيصيبون مالا لم يصيبوا مثله قط، حتى إنهم يقتسمون بالأترسة، ثم يصرخ صارخ: يا أهل الإسلام، المسيح الدجال في بلادكم وذراريكم. فينفض الناس عن المال، منهم الآخذ، ومنهم التارك، الآخذ نادم، والتارك نادم، فيقولون: من هذا الصارخ؟ ولا يعلمون من هو فيقولون: ابعثوا طليعة إلى إيلياء، فإن يكن المسيح قد خرج فسيأتونكم بعلمه. فيأتون، فينظرون، فلا يرون شيئا، ويرون الناس ساكتين فيقولون: ما صرخ الصارخ إلا لنبأ عظيم، فاعتزموا، ثم ارتضوا، فيعتزمون أن نخرج بأجمعنا إلى إيلياء، فإن يكن الدجال خرج نقاتله بأجمعنا، حتى يحكم الله بيننا وبينه، وإن تكن الأخرى فإنها بلادكم وعشائركم إن رجعتم إليها» .

وقد روى الحافظ بهاء الدين ابن عساكر في كتابه " المستقصى في فضائل الأقصى " بسند له عن الأوزاعي، عن خالد بن معدان، عن كعب الأحبار، أنه قال: إن مدينة القسطنطينية شمتت بخراب بيت المقدس، يعني زمن بخت نصر، فتعززت وتجبرت وشمخت، فسماها الله، عز وجل، العاتية المستكبرة; وذلك أنها قالت مع شماتتها ببيت المقدس. إن يكن عرش ربي على الماء، فقد بنيت أنا على الماء، فغضب الله تعالى عليها، ووعدها العذاب والخراب وقال

لها: حلفت يا مستكبرة لما قد عتيت عن أمري وتجبرت، لأبعثن عليك عبادا لي مؤمنين من مساكن سبأ، ثم لأشجعن قلوبهم حتى أدعها كقلوب الأسد الضارية، ولأجعلن صوت أحدهم عند البأس كصوت الأسد حين يخرج من الغابة، ثم لأرعبن قلوب أهلك كرعب العصفور، ثم لأنزعن عنك حليك وديباجك ورياشك، ثم لأتركنك جلحاء قرعاء صلعاء; فإنه طال ما أشرك بي فيك، وعبد غيري، وافتري علي، وأمهلتك إلى اليوم الذي فيه خزيك، فلا تستعجلي يا عاتية فإنه لن يفوتني شيء أريده.

وقال الإمام أحمد: ثنا عبد الجبار بن العباس الشامي، عن أبي قيس قال عبد الجبار: أراه عن هزيل، قال: قام حذيفة في دار عامر بن حنظلة فيها اليمني والمضري، فقال: " «ليأتين على مضر يوم لا يدعون لله عبدا يعبده إلا قتلوه، أو ليضربن ضربا لا يمنعون ذنب تلعة ". فقيل: يا أبا عبد الله تقول هذا لقومك - أو: لقوم أنت منهم - فقال: لا أقول إلا ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول» .

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير، عن مالك بن يخامر، عن

معاذ بن جبل، قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال ". قال: ثم ضرب بيده على فخذ الذي حدثه أو منكبه، ثم قال " إن هذا لحق كما أنك هاهنا ". أو: " كما أنك قاعد» ". يعني معاذا.

وهكذا رواه أبو داود، عن عباس العنبري، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، به.

وهذا إسناد جيد وحديث حسن، وعليه نور الصدق وجلالة النبوة، وليس المراد أن المدينة تخرب بالكلية قبل خروج الدجال، وإنما ذلك في آخر الزمان، كما سيأتي بيانه في الأحاديث الصحيحة، بل قد يكون عمارة بيت المقدس سببا في خراب المدينة النبوية; لأن الناس يرحلون منها إلى الشام لأجل الريف والرخص، فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الدجال لا يدخلها يمنعه من ذلك ما على أنقابها من الملائكة، بأيديهم السيوف المصلتة.

وفي " صحيح البخاري " من حديث مالك، عن نعيم المجمر، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المدينة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال» ". وفي " جامع الترمذي " «أن المسيح ابن مريم إذا مات يدفن في الحجرة النبوية» .

وقد قال مسلم: حدثني عمرو الناقد، حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا زهير، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تبلغ المساكن إهاب ". أو: " يهاب ". قال زهير: قلت لسهيل: فكم ذلك من المدينة؟ قال: كذا وكذا ميلا.»

فهذه العمارة إما أن تكون قبل عمارة بيت المقدس، وقد تكون بعد ذلك بدهر، ثم تخرب بالكلية، كما دلت على ذلك الأحاديث التي سنوردها.

وقد روى القرطبي، من طريق الوليد بن مسلم، عن ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، أنه سمع عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، على المنبر، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «يخرج أهل المدينة منها، ثم يعودون إليها فيعمرونها حتى تمتلئ، ثم يخرجون منها، ثم لا يعودون إليها أبدا» ".

وفي حديث عن أبي سعيد، مرفوعا مثله، وزاد: " «وليدعنها وهي خير ما تكون، مونعة ". قيل: فمن يأكلها؟ قال: " الطير والسباع» ".

وفي " صحيح مسلم "، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «يتركون المدينة على خير ما كانت، لا يغشاها إلا العوافي - يريد عوافي السباع والطير -

ثم يخرج راعيان من مزينة يريدان المدينة ينعقان بغنمهما، فيجدانها وحشا، حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرا على وجوههما» ".

وفي حديث حذيفة: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء، إلا أني لم أسأله: «ما يخرج أهل المدينة منها؟» وفي حديث آخر، عن أبي هريرة: " «يخرجون منها ونصف ثمرها زهو، ونصفه رطب ". قيل: ما يخرجهم منها يا أبا هريرة؟ قال: أمراء السوء» .

وقال أبو داود: حدثنا ابن نفيل، حدثنا عيسى بن يونس، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن الوليد بن سفيان الغساني، عن يزيد بن قطب السكوني، عن أبي بحرية، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «الملحمة الكبرى، وفتح القسطنطينية، وخروج الدجال في سبعة أشهر» ". ورواه الترمذي، عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن الحكم بن المبارك، عن الوليد بن مسلم به، وقال: حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي الباب عن الصعب بن جثامة،

وعبد الله بن بسر، وعبد الله بن مسعود، وأبي سعيد الخدري.

ورواه ابن ماجه، عن هشام بن عمار، عن الوليد بن مسلم وإسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن أبي مريم، به.

وقد قال الإمام أحمد وأبو داود، واللفظ له: حدثنا حيوة بن شريح الحمصي، حدثنا بقية، عن بحير بن سعد، عن خالد، هو ابن معدان، عن ابن أبي بلال، عن عبد الله بن بسر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين، ويخرج الدجال في السابعة» ". وهكذا رواه ابن ماجه، عن سويد بن سعيد، عن بقية، به.

وهذا مشكل مع الذي قبله، اللهم إلا أن يكون بين أول الملحمة وآخرها ست سنين، ويكون بين آخرها وفتح المدينة، وهي القسطنطينية، مدة قريبة، بحيث يكون ذلك مع خروج الدجال في سبعة أشهر، والله أعلم.

وقال الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو داود، عن شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك، قال: فتح القسطنطينية مع قيام الساعة. قال محمود: هذا حديث غريب، والقسطنطينية هي مدينة الروم تفتح عند خروج الدجال، والقسطنطينية قد فتحت في زمان بعض أصحاب النبي

صلى الله عليه وسلم. هكذا قال إنها فتحت في زمن الصحابة، وفي هذا نظر; فإن معاوية بعث إليها ابنه يزيد في جيش فيهم أبو أيوب الأنصاري، ولكن لم يتفق له فتحها، وحاصرها مسلمة بن عبد الملك بن مروان، في زمان دولتهم، ولم يفتحها أيضا، ولكن صالحهم على بناء مسجد بها، كما قدمنا ذلك مبسوطا. والله سبحانه أعلم.

** [ذكر خروج الدجال بعد وقوع الملحمة الرومية وفتح القسطنطينية] **

ولنذكر قبل ذلك مقدمة فيما ورد في ذكر الكذابين الدجالين الذين هم كالمقدمة بين يدي الدجال الكبير خاتمهم، قبحه الله وإياهم، وجعل نار الجحيم منقلبهم ومثواهم.

روى مسلم في " صحيحه " من حديث شعبة وغيره، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن «بين يدي الساعة كذابين» ". قال جابر: فاحذروهم.

وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: " «بين يدي الساعة كذابون،

منهم صاحب اليمامة، ومنهم صاحب صنعاء العنسي، ومنهم صاحب حمير، ومنهم الدجال، وهو أعظمهم فتنة» ". قال جابر: وبعض أصحابي يقول: قريب من ثلاثين كذابا. تفرد به أحمد.

وثبت في " صحيح البخاري "، عن أبي اليمان، عن شعيب، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون، قريب من ثلاثين، كل يزعم أنه رسول الله» ". وذكر تمام الحديث بطوله.

وفي " صحيح مسلم " من حديث مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون، قريب من ثلاثين، كل يزعم أنه رسول الله» ".

حدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله، غير أنه قال: " ينبعث ".

وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت العلاء بن عبد الرحمن يحدث عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " «لا تقوم الساعة حتى يظهر ثلاثون دجالون، كلهم يزعم أنه رسول الله، ويفيض

المال فيكثر، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج ". قال: قيل: أيما الهرج؟ قال: " القتل القتل» ثلاثا. تفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو على شرط مسلم. وقد رواه أبو داود عن القعنبي، عن الدراوردي، عن العلاء به.

ومن حديث محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالا كذابا، كلهم يكذب على الله وعلى رسوله» ".

وقال أحمد: حدثنا يحيى، عن عوف، حدثنا خلاس، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «بين يدي الساعة قريب من ثلاثين دجالين كذابين، كلهم يقول: أنا نبي، أنا نبي» ". وهذا إسناد جيد حسن، تفرد به أحمد أيضا.

وقال أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا سلامان بن عامر، عن أبي عثمان الأصبحي، سمعت أبا هريرة يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «سيكون في أمتي دجالون كذابون، يأتونكم ببدع من الحديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يفتنوكم» ".

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو كريب، حدثنا محمد بن

الحسن الأسدي، حدثنا هارون بن صالح الهمداني، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي الجلاس، قال: سمعت عليا يقول لعبد الله السبائي: ويلك، والله ما أفضى إلي بشيء كتمته أحدا من الناس، ولقد سمعته يقول: " «إن بين يدي الساعة ثلاثين كذابا» ". وإنك لأحدهم. ورواه أيضا عن أبي بكير بن أبي شيبة عن محمد بن الحسن، به.

وفي " صحيح مسلم " من حديث أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي» ". الحديث بتمامه.

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو الوليد، حدثنا عبد الله بن إياد بن لقيط، حدثنا إياد، عن عبد الرحمن بن نعم، أو نعيم الأعرجي، شك أبو الوليد، قال: سأل رجل ابن عمر عن المتعة - وأنا عنده - متعة النساء، فقال: والله ما كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم زانين ولا مسافحين، ثم قال: والله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «ليكونن قبل يوم القيامة المسيح الدجال،

وكذابون ثلاثون، أو أكثر» ". ورواه الطبراني من حديث مورق العجلي، عن ابن عمر، بنحوه، تفرد به أحمد.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، وهو ابن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن عبد الله بن عمر، أنه كان عنده رجل من أهل الكوفة، فجعل يحدثه عن المختار، فقال ابن عمر: إن كان كما تقول، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «إن بين يدي الساعة ثلاثين دجالا كذابا» ". تفرد به أحمد من هذا الوجه.

وقد رواه سعيد بن عامر، عن ابن عمر، ولكن قال: " سبعون ". قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا واصل بن عبد الأعلى، حدثنا ابن فضيل، عن ليث، عن سعيد بن عامر، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «إن في أمتي لنيفا وسبعين داعيا، كلهم داع إلى النار، لو أشاء لأنبأتكم بأسمائهم وقبائلهم» ". وهذا إسناد لا بأس به. وقد روى ابن ماجه به حديثا في الكرع والشرب باليد.

وقال أبو يعلى: حدثنا زهير، حدثنا جرير، عن ليث، عن بشر، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يكون قبل خروج الدجال نيف على سبعين دجالا» ". فيه غرابة، والذي في الصحاح أثبت. والله أعلم.

وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، عن أبي بكرة، قال: «أكثر الناس في مسيلمة قبل أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شيئا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا، فقال: " أما بعد، ففي شأن هذا الرجل الذي قد أكثرتم فيه، وإنه كذاب من ثلاثين كذابا، يخرجون بين يدي الساعة، وإنه ليس بلد إلا يبلغها رعب المسيح إلا المدينة; على كل نقب من نقابها ملكان يذبان عنها رعب المسيح» ".

وقد رواه أحمد أيضا عن حجاج، عن الليث بن سعد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، أن عياض بن مسافع أخبره عن أبي بكرة، فذكره، وقال فيه: " «فإنه كذاب من ثلاثين كذابا، يخرجون قبل

الدجال، وإنه ليس بلد إلا يدخله رعب المسيح الدجال إلا المدينة; على كل نقب من نقابها يومئذ ملكان يذبان عنها رعب المسيح» ". تفرد به أحمد من الوجهين.

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو جعفر المدائني، وهو محمد بن جعفر، حدثنا عباد بن العوام، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن المنكدر، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن أمام الدجال سنين خداعة، يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، ويتكلم فيها الرويبضة ". قيل: وما الرويبضة؟ قال: " الفويسق يتكلم في أمر العامة» ". وهذا إسناد جيد قوي، تفرد به أحمد من هذا الوجه.

وقال الإمام أحمد: ثنا علي بن عبد الله قال: ثنا معاذ. يعني ابن هشام قال: وجدت في كتاب أبي بخط يده، ولم أسمعه منه، عن قتادة، عن أبي معشر، عن إبراهيم النخعي، عن همام، عن حذيفة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «في أمتي كذابون دجالون سبعة وعشرون، منهم أربع نسوة، وإني خاتم النبيين، لا نبي بعدي» ".

** [الكلام على أحاديث الدجال] **

قال مسلم: حدثني حرملة بن يحيى بن عبد الله بن حرملة بن عمران التجيبي، أخبرني ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أن سالم بن عبد الله أخبره أن عبد الله بن عمر أخبره أن عمر بن الخطاب انطلق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط قبل ابن صياد حتى وجده يلعب مع الصبيان عند أطم بني مغالة، وقد قارب ابن صياد يومئذ الحلم، فلم يشعر حتى ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهره بيده، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن صياد: " أتشهد أني رسول الله؟ " فنظر إليه ابن صياد فقال: أشهد أنك رسول الأميين، فقال ابن صياد لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشهد أني رسول الله؟ فرفضه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " آمنت بالله وبرسله ". ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ماذا ترى؟ " قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خلط عليك الأمر ". ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني قد خبأت لك خبيئا ". فقال ابن صياد: هو

الدخ. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اخسأ، فلن تعدو قدرك ". فقال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: ذرني يا رسول الله أضرب عنقه. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن يكنه قلن تسلط عليه، وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله ". وقال سالم بن عبد الله: سمعت عبد الله بن عمر يقول: انطلق بعد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بن كعب الأنصاري إلى النخل التي فيها ابن صياد حتى إذا دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم النخل طفق يتقي بجذوع النخل، وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئا قبل أن يراه ابن صياد، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مضطجع على فراش في قطيفة، له فيها زمزمة، فرأت أم ابن صياد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتقي بجذوع النخل، فقالت لابن صياد: يا صاف - وهو اسم ابن صياد - هذا محمد. فثار ابن صياد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو تركته بين ".

قال سالم: قال عبد الله بن عمر: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال، فقال: " «إني لأنذركموه، ما من نبي إلا

وقد أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه، ولكن أقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه، تعلموا أنه أعور، وأن الله تبارك وتعالى ليس بأعور» ".

قال ابن شهاب: وأخبرني عمر بن ثابت الأنصاري، أنه أخبره بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم حذر الناس الدجال: " إنه «مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه من كره عمله، أو يقرؤه كل مؤمن» ". وقال: " «تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه عز وجل حتى يموت» ". وأصل الحديث عند البخاري من حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه، بنحوه.

وروى مسلم أيضا، من حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الدجال بين ظهراني الناس فقال: «إن الله تعالى ليس بأعور، ألا وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافئة» ". ولمسلم من حديث شعبة، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، ومكتوب بين عينيه كافر» ". رواه البخاري من حديث شعبة، بنحوه.

قال مسلم: وحدثني زهير بن حرب، حدثنا عفان، حدثنا عبد الوارث، عن شعيب بن الحبحاب، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" «الدجال ممسوح العين، مكتوب بين عينيه كافر ". ثم تهجاها ك ف ر، " يقرؤه كل مسلم ".»

وقال أحمد: ثنا يزيد بن هارون، ثنا محمد بن إسحاق، عن داود بن عامر بن سعد بن مالك، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إنه لم يكن نبي إلا وصف الدجال لأمته، ولأصفنه صفة لم يصفها أحد كان قبلي، إنه أعور، والله عز وجل ليس بأعور» " لم يخرجوه، وإسناده جيد.

ولمسلم من حديث الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدجال أعور العين اليسرى، جفال الشعر، معه جنة ونار، فناره جنة وجنته نار» ".

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «لأنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران يجريان; أحدهما رأي العين ماء أبيض، والآخر رأي العين نار تأجج، فإما أدركن أحد فليأت النهر الذي يراه نارا وليغمض، ثم ليطأطئ رأسه، فيشرب منه، فإنه ماء بارد، وإن الدجال ممسوح

العين، عليها ظفرة غليظة، مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن، كاتب وغير كاتب» ".

ثم رواه من حديث شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه.

قال أبو مسعود: وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ورواه البخاري من حديث شعبة، بنحوه.

وقال الإمام أحمد: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي التياح، سمعت صخرا يحدث عن سبيع قال: أرسلوني من ماء إلى الكوفة أشتري الدواب فأتينا الكناسة، فإذا رجل عليه جمع، فأما صاحبي فانطلق إلى الدواب، وأما أنا فأتيته، فإذا حذيفة، «فسمعته يقول: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن الخير، وأسأله عن الشر، فقلت: يا رسول الله، هل بعد هذا الخير من شر؟ قال: " نعم ". قلت: فما العصمة منه؟ قال: " السيف ".

قلت: ثم ماذا؟ قال: " ثم تكون هدنة على دخن ". قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: " ثم تكون دعاة الضلالة، فإن رأيت يومئذ خليفة في الأرض فالزمه، وإن نهك جسمك، وأخذ مالك، فإن لم تره فاهرب في الأرض، ولو أن تموت وأنت عاض بجذل شجرة ". قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: " ثم يخرج الدجال ". قال: قلت: فبم يجيء به معه؟ قال: " بنهر - أو قال: ماء ونار - فمن دخل نهره حبط أجره، ووجب وزره، ومن دخل ناره وجب أجره، وحبط وزره ". قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: " لو أنتجت فرسا لم تركب فلوها حتى تقوم الساعة» ". وروى البخاري، ومسلم من حديث شيبان بن عبد الرحمن، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا «أخبركم عن الدجال حديثا ما حدثه نبي قومه؟ إنه أعور، وإنه يجيء معه مثل الجنة والنار، فالتي يقول إنها الجنة، هي النار، وإني أنذرتكم به، كما أنذر به نوح قومه» ".

وروى مسلم من حديث محمد بن المنكدر قال: «رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أن ابن صياد " الدجال، فقلت: أتحلف بالله؟ قال؟ إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم.»

وروي من حديث نافع، «أن ابن عمر لقي ابن صياد في بعض طرق

المدينة، فقال له ابن عمر قولا أغضبه، فانتفخ حتى ملأ السكة - وفي رواية أن ابن صياد نخر كأشد نخير حمار يكون، وأن ابن عمر ضربه حتى تكسرت عصاه - ثم دخل على أخته حفصة، فقالت له: ما أردت من ابن صياد؟ أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنما يخرج من غضبة يغضبها» ".

قال بعض العلماء: ابن صياد كان بعض الصحابة يظنه الدجال الأكبر، وليس به، إنما كان دجالا من الدجاجلة صغيرا. وقد ثبت في " الصحيح " «أنه صحب أبا سعيد فيما بين مكة والمدينة، وأن ابن صياد تبرم إليه مما تقول الناس فيه إنه الدجال، ثم قال لأبي سعيد: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنه لا يدخل المدينة ". وقد ولدت بها، " وإنه لا يولد له ". وقد ولد لي، " وإنه كافر ". وأنا قد أسلمت؟ ثم قال ابن صياد: ومع هذا إني لأعلم الناس به، وأين مكانه، ولو عرض علي أن أكون إياه لما كرهت ذلك» .

وقال أحمد: حدثنا عبد المتعال بن عبد الوهاب، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، حدثنا مجالد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد قال: «ذكر ابن صياد عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر: إنه يزعم أنه لا يمر بشيء إلا كلمه» .

وقال أحمد: ثنا سعيد مولى بني هاشم، حدثني مهدي بن

عمران المازني، «سمعت أبا الطفيل، وسئل هل رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قيل: هل كلمته؟ قال: لا، ولكني رأيته انطلق مكان كذا وكذا، ومعه عبد الله بن مسعود وأناس من أصحابه حتى أتى دارا قوراء، فقال: " افتحوا هذا الباب ". ففتحوا، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخلت معه، فإذا قطيفة في وسط البيت، فقال: " ارفعوا هذه القطيفة ". فرفعوها، فإذا غلام أعور تحت القطيفة، فقال: " قم يا غلام ". فقام الغلام. فقال: " يا غلام، أتشهد أني رسول الله ". فقال الغلام: أشهد أني رسول الله. قال: " أتشهد أني رسول الله ". فقال الغلام: أشهد أني رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تعوذوا بالله من شر هذا» " مرتين.

والمقصود أن ابن صياد ليس بالدجال الذي يخرج في آخر الزمان قطعا; لحديث فاطمة بنت قيس الفهرية، فإنه فيصل في هذا المقام. والله أعلم.

** [حديث فاطمة بنت قيس في الدجال] **

قال مسلم: حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، وحجاج

ابن الشاعر، كلاهما عن عبد الصمد، واللفظ لعبد الوارث بن عبد الصمد، حدثني أبي، عن جدي، عن الحسين بن ذكوان، حدثنا ابن بريدة، حدثني عامر بن شراحيل الشعبي، شعب همدان، أنه «سأل فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس، وكانت من المهاجرات الأول، فقال: حدثيني حديثا سمعتيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسنديه إلى أحد غيره. فقالت: لئن شئت لأفعلن. فقال لها: أجل، حدثيني. فقالت: نكحت ابن المغيرة، وهو من خيار شباب قريش يومئذ، فأصيب في أول الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما تأيمت خطبني عبد الرحمن بن عوف في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم على مولاه أسامة بن زيد، وكنت قد حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من أحبني فليحب أسامة ". فلما كلمني رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت؟ أمري بيدك، فأنكحني من شئت. فقال: " انتقلي إلى أم شريك ". وأم شريك امرأة غنية من الأنصار، عظيمة النفقة في سبيل الله، ينزل عليها الضيفان. فقلت: سأفعل. فقال: " لا تفعلي; إن أم شريك امرأة كثيرة الضيفان، وإني أكره أن يسقط عنك خمارك، أو ينكشف الثوب عن ساقيك، فيرى القوم منك بعض ما تكرهين، ولكن انتقلي إلى ابن عمك عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم ". وهو رجل من بني فهر، فهر قريش، وهو من البطن الذي هي منه. فانتقلت إليه، فلما

انقضت عدتي سمعت نداء المنادي، منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي: الصلاة جامعة. فخرجت إلى المسجد، فصليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنت في النساء اللاتي يلين ظهور القوم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: " ليلزم كل إنسان مصلاه ". ثم قال: " أتدرون لم جمعتكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: " إني، والله، ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأن تميما الداري كان رجلا نصرانيا، فجاء فبايع وأسلم وحدثني حديثا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال; حدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلا من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهرا في البحر، ثم أرفئوا إلى جزيرة في البحر حين مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة، فدخلوا الجزيرة، فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر، لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقالوا: ويلك، ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة. قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم، انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير، فإنه إلى خبركم بالأشواق. قال: لما سمت لنا رجلا فرقنا منها أن تكون شيطانة. قال: فانطلقنا سراعا حتى دخلنا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقا، وأشده وثاقا، مجموعة يداه إلى عنقه، ما بين ركبتيه إلى كعبيه، بالحديد. قلنا: ويلك، ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني ما أنتم؟ قالوا:

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com