Islam · Chronicles · Kitab al-'Ibar
الكتاب الثاني ويشتمل: أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدإ الخليقة الى هذا العهد — تتمة ٦
Kitab al-'Ibar · Ibn Khaldun (d. 1406) · chapter 18 of 67
وأما قريش وهم ولد النضر بن كنانة بن فهر بن مالك بن النضر، والنضر هو الذي يسمى قريشا، قيل للتفرش وهو التجارة، وقيل تصغير قرش وهو الحوت الكبير المفترس دواب البحر. وإنما انتسبوا إلى فهر لأن عقب النضر منحصر فيه لم يعقب من بني النضر غيره، فهذا وجه القول بأن قريشا من بني فهر بن مالك أعني انحصار نسبهم فيه، وأما الذي اسمه قريش فهو النضر. فولد فهر غالب والحارث ومحارب فبنو محارب بن فهر من قريش الظواهر منهم الضحاك بن قيس بن خالد بن وهب بن ثعلبة بن واثلة بن عمرو بن شيبان بن محارب صاحب مرج راهط، قاتل فيه مروان بن الحكم حين بويع له بالخلافة وقتل. وضرار بن الخطاب بن مرداس بن كثير بن عمرو آكل السقف [1] ابن حبيب بن عمرو بن شيبان الفارس المشهور في الصحابة، وأبوه الخطاب بن مرداس سيد الظواهر في الجاهلية، وكان يأخذ المرباع منهم وحضر حروب الفجار، وابنه من فرسان الإسلام وشعرائه. وعبد الملك بن قطي بن نهشل بن عمرو بن عبد الله بن وهب بن سعد بن عمرو آكل السقف شهد يوم الحرة وعاش حتى ولي الأندلس وصلبه أصحاب بلخ بن بشر القشيري، وكرز بن جابر بن حسل ابن لاحب بن حبيب بن عمرو بن شيبان قتل يوم الفتح وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وسار بنو الحرث بن فهر من الظواهر، منهم أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن وهب بن ضبة بن الحرث من العشيرة وأمير المسلمين بالشام عند الفتح، وعقبة بن نافع بن عبد قيس بن لقيط بن عامر بن أمية بن ضرب بن الحرث فاتح إفريقية ومؤسس القيروان بها، ومن عقبه عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة والي إفريقية أبوه حبيب بن عقبة هو قاتل عبد العزيز بن موسى بن نصير، ويوسف بن عبد الرحمن بن أبي عبيدة صاحب الأندلس وعليه دخل عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك فقتله ووليها هو وبنوه من بعده.
وأما غالب بن فهر وهو في عمود النسب الكريم فولد تيم الأدرم وولدين فبنو تيم الأدرم من الظواهر وهم بادية، كان منهم ابن خطل الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله يوم الفتح فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة، وهو هلال بن عبد الله بن عبد مناة بن أسعد بن جابر بن كبير بن تيم الأدرم.
وأما لؤي بن غالب في عمود النسب الكريم فولد كعبا وعامرا وبطونا أخرى يختلف
في نسها إلى لؤي خزيمة وسامة وسعد وجشم، وهو الحارث وعوف وهم من قريش الظواهر على أقل، فمنهم خزيمة بن لؤي وبنو سامة بن لؤي، ويقال ليس بنو سامة من قريش وهم بعمان. ويقال: إن منهم بني سامان ملوك ما وراء النهر. فأما بنو عامر بن لؤي فهم شقير حسل بن عامر ومعيص بن عامر فمن بني معيص بشر بن أرطاة وهو عويمر عمران بن الحليس بن يسار بن نزار بن معيص بن عامر وهو أحد قواد معاوية، ومكرز بن حفص بن الأحنف بن علقمة بن عبد الحارث بن منقذ بن عمرو بن معيص من سادات قريش الذي أجار أبا جندل بن سهيل فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو عمرو بن قيس بن زائدة بن جندب الأصم ابن هرم بن رواحة بن حجر بن عبد معيص، وهو ابن خال خديجة وأمه أم كلثوم عاتكة بنت عبد الله بن عنكمثة بن عامر بن مخزوم.
ومن بني حسل عامر بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحارث بن جبيب بن خزيمة بن مالك بن حسل بن عامر أمير المسلمين في فتح إفريقية أيام عثمان وولي مصر وكان كتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى مكة ثم جاء تائبا وحسنت حاله وقصته معروفة، وحويطب بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل له صحبة، وعبد عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك صاحب الحديبية وأخوه السكران، وابنه أبو جندل سهيل واسمه العاصي وهو الذي جاء في قيوده يوم صلح الحديبية إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرده وقصته معروفة.
وزمعة بن قيس بن عبد شمس، وابنه عبد بن زمعة، وبنته سودة بنت زمعة أم المؤمنين وكانت زوجة السكران ابن عمها، ثم تزوجها بعده رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما كعب بن لؤي وهو في عمود النسب الكريم فولده مرة وهصيص وعدي وهم قريش البطاح أي بطائح مكة، فمن ابن كعب هصيص بن كعب بن لؤي بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب منهم العاصي بن وائل بن هشام بن سعيد بن سهم، وابناه عمرو وهشام ابنا العاصي، وعبد الرحمن بن معيص بن أبي وداعة وهو الحارث بن سعيد بن سعد بن سهم قارئ أهل مكة، وإسماعيل بن جامع بن عبد المطلب بن أبي وادعة مفتي مكة ونبيه ومنبه ابنا الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم قتلا يوم بدر كافرين وألقيا في القليب، وقتل يومئذ العاصي بن منبه، وكان له ذو
الفقار سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعبد الله بن الزبعري بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم كان يؤذي بشعره ثم أسلم وحسن إسلامه، وحذافة بن قيس أبو الأخنس وخنيس، وكان خنيس على حفصة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبد الله بن حذافة من مهاجرة الحبشة وهو الذي مضى بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى. وبنو جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب، كان منهم أمية بن خلف بن وهب بن حذافة قتل يوم بدر وأخوه أبي قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد بيده وابنه صفوان بن أمية أسلم يوم الفتح وابنه عبد الله بن صفوان قتل مع الزبير وعثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة وإخوته قدامة والسائب وعبد الله مهاجرون بدريون وإخوتهم زينب بنت مظعون أم حفصة.
وبنو عدي بن كعب: منهم زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن زراح بن عدي [1] . رفض الأوثان في الجاهلية والتزم الحنيفية ملة إبراهيم إلى أن قتل بقرية من قرى البلقاء قتله لخم أو جذام، وابنه سعيد بن زيد أحد العشرة المشهود لهم بالجنة. وعمر بن الخطاب أمير المؤمنين، وابنه عبد الله وعاصم وعبيد الله وغيرهم، وخارجة بن حذافة بن غانم بن عامر بن عبيد الله بن عويج بن عدي بن كعب الذي قتله الحروري بمصر يظنه عمرو بن العاص [2] وقال:
أردت عمرا وأراد الله خارجة فصارت مثلا. وأبو الجهم بن حذيفة بن غانم صاحب النفل يوم حنين ومطيع بن الأسود بن حارثة بن نضلة بن عوف بن عبيد بن عويج صحابي، وابنه عبد الله بن مطيع كان على المهاجرين يوم الحرة قتل مع ابن الزبير بمكة.
وأما مرة بن كعب وهو من عمود النسب الكريم فكان له من الولد كلاب وتيم ويقظة.
فأما تيم بن مرة فمنهم: عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم سيد قريش في الجاهلية وتنسب إليه الدار المشهورة يومئذ بمكة. ومنهم أبو بكر الصديق واسمه عبد الله بن أبي قحافة وهو عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب وابناه عبد
الرحمن ومحمد وطلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب قتل يوم الجمل وابنه محمد السجاد وأعقابهم كثيرة.
وبنو يقظة بن مرة منهم: بنو مخزوم بن يقظة بن مرة فمنهم صيفي بن أبي رفاعة وهو أمية بن عائذ بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، قتل هو أخوه ببدر كافرا، والأرقم بن أبي الأرقم واسمه عبد مناف بن أبي جندب، واسمه أسد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم صاحبي بدري كان يجتمع بداره النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون سرا قبل أن يفشوا الإسلام، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم من قدماء المهاجرين كان زوج أم سلمة قبل النبي صلى الله عليه وسلم، والفاكه بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم واسمه أبو قيس قتل يوم بدر كافرا، وأبو جهل بن هشام بن المغيرة واسمه عمر وقتل يومئذ كافرا وابنه عكرمة صحابي، والحارث بن هشام بن المغيرة أسلم وحسن إسلامه وله عقب كثير مشهورون، وأبو أمية بن أبي حذيفة بن المغيرة قتل يوم بدر كافرا وبنته أم سلمة أم المؤمنين وهشام بن أبي حذيفة من مهاجرة الحبشة، وعبد الله بن أبي ربيعة وهو عمرو بن المغيرة من الصحابة من ولده الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المعروف بالقباع، والوليد بن المغيرة مات بمكة كافرا وابنه خالد بن الوليد سيف الله صاحب الفتوحات الإسلامية، وسعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم تابعي، وأبوه المسيب من أهل بيعة الرضوان.
وأما كلاب بن مرة من عمود النسب الكريم فولد له قصي وزهرة فبنو زهرة بن كلاب منهم آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة أم النبي صلى الله عليه وسلم وابن أخيها عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث بن وهب، وسعد بن أبي وقاص واسمه مالك بن وهب بن عبد مناف أمير المسلمين في فتح العراق، وهاشم ابن أخيه عتبة من الأمراء يومئذ، وابنه عمرو بن سعيد الذي بعثه عبد الله بن زياد لقتال الحسين وقتله المختار بن أبي عبيد، وأخوه محمد بن سعد قتله الحجاج بن أبي الأشعث، والمسور ابن مخرمة بن نوفل بن وهب صحابي وأبوه من المؤلفة قلوبهم، وعبد الله بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحرث بن زهرة وابنه سلمة وله عقب كثير.
وأما قصي بن كلاب من عمود النسب الكريم، وهو الذي جمع أمر قريش وأثل مجدهم، فولد له عبد مناف وعبد الدار وعبد العزى.
فبنو عبد الدار كان منهم النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار، أسر يوم بدر مع المشركين، ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومر بالصفراء أمر به فضرب عنقه هنالك. ومصعب بن عمرو بن هاشم بن عبد مناف صحابي بدري استشهد يوم أحد وكان صاحب اللواء، ومن عقبه كان عامر بن وهب القائم بسرقسطة من الأندلس بدعوة أبي جعفر المنصور، وقتله يوسف بن عبد الرحمن الفهري أمير الأندلس قبل عبد الرحمن الداخل. ومنهم أبو السنابل بن بعكك بن السباق بن عبد الدار صحابي مشهور، ومنهم عثمان بن طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار الذي دفع إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح مفتاح الكعبة، وقيل إنما دفعه إلى أخيه شيبة وصارت حجابة البيت إلى بني شيبة بن طلحة من يومئذ.
وبنو عبد العزى بن قصي منهم أبو البختري العاصي بن هاشم بن الحارث بن أسد بن عبد العزى، أراد التملك على قريش من قبل قيصر فمنعوه فرجع عنهم الى الشام، وسجن من وجد بها من قريش، وكان في جملتهم أبو أحيحة سعيد بن العاص فدست قريش إلى عمرو بن جفنة الغساني، فسم عثمان بن الحويرث ومات بالشام.
وهبار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، كان من عقبه عمر بن عبد العزيز بن المنذر بن الزبير بن عبد الرحمن بن هبار صاحب السند وليها في ابتداء الفتنة إثر قتل المتوكل، وتداول أولاده ملكها إلى أن انقطع أمرهم على يد محمود بن سبكتكين صاحب غزنة وما دون النهر من خراسان، وكانت قاعدتهم المنصورة، وكان جده المنذر بن الربيع قد قام بقرقيسياء أيام السفاح فأسر وصلب. وإسماعيل بن هبار قتله مصعب بن عبد الرحمن غفيلة، وهبار كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ابنه عوف أسلم فمدحه وحسن إسلامه. وعبد الله بن زمعة بن الأسود له صحبة وتزوج زينب بنت أبي سلمة من أم سلمة أم المؤمنين. وخديجة أم المؤمنين بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى، والزبير بن العوام بن خويلد أحد العشرة، وابناه عبد الله ومصعب. وحكيم بن حزام بن خويلد عاش ستين سنة في الإسلام وباع داره والندوة من معاوية بمائة ألف، وابنه هشام بن حكيم.
وأما عبد مناف وهو صاحب الشوكة في قريش وسنام الشرف وهو في عمود النسب الكريم، فولد له عبد شمس وهاشم والمطلب ونوفل. وكان بنو هاشم وبنو عبد
شمس متقاسمين رياسة بني عبد مناف والبقية أحلاف لهم فبنو المطلب أحلاف لبني هاشم وبنو نوفل أحلاف لبني عبد شمس.
فأما بنو عبد شمس فمنهم العبلات وهم بنو أمية الأصغر وبنته الثريا صاحبة عمرو بن أبي ربيعة وهي سيدة القريض المغني وبنو ربيعة بن عبد شمس: منهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة، ومن عتبة ابنه الوليد وقتل يوم بدر كافرا، وأبو حذيفة صحابي وهو مولى سالم قتل يوم اليمامة، وهند بنت عتبة أم معاوية رضي الله عنها. وبنو عبد العزى بن عبد شمس: منهم أبو العاصي بن الربيع بن عبد العزى صهر النبي وكانت له منها أمامة تزوجها علي بعد فاطمة رضي الله عنهما. وبنو أمية الأكبر بن عبد شمس منهم سعيد بن أبي أحيحة العاصي بن أمية مات كافرا، وابنه خالد بن عبد قتل يوم اليرموك، وسعيد بن العاص بن سعيد قديم الإسلام ولي صنعاء واستشهد في فتح الشام، وابنه سعيد قتل يوم اليرموك، وسعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية ولي الكوفة لعثمان، وابنه عمرو الأشدق القائم على عبد الملك وقتله، وأمير المؤمنين عثمان بن عفان بن العاص بن أمية، ومروان بن الحكم بن أبي العاص، وأعقابه الخلفاء الأولون في الإسلام والملوك بالأندلس معروفون يأتي ذكرهم عند أخبار دولهم. وأبو سفيان بن حرب بن أمية وأبناؤه معاوية أمير المؤمنين ويزيد وحنظلة وعتبة وأم حبيبة أم المؤمنين، وعقب معاوية بين الخلفاء والإسلام بين معروف يذكر عند ذكرهم. وعتاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكة إذ فتحها فلم يزل عليها إلى أن مات يوم ورود الخبر بموت أبي بكر الصديق. ومنهم بنو أبي الشوراب القضاة ببغداد من عهد المتوكل إلى المقتدر، وهم بنو أبي عثمان بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العاص وعقبة بن أبي معيط واسمه أبان بن عمرو بن أمية قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر صبرا، وابنه الوليد صحابي ولي الكوفة وهو الذي حد على الخمر بين يدي عثمان، وابنه أبو قطيفة الشاعر، ومن عقبة بن أبي معيط المعيطي الذي بويع بدانية من شرق الأندلس بايع له ما ملكها مجاهد زمان الفتنة بعد المائة الرابعة في آخر الدولة الأموية، وهو عبد الله بن عبيد الله بن عبيد الله بن الوليد بن محمد بن يوسف بن عبد الله بن عبد العزيز بن خالد بن عثمان بن عبد الله بن عبد العزيز بن خالد بن عقبة بن أبي معيط.
وبنو نوفل بن عبد مناف: منهم جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل الصحابي المشهور، وأبوه مطعم هو الذي نوه به النبي صلى الله عليه وسلم يوم الطائف ومات قبل بدر، وطعيمة بن عدي قتل يوم بدر كافرا، ومولاه وحشي هو الذي قتل يوم أحد حمزة بن عبد المطلب.
وبنو المطلب بن عبد مناف منهم قيس بن مخرمة بن المطلب صحابي، وابنه عبد الله بن قيس مولى يسار جد محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي، ومسطح وهو عوف بن أثاثة بن عباد بن المطلب أحد من تكلم بالإفك وهو ابن خالة أبي بكر الصديق، وركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب كان من أشد الرجال، وصارعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فصرعه وكانت آية من آياته. والسائب بن عبد يزيد وكان يشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسر يوم بدر ومن عقبه الشافعي محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب.
وأما بنو هاشم بن عبد مناف فسيدهم عبد المطلب بن هاشم، ولم يذكر من عقبه إلا عقب عبد المطلب هذا، وكان بنوه عشرة عبد الله أبو النبي صلى الله عليه وسلم وهو أصغرهم، وحمزة، والعباس وأبو طالب، والزبير، والمقوم ويقال اسمه الغيداق، وضرار وحجل، وأبو لهب، وقثم والزبير لا عقب لهما. وعقب حمزة انقرض فيما قال ابن حزم. ومن عقب أبي لهب ابنه عتبة صحابي. وأما عقب العباس وأبي طالب فأكثر من أن يحصر، والبيت والشرف من بني العباس في عبد الله بن العباس، ومن بني أبي طالب في علي أمير المؤمنين وبعده أخوه جعفر رضي الله عنهم أجمعين، وسنذكر من مشاهيرهم عند ذكر أخبارهم ودولهم ما فيه كفاية إن شاء الله تعالى.
هذا آخر الكلام وفي أنساب قريش وانقضى بتمامها الكلام في أنساب مضر وعدنان فلنرجع الآن إلى أخبار قريش وسائر مضر وما كان لهم من الدول الإسلامية. والله المستعان لا رب غيره، ولا خير إلا خيره، ولا معبود سواه ولا يرجى إلا إياه، وهو حسبي ونعم الوكيل، وأسأله الستر الجميل.
** الخبر عن قريش من هذه الطبقة وملكهم بمكة وأولية أمرهم وكيف صار الملك اليهم فيها ممن قبلهم من الأمم السابقة **
قد ذكروا عند الطبقة الأولى أن الحجاز وأكناف العرب كانت ديار العمالقة من ولد عمليق بن لاوذ وأنهم كان لهم ملك هنالك، وكانت جرهم أيضا من تلك الطبقة من ولد يقطن بن شالخ بن أرفخشد، وكانت ديارهم اليمن مع إخوانهم حضرموت. وأصاب اليمن يومئذ قحط ففروا نحو تهامة يطلبون الماء والمرعى وعثروا في طريقهم بإسماعيل مع أمه هاجر عند زمزم، وكان من شأنه وشأنهم معه ما ذكرناه عند ذكر إبراهيم عليه السلام. ونزلوا على قطورا من بقية العمالقة، وعليهم يومئذ السميدع بن هوثر بثاء مثلثة ابن لاوي بن قطورا بن ذكر بن عملاق أو عمليق.
واتصل خبر جرهم من ورائهم من قومهم باليمن وما أصابوا من النجعة بالحجاز فلحقوا بهم، وعليهم مضاض بن عمرو بن سعيد بن الرقيب بن هنء بن نبت بن جرهم، فنزلوا على مكة بقعيقعان وكانت قطورا أسفل مكة. وكان مضاض يعشر من دخل مكة من أعلاها والسميدع من أسفلها، هكذا عند ابن إسحاق والمسعودي أن قطورا من العمالقة، وعند غيرهما أن قطورا من بطون جرهم وليسوا من العمالقة. ثم افترق أمر قطورا وجرهم وتنافسوا الملك واقتتلوا وغلبهم المضاض وقتل السميدع وانقضت العرب العاربة قال الشاعر:
مضى آل عملاق فلم يبق منهمو ... حقير ولاذ وعزة متشاوس
عتوا فأدال الدهر منهم وحكمه ... على الناس هذا وأغذ ومبايس
ونشأ إسماعيل صلوات الله عليه بين جرهم وتكلم بلغتهم وتزوج منهم حرا بنت سعد بن عوف بن هنء بن نبت بن جرهم، وهي المرأة التي أمره أبوه بتطليقها لما زاره ووجده غائبا فقال لها: قولي لزوجك فليغير عتبته، فطلقها وتزوج بنت أخيها مامة بنت مهلهل بن سعد بن عوف، ذكر هاتين المرأتين الواقدي في كتاب انتقال النور، وتزوج بعدهما السيدة بنت الحرث بن مضاض بن عمرو بن جرهم. ولثلاثين سنة من عمر إسماعيل قدم أبوه الحجاز فأمر ببناء الكعبة البيت الحرام، وكان الحجر زربا لغنم
إسماعيل فرفع قواعدها مع ابنه إسماعيل وصيرها خلوة لعبادته، وجعلها حجا للناس كما أمره الله، وانصرف إلى الشام فقبض هنالك كما مر. وبعث الله إسماعيل إلى العمالقة وجرهم وأهل اليمن فآمن بعض وكفر بعض إلى أن قبضة الله ودفن بالحجر مع أمه هاجر ويقال آجر، وكان عمره فيما يقال مائة وثلاثين سنة وعهد بأمره لابنه قيذار: ومعنى قيذار صاحب الإبل وذلك لأنه كان صاحب إبل أبيه إسماعيل كذا قال السهيلي، قال غيره معناه الملك. ويقال: إنما عهد لابنه نابت فقام ابنه بأمر البيت ووليها، وكان ولده فيما ينقل أهل التوراة كما نقل اثني عشر: قيذار ينابوت ادبيبل [1] مبسام مشمع دوما مسا حدد [2] ديما يطور ياقيس قدما [3] أمهم السيدة بنت مضاض قاله السهيلي.
وهكذا وقعت أسماؤهم في الإسرائيليات، والحروف مخالفة للحروف العربية بعض الشيء باختلاف المخارج، فلهذا يقع الخلاف بين العلماء في ضبط هذه الألفاظ، وقد ضبط ابن إسحاق تيماء منهم بالطاء والياء وضبطه الدار الدارقطني بالضاد المعجمة والميم قبل الياء كأنها تأنيث آضم وذكر ابن إسحاق ديما. وقال البكري به سميت دومة الجندل لأنه كان نزلها وذكر أن الطوربيطون ابن إسماعيل.
ثم هلك نابت بن إسماعيل، وولى أمر البيت جده الحرث بن مضاض، وقيل وليها مضاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن هنء ابن نبت بن جرهم، ثم ابنه الحرث بن عمرو. ثم قسمت الولاية بين ولد إسماعيل بمكة وأخوالهم من جرهم ولاة البيت لا ينازعهم ولد إسماعيل إعظاما للحرم أن يكون به بغي أو قتال. ثم بغت جرهم في البيت، ووافق بغيهم تفرق سبإ ونزول بني حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر أرض مكة، فأرادوا المقام مع جرهم فمنعوهم واقتتلوا فغلبهم بنو حارثة، وهم فيما قيل خزاعة، وملكوا البيت عليهم، ورئيسهم يومئذ عمرو بن لحي وشرد بقية جرهم.
ولحي هذا هو ربيعة بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقياء بن عامر، وقيل: إنما ثعلبة بن حارثة بن عامر. وفي الحديث «رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار»
يعني أحشاءه، لأنه الذي بحر البحيرة وسيب السائبة وحمى الحامي وغير دين إسماعيل ودعا الى عبادة الأوثان. وفي طريق آخر رأيت عمرو بن عامر. قال عياض المعروف في نسب أبي خزاعة، هذا هو عمرو بن لحي بن قمعة بن إلياس وإنما عامر اسم أبيه أخو قمعة، وهو مدركة بن إلياس، وقال السهيلي: كان حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر خلف على أم لحي بد أبيه قمعة ولحي تصغير واسمه ربيعة تبناه حارثة وانتسب إليه فالنسب صحيح بالوجهين، وأسلم بن أفصى بن حارثة أخو خزاعة.
وعن ابن إسحاق أن الذي أخرج جرهم من البيت ليست خزاعة وحدها، وإنما تصدى للنكير عليهم خزاعة وكنانة. وتولى كبره بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة وبنو غبشان بن عبد عمرو بن بوى بن ملكان بن أفصى بن حارثة فاجتمعوا لحربهم واقتتلوا، وغلبهم بنو بكر وبنو غبشان بن كنانة وخزاعة على البيت ونفوهم من مكة.
فخرج عمرو، وقيل عامر بن الحرث بن مضاض الأصغر، بمن معه من جرهم إلى اليمن بعد أن دفن حجر الركن وجميع أموال الكعبة بزمزم. ثم أسفوا على ما فارقوا من أمر مكة وحزنوا حزنا شديدا. وقال عمرو بن الحرث وقيل عامر:
كان لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأزالنا ... صروف الليالي والجدود العواثر
وكنا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف فما تحظى لدينا المكاثر
ملكنا فعززنا فأعظم ملكنا ... فليس لحي عندنا ثم فاخر
ألم تنكحوا من خير شخص علمته ... فأبناؤنا منا ونحن الأصاهر
فإن تنثني الدنيا علينا بحالها ... فإن لها حالا وفيها التشاجر
فأخرجنا منها المليك بقدرة ... كذلك يا للناس تجري المقادر
أقول إذا نام الخلي ولم أنم ... إذا العرش لا يبعد سهيل وعامر
وبدلت منها أوجها لا أحبها ... قبائل منها حمير وبحائر
وصرنا أحاديثا وكنا بغبطة ... بذلك عضتنا السنون الغوابر
فساحت دموع العين تبكي لبلدة ... بها حرم أمن وفيها المشاعر
ونبكي لبيت ليس يؤذي حمامه ... يظل بها أمنا وفيها العصافر
وفيه وحوش لا ترام أنيسة ... إذا خرجت منه فليست تغادر
ثم غلبت بنو حبشية على أمر البيت بقومهم من خزاعة، واستقلوا بولايتها دون بني بكر
عبد مناة، وكان الذي يليها لآخر عهدهم عمرو بن الحرث وهو غبشان.
وذكر الزبير: أن الذين أخرجوا جرهم من البيت من ولد إسماعيل هم إياد بن نزار.
ومن بعد ذلك وقعت الحرب بين مضر وإياد فأخرجتهم مضر، ولما خرجت إياد قلعوا الحجر الأسود ودفنوه في بعض المواضع، ورأت ذلك امرأة من خزاعة فأخبرت قومها فاشترطوا على مضر إن دلوهم عليه أن لهم ولاية البيت دونهم، فوفوا لهم بذلك. وصارت ولاية البيت لخزاعة إلى أن باعها أبو غبشان لقصي. ويذكر ان من وليها منهم عمرو بن لحي ونصب الأصنام وخاطبه رجل من جرهم:
يا عمرو لا تظلم بمكة إنها بلد حرام سائل بعاد أين هم- وكذاك تحترم الأنام وهي العماليق الذين لهم بها كان السوام وكانت ولاية البيت لخزاعة وكان لمضر ثلاث خصال: الإجازة بالناس يوم عرفة لبني الغوث بن مرة إخوتهم وهو صوفة، والإفاضة بالناس غداة النحر من جمع إلى منى لبني زيد بن عدي وانتهى ذلك منهم إلى أبي سيارة عميرة بن الأعزل بن خالد بن سعد بن الحرث بن كانس بن زيد فدفع من مزدلفة أربعين سنة على حمار، ونسأ الشهور الحرم، كان لبني مالك بن كنانة وانتهى إلى القلمس كما مر. وكان إذا أراد الناس الصدور من مكة قال: اللهم إني أحللت أحد الصغرين ونسأت الآخر للعام المقبل قال عمرو بن قيس من بني فراس.
ونحن الناسئون على معد ... شهور الحل نجعلها حراما
قال ابن إسحاق: فأقام بنو خزاعة وبنو كنانة على ذلك مدة الولاية لخزاعة دونهم كما قلناه. وفي أثناء ذلك تشعبت بطون كنانة ومن مضر كلها وصاروا جرما وبيوتات متفرقين في بطن قومهم من بني كنانة، وكلهم إذ ذاك أحياء حلول بظواهرها.
وصارت قريش على فرقتين: قريش البطاح وقريش الظواهر. فقريش البطاح ولد قصي بن كلاب وسائر بني كعب بن لؤي، وقريش الظواهر من سواهم وكانت خزاعة بادية لكنانة، ثم صار بنو كنانة لقريش، ثم صارت قريش الظواهر بادية لقريش البطاح، وقريش الظواهر من كان على أقل من مرحلة، ومن الضواحي ما كان على أكثر من
ذلك. وصار من سوى قريش وكنانة من قبائل مضر في الضواحي أحياء بادية، وظعونا ناجعة من بطون قيس، وخندف من أشجع وعبس وفزارة ومرة وسليم وسعد بن بكر وعامر بن صعصعة وثقيف. ومن تميم والرباب وضبعي بني أسد وهذيل والقارة وغير هؤلاء من البطون الصغار، وكان التقدم في مضر كلها لكنانة ثم لقريش، والتقدم في قريش لبني لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر، وكان سيدهم قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي كان له فيهم شرف وقرابة وثروة وولد.
وكان له في قضاعة ثم في بني عروة بن سعد بن زيد من بطونهم نسب ظئر ورحم كلالة كانوا من أجلها فيه شيعة، وذلك بما كان ربيعة بن حرام بن عذرة قدم مكة قبل مهلك كلاب بن مرة. وكان كلاب خلف قصيا في حجر أمه فاطمة بنت سعد بن باسل بن خثعمة الأسدي من اليمن فتزوجها ربيعة وقصي يومئذ فطيم فاحتملته إلى بلاد بني عذرة وتركت ابنها زهرة بن كلاب لأنه كان رجلا بالغا، وولدت لربيعة بن حزام رزاح بن ربيعة. ولما شب قصي وعرف نسبه رجع إلى قومه، وكان الذي يلي أمر البيت لعهده من خزاعة حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو، فأصهر إلى قصي في ابنته حبي فأنكحه إياها فولدت له عبد الدار وعبد مناف وعبد العزى وعبد قصي. ولما انتشر ولد قصي وكثر ماله وعظم شرفه هلك حليل، فرأى قصي أنه أحق بالكعبة وبأمر مكة وخزاعة وبني بكر لشرفه في قريش. ولما كثرت قريش سائر الناس واعتزت عليهم وقيل أوصى له بذلك حليل، ولما بدا له ذلك مشى في رجالات قريش ودعاهم الى ذلك فأجابوه، وكتب إلى أخيه رزاح في قومه عذرة مستجيشا بهم فقدم مكة في إخوته من ولد ربيعة ومن تبعهم من قضاعة في جملة الحاج مجمعا نصر قصي.
قال السهيلي: وذكر غير ابن إسحاق أن حليلا كان يعطي مفاتيح البيت بنته حبي حين كبر وضعف فكانت بيدها، وكان قصي ربما أخذها يفتح البيت للناس ويغلقه. فلما هلك حليل أوصى بولاية البيت إلى قصي وأبت خزاعة أن يمضي ذلك لقصي، فعند ذلك هاجت الحرب بينه وبين خزاعة وأرسل إلى رزاح أخيه يستنجده عليهم.
وقال الطبري: لما أعطى حليل مفاتيح الكعبة لابنته حبي لما كبر وثقل قالت: اجعل ذلك لرجل يقوم لك به. فجعله إلى أبي غبشان سليمان بن عمرو بن لؤي بن ملكان
بن قصي، وكانت له ولاية الكعبة. ويقال: إن أبا غبشان هو ابن حليل باعه من قصي بزق خمر، قليل فيه: «أخسر من صفقة أبي غبشان» . فكان من أول ما بدءوا به نقض ما كان لصوفة من إجازة الحاج، وذلك أن بني سعد بن زيد مناة بن تميم كانوا يلون الإجازة للناس بالحج من عرفة ينفر الحاج لنفرهم ويرمون الجمار لرميهم، ورثوا ذلك من بني الغوث بن مرة، كانت أمه من جرهم وكانت لا تلد، فنذرت إن ولدت أن تتصدق به على الكعبة عبدا يخدمها، فولدت الغوث وخلى أخواله من جرهم بينه وبين من نافسه بذلك، فكان له ولولده وكان يقال لهم صوفة.
وقال السهيلي: عن بعض الأخباريين: إن ولاية الغوث بن مرة كانت من قبل ملوك كندة، ولما انقرضوا ورث بالتعدد بنو سعد بن زيد مناة، ولما جاء الإسلام كانت تلك الإجازة منهم لكرب بن صفوان بن حتاب بن شجنة وقد مر ذكره في بطون تميم. فلما كان العام الذي أجمع فيه قصي الانفراد بولاية البيت وحضر إخوته من عذرة، تعرض لبني سعد أصحاب صوفة في قومهم من قريش وكنانة وقضاعة عند الكعبة، فلما وقفوا للإجازة قال: لا نحن أولى بهذا منكم فتناجزا وغلبهم قصي على ما كان بأيديهم، وعرفت خزاعة وبنو بكر عند ذلك أنه سيمنعهم من ولاية البيت كما منع الآخرين، فانحازوا عنه وأجمعوا لحربه وتناجزوا وكثر القتل، ثم صالحوه على أن يحكموا من أشراف العرب، وتنافروا إلى يعمر بن عوف بن كعب بن عمرو بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة فقضى لقصي عليهم، فولي قصي البيت وقر بمكة وجمع قريشا من منازلهم بين كنانة إليها وقطعها أرباعا بينهم، فأنزل كل بطن منهم بمنزله الذي صبحهم [1] به الإسلام وسمي بذلك مجمعا قال الشاعر:
قصي لعمري كان يدعى مجمعا ... به جمع الله القبائل من فهر
فكان أول من أصاب من بني لؤي بن غالب ملكا أطاع له به قومه، فصار له لواء الحرب وحجابة البيت، وتيمنت قريش برأيه فصرفوا مشورتهم إليه في قليل أمورهم وكثيرها، فاتخذوا دار الندوة إزاء الكعبة في مشاوراتهم وجعل بابها إلى المسجد فكانت مجتمع الملاء من قريش في مشاوراتهم ومعاقدهم. ثم تصدى لإطعام الحاج وسقايته لما رأى أنهم ضيف الله وزوار بيته، وفرض على قريش خراجا يؤدونه إليه
زيادة على ذلك كانوا يردفونه به فحاز شرفهم كله، وكانت الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء له. ولما أسن قصي وكان بكرة عبد الدار وكان ضعيفا، وكان أخوه عبد مناف شرف عليه في حياة أبيه، فأوصى قصي لعبد الدار بما كان له من الحجابة واللواء والندوة والرفادة والسقاية يجبر له بذلك ما نقصه من شرف عبد مناف، وكان أمره في قومه كالدين المتبع لا يعدل عنه. ثم هلك وقام بأمره في قومه بنوه من بعده.
وأقاموا على ذلك مدة وسلطان مكة لهم وأمر قريش جميعا، ثم نفس بنو عبد مناف على بني عبد الدار ما بأيديهم ونازعوهم، فافترق أمر قريش وصاروا في مظاهرة بني قصي بعضهم على بعض فرقتين. وكان بطون قريش قد اجتمعت لعهدها ذلك اثني عشر بطنا: بنو الحرث بن فهر، وبنو محارب بن فهر، وبنو عامر بن لؤي، وبنو عدي بن كعب، وبنو سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب، وبنو جمح بن عمرو بن هصيص، وبنو تيم بن مرة، وبنو مخزوم بن يقظة بن مرة، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو أسد بن عبد العزى بن قصي، وبنو عبد الدار، وبنو عبد مناف بن قصي.
فأجمع بنو عبد مناف انتزاع ما بأيدي بني عبد الدار مما جعل لهم قصي، وقام بأمرهم عبد شمس أسن ولده واجتمع له من قريش: بنو أسد بن عبد العزى، وبنو زهرة، وبنو تيم، وبنو الحرث. واعتزل بن عامر، وبنو المحارب الفريقين. وصار الباقي من بطون قريش مع بني عبد الدار وهم: بنو سهم، وبنو جمح، وبنو عدي، وبنو مخزوم. ثم عقد كل من الفريقين على أحلافه عقدا مؤكدا، وأحشر بنو عبد مناف وحلف قومهم عند الكعبة جفنة مملوءة طيبا غمسوا فيها أيديهم تأكيدا للحلف، فسمي «حلف المطيبين» . وأجمعوا للحرب وسووا بين القبائل وأن بعضها إلى بعض، فعبت بنو عبد الدار لبني أسد، وبنو جمح لبني زهرة، وبنو مخزوم لبني تيم، وبنو عدي لبني الحرث. ثم تداعوا للصلح على أن يسلموا لبني عبد مناف السقاية والرفادة، ويختص بنو عبد الدار بالحجابة واللواء فرضي الفريقان وتحاجز الناس.
وقال الطبري قيل ورثها من أبيه. ثم قام بأمر بني عبد مناف هاشم ليساره وقراره بمكة، وتقلب أخيه عبد شمس في التجارة إلى الشام، فأحسن هاشم ما شاء في إطعام الحاج وإكرام وفدهم. ويقال: إنه أول من أطعم الثريد الذي كان يطعم فهو
ثريد قريش الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. والثريد لهذا العهد ثريد الخبز بعد أن يطبخ في المقلاة والتنور وليس من طعام العرب، إلا أن عندهم طعاما يسمونه البازين يتناوله الثريد لغة، وهو ثريد الخبز بعد أن يطبخ في الماء عجينا رطبا إلى أن يتم نضجه، ثم يدلكونه بالمغرفة حتى تتلاحم أجزاؤه وتتلازج. وما أدري هل كان ذلك الطعام كذلك أو لا إلا أن لفظ الثريد يتناوله لغة.
ويقال: إن هاشم بن عبد المطلب أول من سن الرحلتين في الشتاء والصيف للعرب ذكره ابن إسحاق، وهو غير صحيح، لأن الرحلتين من عوائد العرب في كل جيل لمراعي إبلهم ومصالحها لأن معاشهم فيها، وهذا معنى العرب وحقيقتهم أنه الجيل الذي معاشهم في كسب الإبل والقيام عليها في ارتياد المرعى وانتجاع المياه والنتاج والتوليد وغير ذلك من مصالحها، والفرار بها من أذى البرد عند التوليد الى القفار ودفئها، وطلب التلول في المصيف للحبوب وبرد الهواء، وتكونت على ذلك طباعهم فلا بد لهم منها ظعنوا أو أقاموا وهو معنى العروبية، وشعارها أن هاشما لما هلك وكان مهلكه بغزة من أرض الشام، تخلف عبد المطلب صغيرا بيثرب فأقام بأمره من بعده ابنه المطلب، وكان ذا شرف وفضل، وكانت قريش تسميه الفضل لسماحته، وكان هاشم قدم يثرب فتزوج في بني عدي وكانت قبله عند أحيحة بن الجلاح بن الحريش بن جحجبا بن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك سيد الأوس لعهده، فولدت عمرو بن أحيحة، وكانت لشرفها تشترط أمرها بيدها في عقد النكاح، فولدت عبد المطلب فسمته شيبة، وتركه هاشم عندها حتى كان غلاما.
وهلك هاشم فخرج إليه أخوه المطلب فأسلمته إليه بعد تعسف واغتباط به، فاحتمله ودخل مكة فرفده على بعيره فقالت قريش: هذا عبد ابتاعه المطلب، فسمي شيبة عبد المطلب من يومئذ.
ثم أن المطلب هلك بردمان من اليمن، فقام بأمر بني هاشم بعده عبد المطلب بن هاشم، وأقام الرفادة والسقاية للحاج على أحسن ما كان قومه يقيمونه بمكة من قبله، وكانت له وفادة على ملوك اليمن من حمير والحبشة، وقد قدمناه خبره مع ابن ذي يزن ومع أبرهة. ولما أراد حفر زمزم للرؤيا التي رآها، اعترضته قريش دون ذلك، ثم حالوا بينه وبين ما أراد منها، فنذر لئن ولد له عشرة من الولد ثم يبلغوا معه
حتى يمنعوه لينحرن أحدهم قربانا لله عند الكعبة، فلما كملوا عشرة ضرب عليهم القداح عند هبل الصنم العظيم الذي كان في جوف الكعبة على البئر التي كانوا ينحرون فيها هدايا الكعبة، فخرجت القداح على ابنه عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم، وتحير في شأنه، ومنعه قومه من ذلك، وأشار بعضهم وهو المغيرة بن عبد الله بن مخزوم بسؤال العرافة التي كانت لهم بالمدينة على ذلك، فألفوها بخيبر وسألوها.
فقالت: قربوه وعشرا من الإبل وأجيلوا القداح فإن خرجت على الإبل فذلك وإلا فزيدوا في الإبل حتى تخرج عليها القداح وانحروها حينئذ فهي الفدية عنه وقد رضي إلهكم. ففعلوا وبلغت الإبل مائة فنحرها عبد المطلب، وكانت من كرامات الله به.
وعليه قوله صلى الله عليه وسلم «أنا ابن الذبيحين» يعني عبد الله أباه وإسماعيل بن إبراهيم جده اللذين قربا للذبح، ثم فديا بذبح الأنعام.
ثم إن عبد المطلب زوج ابنه عبد الله بآمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة فدخل بها وحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعثه عبد المطلب يمتار لهم تمرا فمات هنالك، فلما أبطأ عليهم خبره بعث في أثره. وقال الطبري: عن الواقدي:
الصحيح أنه أقبل من الشام في حي لقريش، فنزل بالمدينة ومرض بها ومات. ثم أقام عبد المطلب في رياسة قريش بمكة والكون يصغي لملك العرب والعالم يتمخض بفصال النبوة، إلى أن وضح نور الله من أفقهم، وسرى خبر السماء إلى بيوتهم، واختلفت الملائكة إلى أحيائهم، وخرجت الخلافة في أنصبائهم، وصارت العزة لمضر ولسائر العرب بهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء 5: 54. وعاش عبد المطلب مائة وأربعين سنة وهو الذي احتفر زمزم.
قال السهيلي: ولما حفر عبد المطلب زمزم استخرج منه تمثالي غزالين من ذهب وأسيافا كذلك، كان ساسان ملك الفرس أهداها إلى الكعبة، وقيل سابور. ودفنها الحرث بن مضاض في زمزم لما خرج بجرهم من مكة، فاستخرجها عبد المطلب، وضرب الغزالين حلية للكعبة فهو أول من ذهب حلية الكعبة بها، وضرب من تلك الأسياف باب حديد وجعله للكعبة. ويقال: إن أول من كسى الكعبة واتخذ لها غلقا تبع إلى أن جعل لها عبد المطلب هذا الباب. ثم اتخذ عبد المطلب حوضا لزمزم يسقي منه، وحسده قومه على ذلك وكانوا يخربونه بالليل، فلما غمه ذلك رأى في النوم قائلا يقول: «قل لا أحلها لمغتسل وهي لشارب حل وبل فإذا قلتها فقد كفيتهم»
فكان بعد إذا أرادها أحد بمكروه رمى بداء في جسده، ولما علموا بذلك تناهوا عنه.
وقال السهيلي: أول من كسا البيت المسوح والخصف والأنطاع تبع الحميري. ويروى أنه لما كساها انتقض البيت فزال ذلك عنه، وفعل ذلك حين كساه الخصف فلما كساه الملاء والوصائل قبله وسكن. وممن ذكر هذا الخبر قاسم بن ثابت في كتاب الدلائل. وقال ابن إسحاق: أول من كسا البيت الديباج الحجاج. وقال الزبير بن بكار بل عبد الله بن الزبير أول من كساها ذلك. وذكر جماعة منهم الدار الدارقطني: أن نتيلة بنت جناب أم العباس بن عبد المطلب كانت أضلت العباس صغيرا فنذرت إن وجدته أن تكسو الكعبة، وكانت من بيت مملكة، فوفت بنذرها.
هذه أخبار قريش وملكهم بمكة، وكانت ثقيف جيرانهم بالطائف يساجلونهم في مذاهب العروبية وينازعونهم في الشرف، وكانوا من أوفر قبائل هوازن، لأن ثقيفا هو قسي بن منبه بن بكر بن هوازن، وكانت الطائف قبلهم لعدوان الذين كان فيهم حكيم العرب عامر بن الظرب بن عمرو بن عباد بن يشكر بن بكر بن عدوان وكثر عددهم حتى قاربوا سبعين ألفا، ثم بغى بعضهم على بعض فهلكوا وقل عددهم، وكان قسي بن منبه صهرا لعامر بن الظرب، وكان بنوه بينهم فلما قل عدد عدوان نغلب عليهم ثقيف وأخرجوهم من الطائف وملكوه إلى أن صبحهم الإسلام به. على ما نذكره والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين والبقاء لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
** أمر النبوة والهجرة في هذه الطبقة الثالثة وما كان من اجتماع العرب على الإسلام بعد الاباية والحرب **
لما استقر أمر قريش بمكة على ما استقر، وافترقت قبائل مضر في أدنى مدن الشام والعراق وما دونهما من الحجاز فكانوا ظعونا واحياء، وكان جميعهم بمسغبة وفي جهد من العيش بحرب بلادهم وحرب فارس والروم على تلول العراق والشام، وأربابهما ينزلون حاميتهم بثغورها، ويجهزون كتائبهم بتخومها، ويولون على العرب من رجالاتهم وبيوت العصائب منهم من يسومهم القهر، ويحملهم على الانقياد حتى يؤتوا جباية السلطان الأعظم وإتاوة ملك العرب، ويؤدوا ما عليهم من الدماء
والطوائل من يسترهن [1] أبناءهم على السلم وكف العادية، ومن انتجاع الأرباب وميرة الأقوات، والعساكر من وراء ذلك توقع بمن منع الخراج وتستأصل من يروم الفساد. وكان أمر مضر راجعا في ذلك إلى ملوك [2] كندة بني حجر آكل المرار منذ ولاه عليهم تبع حسان كما ذكرناه، ولم يكن في العرب ملك إلا في آل المنذر بالحيرة للفرس وفي آل جهينة بالشام للروم وفي بني حجر هؤلاء على مضر والحجاز. وكانت قبائل مضر مع ذلك بل وسائر العرب أهل بغي وإلحاد، وقطع للأرحام، وتنافس في الردى، وإعراض عن ذكر الله، فكانت عبادتهم الأوثان والحجارة، وأكلهم العقارب والخنافس والحيات والجعلان، وأشرف طعامهم أوبار الإبل إذا أمروها في الحرارة في الدم، وأعظم عزهم وفادة على آل المنذر وآل جهينة وبني جعفر [3] ونجعة من ملوكهم، وإنما كان تنافسهم الموءودة والسائبة والوصيلة والحامي.
فلما تأذن الله بظهورهم واشرأبت إلى الشرف هوادي أيامهم وتم أمر الله في إعلاء أمرهم [4] وهبت ريح دولتهم وملة الله فيهم، تبدت تباشير الصباح من أمرهم وأونس الخير والرشد في خلالهم وأبدل الله بالطيب الخبيث من أحوالهم وشرهم، واستبدلوا بالذل عزا وبالمآثم متابا وبالشر خيرا، ثم بالضلالة هدى وبالمسغبة شبعا وريا وايالة وملكا. وإذا أراد الله أمرا يسر أسبابه فكان لهم من العز والظهور قبل المبعث ما كان، وأوقع بنو شيبان وسائر بكر [5] بن وائل وعبس بن غطفان بطيء، وهم يومئذ ولاة العرب بالحيرة وأميرها منهم قبيصة بن إياس ومعه الباهوت [6] صاحب مسلحة كسرى، فأوقعوا بهم الوقعة المشهورة بذي قار والتحمت عساكر الفرس، وأخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالمدينة ليومها وقال: «اليوم انتصفت العرب من العجم وبي نصروا» . ووفد حاجب بن زرارة من بني تميم على كسرى في طلب الانتجاع والمسيرة بقومه في اباب [7] العراق، فطلب الأساورة منه
الرهن على عادتهم، فأعطاهم قوسه واستكبر عن استرهان ولده، توقعوا [1] منه عجزا عما سواها وانتقلت خلال الخير من العجم ورجالات فارس فصارت أغلب في العرب حتى كان الواحد منهم همه بخلافه [2] وشرفه الشر والسفسفة على أهل دول العجم. وانظر فيما كتب به عمر إلى أبي عبيدة بن المثنى حين وجهه الى حرب فارس: «انك تقدم على أرض المكر والخديعة والخيانة والحيرة [3] تقدم على أقوام قد جرءوا على الشر فعلموه وتناسوا الخير فجهلوه فانظر كيف تكون» أه. وتنافست العرب في الخلال وتنازعوا في المجد والشرف حسبما هو مذكور في أيامهم وأخبارهم.
وكان حظ قريش من ذلك أوفر على نسبة حظهم من مبعثه [4] وعلى ما كانوا ينتحلونه من هدى آبائهم، وانظر ما وقع في حلف الفضول حيث اجتمع بنو هاشم وبنو المطلب وبنو أسد بن عبد العزى وبنو زهرة وبنو تميم، فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، وسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول.
وفي الصحيح عن طلحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو دعي به في الإسلام لأجبت» . ثم ألقى الله في قلوبهم التماس الدين وإنكار ما عليه قومهم من عبادة الأوثان، حتى لقد اجتمع منهم ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وعثمان بن الحويرث بن أسد، وزيد بن عمرو بن نفيل من بني عدي بن كعب عم عمر بن الخطاب، وعبيد الله بن جحش من بني أسد بن خزيمة، وتلاوموا في عبادة الأحجار والأوثان وتواصوا بالنفر في البلدان بالتماس الحنيفية دين إبراهيم نبيهم. فأما ورقة فاستحكم في النصرانية وابتغى من أهلها الكتب حتى علم من أهل الكتاب، وأما عبيد الله بن جحش فأقام على ما هو عليه حتى جاء الإسلام فأسلم وهاجر إلى الحبشة فتنصر وهلك نصرانيا وكان يمر بالمهاجرين بأرض الحبشة فيقول: فقحنا وصأصأتم أي أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر مثل ما يقال في الجر وإذا فتح عينيه فقح وإذا أراد ولم يقدر صأصأ، وأما عثمان بن الحويرث فقدم على ملك الروم قيصر فتنصر وحسنت منزلته عنده،
وأما زيد بن عمرو فما هم أن يدخل [1] في دين ولا اتبع كتابا واعتزل الأوثان والذبائح والميتة والدم ونهى عن قتل الموءودة وقال: أعبد رب إبراهيم وصرح بعيب آلهتهم وكان يقول: اللهم لو أني أعلم أي الوجوه أحب إليك لعبدتك [2] ولكن لا أعلم ثم يسجد على راحته. وقال ابنه سعيد وابن عمه عمر بن الخطاب: يا رسول الله استغفر الله لزيد بن عمرو قال: نعم انه يبعث أمة واحدة. ثم تحدث الكهان والحزاة قبل النبوة وأنها كائنة في العرب وأن ملكهم سيظهر، وتحدث أهل الكتاب من اليهود والنصارى بما في التوراة والإنجيل من بعث محمد وأمته، وظهرت كرامة الله بقريش ومكة في أصحاب الفيل إرهاصا بين يدي مبعثه. ثم ذهب ملك الحبشة من اليمن على يد ابن ذي يزن من بقية التبابعة، ووفد عليه عبد المطلب يهنيه عند استرجاعه ملك قومه من أيدي الحبشة، فبشره ابن ذي يزن بظهور نبي من العرب وأنه من ولده في قصة معروفة. وتحين الأمر لنفسه كثير من رؤساء العرب يظنه فيه، ونفروا إلى الرهبان والأحبار من أهل الكتاب يسألونهم ببلدتهم على ذلك [3] ، مثل أمية بن أبي الصلت الشقي وما وقع له في سفره إلى الشام مع أبي سفيان بن حرب وسؤاله الرهبان ومفاوضته أبا سفيان فيما وقف عليه من ذلك، يظن أن الأمر له أو لأشراف قريش من بني عبد مناف حتى تبين لهما خلاف ذلك في قصة معروفة، (ثم رجمت) الشياطين عن استماع خبر السماء في أمره وأصغى الكون لاستماع أنبائه.
** المولد الكريم وبدء الوحي **
ثم ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، لأربعين سنة من ملك كسرى أنوشروان وقيل لثمان وأربعين، ولثمانمائة واثنتين وثمانين لذي القرنين. وكان عبد الله أبوه غائبا بالشام وانصرف فهلك بالمدينة، وولد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد مهلكه بأشهر قلائل، وقيل غير ذلك.
وكفله جده عبد المطلب بن هاشم وكفالة الله من ورائه، والتمس له الرضعاء واسترضع في بني سعد من بني هوازن، ثم في بني نصر بن سعد أرضعته منهم حليمة بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحرث بن شحنة بن رزاح بن ناظرة بن خصفة بن
قيس [1] ، وكان ظئره [2] منهم الحارث بن عبد العزى وقد مر ذكرهما في بني عامر بن صعصعة، وكان أهله يتوسمون فيه علامات الخير والكرامات من الله، ولما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم شق الملكين بطنه واستخراج العلقة السوداء من قلبه وغسلهم حشاه وقلبه بالثلج ما كان، وذلك لرابعة من مولده، وهو خلف البيوت يرعى الغنم فرجع إلى البيت منتقع [3] اللون، وظهرت حليمة على شأنه فخافت أن يكون أصابه شيء من اللمم [4] فرجعته إلى أمه. واسترابت آمنة برجعها إياه بعد حرصها على كفالته فأخبرتها الخبر، فقالت: كلا والله لست أخشى عليه. وذكرت من دلائل كرامة الله له وبه كثيرا.
وأزارته أمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة أخوال جده عبد المطلب من بني عدي بن النجار بالمدينة، وكانوا أخوالا لها أيضا. وهلك عبد المطلب لثمان سنين من ولادته، وعهد به إلى ابنه أبي طالب فأحسن ولايته وكفالته، وكان شأنه في رضاعه وشبابه ومرباه عجبا. وتولى حفظه وكلاءته من مفارقة أحوال الجاهلية، وعصمته من التلبس بشيء منها حتى لقد ثبت أنه: مر بعرس مع شباب قريش، فلما دخل على القوم أصابه غشي النوم، فما أفاق حتى طلعت الشمس وافترقوا. ووقع له ذلك أكثر من مرة. وحمل الحجارة مع عمه العباس لبنيان الكعبة وهما صبيان، فأشار عليه العباس بحملها في إزاره، فوضعه على عاتقه وحمل الحجارة فيه وانكشف، فلما حملها على عاتقه سقط مغشيا عليه، ثم عاد فسقط فاشتمل إزاره وحمل الحجارة كما كان يحملها. وكانت بركاته تظهر بقومه وأهل بيته ورضعائه في شئونهم كلها.
وحمله عمه أبو طالب الى الشام وهو ابن ثلاث عشرة وقيل ابن سبع عشرة، فمروا ببحيرا الراهب عند بصرى فعاين الغمامة تظله والشجر [5] تسجد له، فدعا القوم وأخبرهم بنبوته وبكثير من شأنه في قصة مشهورة. ثم خرج ثانية الى الشام تاجرا بمال خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى مع غلامها ميسرة ومروا بنسطور الراهب، فرأى ملكين يظلانه من الشمس فأخبر ميسرة بشأنه، فأخبر بذلك خديجة فعرضت
نفسها عليه، وجاء أبو طالب فخطبها الى أبيها فزوجه، وحضر الملأ من قريش، وقام أبو طالب خطيبا فقال: «الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضئ [1] معد وعنصر مضر وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا وجعلنا أمناء بيته وسواس حرمه وجعلنا الحكام على الناس وأن ابن أخي محمد بن عبد الله من قد علمتم قرابته وهو لا يوزن بأحد إلا رجح به فان كان في المال قل فإن المال ظل زائل وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها من الصداق ما عاجله وآجله من مالي كذا وكذا وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل» . ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ابن خمس وعشرين سنة وذلك بعد الفجار بخمس عشرة سنة.
وشهد بنيان الكعبة لخمس وثلاثين من مولده حين أجمع كل قريش على هدمها وبنائها، ولما انتهوا إلى الحجر تنازعوا أيهم يضعه وتداعوا للقتال، وتحالف بنو عبد الدار على الموت [2] ثم اجتمعوا وتشاوروا، وقال أبو أمية حكموا أول داخل من باب المسجد فتراضوا على ذلك. ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذا الأمين، وبذلك كانوا يسمونه، فتراضوا به وحكموه. فبسط ثوبا ووضع فيه الحجر وأعطى قريشا أطراف الثوب، فرفعوه حتى أدنوه من مكانه، ووضعه عليه السلام بيده [3] . وكانوا أربعة عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، والأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، وأبو حذيفة بن المغيرة بن عمر بن مخزوم، وقيس بن عدي السهمي. ثم استمر على أكمل الزكاء والطهارة في أخلاقه، وكان يعرف بالأمين، وظهرت كرامة الله فيه وكان إذا أبعد في الخلاء لا يمر بحجر ولا شجر إلا ويسلم عليه.
** بدء الوحي **
ثم بدئ بالرؤيا الصالحة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم تحدث الناس بشأن ظهوره ونبوته، ثم حببت إليه العبادة والخلوة بها فكان يتزود للانفراد حتى جاء الوحي بحراء لأربعين سنة من مولده وقيل لثلاث وأربعين. وهي حالة يغيب
فيها عن جلسائه وهو كائن معهم، فأحيانا يتمثل له الملك رجلا فيكلمه ويعي قوله، وأحيانا يلقي عليه القول، ويصيبه أحوال الغيبة عن الحاضرين من الغط والعرق وتصببه كما ورد في الصحيح من أخباره، قال: وهو أشد علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال. وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول. فأصابته تلك الحالة بغار حراء وألقى عليه: «اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم 96: 1- 5» . وأخبر بذلك كما وقع في الصحيح. وآمنت به خديجة وصدقته وحفظت عليه الشأن. ثم خوطب بالصلاة وأراه جبريل طهرها، ثم صلى به وأراه سائر أفعالها. ثم كان شأن الاسراء من مكة الى بيت المقدس من الأرض إلى السماء السابعة الى سدرة المنتهى وأوحى إليه ما أوحى، ثم آمن به علي ابن عمه أبي طالب وكان في كفالته من أزمة أصابت قريشا وكفل العباس جعفرا أخاه، فجعفر أسن [1] عيال أبي طالب. فأدركه الإسلام وهو في كفالته فآمن وكان يصلي معه، في الشعاب مختفيا من أبيه حتى إذ ظهر عليهما أبو طالب دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا أستطيع فراق ديني ودين آبائي، ولكن لا ينهض إليك شيء تكره ما بقيت، وقال لعلي: الزمه فإنه لا يدعو إلا لخير.
فكان أول من أسلم خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى، ثم أبو بكر، وعلي بن أبي طالب، كما ذكرنا، وزيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلال بن حمامة مولى أبي بكر، ثم عمر بن عنبسة السلمي، وخالد بن سعيد بن العاص بن أمية. ثم أسلم بعد ذلك قوم من قريش اختارهم الله لصحابته من سائر قومهم وشهد لكثير منهم بالجنة. وكان أبو بكر محببا سهلا وكانت رجالات قريش تألفه فأسلم على يديه من بني أمية عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، ومن عشيرة بنى عمرو بن كعب بن سعيد بن تيم طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو، ومن بني زهرة بن قصي سعد بن أبي وقاص واسمه مالك بن وهب بن مناف بن زهرة وعبد الرحمن بن عوف بن عوف بن عبد الحرث بن زهرة، ومن بني أسد بن عبد العزى الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد وهو ابن صفية عمة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أسلم من بني الحرث بن فهر أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال
بن أهيب بن ضبة بن الحرث، ومن بني مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب أبو سلمة عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ومن بني جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح وأخوه قدامة، ومن بني عدي سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد الله بن قرط بن رياح [1] بن عدي وزوجته فاطمة أخت عمر بن الخطاب بن نفيل وأبوه زيد هو الذي رفض الأوثان في الجاهلية ودان بالتوحيد وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه يبعث يوم القيامة أمة وحده. ثم أسلم عمير أخو سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه ابن غافل بن حبيب بن شمخ بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحرث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة حليف بنى زهرة، كان يرعى غنم عقبة بن أبي معيط وكان سبب إسلامه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلب من غنمه شاة حائلا فدرت [2] . ثم أسلم جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب وامرأته أسماء بنت عميس بن النعمان بن كعب بن ملك بن قحافة الخثعمي، والسائب بن عثمان بن مظعون، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس واسمه مهشم، وعامر بن فهيرة أزدى وفهيرة أمه مولاة أبي بكر. وأفد بن عبد الله بن عبد مناف تميمي من حلفاء بني عدي. وعمار بن ياسر عنسي بن مذحج مولى أبي مخزوم [3] وصهيب بن سنان من بني النمر بن قاسط حليف بني جدعان. ودخل الناس في الدين أرسالا وفشا الإسلام وهم ينتحلون [4] به ويذهبون إلى الشعاب فيصلون.
ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصدع بأمره ويدعوه إلى دينه بعد ثلاث سنين من مبدإ الوحي، فصعد على الصفا ونادى يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش، فقال: لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أما كنتم تصدقوني؟ قالوا: بلي.
قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ثم نزل قوله وأنذر عشيرتك الأقربين.
وتردد إليه الوحي بالنذارة [5] ، فجمع بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون على طعام
صنعه لهم علي بن أبي طالب بأمره، ودعاهم إلى الإسلام ورغبهم وحذرهم وسمعوا كلامه وافترقوا.
ثم إن قريشا حين صدع وسب الآلهة وعابها نكروا ذلك منه ونابذوه وأجمعوا على عداوته، فقام أبو طالب دونه محاميا ومانعا، ومشت إليه رجال قريش يدعونه الى النصفة عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس، وأبو البختري [1] بن هشام بن الحرث ابن أسد بن عبد العزى، والأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، والوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وأبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة ابن أخي الوليد، والعاصي بن وائل بن هشام بن سعد بن سهم، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج بن علي بن حذيفة بن سعد بن سهم، والأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة. فكلموا أبا طالب وعادوه فردهم ردا جميلا، ثم عادوا إليه فسألوه النصفة فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الى بيته بمحضرهم وعرضوا عليه قولهم فتلا عليهم القرآن وأيأسهم من نفسه وقال لأبي طالب: يا عماه لا أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه. واستعبر وظن أن أبا طالب بدا له في أمره، فرق له أبو طالب وقال يا ابن أخي قل ما أحببت فو الله لا أسلمك أبدا.
** هجرة الحبشة **
ثم افترق أمر قريش وتعاهد بنو هاشم وبنو المطلب مع أبي طالب على القيام دون النبي صلى الله عليه وسلم ووثب كل قبيلة على من أسلم منهم يعذبونهم ويفتنونهم [2] واشتد عليهم العذاب، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى أرض الحبشة فرارا بدينهم، وكان قريش يتعاهدونها بالتجارة فيحمدونها، فخرج عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم وأبو حذيفة بن كتبة بن ربيعة مراغما لأبيه وامرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو بن عامر بن لؤي والزبير بن العوام ومصعب بن عمير بن عبد شمس وابو سبرة بن أبي رهم [3] بن عبد العزى العامري من بني عامر بن لؤي وسهيل بن بيضاء من بني الحرث بن فهر وعبد الله بن مسعود وعامر بن
ربيعة العنزي حليف بني عدي وهو من عنز بن وائل ليس من عنزة وامرأته ليلى بنت أبي خيثمة. فهؤلاء الأحد عشر رجلا كانوا أول من هاجر إلى أرض الحبشة، وتتابع المسلمون من بعد ذلك، ولحق بهم جعفر بن أبي طالب وغيره من المسلمين.
وخرجت قريش في آثار الأولين إلى البحر فلم يدركوهم، وقدموا إلى أرض الحبشة فكانوا بها، وتتابع المسلمون في اللحاق بهم، يقال إن المهاجرين إلى أرض الحبشة بلغوا ثلاثة وثمانين رجلا. فلما رأت قريش النبي صلى الله عليه وسلم قد امتنع بعمه وعشيرته وأنهم لا يسلمونه طفقوا يرمونه عند الناس ممن يفد على مكة بالسحر والكهانة والجنون والشعر يرومون بذلك صدهم عن الدخول في دينه، ثم انتدب جماعة منهم لمجاهرته صلى الله عليه وسلم بالعداوة والاذاية [1] ، منهم: عمه أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب أحد المستهزءين، وابن عمه أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وعقبة بن أبي معيط أحد المستهزءين، وأبو سفيان من المستهزءين، والحكم بن أبي العاص بن أمية من المستهزءين أيضا، والنضر بن الحرث من بني عبد الدار، والأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى من المستهزءين وابنه زمعة، وأبو البختري العاص بن هشام، والأسود بن عبد يغوث، وأبو جهل بن هشام وأخوه العاص وعمهما الوليد وابن عمهم قيس بن الفاكه بن المغيرة، وزهير بن أبي أمية بن المغيرة، والعاص بن وائل السهمي وابنا عمه نبيه ومنبه، وأمية وأبي ابنا خلف بن جمح. وأقاموا يستهزءون بالنبي صلى الله عليه وسلم ويتعرضون له بالاستهزاء والاذاية حتى لقد كان بعضهم ينال منه بيده، وبلغ عمه حمزة يوما أن أبا جهل بن هشام تعرض له يوما بمثل ذلك وكان قوي الشكيمة، فلم يلبث أن جاء إلى المسجد وأبو جهل في نادي قريش، وحتى وقف على رأسه وضربه وشجه، وقال له:
تشتم محمدا وأنا على دينه؟ وثار رجال بني مخزوم إليه فصدهم أبو جهل وقال دعوه فاني سببت ابن أخيه سبا قبيحا. ومضى حمزة على إسلامه، وعملت قريش أن جانب المسلمين قد اعتز بحمزة فكفوا بعض الشر بمكانه فيهم، ثم اجتمعوا وبعثوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة إلى النجاشي ليسلم إليهم من هاجر إلى أرضه من المسلمين فنكر النجاشي رسالتهما وردهما مقبوحين.
ثم أسلم عمر بن الخطاب وكان سبب إسلامه أنه بلغه أن أخته فاطمة أسلمت مع
زوجها سعيد ابن عمه زيد، وأن خباب بن الأرت عندهما يعلمهما القرآن، فجاء إليهما منكرا وضرب أخته فشجها، فلما رأت الدم قالت: قد أسلمنا وتابعنا محمدا فافعل ما بدا لك!، وخرج إليه خباب من بعض زوايا البيت فذكره ووعظه، وحضرته الانابة فقال له: اقرأ علي من هذا القرآن، فقرأ من سورة طه وأدركته الخشية فقال له: كيف تصنعون إذا أردتم الإسلام؟ فقالوا له وأروه الطهور. ثم سأل على مكان النبي صلى الله عليه وسلم فدل عليه، فطرقهم في مكانهم، وخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: مالك يا ابن الخطاب؟ فقال: يا رسول الله جئت مسلما، ثم تشهد شهادة الحق ودعاهم إلى الصلاة عند الكعبة فخرجوا وصلوا هنالك، واعتز المسلمون بإسلامه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه:
اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين يعنيه أو أبا جهل. ولما رأت قريش فشو الإسلام وظهوره أهمهم ذلك، فاجتمعوا وتعاقدوا على بني هاشم وبني المطلب ألا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يكلموهم ولا يجالسوهم، وكتبوا بذلك صحيفة وضعوها في الكعبة، وانحاز بنو هاشم وبنو المطلب كلهم كافرهم ومؤمنهم فصاروا في شعب أبي طالب محصورين متجنبين، حاشا أبي لهب فإنه كان مع قريش على قومهم، فبقوا كذلك ثلاث سنين لا يصل إليهم شيء ممن أراد صلتهم إلا سرا ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل على شأنه من الدعاء إلى الله والوحي عليه متتابع. إلى أن قام في نقض الصحيفة رجال من قريش كان أحسنهم في ذلك أثرا هشام بن عمرو بن الحرث من بني حسل بن عامر بن لؤي، لقي زهير بن أبي أمية بن المغيرة وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب فعيره بإسلامه أخواله إلى ما هم فيه، فأجاب إلى نقض الصحيفة. ثم مضى إلى مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف وذكر رحم هاشم والمطلب ثم الى أبي البختري [1] بن هشام وزمعة بن الأسود فأجابوا كلهم، وقاموا في نقض الصحيفة، وقد بلغهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الصحيفة أكلت الأرضة كتابتها كلها حاشا أسماء الله، فقاموا بأجمعهم فوجدوها كما قال، فخزوا ونقض حكمها.
ثم أجمع أبو بكر الهجرة وخرج لذلك فلقيه ابن الدغنة [2] فرده، ثم اتصل
بالمهاجرين في أرض الحبشة خبر كاذب بأن قريشا قد أسلموا، فرجع إلى مكة قوم منهم عثمان بن عفان وزوجته وأبو حذيفة وامرأته وعبد الله بن عتبة بن غزوان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف ومصعب بن عمير وأخوه والمقداد بن عمرو وعبد الله بن مسعود وأبو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أم المؤمنين وسلمة بن هشام بن المغيرة وعمار بن ياسر وبنو مظعون عبد الله وقدامة وعثمان وابنه السائب وخنيس بن حذافة وهشام بن العاص وعامر بن ربيعة وامرأته وعبد الله بن مخرمة من بني عامر بن لؤي وعبد الله بن سهل بن السكران بن عمرو وسعد بن خولة وأبو عبيدة بن الجراح وسهيل بن بيضاء وعمرو بن أبي سرح، فوجدوا المسلمين بمكة على ما كانوا عليه مع قريش من الصبر على أذاهم، ودخلوا الى مكة بعضهم مختفيا وبعضهم بالجوار، فأقاموا إلى أن كانت الهجرة إلى المدينة بعد أن مات بعضهم بمكة.
ثم هلك أبو طالب وخديجة وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين فعظمت المصيبة، وأقدم عليه سفهاء قريش بالاذاية والاستهزاء وإلقاء القاذورة [1] في مصلاه. فخرج إلى الطائف يدعوهم إلى الإسلام والنصرة والمعونة وجلس إلى عبد ياليل بن عمر بن عمير وأخويه مسعود وحبيب وهم يومئذ سادات ثقيف وأشرافهم، وكلمهم فأساءوا الرد، ويئس منهم فأوصاهم بالكتمان فلم يقبلوا وأغروا به سفاءهم فاتبعوه حتى ألجئوه الى حائط عتبة وشيبة ابني ربيعة، فأوى إلى ظله حتى اطمأن ثم رفع طرفه إلى السماء يدعو: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهو اني على الناس أنت أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين أنت ربي إلى من تكلني إلى بغيض يتجهمني أو إلي عدو ملكته أمري إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ولكن عافيتك أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك» .
ولما انصرف من الطائف الى مكة بات بنخلة، وقام يصلي من جوف الليل، فمر به نفر من الجن وسمعوا القرآن. ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة في جوار المطعم بن عدي بعد أن عرض ذلك على غيره من رؤساء قريش فاعتذروا بما قبله منهم. ثم قدم عليه الطفيل بن عمرو الدوسي فأسلم ودعا قومه فأسلم بعضهم ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل الله له علامة للهداية فجعل في وجهه نورا ثم
دعا له فنقله إلى سوطه وكان يعرف بذي النور.
وقال ابن حزم: ثم كان الإسراء إلى بيت المقدس ثم إلى السموات، ولقي من لقي من الأنبياء، ورأى جنة المأوى وسدرة المنتهى في السماء السادسة، وفرضت الصلاة في تلك الليلة. وعند الطبري الإسراء وفرض الصلاة كان أول الوحي.
ثم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على وفود العرب في الموسم يأتيهم في منازلهم ليعرض عليهم الإسلام ويدعوهم إلى نصره ويتلو عليهم القرآن، وقريش مع ذلك يتعرضونهم بالمقابح إن قبلوا منه وأكثرهم في ذلك أبو لهب. وكان من الذين عرض عليهم في الموسم بنو عامر بن صعصعة من مضر وبنو شيبان وبنو حنيفة من ربيعة وكندة من قحطان وكلب من قضاعة وغيرهم من قبائل العرب، فكان منهم من يحسن الاستماع والعذر، ومنهم من يعرض ويصرح بالإذاية، ومنهم من يشترط الملك الذي ليس هو من سبيله فيرد صلى الله عليه وسلم الأمر إلى الله. ولم يكن فيهم أقبح ردا من بني حنيفة. وقد ذخر الله الخير في ذلك كله للأنصار، فقدم سويد بن الصامت أخو بني عمرو بن عوف بن الأوس، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فلم يبعد ولم يجب، وانصرف الى المدينة فقتل في بعض خروبهم وذلك قبل بعاث. ثم قدم بمكة أبو الحيسر أنس بن رافع في فتية من قومه من بني عبد الأشهل يطلبون الحلف، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فقال إياس بن معاذ منهم وكان شابا حدثا: هذا والله خير مما جئنا له، فانتهره أبو الحيسر فسكت. ثم انصرفوا إلى بلادهم ولم يتم لهم الحلف ومات إياس فيقال: إنه مات مسلما.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي عند العقبة في الموسم ستة نفر من الخزرج وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك [1] ابن النجار، وعوف بن الحرث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم وهو ابن عفراء، ورافع بن مالك بن العجلان بن عمر وبن عامر بن زيد بن مالك بن غضبة بن جشم بن الخزرج، وطبقة بن عامر بن حيدرة بن عمر وبن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي بن أسد ابن مراد بن يزيد بن جشم، وعقبة بن عامر بن نابي بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن سلمة، وجابر بن عبد الله بن رئاب بن
نعمان بن سلمة [1] بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة. وفدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، وكان من صنع الله لهم أن اليهود جيرانهم كانوا يقولون إن نبيا يبعث وقد أظل زمانه، فقال بعضهم لبعض هذا والله النبي الذي تحدثكم به اليهود فلا يسبقونا إليه. فآمنوا وأسلموا وقالوا إنا قد قدمنا فيهم [2] حروبا فنتصرف وندعوهم إلى ما دعوتنا إليه فعسى الله أن يجمع كلمتهم بك فلا يكون أحد أعز منك، فانصرفوا إلى المدينة ودعوا إلى السلام حتى فشا فيهم، ولم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر النبي صلى الله عليه وسلم. حتى إذا كان العام القابل قدم مكة من الأنصار اثنا عشر رجلا منهم خمسة من الستة الذي ذكرناهم، ما عدا جابر بن عبد الله فإنه لم يحضرها، وسبعة من غيرهم وهم: معاذ بن الحرث أخو عوف بن الحرث المذكور وقيل إنه ابن عفراء، وذكوان بن عبد قيس بن خالدة، وخالد بن مخلد بن عامر بن زريق، وعبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهد بن ثعلبة بن صرمة بن أصرم بن عمرو بن عبادة بن عصيبة من بني حبيب، والعباس ابن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو ابن عوف هؤلاء عشرة من الخزرج. ومن الأوس: أبو الهيثم مالك بن التيهان وهو من بني عبد الأشهل بن جشم بن الحرث بن الخزرج بن عمر ابن مالك بن أوس، وعويم بن ساعدة من بني عمر وبن عوف بن مالك بن الأوس بن حارثة. فبايع هؤلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة على بيعة النساء، وذلك قبل أن يفرض الحرب، على الطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أن لا يشركوا بالله شيئا ولا يسرقوا ولا يزنوا ولا يقتلوا أولادهم ولا يفتروا الكذب. فلما حان انصرافهم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم ومصعب بن عمير يدعوهم إلى الإسلام ويعلم من أسلم منهم القرآن والشرائع، فنزل بالمدينة على أسعد بن زرارة، وكان مصعب يؤمهم وأسلم على يديه خلق كثير من الأنصار. وكان سعد بن معاذ وأسعد بن زرارة ابنا الخالة، فجاء سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير [3] إلى أسعد بن زرارة وكان جارا لبني عبد الأشهل، فأنكروا عليه فهداهما الله إلى السلام، وأسلم
بإسلامهما جميع بني عبد الأشهل في يوم واحد الرجال والنساء. ولم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها المسلمون رجال ونساء حاشا بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف، بطون من الأوس وكانوا في عوالي المدينة، فأسلم منهم قوم سيدهم أبو قيس صيفي بن الأسلت الشاعر فوقف بهم عن الإسلام حتى كان الخندق فأسلموا كلهم
** العقبة الثانية **
ثم رجع مصعب المذكور ابن عمير إلى مكة وخرج معه إلى الموسم جماعة ممن أسلم من الأنصار للقاء النبي صلى الله عليه وسلم في جملة قوم منهم لم يسلموا بعد، فوافوا مكة وواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق، ووافوا ليلة ميعادهم إلى العقبة متسللين عن رحالهم سرا ممن حضر من كفار قومهم، وحضر معهم عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر وأسلم تلك الليلة، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يمنعوه ما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم وأزرهم وأن يرحل إليهم هو وأصحابه. وحضر العباس بن عبد المطلب، وكان على دين قومه بعد، وإنما توثق للنبي صلى الله عليه وسلم وكان للبراء بن معرور في تلك الليلة المقام المحمود في الإخلاص والتوثق لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أول من بايع. وكانت عدة الذين بايعوا تلك الليلة ثلاثا وسبعين رجلا وامرأتين، واختار منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، وقال لهم: أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم وأنا كفيل على قومي. فمن الخزرج من أهل العقبة الأولى: أسعد بن زرارة، ورافع بن مالك، وعبادة ابن الصامت. ومن غيرهم سعد بن الربيع بن عمر بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس، ومالك بن مالك، وثعلبة بن كعب بن الخزرج، وعبد الله بن رواحة بن امرئ القيس، والبراء بن معرور بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة، وعبد الله بن عمرو بن حرام [1] أبو جابر، وسعد بن عبادة بن دليم [2] بن حارثة بن لودان بن عبد، ود بن يزيد بن ثعلبة بن الخزرج بن
ساعدة. وثلاثة من الأوس وهم: أسيد بن حضر بن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل، وسعد بن خيثمة بن الحارث [1] بن مالك بن الأوس، ورفاعة بن عبد المنذر بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس. وقد قدم أبو الهيثم بن التيهان مكان رفاعة هذا والله أعلم.
ولما تمت هذه البيعة أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجوع إلى رحالهم فرجعوا، ونمي الخبر إلى قريش فغدت الجلة [2] منهم على الأنصار في رحالهم فعاتبوهم، فأنكروا ذلك وحلفوا لهم، وقال لهم عبد الله بن أبي بن سلول ما كان قومي ليتفقوا على مثل هذا وأنا لا أعلمه، فانصرفوا عنه وتفرق الناس من منى، وعلمت قريش صحة الخبر فخرجوا في طلبهم، فأدركوا سعد بن عبادة فجاءوا به إلى مكة يضربونه ويجرونه بشعره حتى نادى بجبير بن مطعم والحرث بن أميه وكان يجيرهما ببلده فخلصاه مما كان فيه. وقد كانت قريش قبل ذلك سمعوا صائحا يصيح ليلا على جبل أبي قبيس:
فأن يسلم السعدان يصبح محمد ... بمكة لا يخشى خلاف مخالف
فقال أبو سفيان السعدان سعد بكر وسعد هذيم فلما كان في الليلة القابلة سمعوه يقول:
أيا سعد: سعد الأوس كن أنت ناصرا ... ويا سعد سعد الخزرجين [3] الغطارف
أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا ... على الله في الفردوس منية عارف
فإن ثواب الله للطالب الهدى ... جنان من الفردوس ذات فارف
فقال هما والله سعد بن عبادة وسعد بن معاذ.
ولما فشا الإسلام بالمدينة وطفق أهلها يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، تعاقدت على أن يفتنوا المسلمين عن دينهم فأصابهم من ذلك جهد شديد. ثم نزل قوله تعالى: «وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله 8: 39» . فلما تمت بيعة الأنصار على ما وصفناه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ممن هو بمكة بالهجرة إلى المدينة، فخرجوا أرسالا وأول من خرج أبو سلمة بن عبد الأسد ونزل في
قبا، ثم هاجر عامر بن ربيعة حليف بني عدي [1] بامرأته ليلى بنت أبي خيثمة بن غانم، ثم هاجر جميع بني جحش من بني أسد بن خزيمة ونزلوا بقبا على عكاشة بن محصن وجماعة من بني أسد حلفاء بني أمية كانت فيهم زينب بنت جحش أم المؤمنين وأختاها حمنة وأم حبيبة، ثم هاجر عمر بن الخطاب وعياش [2] بن أبي ربيعة في عشرين راكبا فنزلوا في العوالي في بني أمية بن زيد وكان يصلي بهم سالم مولى أبي حذيفة. وجاء أبو جهل بن هشام فخادع عياش بن أبي ربيعة ورده إلى مكة فحبسوه حتى تخلص بعد حين ورجع. وهاجر مع عمر أخوه وسعيد ابن عمه زيد وصهره على بنته حفصة أم المؤمنين خنيس [3] بن حذافة السهمي وجماعة من حلفاء بني عدي، نزلوا بقبا على رفاعة بن عبد المنذر من بني عوف بن عمرو.
ثم هاجر طلحة بن عبيد الله فنزل هو وصهيب بن سنان على حبيب بن أساف في بني الحرث بن الخزرج بالسلم، وقيل بل نزل طلحة على أسعد بن زرارة. ثم هاجر حمزة بن عبد المطلب ومعه زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحليفه أبو مرثد كناز بن حصين الغنوي فنزلوا في بني عمر وبن عوف بقبا على كلثوم بن الهدم، ونزل جماعة من بني المطلب بن عبد مناف فيهم مسطح بن اثاثة ومعه خباب بن الأرت مولى عتبة بن غزوان في بني المسجلان بقبا، ونزل عبد الرحمن بن عوف في رجال من المهاجرين على سعد بن الربيع في بني الحرث بن الخزرج، ونزل الزبير بن العوام وأبو سبرة بن أبي رهم بن عبد العزى على المنذر بن محمد بن عتبة بن أحيحة الجلاح في دار بني جحجبا، ونزل مصعب بن عمير على سعد بن معاذ في بني عبد الأشهل، ونزل أبو حذيفة بن عتبة ومولاه سالم وعتبة ابن غزوان المازني على عباد بن بشر من بني عبد الأشهل، ولم يكن سالم عتيق أبي حذيفة وإنما أعتقته امرأة من الأوس كانت زوجا لأبي حذيفة اسمها بثينة بنت معاذ فتبناه ونسب اليه. ونزل عثمان بن عفان في بني النجار على أوس أخي حسان بن ثابت. ولم يبق أحد من المسلمين بمكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أبو بكر وعلي بن أبي طالب فإنهما أقاما بأمره وكان صلى الله عليه وسلم ينتظر أن يؤذن له في الهجرة.
** الهجرة **
ولما علمت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صار له شيعة وأنصار من غيرهم وأنه مجمع على اللحاق بهم وأن أصحابه من المهاجرين سبقوه إليهم تشاوروا ما يصنعون في أمره، واجتمعت لذلك مشيختهم في دار الندوة: عتبة وشيبة وأبو سفيان من بني أمية وطعيمة بن عدي وجبير بن مطعم والحارث بن عامر من بني نوفل والنضر بن الحارث من بني عبد الدار وأبو جهل من بني مخزوم ونبيه ومنبه ابنا الحجاج من بني سهم وأمية بن خلف من بني جمح، ومعهم من لا يعد من قريش. فتشاوروا في حبسه أو إخراجه عنهم، ثم اتفقوا على أن يتخيروا من كل قبيلة منهم فتى شابا جلدا فيقتلونه جميعا فيتفرق دمه في القبائل ولا يقدر بنو عبد مناف على حرب جميعهم.
واستعدوا لذلك من ليلتهم وجاء الوحي بذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأى أرصدهم على باب منزله أمر علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه ويتوشح ببرده، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم فطمس الله تعالى على أبصارهم ووضع على رءوسهم ترابا وأقاموا طول ليلهم، فلما أصبحوا خرج إليهم علي فعلموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نجا، وتواعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر الصديق، واستأجر عبد الله بن أريقط الدولي من بني بكر بن عبد مناف ليدل بهما إلى المدينة وينكب عن الطريق العظمى، وكان كافرا وحليفا للعاص بن وائل، لكنهما وثقا بامره [1] وكان دليلا بالطرق.
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من خوخة في ظهر دار أبي بكر ليلا، وأتيا الغار الذي في جبل ثور بأسفل مكة فدخلا فيه، وكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما بالأخبار، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر وراعي غنمه يريح غنمه عليهما ليلا ليأخذ حاجتهما من لبنها، وأسماء بنت أبي بكر تأتيهما بالطعام. وتقفى [2] عامرا بالغنم أثر عبد الله [3] ، ولما فقدته قريش اتبعوه ومعهم القائف فقاف الأثر حتى وقف عند الغار وقال هنا انقطع الأثر! وإذا بنسج العنكبوت على فم الغار فاطمأنوا إلى ذلك ورجعوا، وجعلوا مائة ناقة لمن ردهما عليهم.
ثم أتاهما عبد الله بن أريقط بعد ثلاث براحلتهما [1] فركبا، وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة، وأتتهما أسماء بسفرة لهما وشقت نطاقها وربطت السفرة فسميت ذات النطاقين. وحمل أبو بكر جميع ماله نحو ستة آلاف درهم، ومروا بسراقة بن مالك بن جعشم فاتبعهم ليردهم، ولما رأوه دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فساخت قوائم فرسه في الأرض، فنادى بالأمان وأن يقفوا له. وطلب من النبي أن يكتب له كتابا فكتبه أبو بكر بأمره، وسلك الدليل من أسفل مكة على الساحل أسفل من عسفان [2] وأمج وأجاز قديدا الى العرج ثم إلى قبا من عوالي المدينة.
ووردوها قريبا من الزوال يوم الإثنين لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول، وخرج الأنصار يتلقونه وقد كانوا ينتظرونه حتى إذا [3] قلصت الظلال رجعوا إلى بيوتهم.
فتلقوه مع أبي بكر في ظل نخلة، ونزل عليه السلام بقبا على سعد بن خيثمة، وقيل على كلثوم بن الهدم [4] ، ونزل أبو بكر بالسخ في بني الحرث بن خزرج على خبيب بن أسد، وقيل على خارجة بن زيد. ولحق بهم علي رضي الله عنه من مكة بعد أن رد الودائع للناس التي كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل معه بقبا.
وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم هنالك أياما ثم نهض لما أمر الله وأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فصلاها في المسجد هنالك ورغب إليه رجال بني سالم أن يقيم عندهم، وتبادروا إلى خطام ناقته اغتناما لبركته. فقال عليه السلام: خلوا سبيلها فإنها مأمورة، ثم مشى والأنصار حواليه إلى أن مر بدار بني بياضة، فتبادر إليه رجالهم يبتدرون خطام الناقة، فقال: دعوها فإنها مأمورة. ثم مر بدار بني ساعدة فتلقاه رجال وفيهم سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو ودعوه كذلك وقال لهم مثل ما قال للآخرين. ثم إلى دار بني حارثة [5] بن الخزرج فتلقاه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد وعبد الله بن رواحة. ثم مر ببني عدي بن النجار أخوال عبد المطلب ففعلوا وقال لهم مثل ذلك، إلى أن أتي دار بني مالك بن النجار فبركت ناقته على باب مسجده اليوم وهو يومئذ لغلامين منهم في حجر معاذ بن عفراء اسمهما سهل وسهيل وفيه خرب ونخل وقبور للمشركين ومربد، ثم
بركت الناقة وبقي على ظهرها ولم ينزل فقامت ومشت غير بعيد ولم يثنها، ثم التفتت خلفها ورجعت إلى مكانها الأول فبركت واستقرت ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها. وحمل أبو أيوب رحله إلى داره فنزل عليه وسأل عن المربد وأراد أن يتخذه مسجدا، فاشتراه من بني النجار بعد أن وهبوه إياه فأبى من قبوله، ثم أمر بالقبور فنبشت وبالنخل فقطعت، وبني المسجد باللبن وجعل عضادتيه الحجارة وسواريه جذوع النخل وسقفه الجريد، وعمل فيه المسلمون حسبة [1] لله عز وجل.
ثم وداع اليهود وكتب بينه وبينهم كتاب صلح وموادعة شرط فيه لهم وعليهم.
ثم مات أسعد بن زرارة وكان نقيبا لبني النجار فطلبوا إقامة نقيب مكانه، فقال أنا نقيبكم، ولم يخص بها منهم آخر دون آخر فكانت من مناقبهم. ثم لما رجع عبد الله بن أريقط إلى مكة أخبر عبد الله بن أبي بكر بمكانه فخرج ومعه عائشة أخته وأمها أم رومان ومعهم طلحة بن عبيد الله [2] فقدموا المدينة وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة بنت أبي بكر وبنى بها في منزل أبي بكر بالسنح. وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا رافع إلى بناته وزوجته سودة بنت زمعة فحملاهن [3] إليه من مكة، وبلغ الخبر بموت أبي أحيحة والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل من مشيخة قريش. ثم آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، فآخى بين جعفر بن أبي طالب وهو بالحبشة ومعاذ بن جبل، وبين أبي بكر الصديق وخارجة بن زيد، وبين عمر بن الخطاب وعثمان بن مالك من بني سالم [4] ، وبين أبي عبيدة بن الجراح وسعد بن معاذ، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، وبين الزبير بن العوام وسلمة بن سلامة بن وقش، وبين طلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك، وبين عثمان بن عفان وأوس بن ثابت أخي حسان، وبين سعيد بن زيد وأبي بن كعب، وبين مصعب بن عمير وأبي أيوب، وبين أبي حذيفة بن عتبة وعباد بن بشر بن وقش من بني عبد الأشهل، وبين عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان العنسي حليف بني عبد الأشهل وقيل بل ثابت بن قيس بن شماس، وبين أبي ذر الغفاري
والمنذر بن عمرو بن بني ساعدة، وبين حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد بن عبد العزى، وعويم بن ساعدة من بني عمرو بن عوف، وبين سلمان الفارسي وأبي الدرداء، وعمير بن بلتعة من بني الحرث بن الخزرج [1] وبين بلال بن حمامة وأبي رويحة الخثعمي [2] .
ثم فرضت الزكاة ويقال وزيد في صلاة الحاضر [3] ركعتين فصارت أربعا بعد أن كانت ركعتين سفرا وحضرا. ثم أسلم عبد الله بن سلام وكفر جمهور اليهود، وظهر قوم من الأوس والخزرج منافقون يظهرون الإسلام مراعاة لقومهم من الأنصار ويصرون الكفر، وكان رءوسهم من الخزرج عبد الله بن أبي بن سلول والجد بن قيس، ومن الأوس الحرث بن سهيل بن الصامت وعباد بن حنيف ومربع بن قيظي وأخوه أوس من أهل مسجد الضرار. وكان قوم من اليهود أيضا تعوذوا بالإسلام وهم يبطنون الكفر منهم: سعد بن حنيس [4] وزيد بن اللصيت [5] ورافع بن خزيمة ورفاعة بن زيد ابن التابوت وكنانة بن خبورا [6] .
** الغزوات **
الأبواء: ولما كان شهر صفر بعد مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة خرج في مائتين من أصحابه يريد قريشا وبني ضمرة، واستعمل على المدينة سعد بن عبادة، فبلغ ودان والأبواء ولم يلقهم. واعترضه مخشى بن عمر وسيد بني ضمرة بن عبد منات بن كنانة وسأله موادعة قومه فعقد له، ورجع إلى المدينة ولم يلق حربا. وهي أول غزاة غزاها بنفسه، ويسمى بالأبواء وبودان المكانان اللذان انتهى إليهما، وهما متقاربان بنحو ستة أميال، وكان صاحب اللواء فيها حمزة بن عبد المطلب.
بواط: ثم بلغه أن عير قريش نحو ألفين وخمسمائة فيها أمية بن خلف، ومائة رجل من قريش ذاهبة إلى مكة، فخرج في ربيع الآخر لاعتراضها واستعمل على المدينة
السائب بن عثمان بن مظعون. وقال الطبري: سعد بن معاذ فانتهى إلى بواط ولم يلقهم ورجع إلى المدينة.
غزوة العشيرة: ثم خرج في جمادى الأولى غازيا قريشا، واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد فسلك عن جانب من الطريق إلى أن لقي الطريق بصخيرات اليمام إلى العشيرة من بطن ينبع، فأقام هنالك بقية جمادى الأولى وليلة من جمادى الثانية ووداع بني مدلج، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حربا.
بدر الأولى [1] وأقام بعد العشيرة نحو عشر ليلا ثم أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة، فخرج في طلبه حتى بلغ ناحية بدر، وفاته كرز فرجع الى المدينة.
البعوث: وفي هذه الغزوات كلها غزا بنفسه وبعث فيما بينها بعوثا نذكرها (فمنها) : بعث حمزة بعد الأبواء، بعثه في ثلاثين راكبا من المهاجرين إلى سيف البحر فلقي أبا جهل في ثلاثمائة راكب من أهل مكة فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني [2] ولم يكن قتال. ومنها بعث عبيدة بن الحرث بن المطلب في ستين راكبا وثمانين من المهاجرين فبلغ ثنية المرار [3] ولقي بها جمعا عظيما من قريش كان عليهم عكرمة بن أبي جهل وقيل مكرز بن حفص بن الأحنف ولم يكن بينهم قتال. وكان مع الكفار يومئذ من المسلمين المقداد بن عمرو وعتبة بن غزوان، خرجا مع الكفار ليجد السبيل إلى اللحاق بالنبي صلى الله عليه وسلم فهربا إلى المسلمين وجاءا معهم.
وكان بعث حمزة وعبيدة متقاربين، واختلف أيهما كان قبل إلا أنهما أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الطبري إن بعث حمزة كان قبل ودان في شوال لسبعة أشهر من الهجرة. ومنها بعث سعد [4] بن أبي وقاص في ثمانية رهط من المهاجرين يطلب كرز بن جابر حين أغار على سرح المدينة فبلغ المرار ورجع.
ومنها بعث عبد الله بن جحش إثر مرجعه من بدر الأولى في شهر رجب بعثه بثمانية من المهاجرين وهم أبو حذيفة بن عتبة وعكاشة بن محصن بن أسد بن خزيمة وعتبة
بن غزوان بن مازن بن منصور وسعد بن أبي وقاص وعامر بن ربيعة العنزي حليف بني عدي وواقد بن عبد الله بن زيد مناة بن تميم وخالد بن البكير بن سعد بن ليث وسهيل بن بيضا [1] بن فهر بن مالك، وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ولا يكره أحدا من أصحابه، فلما قرأ الكتاب بعد يومين وجد فيه أن تمضي حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف وترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم، فأخبر أصحابه وقال: حتى ننزل النخلة بين مكة والطائف ومن أحب الشهادة فلينهض ولا أستكره أحدا. فمضوا كلهم وضل لسعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان في بعض الطريق بعير لهما كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه ونفر الباقون إلى نخلة، فمرت بهم عير لقريش تحمل تجارة فيها عمرو بن الحضرمي وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل والحكم بن كيسان مولاهم وذلك آخر يوم من رجب، فتشاور المسلمون وتحرج بعضهم الشهر الحرام ثم اتفقوا واغتنموا الفرصة فيهم، فرمى واقد بن عبد الله [2] عمرو بن الحضرمي فقتله وأسروا عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان وأفلت نوفل، وقدموا بالعير والأسيرين وقد أخرجوا الخمس فعزلوه. فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم فعلهم ذلك في الشهر الحرام، فسقط في أيديهم ثم أنزل الله تعالى «يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه 2: 217» الآية إلى قوله «حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا 2: 217» .
فسرى عنهم وقبض النبي صلى الله عليه وسلم الخمس وقسم الغنيمة وقبل الفداء في الأسيرين، وأسلم الحكم بن كيسان منهما، ورجع سعد وعتبة سالمين إلى المدينة.
وهذه أول غنيمة غنمت في الإسلام وأول غنيمة خمست في الإسلام وقتل عمرو بن الحضرمي هو الذي هيج [3] وقعة بدر الثانية.
صرف القبلة: ثم صرفت القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة على رأس سبعة عشر شهرا من مقدمه المدينة، خطب بذلك على المنبر وسمعه بعض الأنصار فقام فصلى ركعتين إلى الكعبة، قاله ابن حزم. وقيل على رأس ثمانية عشر شهرا، وقيل ستة عشر، ولم يقل غير ذلك.
غزوة بدر الثانية: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة إلى رمضان من السنة
الثانية، ثم بلغه أن عيرا لقريش فيها أموال عظيمة مقبلة من الشام إلى مكة معها ثلاثون أو أربعون رجلا من قريش عميدهم أبو سفيان ومعه عمرو بن العاصي ومخرمة بن نوفل، فندب عليه السلام المسلمين إلى هذه العير وأمر من كان ظهره حاضرا بالخروج، ولم يحتفل في الحشد لأنه لم يظن قتالا، واتصل خروجه بأبي سفيان، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري وبعثه إلى أهل مكة يستنفرهم لعيرهم فنفروا وأرعبوا إلا يسيرا منهم أبو لهب. وخرج صلى الله عليه وسلم لثمان خلون من رمضان واستخلف على الصلاة عمرو بن أم مكتوم ورد أبا لبابة من الروحاء واستعمله على المدينة، ودفع اللواء إلى إلى مصعب بن عمير، ودفع إلى علي راية، وإلى رجل من الأنصار أخرى يقال كانتا سوداوين. وكان مع أصحابه صلى الله عليه وسلم يومئذ سبعون بعيرا يعتقبونها فقط. وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة من بني النجار، وراية الأنصار يومئذ مع سعد بن معاذ فسلكوا نقب المدينة إلى ذي الحليفة ثم انتهوا إلى صخيرات يمام [1] ثم إلي بئر الروحاء، ثم رجعوا ذات اليمين عن الطريق إلى الصفراء.
وبعث عليه السلام قبلها بسبس بن عمرو الجهني حليف بني ساعدة وعدي بن أبي الزغباء [2] الجهني حليف بني النجار إلى بدر يتجسسون أخبار أبي سفيان وغيره. ثم تنكب عن الصفراء يمينا وخرج على وادي دقران، فبلغه خروج قريش ونفيرهم، فاستشار أصحابه، فتكلم المهاجرون وأحسنوا، وهو يريد ما يقوله الأنصار وفهموا ذلك. فتكلم سعد بن معاذ وكان فيما قال: «لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك فسر بنا يا رسول الله على بركة الله» فسر بذلك، وقال: «سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين» . ثم ارتحلوا من دقران إلى قريب من بدر وبعث عليا والزبير وسعدا في نفر يلتمسون الخبر فأصابوا غلامين لقريش، فأتوا بهما وهو عليه السلام قائم يصلي، وقالوا:
نحن سقاة قريش فكذبوهما كراهية في الخبر ورجاء أن يكونا من العير للغنيمة وقلة المؤنة، فجعلوا يضربونهما فيقولان نحن من العير. فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنكر عليهم، وقال للغلامين: أخبر اني أين قريش. فأخبراه أنهم وراء الكثيب [3]
وأنهم ينحرون يوما عشرا من الإبل ويوما تسعا. فقال عليه السلام: القوم بين التسعمائة والألف. وقد كان بسبس وعدي الجهنيان مضيا يتجسسان ولا خبر حتى نزلا وأناخا قرب الماء واستقيا في شن لهما ومجدي بن عمرو بن جهينة بقربهما، فسمع عدي جارية من جواري الحي تقول لصاحبتها العير تأتي غدا أو بعد غد وأعمل لهم وأقضيك الذي لك وجاءت إلى مجدي بن عمرو فصدقها، فرجع بسبب وعدي بالخبر. وجاء أبو سفيان بعدهما يتجسس الخبر فقال لمجدي هل أحسست أحدا فقال راكبين أناخا يميلان لهذا التل فاستقيا الماء، ونهضا فأتى أبو سفيان مناخهما وفتت من أبعار رواحلهما، فقال هذه والله علائف يثرب فرجع سريعا وقد حذر وتنكب بالعير إلى طريق الساحل فنجا وأوصى إلى قريش بأنا قد نجونا بالعير فارجعوا. فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد ماء بدر ونقيم به ثلاثا وتهابنا العرب أبدا، ورجع الأخنس بن شريق بجميع بني زهرة وكان حليفهم ومطاعا فيهم، وقال: إنما خرجتم تمنعون أموالكم وقد نجت فارجعوا. وكان بنو عدي لم ينفروا مع القوم، فلم يشهد بدرا من قريش عدوي ولا زهري.
وسبق رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا إلى ماء بدر وثبطهم عنه مطر نزل وبله مما يليهم وأصاب مما يلي المسلمين دهس [1] الوادي، وأعانهم على السير، فنزل عليه السلام على أدنى ماء من مياه بدر إلى المدينة، فقال له الحباب بن المنذر بن عمرو بن الجموح: «آلله أنزلك بهذا المنزل فلا نتحول عنه أم قصدت الحرب والمكيدة؟ فقال عليه السلام: لا بل هو الرأي والحرب. فقال يا رسول الله ليس هذا بمنزل، وإنما نأتي أدنى ماء من القوم فنزله ونبني عليه حوضا فنملؤه ونغور القلب كلها فنكون قد منعناهم الماء. فاستحسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم بنوا له عريشا يكون فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأتيه [2] من ربه النصر، ومشى يريهم مصارع القوم واحدا واحدا، ولما نزل قريش مما يليهم بعثوا عمير بن وهب الجمحي يحزر [3] له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا فيهم فارسان الزبير والمقداد، فحزرهم وانصرف وخبرهم الخبر، ورام حكيم بن حزام
وعتبة بن ربيعة أن يرجعا بقريش ولا يكون الحرب، فأبى أبو جهل وساعده المشركون، وتواقفت الفئتان.
وعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف بيده ورجع إلى العريش ومعه أبو بكر وحده، وطفق يدعو ويلح وأبو بكر يقاوله ويقول في دعائه اللهم أن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض اللهم أنجز لي ما وعدتني، وسعد بن معاذ وقوم معه من الأنصار على باب العريش يحمونه وأخفق [1] رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم انتبه فقال أبشر يا أبا بكر فقد أتى نصر الله. ثم خرج يحرض الناس، ورمى في وجوه القوم بحفنة من حصى وهو يقول: شاهت الوجوه. ثم تزاحفوا فخرج عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد يطلبون البراز فخرج إليهم عبيدة بن الحرث وحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب فقتل حمزة وعلي شيبة والوليد وضرب عتبة عبيدة فقطع رجله فمات وجاء حمزة وعلي إلى عتبة فقتلاه. وقد كان برز إليهم عوف ومعوذ ابنا عفراء وعبد الله بن رواحة من الأنصار فأبوا إلا قومهم، وجال القوم جولة فهزم المشركون وقتل منهم يومئذ سبعون رجلا فمن مشاهيرهم: عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة وحنظلة بن أبي سفيان بن حرب وابنا سعيد بن العاص عبيدة والعاص، والحرث بن عامر بن نوفل وابن عمه طعيمة بن عدي وزمعة بن الأسود وابنه الحرث وأخوه عقيل بن الأسود وابن عمه أبو البختري بن هشام ونوفل بن خويلد بن أسد وأبو جهل بن هشام، اشترك فيه معاذ ومعوذ ابنا عفراء ووجده عبد الله بن مسعود وبه رمق فحز رأسه، وأخوه العاص بن هشام وابن عمهما مسعود بن أمية وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة وابن عمه أبو قيس بن الفاكه، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، والعاصي بن منبه وأميه بن خلف وابنه علي وعمير بن عثمان عم طلحة.
وأسر العباس بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحرث بن عبد المطلب والسائب بن عبد يزيد من بني المطلب وعمرو بن أبي سفيان بن حرب وأبو العاص بن الربيع وخالد بن أسيد بن أبي العيص وعدي بن الخيار من بني نوفل وعثمان بن عبد شمس ابن عم عتبة بن غزوان وأبو عزيز أخو مصعب بن عمير وخالد بن هشام ابن المغيرة وابن عمه رفاعة [2] بن أبي رفاعة وأمية بن أبي حذيفة بن المغيرة والوليد
بن الوليد أخو خالد وعبد الله وعمرو ابنا أبي بن خلف وسهيل بن عمرو في آخرين مذكورين في كتب السير.
واستشهد من المسلمين، من المهاجرين: عبيدة بن الحارث بن المطلب وعمير بن أبي وقاص وذو الشمالين بن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي حليف بني زهرة وصفوان بن بيضاء من بني الحرث بن فهر ومهجع مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصابه سهم فقتله، وعاقل بن البكير الليثي حليف بني عدي من الأنصار. ثم من الأوس:
سعد بن خيثمة ومبشر بن عبد المنذر. ومن الخزرج: يزيد بن الحارث [1] بن الخزرج وعمير بن الحمام من بني سلمة سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحض على الجهاد ويرغب في الجنة وفي يده تمرات يأكلهن فقال: بخ بخ أما بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء ثم رمى بهن وقاتل حتى قتل، ورافع بن المعلى من بني حبيب بن عبد حارثة وحارثة بن سراقة من بني النجار وعوف ومعوذ ابنا عفراء.
ثم انجلت الحرب وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلى المشركين فسحبوا إلى القليب وطم عليهم التراب، وجعل على النفل [2] عبد الله بن كعب بن عمرو بن مبدول بن عمر بن غنم بن مازن بن النجار، ثم انصرف إلى المدينة فلما نزل الصفراء قسم الغنائم كما أمر الله، وضرب عنق النضر بن الحرث بن كلدة من بني عبد الدار، ثم نزل عرق الظبية فضرب عنق عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية وكان في الأسارى ومر إلى المدينة فدخلها لثمان بقين من رمضان.
غزوة الكدر: وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد رجوعه إلى المدينة اجتماع غطفان فخرج يريد بني سليم بعد سبع ليال من منصرفه، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري أو ابن أم مكتوم، فبلغ ماء يقال له الكدر وأقام عليه ثلاثة أيام ثم انصرف ولم يلق حربا، وقيل إنه أصاب من نعمهم ورجع بالغنيمة، وإنه بعث غالب بن عبد الله الليثي في سرية فنالوا منهم وانصرفوا بالغنيمة. وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذي الحجة، وفدى رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر أسارى بدر.
غزوة السويق: ثم إن أبا سفيان لما انصرف من بدر نذر أن يغزو المدينة فخرج في مائتي راكب حتى أتى بني النضير ليلا، فتوارى عنه جي بن أخطب ولقيه سلام بن مشكم وقراه [1] وأعلمه بخبر الناس، ثم رجع ومر بأطراف المدينة فحرق نخلا وقتل رجلين في حرث لهما، فنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، واستعمل على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر، وبلغ الكدر [2] وفاته أبو سفيان والمشركون وقد طرحوا السويق من أزوادهم ليتخففوا، فأخذها المسلمون فسميت لذلك غزوة السويق.
وكانت في ذي الحجة بعد بدر بشهرين.
ذي أمر: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر المحرم غازيا غطفان واستعمل على المدينة عثمان بن عفان فأقام بنجد صفر وانصرف ولم يلق حربا.
نجران: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر ربيع الأول يريد قريشا واستخلف ابن أم مكتوم فبلغ نجران معدنا في الحجاز ولم يلق حربا. وأقام هنالك إلى جمادى الثانية من السنة الثالثة وانصرف إلى المدينة.
قتل كعب بن الأشرف: وكان كعب بن الأشرف رجلا من طيئ وأمه من يهود بني النضير، ولما أصيب أصحاب بدر، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة مبشرين إلى المدينة، جعل يقول: ويلكم أحق هذا؟
وهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس، وإن كان محمد أصاب هؤلاء فبطن الأرض خير من ظهرها. ثم قدم مكة ونزل على المطلب بن أبي وداعة السهمي، وعنده عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص بن أمية، فجعل يحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينشد الأشعار ويبكي على أصحاب القليب، ثم رجع إلى المدينة فشبب بعاتكة ثم شبب بنساء المسلمين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يقتل كعب بن الأشرف، فانتدب لذلك محمد بن مسلمة وملكان بن سلامة بن وقش وهو أبو نائلة من بني عبد الأشهل أخو كعب من الرضاعة وعباد بن بشر بن وقش والحرث بن بشر بن معاذ وأبو عبس بن جبر من بني حارثة، وتقدم إليه ملكان بن سلامة وأظهر له انحرافا عن النبي صلى الله عليه وسلم عن إذن منه، وشكا إليه ضيق الحال ورام أن يبيعه وأصحابه طعاما ويرهنون سلاحهم. فأجاب إلى ذلك ورجع إلى أصحابه،
فخرجوا وشيعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد [1] في ليلة قمراء، وأتوا كعبا فخرج إليهم من حصنه ومشوا غير بعيد ثم وضعوا عليه سيوفهم، ووضع محمد بن مسلمة معولا كان معه في ثنته [2] فقتله. وصاح عدو الله صيحة شديدة انذعر لها أهل الحصون التي حواليه، وأوقدوا النيران، ونجا القوم وقد جرح منهم الحرث بن أوس ببعض سيوفهم فنزفه الدم وتأخر، ثم وافاهم بجرة العريض آخر الليل، وأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، وأخبروه وتفل على جرح الحرث فبرأ. وأذن للمسلمين في قتل اليهود لما بلغه أنهم خافوا من هذه الفعلة، وأسلم حينئذ حويصة بن مسعود، وقد كان أسلم قبله أخوه محيصة بسبب قتل بعضهم.
غزوة بني قينقاع: وكان بنو قينقاع لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر وقف بسوق بني قينقاع في بعض الأيام فوعظهم وذكرهم ما يعرفون من أمره في كتابهم، وحذرهم ما أصاب قريشا من البطشة، فأساءوا الرد وقالوا: لا يغرنك انك لقيت قوما لا يعرفون الحرب فأصبت منهم والله لئن جربتنا لتعلمن أنا نحن الناس.
فأنزل الله تعالى: «وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء 8: 58» . وقيل بل قتل مسلم يهوديا بسوقهم في حق، فثاروا على المسلمين ونقضوا العهد ونزلت الآية. فسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستعمل على المدينة بشير بن عبد المنذر، وقيل أبا لبابة، وكانوا في طرف المدينة في سبعمائة مقاتل منهم ثلاثمائة دارع، ولم يكن لهم زرع ولا نخل إنما كانوا تجار أو صاغة يعملون بأموالهم، وهم قوم عبد الله بن سلام فحصرهم عليه السلام خمس عشرة ليلة لا يكلم أحدا منهم حتى نزلوا على حكمه فكتفهم ليقتلوا، فشفع فيهم عبد الله بن أبي بن سلول وألح في الرغبة [3] حتى حقن له رسول الله صلى الله عليه وسلم دماءهم، ثم أمر بإجلائهم وأخذ ما كان لهم من سلاح وضياع [4] ، وأمر عبادة بن الصامت فمضى بهم إلى ظاهر ديارهم ولحقوا بخيبر، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس من الغنائم وهو أول خمس
أخذه، ثم انصرف إلى المدينة وحضر الأضحى فصلى بالناس في الصحراء وذبح بيده شاتين ويقال أنهما أول أضحيته صلى الله عليه وسلم.
سرية زيد بن حارثة إلى قردة: وكانت قريش من بعد بدر قد تخوفوا من اعتراض المسلمين عيرهم في طريق الشام وصاروا يسلكون طريق العراق، وخرج منهم تجار فيهم أبو سفيان بن حرب وصفوان بن أمية واستجاروا بفرات بن حيان من بكر بن وائل فخرج بهم في الشتاء وسلك بهم على طريق العراق، وانتهى خبر العير إلى النبي صلى الله عليه وسلم وما فيها من المال وآنية الفضة، فبعث زيد بن حارثة في سرية فاعترضهم وظفر بالعير وأتى بفرات بن حيان العجلي أسيرا فتعوذ بالإسلام وأسلم.
وكان خمس هذه الغنيمة عشرين ألفا.
قتل ابن أبي الحقيق: كان سلام بن أبي الحقيق هذا من يهود خيبر وكنيته أبو رافع، وكان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويحزب عليهم الأحزاب، مثلا أو قريبا من كعب بن الأشرف، وكان الأوس والخزرج يتصاولان تصاول الفحلين في طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم والذب عنه والنيل من أعدائه، لا يفعل أحد القبيلتين شيئا من ذلك إلا فعل الآخرون مثله. وكان الأوس قد قتلوا كعب بن الأشرف كما ذكرناه، فاستأذن الخزرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل ابن أبي الحقيق نظير ابن الأشرف في الكفر والعداوة، فأذن لهم.
فخرج إليهم من الخزج ثم من بني سلمة [1] ثمانية نفر منهم: عبد الله بن عقيل ومسعر بن سنان وأبو قتادة والحرث بن ربعي الخزاعي من حلفائهم في آخرين، وأمر عليهم عبد الله بن عقيل ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة، وخرجوا في منتصف جمادى الآخرة من سنة ثلاث، فقدموا خيبر، وأتوا دار ابن أبي الحقيق في علية له بعد أن انصرف عنه سمره ونام، وقد أغلقوا الأبواب من حيث أفضوا كلها عليهم، ونادوه ليعرفوا مكانه بصوته، ثم تعاوروه بسيوفهم حتى قتلوه، وخرجوا من القصر وأقاموا ظاهره حتى قام الناعي على سور القصر فاستيقنوا موته، وذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر. وكان أحدهم قد سقط من درج العلية فأصابه كسر في ساقه فمسح عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبرأ
[2] .
** غزوة أحد **
وكانت قريش بعد واقعة بدر قد توامروا [1] وطلبوا من أصحاب العير أن يعينوهم بالمال ليتجهزوا به لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعانوهم، وخرجت قريش بأحابيشها وحلفائها وذلك في شوال من سنة ثلاث، واحتملوا الظعن التماسا للحفيظة وأن لا يفروا، وأقبلوا حتى نزلوا ذا الحليفة قرب أحد ببطن السبخة مقابل المدينة على شفير واد هنالك، وذلك في رابع شوال. وكانوا في ثلاثة آلاف فيهم سبعمائة دارع ومائتا فرس وقائدهم أبو سفيان ومعهم خمس عشرة امرأة بالدفوف يبكين قتلى بدر.
وأشار صلى الله عليه وسلم على أصحابه بأن يتحصنوا بالمدينة ولا يخرجوا وإن جاءوا قاتلوهم على أفواه الأزقة، وأقر [2] ذلك على رأي عبد الله بن أبي بن سلول، وألح قوم من فضلاء المسلمين ممن أكرمه الله بالشهادة فلبس لامته وخرج، وقدم أولئك الذين ألحوا عليه وقالوا: يا رسول الله إن شئت فاقعد. فقال: ما ينبغي لبني إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل. وخرج في ألف من أصحابه، واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بقية المسلمين بالمدينة. فلما سار بين المدينة وأحد انخزل عنه عبد الله بن أبي في ثلث الناس مغاضبا لمخالفة رأيه في المقام، وسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حرة بني حارثة ومر بين الحوائط وأبو خيثمة من بني حارثة يدل به حتى نزل الشعب من أحد مستندا إلى الجبل، وقد سرحت قريش الظهر والكراع في زروع المسلمين وتهيأ للقتال في سبعمائة فيهم خمسون فارسا وخمسون راميا، وأمر على الرماة عبد الله بن جبير من بني عمرو بن عوف والأوس أخو خوات، ورتبهم خلف الجيش ينضحون بالنبل لئلا يأتوا المسلمين من خلفهم، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير من بني عبد الدار، وأجاز يومئذ سمرة بن جندب الفزاري ورافع بن خديج من بني حارثة في الرماة وسنهما خمسة عشر عاما، ورد أسامة بن زيد وعبد الله بن عمر بن الخطاب ومن بني مالك بن النجار زيد بن ثابت وعمرو بن حرام ومن بني حارثة البراء بن عازب وأسيد بن ظهير، ورد عرابة بن أوس وزيد بن أرقم وأبا سعيد الخدري سن جميعهم يومئذ أربعة عشر عاما. وجعلت قريش على ميمنة الخيل خالد بن الوليد،
وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل. وأعطى عليه السلام سيفه بحقه إلى أبي دجانة سماك بن خرشة من بني ساعدة وكان شجاعا بطلا يختال عند الحرب. وكان مع قريش ذلك اليوم والد حنظلة غسيل الملائكة أبو عامر عبد عمرو بن صيفي بن مالك ابن النعمان في طليعة [1] وكان في الجاهلية قد ترهب وتنسك، فلما جاء الإسلام غلب عليه الشقاء وفر إلى مكة في رجال من الأوس وشهد أحد مع الكفار، وكان يعد قريش في انحراف الأوس إليه لما أنه سيدهم، فلم يصدق ظنه، ولما ناداهم وعرفوه، قالوا: لا أنعم الله لك علينا يا فاسق. فقاتل المسلمين قتالا شديدا.
وأبلى يومئذ حمزة وطلحة وشيبة وأبو دجانة والنضر بن أنس [2] بلاء شديدا، وأصيب جماعة من الأنصار مقبلين غير مدبرين واشتد القتال وانهزم قريش أولا، فخلت الرماة عن مراكزهم، وكر المشركون كرة وقد فقدوا متابعة الرماة فانكشف المسلمون واستشهد منهم من أكرمه الله، ووصل العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقاتل مصعب بن عمير صاحب اللواء دونه حتى قتل، وجرح رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه وكسرت رباعيته اليمنى السفلى بحجر، وهشمت البيضة في رأسه، يقال إن الذي تولى ذلك عتبة بن أبي وقاص وعمرو بن قميئة الليثي. وشد حنظلة الغسيل على أبي سفيان ليقتله فاعترضه شداد بن الأسود الليثي من شعوب فقتله وكان جنبا، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الملائكة غسلته.
وأكبت الحجارة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سقط من بعض حفر هناك، فأخذ علي بيده واحتضنه طلحة حتى قام، ومص الدم من جرحه مالك بن سنان الخدري والد أبي سعيد، ونشبت حلقتان من حلق المغفر في وجهه صلى الله عليه وسلم فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح فندرت ثنيتاه فصار اهتم [3] . ولحق المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم وكر دونه نفر من المسلمين فقتلوا كلهم، وكان آخرهم عمار بن يزيد بن السكن. ثم قاتل طلحة حتى أجهض [4] المشركون وأبو دجانة يلي النبي صلى الله عليه وسلم بظهره وتقع فيه النبل فلا يتحرك [5] ، وأصيبت عين قتادة
ابن النعمان من بني ظفر فرجع وهي على وجنته، فردها عليه السلام بيده فصحت وكانت أحسن عينيه.
وانتهى النضر بن أنس إلى جماعة من الصحابة وقد دهشوا وقالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فما تصنعون في الحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه. ثم استقبل الناس وقاتل حتى قتل ووجد به سبعون ضربة. وجرح يومئذ عبد الرحمن بن عوف عشرين جراحة بعضها في رجله فعرج منها. وقتل حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم قتله وحشي مولى جبير بن مطعم بن عدي، وكان قد جاعله على ذلك بعتقه فرآه يبارز سباع بن عبد العزى فرماه بحربته من حيث لا يشعر فقتله.
ونادي الشيطان ألا أن محمدا قد قتل، لأن عمرو بن قميئة كان قد قتل مصعب بن عمير يظن أنه النبي صلى الله عليه وسلم، وضربته أم عمارة نسيبة بنت كعب بن أبي [1] مازن ضربات فتوفي [2] منها بدرعيه وخشي المسلمون لما أصابه ووهنوز لصريخ الشيطان. ثم إن كعب بن مالك الشاعر من بنى سلمة عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى بأعلى صوته يبشر الناس ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له:
أنصت، فاجتمع عليه المسلمون ونهضوا معه نحو الشعب، فيهم أبو بكر وعمر وعلي والزبير والحرث بن الصمة [3] الأنصاري وغيرهم، وأدركه أبي بن خلف في الشعب، فتناول صلى الله عليه وسلم الحربة من الحرث بن الصمة وطعنه بها في عنقه فكر أبي منهزما، وقال له المشركون ما بك من بأس، فقال: والله لو بصق علي لقتلني وكان صلى الله عليه وسلم قد توعده بالقتل فمات عدو الله بسرف [4] مرجعهم الى مكة. ثم جاء علي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالماء فغسل وجه ونهض فاستوى على صخرة من الجبل وحانت الصلاة فصلى بهم قعودا. وغفر الله للمنهزمين من المسلمين ونزل:
إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان 3: 155 (الآية) وكان منهم عثمان بن عفان وعثمان بن أبي عقبة الأنصاري.
واستشهد في ذلك اليوم حمزة كما ذكرناه وعبد الله بن جحش ومصعب بن عمير في خمسة وستين معظمهم من الأنصار، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدفنوا بدمائهم وثيابهم في مضاجعهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم. وقتل من المشركين اثنان وعشرون منهم الوليد بن العاص بن هشام وأبو أمية بن أبي حذيفة بن المغيرة وهشام بن أبي حذيفة بن المغيرة وأبو عزة عمرو بن عبد الله بن جمح، وكان أسر يوم بدر فمن عليه وأطلقه بلا فداء على أن لا يعين عليه فنقض العهد وأسر يوم أحد وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنقه صبرا، وأبي بن خلف قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، وصعد أبو سفيان الجبل حتى أطل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ونادى بأعلى صوته: الحرب: سجال يوم أحد بيوم بدر، أعل هبل.
وانصرف وهو يقول موعدكم العام القابل. فقال عليه السلام قولوا له هو بيننا وبينكم. ثم سار المشركون إلى مكة ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة، وكانت هند وصواحبها قد جد عنه وبقرن عن كبده فلاكتها ولم تسغها، ويقال إنه لما رأى ذلك في حمزة قال لئن أظفرني الله بقريش لأمثلن بثلاثين منهم. ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة. ويقال إنه قال لعلي لا يصيب المشركون منا مثلها حتى يفتح الله علينا.
غزوة حمراء الأسد: ولما كان يوم أحد سادس عشر شوال، وهو صبيحة يوم أحد، أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج لطلب العدو وأن لا يخرج إلا من حضر معه بالأمس، وفسح لجابر بن عبد الله ممن سواهم، فخرج وخرجوا على ما بهم من الجهد والجراح وصار عليه السلام متجلدا مرهبا للعدو، وانتهى إلى حمراء الأسد على ثمانية أميال من المدينة وأقام بها ثلاثا، ومر به هناك معبد بن أبي معبد الخزاعي سائرا الى مكة، ولقي [1] أبا سفيان وكفار قريش بالروحاء فأخبرهم بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم وكانوا يرومون الرجوع إلى المدينة ففت ذلك في أعضادهم وعادوا إلى مكة.
بعث الرجيع: ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفر متم الثلاثة من الهجرة نفر من عضل والقارة بني الهون من خزيمة إخوة بني أسد، فذكروا أن فيهم
إسلاما ورغبوا أن يبعث فيهم من يفقههم في الدين، فبعث معهم ستة رجال من أصحابه: مرثد بن أبي مرثد الغنوي [1] ، وخالد بن البكير الليثي، وعاصم بن ثابت بن أبي الأفلح من بني عمرو بن عوف، وخبيب بن عدي من بني جحجبا بن كلفة، وزيد بن الدثنة، بن بياضة بن عامر، وعبد الله بن طارق حليف بني ظفر، وأمر عليهم مرثدا منهم. ونهضوا مع القوم حتى إذا كانوا بالرجيع وهو ماء لهذيل قريبا من عسفان غدروا بهم، واستصرخوا هذيلا عليهم فغشوهم في رحالهم ففزعوا إلى القتال فأمنوهم وقالوا: إنا نريد نصيب بكم فداء من أهل مكة، فامتنع مرثد وخالد وعاصم من أمنهم وقاتلوا حتى قتلوا، ورموا رأس عاصم ليبيعوه من سلافة بنت سعد ابن شهيد وكانت نذرت أن تشرب فيه الخمر لما قتل ابنيها من بني عبد الدار يوم أحد، فأرسل الله الدبر [2] فحمت عاصما منهم فتركوه إلى الليل فجاء السيل فاحتمله. وأما الآخرون فأسروهم وخرجوا بهم إلى مكة ولما كانوا بمر الظهران انتزع ابن طارق يده من القران وأخذ سيفه فرموه بالحجارة فمات، وجاءوا بخبيب وزيد إلى مكة فباعوهما إلى قريش فقتلوهما صبرا.
غزوة بئر معونة: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفر هذا ملاعب الأسنة أبو براء عمر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة فدعاه إلى الإسلام، فلم يسلم ولم يبعد، وقال يا محمد لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك، فقال إني أخاف [3] عليهم. فقال أبو براء أنا لهم جار. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم: المنذر بن عمرو بن بني ساعدة في أربعين من المسلمين، وقيل في سبعين، منهم الحرث بن الصمة، وحرام بن ملحان خال أنس، وعامر [4] بن فهيرة، ونافع بن بديل بن ورقاء. فنزلوا بئر معونة بين أرض بني عامر وحرة بني سليم، وبعثوا حرام بن ملحان بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل فقتله، ولم ينظر في كتابه، واستعدى عليهم بني عامر فأبوا لجوار أبي براء إياهم، فاستعدى بني سليم فنهضت منهم عصية ورعل
وذكوان وقتلوهم عن آخرهم، وكان سرحهم إلى جانب منهم ومعهم المنذر بن أحيحة [1] من بني الجلاح وعمرو بن أمية الضمري فنظرا إلى الطير تحوم على العسكر، فأسرعا إلى أصحابهما فوجداهم في مضاجعهم، فأما المنذر بن أحيحة فقاتل حتى قتل، وأما عمرو بن أمية فجز عامر بن الطفيل ناصيته حين علم أنه من مضر لرقبة كانت عن أمه، وذلك لعشر بقين من صفر وكانت مع الرجيع في شهر واحد. ولما رجع عمرو بن أمية لقي في طريقه رجلين من بني كلاب أو بني سليم فنزلا معه في ظل كان فيه معهما عهد من النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم به عمرو فانتسبا له في بني عامر أو سليم فعدا عليهما لما ناما وقتلهما، وقدم على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فقال لقد قتلت قتيلين لأدينهما.
غزوة بني النضير: ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير مستعينا بهم في دية هذين القتيلين فأجابوا، وقعد عليه السلام مع أبي بكر وعمر وعلي ونفر من أصحابه إلى جدار من جدرانهم، وأراد بنو النضير رجلا منهم على الصعود إلى ظهر البيت ليلقي على النبي صلى الله عليه وسلم صخرة، فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب منهم. وأوحى الله بذلك إلى نبيه فقام، ولم يشعر أحدا ممن معه واستبطئوه، واتبعوه إلى المدينة. فأخبرهم عن وحي الله بما أراد به يهود وأمر من أصحابه بالتهيؤ لحربهم. واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، ونهض في شهر ربيع الأول أول السنة الرابعة من الهجرة، فتحصنوا منه بالحصون فحاصرهم ست ليال وأمر بقطع النخل وإحراقها، ودس إليهم عبد الله بن أبي والمنافقون إنا معكم قتلتم أو أخرجتم، فغروهم [2] بذلك ثم خذلوهم كرها وأسلموهم. وسأل عبد الله من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكف عن دمائهم ويجليهم بما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح، واحتمل إلى خيبر من أكابرهم حيي بن أخطب وابن أبي الحقيق فدانت لهم خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أموالهم بين المهاجرين الأولين خاصة، وأعطى منها أبا دجانة وسهل بن حنيف كانا فقيرين.
وأسلم من بني النضير يامين بن عمير بن جحاش، وسعيد بن وهب فأحرزا أموالهما بإسلامهما. وفي هذه الغزاة نزلت سورة الحشر.
غزوة ذات الرقاع: وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بني النضير إلى جمادى من السنة الرابعة، ثم غزا نجدا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان، واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري، وقيل عثمان بن عفان، ونهض حتى نزل نجدا فلقي بها جمعا من غطفان فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب، إلا أنهم خاف بعضهم بعضا حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين صلاة الخوف، وسميت ذات الرقاع لأن أقدامهم نقبت وكانوا يلقون عليها الخرق. وقال الواقدي: لأن الجبل الذي نزلوا به كان به سواد وبياض وحمرة رقاع فسميت بذلك وزعم أنها كانت في المحرم.
غزوة بدر الصغرى الموعد: كان أبو سفيان نادى يوم أحد كما قدمناه بموعد بدر من قابل وأجابوه بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان في شعبان من هذه السنة الرابعة خرج لميعاده واستعمل على المدينة عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، ونزل في بدر وأقام هناك ثمان ليال وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل الظهران أو عسفان، ثم بدا له في الرجوع واعتذر بأن العام عام جدب.
غزوة دومة الجندل: خرج إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول من السنة الخامسة وخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري. وسببها أنه عليه السلام بلغه ان جمعا تجمعوا بها فغزاهم، ثم انصرفوا من طريقه قبل أن يبلغ دومة الجندل ولم يلق حربا. وفيها وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة [1] بن حصن أن يرعى بأراضي المدينة لأن بلاده كانت أجدبت، وكانت هذه قد أخصبت بسحابة وقعت فأذن له في رعيها.
** غزوة الخندق **
كانت في شوال من السنة الخامسة، والصحيح أنها في الرابعة، ويقويه أن ابن عمر يقول ردني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة ثم أجازني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فليس بينهما إلا سنة واحدة وهو الصحيح، فهي قبل دومة الجندل بلا شك. وكان سببها أن نفرا من اليهود منهم: سلام بن أبي الحقيق وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وسلام بن مشكم وحيي بن أخطب من بني
النضير وهود [1] ابن قيس وأبو عمارة [2] من بني وائل، لما انجلى بنو النضير إلى خيبر خرجوا إلى مكة يحزبون الأحزاب ويحرضون على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرغبون من اشرأب إلى ذلك بالمال. فأجابهم أهل مكة إلى ذلك، ثم مضوا إلى غطفان وخرج بهم عيينة بن حصن على أشجع، وخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من كنانة وغيرهم. ولما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بحفر الخندق على المدينة وعمل فيه بيده والمسلمون معه، ويقال إن سلمان أشار به. ثم أقبلت الأحزاب حتى نزلوا بظاهر المدينة بجانب أحد، وخرج عليه السلام في ثلاثة آلاف من المسلمين، وقيل في تسعمائة فقط وهو راجل بلا شك [3] . وخلف على المدينة ابن أم مكتوم فنزل بسطح سلع والخندق بينه وبين القوم وأمر بالنساء والذراري فجعلوا في الآطام، وكان بنو قريظة مواد عين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم حيي وأغراهم فنقضوا العهد ومالوا مع الأحزاب، وبلغ أمرهم إلي النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث سعد بن معاذ وسعد ابن عبادة وخوات [4] بن جبير وعبد الله بن رواحة يستخبرون الأمر، فوجدوهم مكاشفين بالغدر والنيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشاتمهم سعد بن معاذ وكانوا أحلافه وانصرفوا. وكان صلى الله عليه وسلم قد أمرهم إن وجدوا الغدر حقا أن يخبروه تعريضا لئلا يفتوا في أعضاد الناس، فلما جاءوا إليه قالوا يا رسول الله عضل والقارة يريدون غدرهم بأصحاب الرجيع، فعظم الأمر وأحيط بالمسلمين من كل جهة، وهم بالفشل بنو حارثة وبنو سلمة معتذرين بأن بيوتهم عورة خارج المدينة ثم ثبتهم الله.
ودام الحصار على المسلمين قريبا من شهر ولم تكن حرب. ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن والحرث بن عوف أن يرجعا ولهما ثلثا ثمار [5] المدينة، وشاور في ذلك سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فأبيا، وقالا: يا رسول الله أشيء أمرك الله به فلا بد منه أم شيء تحبه فتصدقه فتصنعه لك أم شيء تصنعه لنا؟ فقال: بل
أصنعه لكم إني رأيت أن العرب رمتكم عن قوس واحدة، فقال سعد بن معاذ: قد كنا معهم على الشرك والأوثان ولا يطمعون منا بثمرة إلا شراء [1] وبيعا فحين أكرمنا الله بالإسلام وأعزنا بك نعطيهم أموالنا والله لا نعطيهم إلا السيف. فصلب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتمادى الأمر، وظهر فوارس من قريش إلى الخندق وفيهم:
عكرمة بن أبي جهل، وعمرو بن عبد ود من بني عامر بن لؤي، وضرار بن الخطاب من بني محارب فلما رأوا الخندق قالوا هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها. ثم اقتحموا من مكان ضيق حتى جالت خيلهم بين الخندق وسلع، ودعوا إلى البراز، وقتل علي بن أبي طالب عمرو بن عبد ود، ورجعوا إلى قومهم من حيث دخلوا.
ورمي في بعض تلك الأيام سعد بن معاذ بسهم فقطع عنه الأكحل، يقال رماه حبان بن قيس بن العرقة وقيل أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم، ويروى أنه لما أصيب جعل يدعو: «اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقى لها فلا قوم أحب إلي أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وأخرجوه، وان كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة» .
ثم اشتد الحال وأتى نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فقال: يا رسول الله اني أسلمت ولم يعلم قومي فمرني بما تشاء، فقال إنما أنت رجل واحد فخذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة. فخرج فأتى بني قريظة وكان صديقهم في الجاهلية، فنقم لهم في قريش وغطفان وأنهم إن لم يكن الظفر لحقوا ببلادهم وتركوكم، ولا تقدرون على التحول عن بلدكم ولا طاقة لكم بمحمد وأصحابه، فاستوثقوا منهم برهن أبنائهم حتى يصابروا معكم. ثم أتى أبا سفيان وقريشا فقال لهم: إن اليهود قد ندموا وراسلوا محمدا في المواعدة على أن يسترهنوا أبناءكم ويدفعوهم إليه. ثم أتى غطفان وقال لهم مثل ما قال لقريش. فأرسل أبو سفيان وغطفان إلى بني قريظة في ليلة سبت إنا لسنا بدار مقام فأعدوا للقتال، فاعتذر اليهود بالسبت، وقالوا: مع ذلك لا نقاتل حتى تعطونا أبناءكم. فصدق القوم خبر نعيم، وردوا إليهم بالاباية من الرهن والحث على الخروج، فصدق أيضا بنو قريظة خبر نعيم وأبوا القتال. وأرسل الله على قريش وغطفان ريحا عظيمة أكفأت قدورهم وآنيتهم وقلعت أبنيتهم وخيامهم، وبعث عليه
السلام حذيفة بن اليمان عينا فأتاه بخبر رحيلهم وأصبح وقد ذهب الأحزاب ورجع إلى المدينة.
غزوة بني قريظة ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه جبريل بالنهوض إلى بني قريظة وذلك بعد صلاة الظهر من ذلك اليوم، فأمر المسلمين أن لا يصلي أحد العصر إلا في بني قريظة، وخرج وأعطى الراية علي بن أبي طالب، واستخلف ابن أم مكتوم، وحاصرهم صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين ليلة، وعرض عليهم سيدهم كعب بن أسد إحدى ثلاث إما: الإسلام، وإما تبييت النبي صلى الله عليه وسلم ليلة السبت ليكون الناس آمنين منهم، وإما قتل الذراري والنساء ثم الاستماتة. فأبوا كل ذلك وأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليهم أبا لبابة بن عبد المنذر بن عمرو بن عوف لأنهم كانوا حلفاء الأوس، فأرسله واجتمع إليه الرجال والنساء والصبيان فقالوا: يا أبا لبابة ترى لنا أن ننزل على حكم محمد، قال نعم، وأشار بيده في حلقه أنه الذبح. ثم رجع فندم وعلى أنه أذنب فانطلق على وجهه، ولم يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وربط نفسه إلى عمود في المسجد ينتظر توبة الله عليه وعاهد الله أن لا يدخل أرض بني قريظة مكانا خان فيه ربه ونبيه، وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لو أتاني لاستغفرت له فأما بعد ما فعل فما أنا بالذي أطلقه حتى يتوب الله عليه فنزلت توبته، فتولى عليه السلام إطلاقه بيده بعد أن أقام مرتبطا بالجذع ست ليال لا يحل إلا للصلاة. ثم نزل بنو قريظة على حكم النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم بعضهم ليلة نزولهم وهم نفر أربعة من هذيل إخوة قريظة والنضير، وفر عنهم عمرو بن سعد القرظي ولم يكن دخل معهم في نقض العهد فلم يعلم أين وقع. ولما نزل بنو قريظة على حكمه صلى الله عليه وسلم طلب الأوس أن يفعل فيهم ما فعل بالخزرج في بني النضير، فقال لهم:
ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى. قال: فذلك إلى سعد بن معاذ وكان جريحا منذ يوم الخندق وقد أنزله رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فأتى به على حمار فلما أقبل على المجلس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم: قوموا إلى سيدكم. ثم قالوا: يا سعد إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك حكم مواليك، فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه، قالوا:
نعم. قال: فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال وتسبى الذراري والنساء وتقسم
الأموال. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة. ثم أنه أمر فأخرجوا إلى سوق المدينة وخندق لهم بها خنادق وضربت أعناقهم فيها وهم بين الستمائة والسبعمائة رجل، وقتلت فيهم امرأة واحدة بنانة امرأة الحكم القرظي وكانت طرحت على خلاد [1] بن سويد بن الصامت رحى من فوق الحائط فقتلته. وأمر عليه السلام بقتل من أنبت [2] منهم. ووهب لثابت بن قيس بن الشماس ولد الزبير بن ياطا فاستحيا منهم عبد الرحمن بن الزبير كانت له صحبة، وبعد أن كان ثابت استوهب من النبي صلى الله عليه وسلم الزبير وأهله وماله فوهبه ذلك فمر الزبير عليه يده وأبي إلا الشد مع قومه اغتباطا بهم قبحه الله. ووهب عليه السلام لأم المنذر بنت قيس من بني النجار رفاعة بن سموأل القرظي فأسلم رفاعة وله صحبة.
وقسم صلى الله عليه وسلم أموال بني قريظة فأسهم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما، وكانت خيل المسلمين يومئذ ستة وثلاثين فارسا، ووقع في سهم النبي صلى الله عليه وسلم من سبيهم ريحانة بنت عمرو بن خنافة من بني عمرو بن قريظة فلم تزل في ملكه حتى مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان فتح بني قريظة آخر ذي القعدة من السنة الرابعة. ولما ثم أمرهم أجيبت دعوة سعد بن معاذ فانفجر عرقه ومات فكان ممن استشهد يوم الخندق في سبعة آخرين من الأنصار، وأصيب من المشركين يوم الخندق أربعة من قريش فيهم: عمرو بن عبد ود وابنه حسل ونوفل بن عبد الله بن المغيرة [3] ، ولم تغز كفار قريش المسلمين مذ يوم الخندق. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمادى الأولى من السنة الخامسة لستة أشهر من فتح بني قريظة فقصد بني لحيان يطالب بثأر عاصم بن ثابت وخبيب بن عدي وأهل الرجيع، وذلك إثر رجوعه من دومة الجندل، فسلك على طريق الشام أولا ثم أخذ ذات اليسار إلى صخيرات اليمام، ثم رجع إلى طريق مكة وأجد السير حتى نزل منازل لبني بين أمج وعسفان فوجدهم قد حذروا وامتنعوا بالجبال، وفاتتهم الغرة فيهم فخرج في مائتي راكب إلى المدينة.
غزوة الغابة وذي قرد وبعد قفوله والمسلمين إلى المدينة بليال أغار عيينة بن حصن الفزاري في بني عبد الله من غطفان فاستلحموا [1] القاح النبي صلى الله عليه وسلم بالغابة، وكان فيها رجل من بني غفار وامرأته فقتلوا الرجل وحملوا المرأة، ونذر بهم سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي وكان ناهضا، فعلا ثنية الوداع وصاح بأعلى صوته نذيرا بهم، ثم اتبعهم واستنقذ ما كان بأيديهم، ولما وقعت الصيحة بالمدينة ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثرهم، ولحق به المقداد بن الأسود وعباد [2] بن بشر وسعد بن زيد من بني عبد الأشهل. وعكاشة بن محصن ومحرز بن نضلة الأسدي وأبو قتادة من بني سلمة في جماعة من المهاجرين والأنصار، وأمر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد وانطلقوا في اتباعهم حتى أدركوهم، فكانت بينهم جولة قتل فيها محرز بن نضلة قتله عبد الرحمن بن عيينة وكان أول من لحق بهم. ثم ولى المشركون منهزمين وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ماء يقال له ذو قرد، فأقام عليه ليلة ويومها [3] ونحر ناقة من لقاحه المسترجعة ثم قفل إلى المدينة.
غزاة بني المصطلق: وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شعبان من هذه السنة السادسة، ثم غزا بني المصطلق من خزاعة لما بلغه أنهم مجتمعون له وقائدهم الحرث بن أبي ضرار أبو جويرية [4] أم المؤمنين، فخرج إليهم واستخلف أبا ذر الغفاري، وقيل نميلة بن عبد الله الليثي ولقيهم بالمريسيع [5] من مياههم ما بين قديد والساحل فتزاحفوا وهزمهم الله وقتل من قتل منهم وسبي النساء والذرية وكانت منهم جويرية بنت الحرث سيدهم، ووقعت في سهم ثابت بن قيس، فكاتبها، وأدى عليه السلام عنها وأعتقها وتزوجها. وأصيب في هذه الغزاة هشام بن صبابة الليثي من بني ليث بن بكر قتله رجل من رهط عبادة بن الصامت غلطا يظنه من العدو، وفي مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الغزاة، وفيها قال عبد الله بن أبي بن سلول لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل لمشاجرة وقعت بين جهجاه بن
مسعود الغفاري أجير عمر بن الخطاب وبين سنان ابن واقد [1] الجهني حليف بني عوف بن الخزرج، فتثاوروا [2] وتباهوا، فقال ما قال: وسمع زيد بن أرقم مقالته، وبلغها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونزلت سورة المنافقين وتبرأ منه ابنه عبد الله، وقال: يا رسول الله أنت والله الأعز وهو الأذل وإن شئت والله أخرجته. ثم اعترض أباه عند المدينة، وقال: والله لا تدخل حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأذن له، وحينئذ دخل، وقال يا رسول الله بلغني أنك تريد قتل أبي وإني أخشى أن تأمر غيري فلا تدعني نفسي أن أقاتله، وإن قتلته قتلت مؤمنا بكافر، ولكن مرني بذلك فأنا والله أحمل إليك رأسه. فجزاه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا وأخبره أنه لا يصل إلى أبيه سوء.
وفيها قال أهل الافك ما قالوا في شأن عائشة مما لا حاجة بنا إلى ذكره وهو معروف في كتب السير، وقد أنزل الله القرآن الحكيم ببراءتها وتشريفها. وقد وقع في الصحيح أن مراجعته وقعت في ذلك بين سعد بن عبادة وسعد بن معاذ وهو وهم ينبغي التنبيه عليه، لأن سعد بن معاذ مات بعد فتح بني قريظة بلا شك داخل السنة الرابعة وغزوة بني المصطلق في شعبان من السنة السادسة بعد عشرين شهرا من موت سعد، والملاحاة بين الرجلين كانت بعد غزوة بني المصطلق بأزيد من خمسين ليلة. والذي ذكر ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله وغيره أن المقاول لسعد بن عبادة إنما هو أسيد بن الحضير [3] والله أعلم.
ولما علم المسلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج جويرية، أعتقوا كل ما كان في أيديهم من بني المصطلق أصهار [4] رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأطلق بسببها مائة من أهل بيتها، ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى بني المصطلق بعد إسلامهم بعامين الوليد بن عقبة بن أبي معيط لقبض صدقاتهم، فخرجوا يتلقونه، فخافهم على نفسه ورجع، وأخبر أنهم هموا بقتله. فتشاور المسلمون في غدرهم ثم جاء وفدهم منكرين ما كان من رجوع الوليد قبل لقيهم، وأنهم إنما خرجوا تلقية
وكرامة وروده. فقبل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك منهم ونزل قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق 49: 6 الآية.
** عمرة الحديبية **
ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في السادسة وفي ذي القعدة منها معتمرا بعد بني المصطلق بشهرين، واستنفر الأعراب حوالي المدينة فأبطأ أكثرهم فخرج بمن معه من المهاجرين والأنصار، واتبعه من العرب فيما بين الثلاثمائة بعد الألف إلى الخمسمائة، وساق الهدي وأحرم من المدينة ليعلم الناس أنه لا يريد حربا. وبلغ ذلك قريشا فأجمعوا على صده عن البيت وقتاله دونها، وقدموا خالد بن الوليد في خيل إلى كراع الغميم، وورد خبرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان، فسلك على ثنية المرار حتى نزل الحديبية من أسفل مكة وجاء من ورائهم، فكر خالد في خيله إلى مكة.
فلما جاء صلى الله عليه وسلم إلى مكة بركت ناقته، فقال الناس خلأت، فقال: ما خلأت وما ذاك لها بخلق [1] ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: والذي نفسي بيده لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها. ثم نزل واشتكى الناس فقد الماء فأعطاهم سهما من كنانته غرزوه في بعض القلب [2] من الوادي، فجاش الماء حتى كفى جميع الجيش، يقال نزل به البراء بن عازب.
ثم جرت السفراء بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش، وبعث عثمان بن عفان بينهما رسولا، وشاع الخبر أن المشركين قتلوه، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين وجلس تحت شجرة فبايعوه على الموت وأن لا يفروا، وهي بيعة الرضوان، وضرب عليه السلام بيسراه على يمينه وقال هذه عن عثمان. ثم كان سهيل ابن عمرو آخر من جاء من قريش فقاضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن ينصرف عامه ذلك ويأتي من قابل معتمرا ويدخل مكة وأصحابه بلا سلاح حاشا السيوف في القرب، فيقيم بها ثلاثا ولا يزيد، وعلى أن يتصل الصلح عشرة أعوام يتداخل فيه الناس ويأمن بعضهم بعضا، وعلى أن من هاجر من الكفار إلى المسلمين من رجل أو امرأة أن يرد إلى قومه ومن ارتد من المسلمين إليهم لم يردوه.
فعظم ذلك على المسلمين حتى تكلم فيه بعضهم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم علم أن هذا الصلح سبب لأمن الناس وظهور الإسلام، وأن الله يجعل فيه فرجا للمسلمين وهو أعلم بما علمه ربه. وكتب الصحيفة علي، وكتب في صدرها هذا ما قاضي عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبي سهيل عن ذلك وقال لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا أن يمحوها، فأبى وتناول هو الصحيفة بيده ومحا ذلك وكتب محمد بن عبد الله. ولا يقع في ذهنك من أمر هذه الكتابة ريب فإنها قد ثبتت في الصحيح، وما يعترض في الوهم من أن كتابته قادحة في المعجزة فهو باطل، لأن هذه الكتابة إذا وقعت من غير معرفة بأوضاع الحروف ولا قوانين الخط وأشكالها بقيت الأمية على ما كانت عليه، وكانت هذه الكتابة الخاصة من إحدى المعجزات انتهى.
ثم أتى أبو جندل بن سهيل يرسف في قيوده وكان قد أسلم، فقال سهيل: هذا أول ما نقاضي عليه. فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبيه وعظيم ذلك على المسلمين، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أبا جندل أن الله سيجعل له فرجا، وبينما هم يكتبون الكتاب إذ جاءت سرية من جهة قريش قيل ما بين الثلاثين والأربعين يريدون الإيقاع بالمسلمين، فأخذتهم خيول المسلمين وجاءوا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقهم فإليهم ينسب العتقيون [1] .
ولما تم الصلح وكتابه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحروا ويحلقوا فتوقفوا، فغضب حتى شكى إلى زوجته أم سلمة فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرج وانحر واحلق فإنهم تابعوك [2] . فخرج ونحر وحلق رأسه حينئذ خراش بن أمية الخزاعي، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وما فتح من قبله فتح كان أعظم من هذا الفتح. قال الزهري: لما كان القتال حيث لا يلتقي الناس [3] . فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب أوزارها وأمن الناس بعضهم بعضا فالتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد بالإسلام أحدا يفعل شيئا إلا دخل عليه [4] ، فلقد دخل في ذينك السنتين في الإسلام مثلما قبل ذلك أو أكثر.
ولما رجع صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لحقه أبو بصير [1] عتبة بن أسيد بن جارية [2] هاربا وكان قد أسلم وحبسه قومه بمكة وهو ثقفي من حلفاء بني زهرة، فبعث إليه الأزهر بن عبد عوف عم عبد الرحمن بن عوف والأخنس بن شريق سيد بني زهرة رجلا من بني عامر بن لؤي مع مولى لهم، فأسلمه النبي صلى الله عليه وسلم فاحتملاه. فلما نزلوا بذي الحليفة أخذ أبو بصير السيف من أحد الرجلين، ثم ضرب به العامري فقتله وفر الآخر، وأتى أبو بصير إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله قد وفت ذمتك وأطلقني الله فقال عليه السلام: ويلمه [3] مسعر حرب لو كان له رجال. ففطن أبو بصير من لحن هذا القول أنه سيرده، وخرج إلى سيف البحر على طريق قريش إلى الشام، وانضاف إليه جمهور من يفر عن قريش ممن أراد الإسلام فآذوا قريشا وقطعوا على رفاقهم وسابلتهم، فكتبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يضمهم بالمدينة.
ثم هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وجاء فيها أخواها عمارة والوليد، فمنع الله من رد النساء وفسخ ذلك الشرط المكتتب، ثم نسخت براءة ذلك كله وحرم الله حينئذ على المسلمين إمساك الكوافر في عصمتهم فانفسخ نكاحهن.
** إرسال الرسل الى الملوك **
ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بين الحديبية ووفاته رجالا من أصحابه إلى ملوك العرب والعجم دعاة إلى الله عز وجل، فبعث سليط بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود أخا بني عامر بن لؤي إلى هوذة [4] بن علي صاحب اليمامة، وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر ابن ساوى أخي بني عبد القيس صاحب البحرين، وعمرو بن العاص إلى جيفر بن جلندي [5] بن عامر بن جلندي صاحب عمان، وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الاسكندرية فأدى إليه كتاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم وأهدى المقوقس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع جوار منهن مارية أم إبراهيم ابنه.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر وهو هرقل ملك الروم، فوصل إلى بصرى وبعثه صاحب بصرى إلى هرقل، وكان يرى في ملاحمهم أن ملك الختان قد ظهر، فقرأ الكتاب وإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم [1] الروم السلام على من اتبع الهدى. أما بعد أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين. وفي رواية «إثم الأكارين عليك تعيا بجمله» . فطلب من في مملكته من قوم النبي صلى الله عليه وسلم فأحضروا له من غزة، وكان فيهم أبو سفيان فسأله كما وقع في الصحيح، فأجابه وسلم [2] أحواله وتفرس صحة أمره، وعرض على الروم أتباعه فأبوا ونفروا فلاطفهم بالقول وأقصر. ويروى عن ابن إسحاق أنه عرض عليهم الجزية، فأبوا فعرض عليهم أن يصالحوا بأرض سورية. قالوا وهي أرض فلسطين والأردن ودمشق وحمص وما دون الدرب وما كان وراء الدرب فهو الشام فأبوا.
قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب الأسدي أخا بني أسد بن خزيمة إلى الحرث بن شمر الغساني صاحب دمشق، وكتب معه:
«السلام على من اتبع الهدى وآمن به أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقى لك ملكك» . فلما قرأ الكتاب قال: من ينزع ملكي أنا سائر إليه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: باد ملكه. قال: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه، وكتب معه كتابا: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم عظيم الحبشة، سلام عليك فاني أحمد إليك الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم الطيبة البتول الحصينة فحملت بعيسى فخلقه من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته تتبعني وتؤمن بالذي جاءني فاني رسول الله وقد بعثت إليك ابن عمي جعفرا ومعه نفر
من المسلمين فإذا جاءوك قاقرهم ودع التجري وإني أدعوك وجنودك إلى الله فلقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصحي والسلام على من اتبع الهدي» . فكتب إليه النجاشي «إلى محمد رسول الله من النجاشي الأصحم ابن الحر [1] سلام عليك يا رسول الله من الله ورحمة الله وبركاته أحمد الله الذي لا إله إلا هو الذي هدانا للإسلام أما بعد فقد بلغني كتابك يا رسول الله فما ذكرت من أمر عيسى فو رب السماء والأرض ما نزيد بالرأي على ما ذكرت أنه كما قلت وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقد قربنا ابن عمك وأصحابه فأشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا فقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت لله رب العالمين وقد بعثت إليك بابني أرخا [2] الأصحم فإني لا أملك إلا نفسي إن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله، فإني أشهد أن الذي تقول حق والسلام عليك يا رسول الله» . فذكر أنه بعث ابنه في ستين من الحبشة في سفينة فغرقت بهم.
(وقد جاء) أنه أرسل إلى النجاشي [3] ليزوجه أم حبيبة، وبعث إليها بالخطبة جاريته فأعطتها أوضاحا وفتخا ووكلت خالد بن سعيد بن العاص فزوجها، ودفع النجاشي إلى خالد بن سعيد أربعمائة دينار لصداقها، وجاءت إليها بها الجارية فأعطتها منها خمسين مثقالا، فردت الجارية ذلك بأمر النجاشي. وكانت الجارية صاحبة دهنه وثيابه وبعث إليها نساء النجاشي بما عندهن من عود وعنبر وأركبها في سفينتين مع بقية المهاجرين، فلقوا النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر، وبلغ أبا سفيان تزويج أم حبيبة منه فقال: ذلك الفحل الذي لا يقدع أنفه.
وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه السنة إلى كسرى، وبعث بالكتاب عبد الله بن حذافة السهمي وفيه: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسله أما بعد فإني رسول الله إلى الناس كافة لينذر من كان حيا أسلم تسلم فإن أبيت فعليك إثم المجوس.» فمزق كسرى كتاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مزق الله ملكه. وفي رواية ابن إسحاق بعد قوله «وآمن بالله ورسله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأدعوك بدعاية الله فإني أنا رسول الله إلى
الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين فإن أبيت فإثم الأريسيين عليك:» قال فلما قرأه مزقه، وقال يكتب إلي هذا وهو عبدي! قال: ثم كتب كسرى إلى باذان وهو عامله على اليمن أن ابعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين من عندك جلدين فليأتياني، به فبعث باذان قهرمانه بانويه وكان حاسبا كاتبا بكتاب فارس ومعه خرخسرة من الفرس، وكتب إليه معهما أن ينصرف إلى كسرى، وقال لقهرمانه: اختبر الرجل وعرفني بأمره. وأول ما قدما الطائف سألا عنه فقيل هو بالمدينة. وفرح من سمع بذلك من قريش وكانوا بالطائف، وقالوا قطب له كسرى وقد كفيتموه. وقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فكلمه بانويه [1] وقال: إن شاهنشاه قد كتب إلى الملك باذان أن يبعث إليك من يأتيه بك وبعثني لتنطلق معي ويكتب معه فينفعك وإن أبيت فهو من علمت ويهلك قومك ويخرب بلادك. وكانا قد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما فنهاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقالا: أمرنا به ربنا يعنون به كسرى. فقال لهما: لكن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي لم أؤخرهما إلى غد. وجاءه الوحي بأن الله سلط على كسرى ابنه شيرويه فقتله [2] ليلة كذا من شهر كذا لعشر مضين من جمادى الأولى سنة سبع، فدعاهما وأخبرهما فقالا: هل تدري ما تقول؟ يحزنانه عاقبة هذا القول، فقال اذهبا وأخبراه بذلك عني وقولا له إن ديني وسلطاني يبلغ ما بلغ ملك كسرى وإن أسلمت أعطيتك ما تحت يدك وملكتك على قومك من الأنباء، وأعطى خرخسرة منطقة فيها ذهب وفضة كان بعض الملوك أهداها له. فقدما على باذان وأخبراه فقال ما هذا كلام ملك ما أرى الرجل إلا نبيا كما يقول ونحن ننتظر مقالته. فلم ينشب [3] بأذان أن قدم عليه كتاب شيرويه: «أما بعد فإني قد قتلت كسرى ولم أقتله إلا غضبا لفارس لما كان استحل من قتل أشرافهم وتسخيرهم في ثغورهم فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممن قبلك وانظر الرجل الذي كان كسرى كتب فيه إليك فلا تهجه حتى يأتيك أمري فيه» . فلما بلغ باذان الكتاب وأسلمت الأبناء معه من فارس ممن كان منهم باليمن، وكانت حمير تسمي خرخسرة ذا المفخرة للمنطقة التي
أعطاه إياها النبي صلى الله عليه وسلم والمنطقة بلسانهم المفخرة، وقد كان بانويه قال لباذان ما كلمت رجلا قط أهيب عندي منه، فقال: هل معه شرط؟ قال: لا (قال الواقدي) وكتب إلى المقوقس عظيم القبط يدعوه إلى الإسلام فلم يسلم.
** غزوة خيبر **
ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم غازيا إلى خيبر في بقية المحرم آخر السنة السادسة [1] وهو في ألف وأربعمائة راجل ومائتي فارس، واستخلف نميلة بن عبد الله الليثي، وأعطى راية لعلي بن أبي طالب، وسلك على الصهباء حتى نزل بواديها إلى الرجيع، فحيل بينهم وبين غطفان وقد كانوا أرادوا إمداد يهود خيبر، فلما خرجوا ذلك قذف الله في قلوبهم الرعب لحس سمعوه من ورائهم فانصرفوا وأقاموا في أماكنهم. وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتح حصون خيبر حصنا حصنا فافتتح أولا منها حصن ناعم، وألقيت على محمود بن سلمة من أعلاه رحى فقتلته. ثم افتتح القموص حصن ابن أبي الحقيق، وأصيبت منهم سبايا كانت منهن صفية بنت حيي ابن أخطب، وكانت عروسا عند كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق فوهبها عليه السلام لدحية، ثم ابتاعها منه بسبعة أرؤس ووضعها عند أم سلمة حتى اعتدت وأسلمت ثم أعتقها وتزوجها. ثم فتح حصن الصعب بن معاذ، ولم يكن بخيبر أكثر طعاما وودكا منه. وآخر ما افتتح من حصونهم الوطيح والسلالم حصرهما بضع عشرة ليلة. ودفع إلى علي الراية في حصار بعض حصونهم ففتحه، وكان أرمد فتفل في عينه صلى الله عليه وسلم فبرأ.
وكان فتح بعض خيبر عنوة وبعضها وهو الأكثر صلحا على الجلاء، فقسمها صلى الله عليه وسلم وأقر اليهود على أن يعملوها بأموالهم وأنفسهم ولهم النصف من كل ما تخرج من زرع أو تمر يقرهم على ذلك ما بدا له، فبقوا على ذلك الى آخر خلافة عمر فبلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي مات فيه: «لا يبقى دينان بأرض العرب، فأمر باجلائهم عن خيبر وغيرها من بلاد العرب» . وأخذ المسلمون ضياعهم من مغانم خيبر فتصرفوا فيها، وكان متولي قسمتها بين أصحابها جابر بن صخر من بني
سلمة، وزيد بن ثابت [1] من بني النجار، واستشهد من المسلمين جماعة تنيف على العشرين من المهاجرين والأنصار منهم عامر بن الأكوع وغيره.
وفي هذه الغزاة حرمت لحوم الحمر الأهلية فاكفئت القدور وهي تفور بلحمها. وفيها أهدت اليهودية زينب بنت الحرث امرأة سلام بن مشكم [2] إلى النبي صلى الله عليه وسلم شاة مصلية، وجعلت السم في الذراع منها وكان أحب اللحم إليه، فتناوله ولاك منه مضغة ثم لفظها، وقال: إن هذا العظم يخبرني أنه مسموم، وأكل معه بشر بن البراء بن معرور وازدرد لقمته فمات منها. ثم دعا باليهودية فاعترفت ولم يقتلها لإسلامها حينئذ على ما قيل، ويقال إنه دفعها إلى أولياء بشر فقتلوها.
قدوم مهاجرة الحبشة: وكان مهاجرة الحبشة قد جاء جماعة منهم [3] إلى مكة قبل الهجرة حين سمعوا بإسلام قريش ثم هاجروا إلى المدينة، وجاء آخرون منهم قبل خيبر بسنتين، ثم جاء بقيتهم إثر فتح خيبر. بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي في شأنهم ليقدمهم عليه، فقدم جعفر بن أبي طالب وامرأته أسماء بنت عميس وبنوهما عبد الله ومحمد وعون، وخالد بن سعيد بن العاص بن أمية وامرأته أمينة بنت خلف وابناهما سعيد، وأم خالد وعمرو بن سعيد بن العاص، ومعيف [4] بن أبي فاطمة حليف أبي سعيد بن العاص ولي بيت المال لعمر، وأبو موسى الأشعري حليف آل عتبة بن ربيعة والأسود بن نوفل بن خويلد ابن أخى خديجة-، وجهم بن قيس بن شرحبيل بن عبد الدار وابناه عمر وخزيمة، والحرث بن خالد بن صخر بن تميم، وعثمان بن ربيعة بن أهبان من بني جمح، ومحنية بن حذاء [5] الزبيدي حليف بني سهم ولي لرسول الله صلى الله عليه وسلم الأخماس، ومعمر بن عبد الله بن نضلة من بني عدي، وأبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عامر بن لؤي، وأبي عمرو مالك بن ربيعة بن قيس بن عبد شمس، فكان هؤلاء آخر من بقي بأرض الحبشة. ولما قدم جعفر على النبي صلى الله عليه وسلم
يوم فتح خيبر قبل ما بين عينيه والتزمه، وقال: ما أدري بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟!
** فتح فدك ووادي القرى **
ولما اتصل بأهل فدك شأن أهل خيبر بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه الأمان على أن يتركوا الأموال، فأجابهم إلى ذلك فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فلم يقسمها ووضعها حيث أمره الله. ثم انصرف عن خيبر إلى وادي القرى فافتتحها عنوة وقسمها، وقتل بها غلامه مدغما، قال فيه لما شهد له الناس بالجنة: كلا إن [1] الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم قبل القسم لتشتعل عليه نارا ثم رحل إلى المدينة في شهر صفر.
** عمرة القضاء **
وأقام صلى الله عليه وسلم بعد خيبر إلى انقضاء شوال من السنة السابعة ثم خرج في ذي القعدة لقضاء العمرة التي عاهده عليها قريش يوم الحديبية وعقد لها الصلح، وخرج ملأ من قريش عن مكة عداوة لله ولرسوله وكرها في لقائه، فقضى عمرته وتزوج بعد إحلاله بميمونة بنت الحرث من بني هلال بن عامر [2] خالة ابن عباس وخالد بن الوليد، وأراد أن يبني بها، وقد تمت الثلاث التي عاهده قريش على المقام بها وأوصوا إليه بالخروج وأعجلوه عن ذلك، فبنى بها بسرف.
** غزوة جيش الأمراء **
وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد منصرفه من عمرة القضاء إلى جمادى الأولى من السنة الثامنة ثم بعث الأمراء إلى الشام، وقد كان أسلم قبل ذلك عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة بن أبي طلحة وهم من كبراء قريش. وقد كان عمرو بن العاص مضى عن قريش إلى النجاشي يطلبه في المهاجرين الذين عنده، ولقي هنالك عمرو بن أمية الضمري وافد النبي صلى الله عليه وسلم، فغضب
النجاشي لما كلمه في ذلك، فوفقه الله ورئي [1] الحق فأسلم وكتم إسلامه، ورجع إلى قريش ولقي خالد بن الوليد فأخبره فتفاوضا، ثم هاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلما.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالدا مع بعث الشام وأمر على الجيش مولاه زيد بن حارثة وكانوا نحوا من ثلاثة آلاف، وقال إن أصابه قدر فالأمير جعفر بن أبي طالب، فإن أصابه قدر فالأمير عبد الله بن رواحة، فإن أصيب فليرتض المسلمون برجل من بينهم يجعلونه أميرا عليهم. وشيعهم صلى الله عليه وسلم وودعهم، ونهضوا حتى انتهوا إلى معان من أرض الشام، فأتاهم الخبر بأن هرقل ملك الروم قد نزل مؤاب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم ومائة ألف من نصارى العرب البادين هنالك من لخم وجذام وقبائل قضاعة من بهرا وبلي والقيس وعليهم مالك بن زاحلة من بني أراشة. فأقام المسلمون في معان ليلتين يتشاورون في الكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتظار أمره ومدده، ثم قال لهم عبد الله بن رواحة أنتم إنما خرجتم تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا إلى [2] جموع هرقل عند قرية مؤتة ورتبوا الميمنة والميسرة، واقتتلوا فقتل زيد بن حارثة ملاقيا بصدره الرماح والراية في يده، فأخذها جعفر بن أبي طالب وعقر فرسه ثم قاتل حتى قطعت يمينه فأخذها بيساره فقطعت فقتل كذلك وكان ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأخذها عبد الله بن رواحة وتردد عن النزول بعض الشيء ثم صمم إلى العدو فقاتل حتى قتل.
فأخذ الراية ثابت بن أفرم [3] من بني العجلان وناولها لخالد بن الوليد فانحاز بالمسلمين، وأنذر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل هؤلاء الأمراء قبل ورود الخبر وفي يوم قتلهم، واستشهد مع الأمراء جماعة من المسلمين يزيدون على الشعرة أكرمهم الله بالشهادة، ورجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأحزنه موت جعفر ولقيهم خارج المدينة وحمل عبد الله بن جعفر بين يديه على دابته وهو صبي وبكى عليه واستغفر له وقال: أبدله الله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة، فسمي ذا الجناحين.
** فتح مكة **
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عقد الصلح بينه وبين قريش في الحديبية أدخل خزاعة في عقده المؤمن منهم والكافر، وأدخلت قريش بني بكر بن عبد مناة ابن كنانة في عقدها وكانت بينهم تراث في الجاهلية ودخول كان فيها الأول للأسود بن رزن [1] من بني الدئل بن بكر بن عبد مناة وثارهم [2] عند خزاعة لما قتلت حليفهم مالك بن عباد الحضرمي، وكانوا قد عدوا [3] على رجل من خزاعة فقتلوه في مالك بن عباد حليفهم، وعدت خزاعة على سلمى وكلثوم وذؤيب بني الأسود بن رزن فقتلوهم وهم أشراف بني كنانة، وجاء الإسلام فاشتغل الناس به ونسوا أمر هذه الدماء، فلما انعقد هذا الصلح من الحديبية وأمن الناس بعضهم بعضا، فاغتنم بنو الدئل هذه الفرصة في إدراك الثأر من خزاعة بقتلهم بني الأسود بن رزن، وخرج نوفل بن معاوية الدؤلي فيمن أطاعه من بني بكر بن عبد مناة وليس كلهم تابعه، وخرج معه بعضهم وخرجوا منهم وانحجزوا في دور مكة ودخلوا دار بديل بن ورقاء الخزاعي، ورجع بنو بكر وقد انتقض العهد فركب بديل بن ورقاء وعمرو بن سالم في وفد من قومهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستغيثين مما أصابهم به بنو الدئل بن عبد مناة وقريش، فأجاب صلى الله عليه وسلم صريخهم وأخبرهم: بأن أبا سفيان يأتي يشد العقد ويزيد في المدة وأنه يرجع بغير حاجة وكان ذلك سببا للفتح وندم قريش على ما فعلوا، فخرج أبو سفيان إلى المدينة ليؤكد العقد ويزيد في المدة، ولقي بديل بن ورقاء بعسفان فكتمه الخبر وورى له عن وجهه، وأتى أبو سفيان المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة فطوت دونه فراش النبي صلى الله عليه وسلم وقالت لا يجلس عليه مشرك، فقال لها قد أصابك بعدي شريا بنية. ثم أتى المسجد وكلمن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه، فذهب إلى أبي بكر وكلمه أن يتكلم في ذلك فأبى، فلقي عمر فقال: والله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به، فدخل على علي بن أبي طالب وعنده فاطمة وابنه الحسن صبيا
فكلمه فيما أتى له فقال علي: ما نستطيع أن نكلمه في أمر عزم عليه، فقال لفاطمة يا بنت محمد أما تأمري [1] ابنك هذا ليجير بين الناس فقالت لا يجير أحد على رسول الله، فقال له علي يا أبا سفيان أنت سيد بني كنانة فقم وأجر وارجع إلى أرضك، فقال ترى ذلك مغنيا عني شيئا؟ قال: ما أظنه ولكن لا أجد لك سواه. فقام أبو سفيان في المسجد فنادى: ألا إني قد أجرت بين الناس ثم ذهب إلى مكة وأخبر قريشا، فقالوا ما جئت بشيء وما زاد ابن أبي طالب على أن لعب بك.
ثم أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سائر إلى مكة، وأمر الناس بأن يتجهزوا، ودعا الله أن يطمس الأخبار عن قريش، وكتب إليهم حاطب بن أبي بلتعة بالخبر مع ظعينة قاصدة إلى مكة، فأوحى الله، إليه بذلك فبعث عليا والزبير والمقداد إلى.