John Shaqi

Islam · Chronicles · Al-Bidaya wa-l-Nihaya

[ثم دخلت سنة سبع وثلاثين] — تتمة ٢

Al-Bidaya wa-l-Nihaya · Ibn Kathir (d. 1373) · chapter 98 of 840

ومحادثة النساء تزيغ القلوب وتطمح لهن الأبصار، وهن مصائد الشيطان، فاصدقوا الله ; فإن الله مع من صدق، وجانبوا الكذب ; فإن الكذب مجانب للإيمان، ألا إن الصادق على شرف منجاة وكرامة، وإن الكاذب على شرف ردى وهلكة وإهانة، ألا وقولوا الحق تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، وأدوا الأمانة إلى من ائتمنكم، وصلوا أرحام من قطعكم، وعودوا بالفضل على من حرمكم، وإذا عاهدتم فأوفوا، وإذا حكمتم فاعدلوا ولا تفاخروا بالآباء، ولا تنابزوا بالألقاب، ولا تمازحوا، ولا يغتب بعضكم بعضا، وأعينوا الضعيف والمظلوم والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب، وارحموا الأرملة واليتيم، وأفشوا السلام وردوا التحية على أهلها مثلها أو بأحسن منها. {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب} [المائدة: 2] . وأكرموا الضيف، وأحسنوا إلى الجار، وعودوا المرضى، وشيعوا الجنائز، وكونوا عباد الله إخوانا. أما بعد، فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع، وإن المضمار اليوم، وغدا السباق، وإن السبقة والغاية الجنة والنار،

ألا وإنكم في أيام مهل من ورائها أجل حثيث عجل، فمن أخلص لله عمله في أيام مهله قبل حضور أجله، فقد أحسن عمله ونال أمله، ومن قصر عن ذلك فقد خسر عمله وخاب أمله، وضره أمله، ألا فاعملوا في الرغبة والرهبة، فإن نزلت بكم رغبة فاشكروا الله واجمعوا معها رهبة، وإن نزلت بكم رهبة فاذكروا الله واجمعوا معها رغبة ; فإن الله قد تأذن المسلمين بالحسنى، ولمن شكر بالزيادة، وإني لم أر مثل الجنة نام طالبها، ولا كالنار نام هاربها، ولا أكيس من مكتسب يكسب شيئا اليوم يدخره ليوم تنفع فيه الذخائر، وتبلى فيه السرائر، يجمع فيه المؤمن والكافر، ألا وإنه من لا ينفعه الحق يضره الباطل، ومن لا يستقم على الهدى يجر به الضلال، ومن لا ينفعه اليقين يضره الشك، ومن لا ينفعه حاضره فغاربه عنه أعوز وغائبه عنه أعجز، ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن ودللتم على الزاد فاعملوا على المراد، ألا وإن أخوف ما أخاف عليكم اثنتان ; طول الأمل واتباع الهوى ; فطول الأمل ينسي الآخرة، واتباع الهوى يصد عن الحق، ألا وإن الدنيا قد ترحلت مدبرة، وإن

الآخرة قد ترحلت مقبلة، ولهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة إن استطعتم، ولا تكونوا من أبناء الدنيا ; فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل. وهذه خطبة عظيمة بليغة نافعة، جامعة للخير ناهية عن الشر. وقد روي لها شواهد من وجوه أخرى متصلة، ولله الحمد والمنة.

وقد ذكر ابن جرير أن عليا، رضي الله عنه، لما نكل أهل العراق عن الذهاب معه إلى الشام خطبهم، فوبخهم وأنبهم وتوعدهم وتهددهم وتلا عليهم في الجهاد آيات من القرآن من سور متفرقة، وحثهم على المسير إلى عدوهم فتأبوا على ذلك، وخالفوه ولم يوافقوه، واستمروا في بلادهم، وانصرفوا عنه هاهنا. قيل: إن ذلك بسبب قتله الخوارج ; لأنهم كانوا قراباتهم وإخوانهم، ويرونهم أفضلهم وخيرهم ; لعبادتهم وقراءتهم، فتثاقلوا عنه وهجروه، فدخل علي الكوفة في حالة الله بها عليم.

[ما دار بين علي وأصحابه بعد فراغهم من قتال الخوارج]

** فصل (ما ذكره الهيثم بن عدي من خروج الحارث بن راشد الناجي على علي بن أبي طالب بعد النهروان) **

وقد ذكر الهيثم بن عدي أنه خرج على علي، رضي الله عنه،

بعد قتله أهل النهروان رجل يقال له: الحارث بن راشد الناجي. قدم مع أهل البصرة، فقال لعلي: إنك قد قاتلت أهل النهروان في كونهم أنكروا عليك قضية التحكيم، وتزعم أنك قد أعطيت أهل الشام عهودك ومواثيقك، وأنك لست بناقضها، وهذان الحكمان قد اتفقا على خلعك، ثم اختلفا في ولاية معاوية ; فولاه عمرو بن العاص، وامتنع أبو موسى من ولايته، فأنت مخلوع باتفاقهما، وأنا قد خلعتك وخلعت معاوية معك. واتبع الحارث على مقالته هذه بشر كثير من قومه - بني ناجية وغيرهم - وتحيزوا ناحية، فبعث إليهم علي معقل بن قيس الرياحي في جيش كثيف فقتلهم معقل قتلا ذريعا، وسبى من بني ناجية خمسمائة أهل بيت، فقدم بهم على علي، فتلقاه رجل يقال له: مصقلة بن هبيرة، أبو المغلس - وكان عاملا لعلي على بعض الأقاليم - فتضرع السبي إليه وشكوا ما هم فيه، فاشتراهم مصقلة من معقل بخمسمائة ألف وأعتقهم، فطالبه بالثمن فهرب منه إلى ابن عباس إلى البصرة، فكتب معقل إلى ابن عباس في ذلك، فقال له مصقلة: إني إنما

جئت لأدفع ثمنهم إليك. ثم هرب من ابن عباس إلى علي، فطالبه علي بالثمن، فدفع إليه من الثمن مائتي ألف، ثم هرب، فلحق بمعاوية بن أبي سفيان بالشام، فأمضى علي عتقهم، وقال: ما بقي من المال في ذمة مصقلة؟ وأمر بداره في الكوفة فهدمت.

وقد روى الهيثم، عن سفيان الثوري، وإسرائيل، عن عمار الدهني، عن أبي الطفيل أن بني ناجية ارتدوا فبعث إليهم معقل بن قيس فسباهم، فاشتراهم مصقلة من علي بثلاثمائة ألف فأعتقهم، ثم هرب إلى معاوية. قال الهيثم: وهذا قول الشيعة ولم يسمع بحي من العرب ارتدوا عن الإسلام بعد الردة التي كانت في أيام الصديق. وقال الهيثم: حدثني عبيد الله بن تميم بن طرفة الطائي، حدثني أبي، أن عدي بن حاتم قال مرة لعلي بن أبي طالب، وهو يخطب: قتلت أهل النهروان على إنكار الحكومة، وقتلت الخريت بن راشد على مسألته إياك الحكومة، والله ما بينهما موضع قدم. فقال له علي:

اسكت إنما كنت أعرابيا تأكل الضبع بجبلي طيء بالأمس. فقال له عدي: وأنت والله قد رأيناك بالأمس تأكل البلح بالمدينة. قال الهيثم: ثم خرج رجل على علي من أهل البصرة فقتل، فأمر أصحابه عليهم الأشرس بن عوف الشيباني، فقتل هو وأصحابه. قال: ثم خرج عليه الأشهب بن بشر البجلي، ثم أخذ عرينة من أهل الكوفة فقتل هو وأصحابه. قال: ثم خرج على علي سعيد بن قفل التيمي ; تيم ثعلبة، من أهل الكوفة، فقتل بقنطرة درزيجان فوق المدائن. قال الهيثم: أخبرني بذلك عبد الله بن عياش عن مشيخته.

** [قتال علي الخوارج يوم النهروان كان سنة سبع وثلاثين] **

فصل (قتال علي الخوارج يوم النهروان كان سنة سبع وثلاثين)

ذكر ابن جرير، عن أبي مخنف لوط بن يحيى - وهو أحد أئمة هذا الشأن - أن قتال علي الخوارج يوم النهروان كان في هذه السنة، أعني سنة سبع وثلاثين. قال ابن جرير: وأكثر أهل السير على أن ذلك كان في سنة ثمان

وثلاثين. وصححه ابن جرير قلت: وهو الأشبه كما سننبه عليه في السنة الآتية، إن شاء الله تعالى. قال ابن جرير وحج بالناس في هذه السنة - أعني سنة سبع وثلاثين - عبيد الله بن عباس ; نائب علي على اليمن ومخالفيها، وكان نائب مكة قثم بن العباس، وعلى المدينة تمام بن عباس. وقيل: سهل بن حنيف وعلى البصرة عبد الله بن عباس، وعلى قضائها أبو الأسود الدئلي، وعلى مصر محمد بن أبي بكر الصديق، وأمير المؤمنين علي مقيم بالكوفة، ومعاوية بن أبي سفيان بالشام مستحوذ عليها. قلت: ومن نيته أن يأخذ بلاد مصر من محمد بن أبي بكر الصديق.

** [ذكر من توفي في هذه السنة من الأعيان] **

### $ خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد بن خزيمة، كان قد أصابه سباء في الجاهلية فاشترته أم أنمار الخزاعية، التي كانت تختن النساء، وهي أم سباع بن عبد العزى الذي قتله حمزة يوم أحد. حالف خباب بني زهرة.

أسلم خباب قديما قبل دار الأرقم، وكان ممن يؤذى في الله، عز وجل فيصبر

ويحتسب، وهاجر وشهد بدرا وما بعدها من المشاهد. قال الشعبي: دخل خباب يوما على عمر فأكرم مجلسه، وقال: ما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا بلال. فقال: يا أمير المؤمنين إن بلالا كان يؤذى وكان له من يمنعه، وإني كنت لا ناصر لي، والله لقد سلقوني يوما في نار أججوها ووضع رجل منهم رجله على صدري فما اتقيت الأرض إلا بظهري، ثم كشف عن ظهره فإذا هو قد برص، رضي الله عنه. ولما مرض دخل عليه ناس من الصحابة يعودونه، فقالوا: أبشر غدا تلقى الأحبة ; محمدا وحزبه. فقال: والله إخواني مضوا لم يأكلوا من أجرهم شيئا، وإنا قد أينعت لنا ثمرتها فنحن نهدبها، يعني الدنيا فهذا الذي يهمني. قالوا: وتوفي بالكوفة في هذه السنة عن ثلاث وستين سنة، وهو أول من دفن بظاهر الكوفة، رضي الله عنه. ### $ خزيمة بن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة بن ساعدة الأنصاري، ذو الشهادتين، وكانت راية بني خطمة معه يوم الفتح، وشهد صفين مع علي، وقتل يومئذ، رضي الله عنه. ### $ سفينة مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد قدمنا ترجمته في الموالي المنسوبين إلى

النبي صلوات الله وسلامه عليه. ### $ عبد الله بن الأرقم بن أبي الأرقم: أسلم عام الفتح وكتب بين يدي رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وقد تقدم مع كتاب الوحي. ### $ عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي، قتل يوم صفين، وكان أمير ميمنة علي فأخذها بعده الأشتر. ### $ عبد الله بن خباب بن الأرت، ولد في زمن النبي، صلى الله عليه وسلم، وكان موصوفا بالخير، قتله الخوارج، كما قدمنا بالنهروان في هذه السنة، فلما جاء علي قال لهم: أعطونا قتلته ثم أنتم آمنون. فقالوا: كلنا قتله. فقتلهم. ### $ عبد الله بن سعد بن أبي سرح، أحد كتاب الوحي، أسلم قديما وكتب الوحي، ثم ارتد عن الإسلام، ثم عاد إلى الإسلام عام الفتح، واستأمن له عثمان بن عفان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، - وكان أخاه لأمه - وحسن إسلامه، وقد ولاه عثمان نيابة مصر بعد عمرو بن العاص، فغزا إفريقية وبلاد النوبة، وفتح الأندلس، وغزا ذات الصواري مع الروم في البحر، فقتل منهم ما صبغ وجه الماء من الدماء،

ثم لما حصر عثمان تغلب عليه محمد بن أبي حذيفة، وأخرجه من مصر، فمات في هذه السنة وهو معتزل عليا ومعاوية في صلاة الفجر بين التسليمتين، رضي الله عنه. ### $ عمار بن ياسر أبو اليقظان العبسي

من عبس اليمن، وهو حليف بني مخزوم، أسلم قديما وكان ممن يعذب في الله هو وأبوه وأمه سمية، ويقال: إنه أول من اتخذ مسجدا في بيته يتعبد فيه. وقد شهد بدرا وما بعدها. وقد قدمنا كيفية مقتله يوم صفين، وكان مع علي، وأخبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنه تقتله الفئة الباغية.

وروى الترمذي من حديث الحسن، عن أنس أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة ; علي وعمار وسلمان» .

وروى الثوري، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي «أن عمارا استأذن على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: مرحبا بالطيب المطيب» .

وقال إبراهيم بن الحسين: حدثنا يحيى، حدثني نصر، ثنا سفيان

الثوري، عن الأعمش، عن أبي عمار، عن عمرو بن شرحبيل، عن رجل من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: ( «لقد ملئ عمار إيمانا إلى مشاشه» .

وحدثنا يحيى بن معلى، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة أنها قالت: ما من أحد من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أشاء أن أقول فيه إلا عمار بن ياسر، فإنه حشي ما بين أخمص قدميه إلى شحمة أذنيه إيمانا.

وحدثنا يحيى، ثنا عمرو بن عون، أنا هشيم، عن العوام بن حوشب، عن سلمة بن كهيل، «عن علقمة قال: أتيت أهل الشام فلقيت خالد بن الوليد فحدثني، قال: كان بيني وبين عمار بن ياسر كلام في شيء، فشكاني إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا خالد لا تؤذ عمارا ; فإنه من يبغض عمارا يبغضه الله، ومن يعاد عمارا يعاده الله قال: فعرضت له بعد ذلك فسللت ما في

نفسه.» وله أحاديث كثيرة في فضائله، رضي الله عنه.

قتل عمار يوم صفين عن إحدى وقيل: ثلاث. وقيل: أربع وتسعين سنة. طعنه أبو الغادية فسقط، ثم أكب عليه رجل فاحتز رأسه، ثم اختصما إلى معاوية أيهما قتله. فقال لهما عمرو بن العاص: اتئدا فوالله إنكما لتختصمان في النار. فسمعها منه معاوية فلامه على تسميعه إياهما ذلك. فقال له عمرو: والله إنك لتعلم ذلك، ولوددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة.

قال الواقدي: حدثني الحسن بن الحسين بن عمارة، عن أبي إسحاق، عن عاصم أن عليا صلى عليه، ولم يغسله، وصلى معه على هاشم بن عتبة، فكان عمار مما يلي عليا، وهاشم إلى نحو القبلة. قالوا: وقبر هنالك. وكان آدم اللون، طويلا، بعيد ما بين المنكبين، أشهل العينين، رجلا لا يغير شيبه، رضي الله عنه. ### $$ الربيع بنت معوذ بن عفراء، أسلمت قديما وكانت تخرج مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى الغزوات فتداوي الجرحى، وتسقي الماء للكلمى وغيرهم، وروت

أحاديث كثيرة.

وقد قتل في هذه السنة في أيام صفين خلق كثير وجم غفير ; فقيل: قتل من أهل الشام خمسة وأربعون ألفا، ومن أهل العراق خمسة وعشرون ألفا. وقيل: قتل من أهل العراق أربعون ألفا من مائة وعشرين ألفا، وقتل من أهل الشام عشرون ألفا من ستين ألفا. وبالجملة فقد كان في قتلى الفريقين أعيان ومشاهير يطول استقصاؤهم. وفيما ذكرنا كفاية. والله تعالى أعلم.

Source. Al-Bidaya wa-l-Nihaya (البداية والنهاية), Ibn Kathir (d. 1373) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0774IbnKathir.Bidaya.Shamela0004445-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com