John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين]

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 90 of 840

** [غزوة الصواري وغزوة الأساودة] **

ففيها كانت غزوة الصواري، وغزوة الأساودة في البحر فيما ذكره الواقدي. وقال أبو معشر: كانت غزوة الصواري سنة أربع وثلاثين. وملخص ذلك فيما ذكره الواقدي وسيف وغيرهما، أن الشام كان قد جمع نيابته لمعاوية بن أبي سفيان لسنتين مضتا من خلافة عثمان بن عفان، رضي الله عنه، وقد أحرزه غاية الحفظ وحمى حوزته، ومع هذا له في كل سنة غزوة في بلاد الروم في زمن الصيف - ولهذا يسمون هذه الغزوة الصائفة - فيقتلون خلقا ويأسرون آخرين، ويفتحون حصونا، ويغنمون أموالا، ويرعبون الأعداء، فلما أصاب عبد الله بن سعد بن أبي سرح من أصاب من الفرنج والبربر ببلاد إفريقية والأندلس، حميت الروم واجتمعت على قسطنطين بن هرقل، وساروا إلى المسلمين في جمع لم ير مثله منذ كان الإسلام خرجوا في خمسمائة مركب، وقصدوا عبد الله بن سعد بن أبي سرح في أصحابه من المسلمين الذين ببلاد المغرب. فلما تراءى الجمعان بات الروم يقسقسون ويصلبون، وبات المسلمون يقرءون ويصلون، فلما أصبحوا صف عبد الله بن سعد أصحابه صفوفا في المراكب، وأمرهم بذكر الله وتلاوة القرآن. قال بعض من حضر ذلك: فأقبلوا إلينا في أمر لم ير مثله من كثرة المراكب، وتعداد صواريها، وكانت الريح لهم وعلينا فأرسينا ثم سكنت الريح عنا، فقلنا لهم:

إن شئتم خرجنا نحن وأنتم إلى البر فمات الأعجل منا ومنكم. قال: فنخروا نخرة رجل واحد وقالوا: الماء الماء. قال: فدنونا منهم وربطنا سفننا بسفنهم. ثم اجتلدنا وإياهم بالسيوف يثب الرجال على الرجال بالسيوف والخناجر، وضربت الأمواج في عيون تلك السفن حتى ألجأتها إلى الساحل، وألقت الأمواج جثث الرجال إلى الساحل حتى صارت مثل الجبل العظيم، وغلب الدم على لون الماء، وصبر المسلمون يومئذ صبرا لم يعهد مثله قط، وقتل منهم بشر كثير ومن الروم أضعاف ذلك، ثم أنزل الله نصره على المسلمين، فهرب قسطنطين وجيشه - وقد قلوا جدا - وبه جراحات شديدة كثيرة مكث حينا يداوى منها بعد ذلك، وأقام عبد الله بن سعد بذات الصواري أياما، ثم رجع مؤيدا منصورا مظفرا.

قال الواقدي: فحدثني معمر عن الزهري قال: كان في هذه الغزوة محمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أبي بكر، فأظهرا عيب عثمان، وما غير وما خالف أبا بكر وعمر، ويقولان: دمه حلال؛ لأنه استعمل عبد الله بن سعد - وكان قد ارتد وكفر بالقرآن العظيم، وأباح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دمه - وأخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أقواما واستعملهم عثمان ونزع الصحابة واستعمل سعيد بن العاص وعبد الله بن عامر. فبلغ ذلك عبد الله بن سعد فقال: لا تركبا معنا. فركبا في مركب ما فيه أحد من المسلمين، ولقوا العدو فكانا أنكل المسلمين قتالا، فقيل

لهما في ذلك فقالا: كيف نقاتل مع رجل لا ينبغي لنا أن نحكمه؟ فأرسل إليهما عبد الله بن سعد فنهاهما أشد النهي، وقال: والله لولا أني لا أدري ما يوافق أمير المؤمنين لعاقبتكما وحبستكما.

قال الواقدي: وفي هذه السنة فتحت أرمينية على يدي حبيب بن مسلمة. وفي هذه السنة قتل كسرى ملك الفرس.

** [كيفية قتل كسرى ملك الفرس وهو يزدجرد] **

قال ابن إسحاق: هرب يزدجرد من كرمان في جماعة يسيرة إلى مرو، فسأل من بعض أهلها مالا فمنعوه وخافوه على أنفسهم، فبعثوا إلى الترك يستنصرونهم عليه، فأتوه فقتلوا أصحابه وهرب هو حتى أتى منزل رجل ينقر الأرحية على شط، فأوى إليه ليلا فلما نام قتله.

وقال المدائني: لما هرب بعد قتل أصحابه انطلق ماشيا وعليه تاجه ومنطقته وسيفه، فانتهى إلى منزل هذا الرجل الذي ينقر الأرحية فجلس عنده، فاستغفله وقتله وأخذ ما كان عليه، وجاءت الترك في طلبه فوجدوه قد قتله وأخذ حاصله، فقتلوا ذلك الرجل وأهل بيته وأخذوا ما كان مع كسرى، ووضعوا

كسرى في تابوت وحملوه إلى إصطخر، وقد كان يزدجرد وطئ امرأة من أهل مرو قبل أن يقتل، فحملت منه، ووضعت بعد قتله غلاما ذاهب الشق، وسمي ذلك الغلام المخدج، وكان له نسل وعقب في خراسان، وقد سبى قتيبة بن مسلم في بعض غزواته بتلك البلاد جاريتين من نسله، فبعث بإحداهما إلى الحجاج، فبعث بها إلى الوليد بن عبد الملك، فولدت له ابنه يزيد بن الوليد، الملقب بالناقص.

وقال المدائني في رواية عن بعض شيوخه: إن يزدجرد لما انهزم عنه أصحابه عقر جواده، وذهب ماشيا حتى دخل رحى على شط نهر يقال له: المرغاب، فمكث فيه ليلتين والعدو في طلبه فلم يدر أين هو، ثم جاء صاحب الرحى فرأى كسرى وعليه أبهته، فقال له: ما أنت؟ إنسي أم جني؟ قال: إنسي، فهل عندك طعام؟ قال: نعم. فأتاه بطعام فقال: إني مزمزم فأتني بما أزمزم به. قال: فذهب الطحان إلى أسوار من الأساورة فطلب منه ما يزمزم به. قال: وما تصنع به؟ قال: عندي رجل لم أر مثله قط وقد طلب مني هذا. فذهب به الأسوار إلى ملك البلد - مرو - واسمه ماهويه بن باباه، فأخبره خبره، فقال: هو يزدجرد، اذهبوا فجيئوني برأسه. فذهبوا مع الطحان، فلما دنوا من دار الرحى هابوا أن يقتلوه وتدافعوا، وقالوا للطحان: ادخل أنت فاقتله، فدخل فوجده نائما، فأخذ حجرا فشدخ به رأسه، ثم احتزه، فدفعه إليهم، وألقى جسده في النهر،

فخرجت العامة إلى الطحان فقتلوه، وخرج أسقف فأخذ جسده من النهر وجعله في تابوت وحمله إلى إصطخر فوضعه في ناووس.

ويروى أنه مكث في منزل ذلك الطحان ثلاثة أيام لا يأكل حتى رق له وقال له: ويحك يا مسكين ألا تأكل؟ وأتاه بطعام فقال: إني لا أستطيع أن آكل إلا بزمزمة. فقال له: كل وأنا أزمزم لك. فسأل أن يأتيه بمزمزم، فلما ذهب يطلب له من بعض الأساورة شموا رائحة المسك من ذلك الرجل، فأنكروا رائحة المسك منه، فسألوه، فأخبرهم، فقال: إن عندي رجلا من صفته كيت وكيت. فعرفوه وقصدوه مع الطحان، وتقدم الطحان، فدخل عليه، وهم بالقبض عليه، فعرف يزدجرد ذلك فقال له: ويحك خذ خاتمي وسواري ومنطقتي ودعني أذهب من هاهنا. فقال: لا، أعطني أربعة دراهم وأنا أطلقك. فزاده إحدى قرطيه من أذنيه، فلم يقبل حتى يعطيه أربعة دراهم، فهم في ذلك إذ دهمهم الجند، فلما أحاطوا به وأرادوا قتله قال: ويحكم لا تقتلوني فإنا نجد في كتبنا أن من اجترأ على قتل الملوك عاقبه الله بالحريق في الدنيا مع ما هو قادم عليه، فلا تقتلوني واذهبوا بي إلى الملك أو إلى العرب فإنهم يستحيون من قتل الملوك. فأبوا عليه ذلك فسلبوه ما كان عليه من الحلي، فجعلوه في جراب وخنقوه بوتر وألقوه في النهر، فتعلق بعود فأخذه أسقف - واسمه إيليا - فحن عليه؛ لما كان من أسلافه من الإحسان إلى النصارى الذين كانوا ببلادهم، فوضعه في تابوت ودفنه

في ناووس. ثم حمل ما كان عليه من الحلي إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ففقد قرط من حليه، فبعث إلى دهقان تلك البلاد فأغرمه ذلك.

وكان ملك يزدجرد عشرين سنة؛ منها أربع سنين في دعة وباقي ذلك هاربا من بلد إلى بلد خوفا من الإسلام وأهله. وهو آخر ملوك الفرس في الدنيا على الإطلاق؛ لقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله» رواه البخاري. وثبت في الحديث الصحيح أنه لما جاء كتاب النبي، صلى الله عليه وسلم، مزقه فدعا النبي عليه، صلى الله عليه وسلم، أن يمزق كل ممزق فوقع الأمر كذلك.

وفي هذه السنة فتح ابن عامر فتوحات كثيرة كان قد نقض أهلها ما كان لهم من الصلح، فمن ذلك ما فتح عنوة، ومن ذلك ما فتح صلحا، فكان في جملة ما صالح عليه بعض المدائن - وهي مرو - على ألفي ألف ومائتي ألف، وقيل: على ستة آلاف ألف ومائتي ألف.

وفي هذه السنة حج بالناس عثمان بن عفان، رضي الله عنه.

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com