John Shaqi

Islam · Chronicles · Kitab al-'Ibar

الكتاب الثاني ويشتمل: أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدإ الخليقة الى هذا العهد — تتمة ٩

Kitab al-'Ibar · Ibn Khaldun (d. 1406) · chapter 21 of 67

ثم جاءوه من الغد وجاء حكيم بن جبلة [3] في البصريين، فأحضر الزبير كرها، وجاء الأشتر في الكوفيين فأحضر طلحة كذلك وبايعوا لعلي، وخرج إلى المسجد وقال: هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أردتم وقد افترقنا أمس وأنا كاره فأبيتم إلا أن أكون عليكم، فقالوا: نحن على ما افترقنا عليه بالأمس، فقال لهم: اللهم اشهد! ثم جاءوا بقوم ممن تخلف قالوا نبايع على إقامة كتاب الله. ثم بايع العامة، وخطب علي وذكر الناس وذلك يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة ورجع إلى بيته، فجاءه طلحة والزبير وقالا: قد اشترطنا إقامة الحدود فأقمها على قتلة هذا الرجل، فقال: لا قدرة لي على شيء مما تريدون حتى يهدأ الناس وننظر الأمور فتؤخذ الحقوق، فافترقوا عنه. وأكثر بعضهم المقالة في قتلة عثمان وباستناده إلى أربعة في رأيه، وبلغه ذلك فخطبهم وذكر فضلهم وحاجته إليهم ونظره لهم، ثم هرب مروان وبنو أمية ولحقوا بالشام، فاشتد على علي منع قريش من الخروج، ثم نادى في اليوم الثالث برجوع

الأعراب إلى بردهم، فأبوا وتدامرت معهم السبئية، وجاءه طلحة والزبير فقالا:

دعنا نأتي البصرة والكوفة فنستنفر الناس فأمهلهما. وجاء المغيرة فأشار عليه باستبقاء العمال حتى يستقر الأمر ويستبدلوا بمن شاء فأمهله، ورجع من الغد فأشار بمعاجلة الاستبدال، وجاءه ابن عباس فأخبره بخبر المغيرة، فقال: نصحك أمس وغشك اليوم.

قال: فما الرأي؟ قال: كان الرأي أن تخرج عند قتل الرجل إلى مكة وأما اليوم فإن بني أمية يشبهون على الناس بأن يلجموك طرفا من هذا الأمر ويطلبون ما طلب أهل المدينة في قتلة عثمان فلا يقدرون عليهم والأمر أن تقر معاوية. فقال علي رضي الله عنه: والله لا أعطيه إلا السيف. فقال له ابن عباس: أنت رجل شجاع لست صاحب رأيي في الحرب أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الحرب خدعة. قال: بلى! فقال ابن عباس: أما والله إن أطعتني لأتركنهم ينظرون في دبر الأمور ولا يعرفون ما كان وجهها من غير نقصان عليك ولا إثم لك. فقال: يا ابن عباس لست من هنياتك ولا هنيات معاوية في شيء [1] . فقال ابن عباس: أطعني والحق بمالك بينبع وأغلق بابك عليك فإن العرب تجول جولة وتضطرب ولا تجد غيرك، وإن نهضت مع هؤلاء القوم يحملك الناس دم عثمان غدا. فأبى علي وقال: أشر علي وإذا خالفتك أطعني. قال: أيسر مالك عندي الطاعة. قال:

فسر إلى الشام فقد وليكتها. قال: إذا يقتلني معاوية بعثمان أو يحبسني فيتحكم علي لقرابتي منك ولكن أكتب إليه وعده فأبى. وكان المغيرة يقول نصحته فلم يقبل.

فغضب ولحق بمكة.

ثم فرق على العمال على الأمصار فبعث على البصرة عثمان بن حنيف، وعلى الكوفة عمارة بن شهاب بن المهاجرين، وعلى اليمن عبيد الله بن عباس، وعلى مصر قيس بن سعد، وعلى الشام سهل بن حنيف. فمضى عثمان إلى البصرة واختلفوا عليه فأطاعته فرقة وقال آخرون: ما يصنع أهل المدينة فنقتدي بهم، ومضى عمارة إلى الكوفة فلما بلغ زبالة لقي طليحة بن خويلد فقال له: ارجع فإن اليوم لا يستبدلون بأبي موسى وإلا ضربت عنقك، ومضى ابن عباس إلى اليمن فجمع يعلى بن منية [2] مال الجباية

وخرج به إلى مكة ودخل عبيد الله إلى اليمن، ومضى قيس بن سعد إلى مصر ولقيه بأيلة خيالة من أهل مصر فقالوا: من أنت؟ قال: قيس بن سعد من فل عثمان أطلب من آوي إليه وأنتصر به. ومضى حتى دخل مصر وأظهر أمره فافترقوا عليه فرقة كانت معه وأخرى تربصوا حتى يروا فعله في قتلة عثمان. ومضى سهل بن حنيف إلى الشام حتى إذا كان بتبوك لقيته خيل فقال لهم: أنا أمير على الشام، قالوا إن كان بعثك غير عثمان فارجع فرجع.

فلما رجع وجاءت أخبار الآخرين دعا علي طلحة والزبير وقال قد وقع ما كنت أحذركم. فسألوه الإذن في الخروج من المدينة وكتب علي إلى أبي موسى مع معبد [1] الأسلمي فكتب إليه بطاعة أهل الكوفة وببيعتهم ومن الكاره منهم والراضي حتى كأنه يشاهد. وكتب إلى معاوية مع سبرة الجهني فلم يجبه إلى ثلاثة أشهر من مقتل عثمان، ثم دعا قبيصة من عبس وأعطاه كتابا مختوما عنوانه من معاوية إلى علي وأوصاه بما يقول وأعاده مع رسول علي، فقدما في ربيع الأول ودخل العبسي وقد رفع الطومار كما أمره حتى دفعه إلى علي، ففضه فلم يجد فيه كتابا فقال للرسول: ما وراءك؟ قال: آمن أنا؟ قال نعم قال تركت قوما لا يرضون إلا بالقود قال: وممن؟

قال منك وتكرت ستين ألف شيخ يبكون تحت قميص عثمان منصوبا على منبر دمشق.

فقال: اللهم اني أبرأ إليك من دم عثمان! قد نجا والله قتلة عثمان إلا أن يشاء الله. ثم رده إلى صاحبه وصاحت السبئية اقتلوا هذا الكلب وافد الكلاب، فنادى يا آل مضريا لقيس أحلف بالله ليردنها عليكم أربعة آلاف خصي فانظروا كم الفحول والركاب وتقاووا عليه، فمنعته مضر ودس أهل المدينة على علي من يأتيهم برأيه في القتال وهو زياد بن حنظلة التميمي وكان منقطعا إليه فجالسه ساعة فقال له علي: سيروا لغو الشام. فقال لعلي: الأناة والرفق أمثل فتمثل يقول:

متى تجمع القلب الذكي وصارما ... وأنفا حميا تجتنبك المظالم

فعلم أن رأيه القتال [2] ثم جاء إلى القوم الذين دسوه فأخبرهم ثم استأذنه طلحة والزبير في العمرة ولحقا بمكة. ثم اعتزم على الخروج إلى الشام ودعا أهل المدينة إلى قتالهم.

وقال: انطلقوا إلى هؤلاء القوم الذين يريدون تفريق جماعتكم لعل الله يصلح بكم ما أفسد أهل الآفاق وتقضون الذي عليكم. وأمر الناس بالتجهز إلى الشام ودفع اللواء لمحمد بن الحنفية، وولى عبد الله بن عباس ميمنته، وعمرو بن سلمة ميسرته، ويقال بل عمرو بن سفيان بن عبد الأسد، وولى أبا ليلى بن عمرو بن الجراح ابن أخي عبيدة مقدمته، ولم يول أحدا ممن خرج على عثمان. واستخلف على المدينة تمام بن العباس، وعلى مكة قثم بن العباس.

وكتب الى قيس بن سعد بمصر وعثمان بن حنيف بالبصرة وأبي موسى بالكوفة أن يندبوا الناس إلى الشام، وبينما هو على التجهز للشام إذا أتاه الخبر عن أهل مكة بنحو آخر وأنهم على الخلاف فانتقض عن الشام.

** أمر الجمل **

ولما جاء خبر مكة إلى علي قام في الناس وقال: ألا إن طلحة والزبير وعائشة قد تمالئوا على نقض إمارتي ودعوا الناس إلى الإصلاح وسأصبر ما لم أخف على جماعتكم وأكف إن كفوا وأقتصد نحوه، وندب أهل المدينة فتثاقلوا، وبعث كميلا النخعي فجاءه بعبد الله بن عمر فقال: انهض معي، فقال: أنا من أهل المدينة افعل ما يفعلون، قال: فأعطني كفيلا بأنك لا تخرج [1] ، قال: ولا هذه، فتركه ورجع الى المدينة، وخرج إلى مكة وقد أخبر ابنة علي أم كلثوم [2] بأنه سمع من أهل المدينة تثاقلهم وأنه على طاعة علي ويخرج معتمرا. وجاء الخبر من الغداة إلى علي بأنه خرج إلى الشام فبعث في أثره عل كل طريق، وماج أهل المدينة، وركبت أم كلثوم إلى أبيها وهو في السوق يبعث الرجال ويظاهر في طلبه فحدثته فانصرف عن ذلك ووثق به فيما قاله، ورجع إلى أهل المدينة فخاطبهم [3] وحرضهم فرجعوا الى اجابته، وأول من أجابه أبو الهيثم بن التيهان البدري وخزيمة بن ثابت وليس بذي الشهادتين. ولما رأى زياد بن حنظلة تثاقل الناس عن علي انتدب إليه وقال: من تثاقل عنك فإنا نخفي معك ونقاتل دونك.

وكان سبب اجتماعهم بمكة أن عائشة كانت خرجت إلى مكة وعثمان محصور كما قدمناه، فقضت نسكها وانقلبت تريد المدينة فلقيت في طريقها رجلا من بني ليث اخوالها فأخبرها بقتل عثمان وبيعة علي، فقالت: قتل عثمان والله ظلما ولأطلبن بدمه فقال لها الرجل: ولم أنت كنت تقولين ما قلت؟ فقالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه، وانصرفت الى مكة. وجاءها الناس فقالت: «إن الغوغاء من أهل الأمصار وأهل المياه وعبيد أهل المدينة اجتمعوا على هذا الرجل المقتول ظلما ونقموا عليه استعمال من حدثت سنه وقد استعمل أمثالهم من كان قبله ومواضع من الحمى حماها لهم فتابعهم ونزع لهم عنها فلما لم يجدوا حجة ولا عذرا بادروا بالعدوان فسفكوا الدم الحرام واستحلوا البلد الحرام والشهر الحرام وأخذوا المال الحرام. والله لاصبع من عثمان خير من طباق الأرض أمثالهم ولو أن الذي اعتدوا به عليه كان ذنبا لخلص منه كما يخلص الذهب من خبثه أو الثوب من درنه» . فقال عبد الله بن عامر الحضرمي وكان عامل مكة لعثمان: أنا أول طالب، فكانت أول مجيب وتبعه بنو أمية وكانوا هربوا إلى مكة بعد قتل عثمان، منهم: سعيد بن العاص والوليد بن عقبة. وقدم عبد الله بن عامر من البصرة بمال كثير ويعلى بن منية [1] من اليمن بستمائة بعير وستمائة ألف فأناخ بالأبطح، ثم قدم طلحة والزبير من المدينة فقالت لهما عائشة: ما وراءكما؟ قالا:

تحملنا هرابا من المدينة من غوغاء وأعراب غلبوا على خيارهم فلم يمنعوا أنفسهم ولا يعرفون حقا ولا ينكرون باطلا، فقالت: انهضوا بنا إليهم، وقال آخرون: نأتي الشام، فقال ابن عامر: إن معاوية كفا كم الشام فأتوا البصرة فلي بها صنائع ولهم في طلحة هوي. فنكروا عليه مجيئه من البصرة واستقام رأيهم على رأيه وقالوا: إن الذين معنا لا يطيقون من بالمدينة ويحتجون ببيعة علي وإذا أتينا البصرة أنهضناهم كما أنهضنا أهل مكة وجاهدنا، فاتفقوا ودعوا عبد الله [2] بن عمر الى النهوض فأبى وقال: أنا من أهل المدينة أفعل ما يفعلون. وكانت أمهات المؤمنين معها على قصد المدينة، فلما نهضت إلى البصرة قعدوا عنها وأجابتها حفصة فمنعها أخوها عبد الله. وجهزهم ابن عامر بما معه من المال ويعلى بن منية بما معه من المال والظهر، ونادوا في الناس

بالحملان فحملوا على ستمائة بعير وساروا في ألف من أهل مكة ومن أهل المدينة وتلاحق بهم الناس فكانوا ثلاثة آلاف، وبعثت أم الفضل وأم عبد الله بن عباس بالخبر استأجرت على كتابها من أبلغه عليا، ونهضت عائشة ومن معها، وجاء مروان بن الحكم إلى طلحة والزبير فقال: على أيكما أسلم بالإمرة وأؤذن بالصلاة، فقال ابن الزبير على أبي، وقال ابن طلحة على أبي، فأرسلت عائشة إلى مروان تقول له أتريد أن تفرق أمرنا ليصل بالناس ابن أختي [1] تعني عبد الله بن الزبير.

وودع أمهات المؤمنين عائشة من ذات عرق باكيات، وأشار سعيد بن العاص على مروان بن الحكم وأصحابه بإدراك ثأرهم من عائشة وطلحة والزبير. فقالوا نسير لعلنا نقتل قتلة عثمان جميعا. ثم جاء إلى طلحة والزبير فقال: لمن تجعلان الأمر إن ظفرتما؟ قالا: لأحدنا الذي تختاره الناس، فقال: بل اجعلوه لولد عثمان لأنكم خرجتم تطلبون بدمه فقالا: وكيف ندع شيوخ المهاجرين ونجعلها لأبنائهم؟ قال:

فلا أراني أسعى إلا لإخراجها من بني عبد مناف فرجع، ورجع عبد الله بن خالد بن أسيد ووافقه المغيرة بن شعبة ومن معه من ثقيف فرجعها، ومضى القوم ومعهم أبان والوليد ابنا عثمان. وأركب يعلى بن منية عائشة جملا اسمه عسكر اشتراه بمائة دينار وقيل بثمانين، وقيل بل كان لرجل من عرينة عرض لهم بالطريق على جمل فاستبدلوا به جمل عائشة على ان حمله بألف فزادوه أربعمائة درهم، وسألوه عن دلالة الطريق فدلهم ومر بهم على الماء الحوأب فنبحتهم كلابه. وسألوه عن الماء فعرفهم باسمه.

فقالت عائشة: ردوني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وعنده نساؤه: ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب، ثم ضربت عضد بعيرها [2] فأناخته وأقامت بهم يوما وليلة إلى أن قيل النجاء النجاء قد أدرككم علي، فارتحلوا نحو البصرة فلما كانوا بفنائها لقيهم عمير بن عبد الله التميمي، وأشار بأن يتقدم عبد الله بن عامر إليهم فأرسلته عائشة وكتبت معه إلى رجال من البصرة، إلى الأحنف بن قيس وسمرة وأمثالهم، وأقامت بالحفين [3] تنتظر الجواب، ولما بلغ ذلك أهل البصرة دعا عثمان بن حنيف عمران بن حصين وكان رجلا عامة، وأبا الأسود الدؤلي وكان

رجلا خاصة، وقال: انطلقا إلى هذه المرأة فاعلما علمها وعلم من معها. فجاءاها بالحفين وقالا: إن أميرنا بعثنا نسألك عن مسيرك؟ فقالت: إن الغوغاء ونزاع القبائل فعلوا ما فعلوا فخرجت في المسلمين أعلمهم بذلك وبالذي فيه الناس ورائنا وما ينبغي من إصلاح هذا الأمر. ثم قرأت لا خير في كثير من نجواهم 4: 114 الآية. ثم عدلا عنها إلى طلحة فقالا: ما أقدمك؟ قال: الطلب بدم عثمان. فقالا: ألم تبايع عليا؟ قال: بلى والسيف على رأسي وما أستقبل على البيعة إن هو لم يخل بيننا وبين قتلة عثمان. وقال لهما الزبير مثل ذلك، ورجعا إلى عثمان بن حنيف فاسترجع وقال:

دارت رحى الإسلام ورب الكعبة، ثم قال أشيروا علي، فقال عمران: اعتزل.

قال بل أمنعهم حتى يأتي أمير المؤمنين. فجاءه هشام بن عامر فأشار عليه بالمسالمة والمسامحة حتى يأتي أمر علي، فأبى ونادى في الناس فلبس السلاح ثم دس من يتكلم في الجمع ليرى ما عندهم، فقال رجل: إن هؤلاء القوم إن كانوا جاءوا خائفين فبلدهم يأمن فيه الطير وان جاءوا لدم عثمان فما نحن بقتلته فأطيعوني وردوهم من حيث جاءوا. فقال الأسود بن سريع السعدي: إنما جاءوا يستعينون بنا على قتلته منا ومن غيرنا. فحصبه الناس فعرف عثمان أن لهم بالبصرة ناصرا وكسره ذلك كله.

وانتهت عائشة ومن معها إلى المربد، وخرج إليها عثمان فيمن معه وحضر أهل البصرة، فتكلم طلحة من الميمنة: فحمد الله وذكر عثمان وفضله ودعا إلى الطلب بدمه وحث عليه، وكذلك الزبير فصدقهما أهل الميمنة. وقال أصحاب عثمان من الميسرة: بايعتم عليا ثم جئتم تقولون. ثم تكلمت عائشة وقالت: «كان الناس يتجنون على عثمان ويأتوننا بالمدينة فنجدهم فجرة ونجده برا تقيا وهم يحاولون غير ما يظهرون، ثم كثروا واقتحموا عليه داره وقتلوه واستحلوا المحرمات بلا ترة ولا عذر، ألا وأن مما ينبغي لكم ولا ينبغي غيره أخذ قتلة عثمان واقامة كتاب الله» ثم قرأت «ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم 3: 23» الآية.

فاختلف أصحاب عثمان عليه ومال بعضهم إلى عائشة، ثم افترق الناس وتحاصبوا وانحدرت عائشة إلى المربد، وجاءها جارية [1] بن قدامة السعدي فقال: «يا أم المؤمنين والله لقتل عثمان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون عرضة السلاح، إنه قد كان لك من الله ستر وحرمة فهتكت سترك وأبحت حرمتك وأنه من

رأى قتالك يرى قتلك، فإن كنت أتيتنا طائعة فارجعي إلى منزلك وان كنت مكرهة فاستعيني بالله وبالناس على الرجوع» .

وأقبل حكيم بن جبلة وهو على الخيل [1] فأنشب القتال، وأشرع أصحاب عائشة رماحهم فاقتتلوا على فم السكة [2] ، وحجز الليل بينهم وباتوا يتأهبون وعاداهم حكيم بن جبلة فاعترضه رجل من عبد القيس [3] فقتله حكيم، ثم قتل امرأة أخرى، واقتتلوا إلى أن زال النهار. وكثر القتل في أصحاب عثمان بن حنيف ولما عضتهم الحرب تنادوا إلى الصلح وتوادعوا على أن يبعثوا إلى المدينة فإن كان طلحة والزبير أكرها سلم لهم عثمان الأمر وإلا رجعا عنه. وسار كعب بن سوار القاضي الى أهل المدينة يسألهم عن ذلك، فجاءهم يوم جمعة وسألهم فلم يجبه إلا أسامة بن زيد فإنه قال: بايعا مكرهين. فضربه الناس حتى كاد يقتل. ثم خلصه صهيب وأبو أيوب ومحمد بن مسلمة إلى منزله، ورجع كعب وبلغ الخبر بذلك إلى علي، فكتب إلى عثمان بن حنيف يعجزه ويقول والله ما أكرها على فرقة ولقد أكرها على جماعة وفضل، فإن كانا يريدان الخلع فلا عذر لهما وإن كانا يريدان غير ذلك نظرنا ونظروا. ولما جاء كعب بقول أهل المدينة بعث طلحة والزبير إلى عثمان ليجتمع بها، فامتنع واحتج بالكتاب وقال هذا غير ما كنا فيه. فجمع طلحة والزبير الناس وجاءا إلى المسجد بعد صلاة العشاء في ليلة ظلماء شاتية، وتقدم عبد الرحمن بن عتاب في الوحل فوضع السلاح في الجائية من الزط والسابحة وهم أربعون رجلا فقاتلوهم وقتلوا عن آخرهم، واقتحموا على عثمان فأخرجوه إلى طلحة والزبير وقد نتفوا شعر وجهه كله، وبعثا إلى عائشة بالخبر فقالت خلوا سبيله، وقيل أمرت بإخراجه وضربه، وكان الذي تولى إخراجه وضربه مجاشع بن مسعود. وقيل إن الاتفاق إنما وقع بينهم على أن يكتبوا إلى علي فكتبوا إليه وأقام عثمان يصلي فاستقبلوه ووثبوا عليه فظفروا به وأرادوا قتله، ثم استبقوه من أجل الأنصار وضربوه وحبسوه.

ثم خطب طلحة والزبير وقالا يا أهل البصرة توبة بجوبة [4] إنما أردنا أن نستعتب عثمان

فغلب السفهاء فقتلوه. فقالوا لطلحة قد كانت كتبك تأتينا بغير هذا! قال الزبير:

أما أنا فلم أكاتبكم، وأخذ يرمي عليا بقتل عثمان فقال رجل من عبد القيس: يا معشر المهاجرين أنتم أول من أجاب داعي الإسلام وكان لكم بذلك الفضل، ثم استخلفتم مرارا ولم تشاورونا، وقتلتم كذلك، ثم بايعتم عليا وجئتم تستعدوننا عليه فماذا الذي نقمتم عليه؟ فهموا بقتله ومنعته عشيرته، ثم وثبوا من الغد على قتل عثمان ومن معه فقتلوا منهم سبعين.

وبلغ حكيم بن جبلة ما فعل بعثمان بن حنيف فجاء لنصره في جماعة من عبد القيس، فوجد عبد الله بن الزبير فقال له: ما شأنك؟

قال: تخلوا عن عثمان وتقيمون على ما كنتم حتى يقدم علي ولقد استحللتم الدم الحرام تزعمون الطلب بثأر عثمان وهم لم يقتلوه. ثم ناجزهم الحرب في ربيع الآخر سنة ست وثلاثين، وأقام حكيم أربعة قواد فكان هو بحيال طلحة، وذريح بحيال الزبير، وابن المحرش بحيال عبد الرحمن بن عتاب، وحرقوص بن زهير بحيال عبد الرحمن بن الحرث بن هشام. وتزاحفوا واستحر القتل فيهم حتى قتل كثير منهم وقتل حكيم وذريح، وأفلت حرقوص في فل من أصحابه إلى قومهم بني سعد، وتتبعوهم بالقتل وطالبوا بني سعد بحرقوص وكانوا عثمانية [1] ، فاعتزلوا وغضبت عبد القيس كلهم والكثير من بكر بن وائل، وأمر طلحة والزبير بالعطاء في أهل الطاعة لهما، وقصدت عبد القيس وبكر بيت المال فقاتلوهم ومنعوهم، وكتب عائشة إلى أهل الكوفة بالخبر [2] وأمرتهم أن يثبطوا الناس عن علي وأن يقدموا بدم عثمان، وكتبت بمثل ذلك الى اليمامة والمدينة.

ولنرجع إلى خبر علي وقد كان لما بلغه خبر طلحة والزبير وعائشة ومسيرهم إلى البصرة دعا أهل المدينة للنصرة وخطبهم، فتثاقلوا أولا وأجابه زياد بن حنظلة وأبو الهيثم وخزيمة بن ثابت وليس بذي الشهادتين وأبو قتادة في آخرين، وبعثت أم سلمة معه ابن عمها وخرج يسابق طلحة والزبير إلى البصرة ليردهما، واستخلف على المدينة تمام ابن عباس وقيل سهل بن حنيف، وعلى مكة قثم بن عباس، وسار في ربيع الآخر سنة ست وثلاثين، وسار معه من نشط من الكوفيين والمصريين متخففين في تسعمائة، ولقيه عبد الله بن سلام فأخذ بعنانه وقال يا أمير المؤمنين: لا تخرج منها فو الله إن

خرجت منهما لا يعود إليها سلطان المسلمين أبدا. فبدر الناس إليه، فقال: دعوه فنعم الرجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وسار فانتهى الى الربذة، وجاء خبر سبقهم إلى البصرة فأقام يأتمر بما يفعل ولحقه ابنه الحسن وعذله في خروجه وما كان من عصيانه إياه، فقال: ما الذي عصيتك فيه حين أمرتني؟ قال: أمرتك أن تخرج عند حصار عثمان من المدينة ولا تحضر لقتله، وثم عند قتله ألا تبايع حتى تأتيك وفود العرب وبيعة الأمصار، ثم عند خروج هؤلاء أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا. فقال: أما الخروج من المدينة فلم يكن إليه سبيل وقد كان أحيط بنا كما أحيط بعثمان، وأما البيعة فخفنا ضياع الأمر والحل والعقد لأهل المدينة لا للعرب ولا للأمصار ولقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أحق بالأمر بعده فبايع الناس غيري واتبعتهم في أبي بكر وعمر وعثمان فقتلوه وبايعوني طائعين غير مكرهين، فأنا أقاتل من خالف بمن أطاع إلى أن يحكم الله وهو خير الحاكمين، وأما القعود عن طلحة والزبير فإذا لم انظر فيما يلزمني من هذا الأمر فمن ينظر فيه؟. ثم أرسل إلى الكوفة محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر يستنفران الناس، وأقام بالربذة يحرض الناس وأرسل إلى المدينة في أداته وسلاحه، وقال له بعض أصحابه عرفنا بقصدك من القوم؟ قال: الإصلاح إن قبلوه وإلا ننظرهم وان بادرونا امتنعنا.

ثم جاءه جماعة من طيئ نافرين معه فقبلهم وأثنى عليهم. ثم سار من الربذة وعلى مقدمته أبو ليلى بن عمرو بن الجراح، ولما انتهى الى فيد أتته أسد وطيئ وعرضوا عليه النفير معه، فقال: الزموا قراركم ففي المهاجرين كفاية. ولقيه هنالك رجل من أهل الكوفة من بني شيبان فسأله عن أبي موسى، فقال إن أردت الصلح فهو صاحبه، وان أردت القتال فليس بصاحبه. فقال: والله ما أريد إلا الصلح حتى يرد علينا. ثم انتهى إلى الثعلبية والأساد، فبلغه ما لقي عثمان بن حنيف وحكيم بن جبلة، ثم جاء بذي قار عثمان بن حنيف وأراه ما بوجهه، فقال: «أصبت أجرا وخيرا إن الناس وليهم قبلي رجلان فعملا بالكتاب ثم ثالث فقالوا وفعلوا ثم بايعوني ومنهم طلحة والزبير ثم نكثا وألبا علي. ومن العجب انقيادهما لأبي بكر وعمر وعثمان وخلافهما علي! والله إنهما ليعلمان اني لست دونهم» . ثم أخذ في الدعاء عليهما وابن وائل هنالك يعرضون عليه النفير فأجابهم مثل طيئ وأسد، وبلغه خروج عبد القيس على طلحة والزبير فأثنى عليهم. وأما محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر فبلغا إلى الكوفة

ودفعا إلى أبي موسى كتاب علي وقاما في الناس بأمره فلم يجبهما أحد وشاوروا أبا موسى في الخروج إلى علي، فقال: الخروج سبيل الدنيا والقعود سبيل الآخرة فقعدوا كلهم. وغضب محمد ومحمد وأغلظا لأبي موسى، فقال لهما: والله إن بيعة عثمان لفي عنقي وعنق علي وان كان لا بد من القتال فحتى نفرغ من قتلة عثمان حيث كانوا، فرجعا إلى علي بالخبر وهو بذي قار، فرجع علي باللائمة على الأشتر، وقال: أنت صاحبنا في أبي موسى فاذهب أنت وابن العباس وأصلح ما أفسدت.

فقدما على أبي موسى وكلما استعانا عليه بالناس لم يجب إلى شيء ولم ير إلا القعود حتى تنجلي الفتنة ويلتئم الناس، فرجع ابن عباس والأشتر إلى علي فأرسل علي ابنه الحسن وعمار بن ياسر وقال: لعمار: انطلق فأصلح ما أفسدت. فانطلقا حتى دخلا المسجد، وخرج أبو موسى فلقي الحسن بن علي فضمه إليه وقال لعمار: يا أبا اليقظان أعدوت على أمير المؤمنين فيمن عدا وأحللت نفسك مع الفجار؟ فقال: لم أفعل. فأقبل الحسن على أبي موسى فقال: لم تثبط الناس عنا وما أردنا إلا الإصلاح ومثل أمير المؤمنين لا يخاف على شيء. قال: «صدقت بأبي أنت وأمي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الراكب والمسلمون اخوان ودماؤهم وأموالهم حرام» فغضب عمار وسبه فسبه آخر وتثاور الناس، ثم كفهم أبو موسى. وجاء زيد بن صوحان بكتاب عائشة إليه وكتابها إلى أهل الكوفة فقرأهما على الناس في سبيل الإنكار عليها فسبه شبث بن ربعي [1] ، وتهاوى الناس وأبو موسى يكفهم ويأمرهم بلزوم البيوت حتى تنجلي الفتنة، ويقول: أطيعوني وخلوا قريشا إذا أبوا إلا الخروج من الدار الهجرة وفراق أهل العلم. حتى ينجلي الأمر. وناداه زيد بن صوحان بإجابة علي والقيام بنصرته وتابعه القعقاع بن عمرو فقام بعده فقال: لا سبيل إلى الفوضى وهذا أمير المؤمنين مليء بما ولي وقد دعاكم فانفروا، وقال عبد خير مثل ذلك وزاد:

يا أبا موسى هل تعلم أن طلحة والزبير بايعا؟ قال: نعم. قال: فهل أحدث علي ما ينقض البيعة؟ لا أدري قال: لا دريت ونحن نتركك حتى تدري. ثم قال سيحان [2] بن صوحان مثل ما قال القعقاع، وحرض على طاعة علي وقال: فإنه

دعاكم تنظرون ما بينه وبين صاحبيه [1] وهو المأمون على الأمة الفقيه في الدين، فقال عمار وهو دعاكم إلى ذلك لتنظروا في الحق وتقاتلوا معه عليه، وقال الحسن:.

أجيبوا دعوتنا وأعينونا على ما ابتلينا به وابتليتم وإن أمير المؤمنين يقول: إن كنت مظلوما أطيعوني [2] أو ظالما فخذوا مني بالحق. والله إن طلحة والزبير أول من بايعني وأول من غدر. فأجاب الناس، وحرض عدي بن حاتم قومه وحجر بن عدي كذلك فنفر مع الحسن من الكوفة تسعة آلاف سارت منها ستة في البر وباقيهم في الماء.

وأرسل علي بعد مسير الحسن وعمار الأشتر إلى الكوفة فدخلها والناس في المسجد وأبو موسى والحسن وعمار في منازعة معه ومع الناس، فجعل الأشتر يمر بالقبائل ويدعوهم إلى القصر حتى انتهى إليه في جماعة الناس فدخله وأبو موسى بالمسجد يخطبهم ويثبطهم والحسن يقول له اعتزل علمنا واترك منبرنا، فدخل الأشتر إلى القصر وأمر بإخراج غلمان أبي موسى بن القصر، وجاءه أبو موسى فصاح به الأشتر: أخرج لا أم لك وأجله تلك العشية. ودخل الناس لينهبوا متاعه فمنعهم الأشتر، ونفر الناس مع الحسن كما قلنا وكان الأمراء على أهل النفير على كنانة وأسد وتميم والرباب ومزينة معقل بن يسار الرياحي، وعلى قبائل قيس سعد بن مسعود الثقفي عم المختار، وعلى بكر وتغلب وعلة بن مجدوح الذهلي، وعلى مذحج والأشعريين حجر بن عدي، وعلى بحيلة وأنمار وخثعم والأزد مخنف بن سليم الأزدي، ورؤساء الجماعة من الكوفيين القعقاع بن عمرو وسعد بن مالك وهند بن عمرو والهيثم بن شهاب، ورؤساء النفار زيد بن صوحان والأشتر وعدي بن حاتم والمسيب بن نجبة ويزيد بن قيس وأمثالهم. فقدموا على علي بذي قار، فركب إليهم ورحب بهم وقال: يا أهل الكوفة دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة فإن يرجعوا فهو الذي نريد وإن يحلوا داويناهم بالرفق حتى يبدؤنا بالظلم ولا ندع أمرا فيه الصلاح إلا آثرناه على ما فيه الفساد ان شاء الله. فاجتمع الناس عنده بذي قار وعبد القيس بأسرها وهم ألوف ينتظرونه ما بينه وبين البصرة، ثم دعا القعقاع وكان من الصحابة فأرسله إلى أهل البصرة وقال: الق هذين الرجلين فادعهما للالفة

والجماعة وعظم عليهما الفرقة وقال له: كيف تصنع إذا قالوا ما لا وصاة مني فيه عندك؟ قال: نلقاهم بالذي أمرت به فإذا جاء منهم ما لي عندنا منك رأيي فيه اجتهدنا رأينا وكلمناهم كما نسمع ونرى انه ينبغي، قال: أنت لها.

فخرج القعقاع فقدم البصرة وبدأ بعائشة وقال: أي أمة ما أشخصك؟ قالت:

أريد الإصلاح بين الناس، قال فابعثي الى طلحة والزبير تسمعي مني ومنهما، فبعثت إليهما فجاءا فقال لهما: اني سألت أم المؤمنين ما أقدمها فقالت الإصلاح وكذلك قالا.

قال فأخبراني ما هو؟ قالا: قتلة عثمان! فإن تركهم ترك للقرآن، قال: فقد قتلتم منهم ستمائة من أهل البصرة وغضب لهم ستة آلاف واعتزلوكم وطلبتم حرقوص بن زهير فمنعه ستة آلاف فان قاتلتم هؤلاء كلهم اجتمعت مضر وربيعة على حربكم فأين الإصلاح؟ قالت عائشة: فماذا تقول أنت؟ قال هذا الأمر دواؤه التسكين وإذا سكن اختلجوا فآثروا العافية ترزقوها وكونوا مفاتيح خير ولا تعرضونا للبلاء فنتعرض له ويصرعنا وإياكم، فقالوا قد أصبت وأحسنت فارجع فان قدم علي وهو على مثل رأيك صلح هذا الأمر، فرجع وأخبر عليا فأعجبه وأشرف القوم على الصلح. وقد كانت وفود أهل البصرة أقبلوا إلى علي قبل رجوع القعقاع وتفاوضوا مع أهل الكوفة واتفقوا جميعا على الصلاح، ثم خطب علي الناس وأمرهم بالرحيل من الغد وأن لا يرحل معه أحد ممن أعان على عثمان. فاجتمع من أهل مصر ابن السوداء وخالد بن ملجم والأشتر والذين رضوا بمن سار إليه مثل علباء بن الهيثم وعدي بن حاتم وسالم بن ثعلبة القيسي وشريح بن أوفى، وتشاوروا فيما قال علي وقالوا: هو أبصر بكتاب الله وأقرب إلى العمل به من أولئك وهو يقول ما يقول، وإنما معه الذين أعانوا على عثمان فكيف إذا اصطلحوا واجتمعوا ورأوا قلتنا في كثرتهم. فقال الأشتر رأيهم والله فينا واحد وأن يصطلحوا فعلى دمائنا فهلموا نثب على طلحة نلحقه بعثمان ثم يرضى منا بالسكون، فقال ابن السوداء: طلحة وأصحابه نحو من خمسة آلاف وأنتم ألفان وخمسمائة فلا تجدون إلى ذلك سبيلا، وقال علباء بن الهيثم: اعتزلوا الفريقين حتى يأتيكم من تقومون به. فقال ابن السوداء: ود والله الناس لو انفردتم فيتخطفونكم، فقال عدي: والله ما رضيت ولا كرهت فاما إذ وقع ما وقع ونزل الناس بهذه المنزلة فان لنا خيلا وسلاحا. فإن أقدمتم أقدمنا وإن أحجمتم أحجمنا، ثم قال سالم بن ثعلبة وسويد بن أوفى: أبرموا أمركم. ثم تكلم ابن السوداء فقال: يا قوم إن عزكم

في خلطة الناس فصانعوهم وإذا التقى الناس غدا فانشبوا القتال فلا يجدون بدا منه ويشغلهم الله عما تكرهون، وافترقوا على ذلك.

وأصبح علي راحلا حتى نزل على عبد القيس فانضموا اليه وساروا معه فنزل الزاوية، وسار من الزاوية إلى البصرة. وسار طلحة والزبير وعائشة من الفرضة والتقوا بموضع قصر عبيد الله بن زياد منتصف جمادى الآخرة، وتراسلت بكر بن وائل وعبد القيس وجاءوا إلى علي رضي الله عنه فكانوا معه، وأشار على الزبير بعض أصحابه أن يناجز القتال، فاعتذر بما وقع بينه وبين القعقاع. وطلب من علي رضي الله تعالى عنه أصحابه مثل ذلك فأبى وسئل ما حالنا وحالهم في القتلى؟ فقال: أرجو أن لا يقتل منا ومنهم أحد نقي قلبه لله إلا أدخله الله الجنة، ونهى عن قتالهم وبعث إليهم حكيم بن سلام ومالك بن حبيب إن كنتم على ما جاء به القعقاع فكفوا حتى ننزل وننظر في الأمر، وجاءه الأحنف بن قيس وكان معتزلا عن القوم وقد كان بايع عليا بالمدينة بعد قتل عثمان مرجعه من الحج، قال الأحنف: ولم أبايعه حتى لقيت طلحة والزبير وعائشة بالمدينة وعثمان محصور وعلمت أنه مقتول فقلت لهم من أبايع بعده؟ قالوا عليا فلما رجعت وقد قتل عثمان بايعت عليا فلما جاءوا إلى البصرة دعوني إلى قتال علي فحرت في أمري بين خذلانهم أو خلع طاعتي، فقلت: ألم تأمروني بمبايعته؟ قالوا نعم لكنه بدل وغير فقلت لا أنقض بيعتي ولا أقاتل أم المؤمنين، ولكن أعتزل، ونزل بالجلحاء على فرسخين من البصرة في زهاء ستة آلاف، فلما قدم علي جاءه وخيره بين القتال معه أو كف عشرة آلاف سيف عنه، فاختار الكف ونادى في تميم وبني سعد فأجابوه فاعتزل بهم حتى ظفر علي فرجع إليه واتبعه. ولما تراءى الجمعان خرج طلحة والزبير وجاءهم علي حتى اختلفت أعناق دوابهم. فقال علي: لقد أعددتما سلاحا وخيلا ورجالا إن كنتما أعددتما عند الله عذرا ألم أكن أخاكما في دينكما تحرمان دمي وأحرم دمكما فهل من حديث أحل لكما دمي قال طلحة: ألبت على عثمان! قال علي: يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق فلعن الله قتلة عثمان يا طلحة. أما بايعتني؟

قال: والسيف على عنقي. ثم قال للزبير: أتذكر يوم قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم لتقاتلنه وأنت له ظالم؟ قال اللهم نعم ولو ذكرت قبل مسيري ما سرت.

وو الله لا أقاتلك أبدا وافترقوا. فقال علي لأصحابه: إن الزبير قد عهد أن لا يقاتلكم. ورجع الزبير إلى عائشة وقال: ما كنت في موطن منذ عقلت إلا وأنا

أعرف أمري غير موطني هذا! قالت: فما تريد أن تصنع؟ قال أدعهم وأذهب.

فقال له ابنه عبد الله: خشيت رايات ابن أبي طالب وعلمت أن حامليها فتية أنجاد وأن تحتها الموت الأحمر فجنبت فأحفظه ذلك. وقال: حلفت. قال: كفر عن يمينك فأعتق غلامه مكحولا. وقيل إنما أراد الرجوع عن القتال حين سمع ان عمار بن ياسر مع علي لما ورد: ويح عمار تقتله الفئة الباغية.

وكان أهل البصرة على ثلاث فرق مفترقين مع هؤلاء وهؤلاء وثالثة اعتزلت كالأحنف ابن قيس وعمران بن حصين، ونزلت عائشة في الأزد ورأسهم صبرة بن شيمان، وأشار عليه كعب بن سور بالاعتزال فأبى وكان معها قبائل كثيرة من مضر والرباب وعليهم المنجاب بن راشد، وبنو عمرو بن تميم وعليهم أبو الجرباء، وبنو حنظلة وعليهم هلال بن وكيع وسليم وعليهم مجاشع بن مسعود، وبنو عامر وغطفان وعليهم زفر بن الحرث، والأزد وعليهم صبرة بن شيمان، وبكر وعليهم مالك بن مسمع، وبنو ناجية وعليهم الخريت بن راشد، وهم في نحو ثلاثين ألفا. وعلي في عشرين ألفا.

والناس جميعا متنازلون مضر إلى مضر وربيعة إلى ربيعة، ولا يشكون في الصلح وقد ردوا حكيما ومالكا إلى علي: إنا على ما فارقنا عليه القعقاع، وجاء ابن عباس إلى طلحة والزبير، ومحمد بن طلحة إلى علي وتقارب أمر الصلح وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشر ليلة يتشاورون، واتفقوا على إنشاب الحرب بين الناس فغسلوا وما [1] يشعر بهم أحد، وقصد مضر الى مضر وربيعة إلى ربيعة ويمن الى يمن فوضعوا فيهم السلاح، وثار أهل البصرة وثار كل قوم في وجوه أصحابهم. وبعث طلحة والزبير عبد الرحمن بن الحرث بن هشام الى الميمنة وهم ربيعة، وعبد الرحمن بن عتاب إلى الميسرة، وركبا في القلب، وسألا [2] الناس ما هذا؟ فقالوا: طرقنا أهل الكوفة ليلا فقال طلحة والزبير إن عليا لا ينتهي حتى يسفك الدماء. ثم دفعوا أولئك المقاتلين فسمع علي وأهل عسكره الصيحة، فقال ما هذا؟ فقيل له أظنه سقط من هنا طرقنا أو نحوه السبئية بيتونا ليلا فرددتهم [3] فوجدنا القوم على أهبة فركبونا، وثار الناس وركب علي. وبعث الى الميمنة والميسرة صاحبها، وقال: إن طلحة والزبير لا

ينتهيان حتى تسفك الدماء ونادى في الناس كفوا، وكان رأيهم جميعا في تلك الفتنة أن لا يقتتلوا حتى يقيموا الحجة ولا يقتلوا مدبرا ولا يجهزوا على جريح ولا يستحلوا سلبا.

وأقبل كعب بن سور إلى عائشة وقال: قد أبى القوم إلا القتال فلعل الله يصلح بك.

فأركبها وألبسوا هودجها الأدراع وأوقفوها بحيث تسمع الغوغاء، واقتتل الناس حتى انهزم أصحاب الجمل وذهب، وأصيب طلحة بسهم في رجله فدخل البصرة ودمه يسيل إلى أن مات. وذهب الزبير إلى وادي السباع لما ذكره علي، فمر بعسكر الأحنف واتبعه عمرو بن الجرموز وكان يسائله حتى إذا قام إلى الصلاة قتله ورجع بفرسه وسلاحه وخاتمه إلى الأحنف فقال والله ما أدري أحسنت أم أسأت. فجاء ابن جرموز إلى علي وقال للحاجب: استأذن لقاتل الزبير فقال لحاجبه: ائذن له وبشروه بالنار. ولما بلغت الهزيمة البصرة ورأوا الخيل أطافت بالجمل فرجعوا وشبت الحرب كما كانت. وقالت عائشة لكعب بن سور وناولته مصحفا: تقدم فادعهم إليه واستقبل القوم فقتله السبئية رشقا بالسهم، ورموا عائشة في هودجها حتى جأرت بالاستغاثة ثم بالدعاء على قتلة عثمان، وضج الناس بالدعاء فقال علي ما هذا قالوا عائشة تدعوا على قتلة عثمان! فقال: اللهم العن قتلة عثمان. ثم أرسلت عائشة إلى الميمنة والميسرة وحرضتهم، وتقدم مضر الكوفة ومضر البصرة فاجتلدوا أمام الجمل حتى ضرسوا، وقتل زيد بن صوحان من أهل الكوفة وأخوه سيحان وارتث أخوهما صعصعة، وتزاحف الناس وتأخرت يمن الكوفة وربيعتها ثم عادوا فقتل على راياتهم عشرة. ثم أخذها يزيد بن قيس فثبت، وقتل تحت راية ربيعة زيد وعبد الله بن رقية وأبو عبيدة بن راشد بن سلمة، واشتد الأمر ولزقت ميمنة الكوفة بقلبهم وميسرة أهل البصرة بقلبهم، ومنعت ميمنة هؤلاء ميسرة هؤلاء وميسرة هؤلاء ميمنة هؤلاء، وتنادى شجعان مضر من الجانبين بالصبر وقصدوا الأطراف يقطعونها، وأصيبت يد عبد الرحمن بن عتاب قبل قتله، وقاتل عند الجمل الأزد ثم بنو ضبه وبنو عبد مناة، وكثر القتل والقطع وصارت المجنبات إلى القلب واستحر القتل إلى الجمل حتى قتل على الخطام أربعون رجلا أو سبعون كلهم من قريش، فجرح عبد الله بن الزبير وقتل عبد الرحمن بن عتاب وجندب بن زهير العامري وعبد الله بن حكيم بن حزام ومعه راية قريش قتله الأشتر وأعانه فيه عدي بن حاتم، وقتل الأسود

بن أبي البختري وهو آخذ بالخطام وبعده عمرو بن الأشرف الأزدي في ثلاثة عشر من أهل بيته وجرح مروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير سبعا وثلاثين جراحة ما بين طعنة ورمية، ونادى علي اعقروا الجمل يتفرقوا، وضربه رجل فسقط فما كان صوت أشد عجيجا منه. وكانت راية الأزد من أهل الكوفة مع مخنف بن سليم فقتل فأخذها الصقعب أخوه فقتل ثم أخوهما عبد الله كذلك، فأخذها العلاء بن عروة فكان الفتح وهي بيده. وكانت راية عبد القيس من أهل الكوفة مع القاسم بن سليم فقتل ومعه زيد وسيحان ابنا صوحان وأخذها عدة فقتلوا منهم عبد الله بن رقية ثم منقذ بن النعمان، ودفعها الى ابنه مرة فكان الفتح وهي بيده. وكانت راية بكر بن وائل في بني ذهل [1] مع الحرث بن حسان فقتل في خمسة من بني أهل ورجال من بني محدوج [2] وخمسة وثلاثين من بني ذهل.

وقيل في عقر الجمل: ان القعقاع دعا الأشتر وقد جاء من القتال عند الجمل إلى العود فلم يجبه، وحمل القعقاع والخطام بيد زفر بن الحرث فأصيب شيوخ من بني عامر، وقال القعقاع لبجير بن دجلة [3] من بني ضبة وهو من أصحاب علي يا بجير صح بقومك يعقروا الجميل قبل أن يصابوا وتصاب أم المؤمنين، فضرب ساق البعير فوقع على شقه، وأمن [4] القعقاع من يليه واجتمع هو وزفر على قطع بطان البعير وحملا الهودج فوضعاه وهو كالقنفذ بالسهام، وفر من وراءه، وأمر علي فنودي لا تتبعوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولا تدخلوا الدور، وأمر بحمل الهودج من بين القتلى، وأمر محمد بن أبي بكر أن يضرب عليها قبة وأن ينظر هل بها جارحة فجاء يسألها. وقيل لما سقط الجمل أقبل محمد بن أبي بكر إليه ومعه عمار فاحتملا الهودج إلى ناحية ليس قربة أحد وأتاها علي فقال: كيف أنت يا أمه؟ قالت: بخير قال:

يغفر الله لك. قالت: ولك. وجاء وجوه الناس إليها فيهم القعقاع بن عمرو فسلم عليها، وقالت له: وددت اني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة. وجاء إلى علي فقال له مثل قولها ولما كان الليل أدخلها أخوها محمد بن أبي بكر الصديق البصرة،

فأقرها في دار عبد الله بن خلف الخزاعي على صفية زوجه بنت الحرث بن أبي طلحة من بني عبد الدار أم طلحة الطلحات بن عبد الله، وتسلل الجرحى من بين القتلى فدخلوا ليلا إلى البصرة وأذن علي في دفن القتلى فدفنوا بعد أن أطاف عليهم، ورأى كعب بن سور وعبد الرحمن بن عتاب وطلحة بن عبيد الله وهو يقول: زعموا أنه لم يخرج إلينا إلا الغوغاء مع أن هؤلاء فيهم. ثم صلى على القتلى من الجانبين وأمر بالأطراف فدفنت في قبر عظيم، وجمع ما كان في العسكر من كل شيء وبعث به إلى مسجد البصرة وقال من عرف شيئا فليأخذه إلا سلاحا عليه سمة السلطان. وأحصى القتلى من الجانبين فكانوا عشرة الاف منهم من ضبة ألف رجل.

ولما فرغ علي من الوقعة جاءه الأحنف بن قيس في بني سعد فقال له: تربصت فقال ما أراني إلا قد أحسنت وبأمرك كان ما كان، فارفق فان طريقك بعيد وأنت إلي غدا أحوج منك أمس فلا تقل لي مثل هذا فاني لم أزل لك ناصحا. ثم دخل البصرة يوم الإثنين فبايعه أهلها على راياتهم حتى الجرحى والمستأمنة، وأتاه عبد الرحمن بن أبي بكرة فبايعه وعرض له في عمه زياد بأنه متربص، فقال والله إنه لمريض وعلى مسرتك لحريص. فقال: انهض أمامي فمضى فلما دخل عليه علي اعتذر فقبل عذره واعترض بالمرض قبل عذره، وأراده على البصرة فامتنع وقال: ولها رجلا من أهلك تسكن إليه الناس وسأشير عليه، وأشار بابن عباس فولاه، وجعل زيادا على الخراج وبيت المال، وأمر ابن عباس بموافقته فيما يراه. ثم راح علي إلى عائشة في دار ابن خلف وكان عبد الله بن خلف قتل في الوقعة فأساءت أمه وبعض النسوة عليه، فأعرض عنهن وحرضه بعض أصحابه عليهن فقال: إن النساء ضعيفات وكنا نؤمر بالكف عنهن وهن مشركات فكيف بهن مسلمات. ثم بلغه أن بعض الغوغاء عرض لعائشة بالقول والإساءة، فأمر من أحضر له بعضهم وأوجعهم ضربا، ثم جهزها علي إلى المدينة بما احتاجت إليه وبعثها مع أخيها محمد مع أربعين من نسوة البصرة اختارهن لمرافقتها، وأذن للفل ممن خرج عنها أن يرجعوا معها، ثم جاء يوم ارتحالها فودعها واستعتبت له واستعتب لها، ومشى معها أميالا وشيعها بنوه مسافة يوم، وذلك غرة رجب، فذهبت إلى مكة فقضت الحج ورجعت إلى المدينة. ورجع [1]

بنو أمية من الفل ناجين الى الشام، فعتبة بن أبي سفيان وعبد الرحمن [1] ويحيى أخوا مروان خلصوا إلى عصمة بن أبير التميمي إلى أن اندملت جراحهم، ثم بعثهم إلى الشام. وأما عبد الله بن عامر فخلص إلى بني حرقوص ومضى من هنالك، وأما مروان بن الحكم فأجاره أيضا مالك بن مسمع وبعثه وقيل كان مع عائشة فلما ذهبت إلى مكرة فارقها الى المدينة، وأما ابن الزبير فاختفى بدار بعض الأزد وبعث إلى عائشة يعلمها بمكانه فأرسلت أخاها محمدا وجاء إليها به.

ثم قسم علي جميع ما في بيت المال على من شهد معه، وكان يزيد على ستمائة ألف فأصاب كل رجل خمسمائة، وقال: ان أظفركم الله بالشام فلكم مثلها إلى أعطياتكم. فخاض السبئية في الطعن عليه بذلك وبتحريم أموالهم مع اراقة دمائهم، ورحلوا عنه فأعجلوه عن المقام بالبصرة، وارتحل في آثارهم ليقطع عليهم أمرا إن أرادوه.

وقد قيل في سياق أمر الجمل غير هذا، هو أن عليا لما أرسل محمد بن أبي بكر إلى أبي موسى ليستنفر له أهل الكوفة وامتنع. سار هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى علي بالربذة فأخبره فأعاده إليه يقول له: إني لم أولك إلا لتكون من أعواني على الحق، فامتنع أبو موسى وكتب إليه هاشم مع المحل بن خليفة الطائي، فبعث علي ابنه الحسن وعمار بن ياسر يستنفران كما مر. وبعث قرظة [2] بن كعب الأنصاري أميرا وبعث إليه: إني قد بعثت الحسن وعمارا يستنفران الناس وبعثت قرظة بن كعب واليا على الكوفة فاعتزل عملنا مذموما مدحورا وان لم تفعل فقد أمرته أن ينابذك وإن ظفر بك أن يقطعك إربا إربا وان الناس تواقفوا للقتال، وأمر علي من يتقدم بالمصحف يدعوهم إلى ما فيه وان قطع وقتل وحمله بعض الناس وفعل ذلك فقتل.

وحملت ميمنتهم [3] على ميسرتهم فاقتتلوا ولاذ الناس بجمل عائشة أكثرهم من ضبة والأزد ثم انهزموا آخر النهار، واستحر في الأزد القتل وحمل عمار على الزبير يحوزه بالرمح ثم استلان له وتركه، وألقى عبد الله بن الزبير نفسه مع الجرحى. وعقر الجمل واحتمل عائشة أخوها محمد فأنزلها وضرب عليها قبة ووقف عليها علي يعاتبها، فقالت

له ملكت فأسجح [1] نعم ما أبكيت قومك اليوم، فسرحها في جماعة رجال ونساء الى المدينة وجهزها بما تحتاج إليه. هذا أمر الجمل ملخص من كتاب أبي جعفر الطبري اعتمدناه للوثوق به ولسلامته من الأهواء الموجودة في كتب ابن قتيبة وغيره من المؤرخين. وقتل يوم الجمل عبد الرحمن أخوه طلحة من الصحابة والمحرز بن حارثة العبشمي وكان عمر ولاه على أهل مكة، ومجاشع ومجالد ابنا مسعود مع عائشة.

وعبد الله بن حكيم بن حزام وهند بن أبي هالة وهو ابن خديجة قتل مع علي وقيل بالبصرة وغيرهم. انتهى أمر الجمل.

ولما فرغ الناس من هذه الوقعة اجتمع صعاليك من العرب وعليهم جبلة بن عتاب الحنظلي وعمران بن الفضيل ابرجمي، وقصدوا سجستان وقد نكث أهلها، وبعث علي إليهم عبد الرحمن بن جرو الطائي فقتلوه، فكتب إلى عبد الله بن عباس أن يبعث إلى سجستان واليا، فبعث ربعي بن كاس العنبري في أربعة آلاف ومعه الحصين بن أبي الحر فقتل جبلة وانهزموا وضبط ربعي البلاد واستقامت.

** انتقاض محمد بن أبي حذيفة بمصر ومقتله **

لما قتل أبو حذيفة بن عتبة يوم اليمامة ترك ابنه محمدا في كفالة عثمان وأحسن تربيته وسكر في بعض الأيام فجلده عثمان، ثم تنسك وأقبل على العبادة وطلب الولاية من عثمان، فقال: لست بأهل فاستأذنه على اللحاق بمصر لغزو البحر فأذن له وجهزه ولزمه الناس وعظموه لما رأوا من عبادته، ثم غزا مع ابن أبي سرح غزوة الصواري كما مر، فكان يتعرض له بالقدح فيه وفي عثمان بتوليته ويجتمع في ذلك مع محمد بن أبي بكر، وشكاهما ابن أبي سرح إلي عثمان فكتب إليه بالتجافي عنهما لوسيلة ذلك بعائشة وهذا لتربيته. وبعث إلى ابن أبي حذيفة ثلاثين ألف درهم وحمل من الكسوة فوضعهما ابن أبي حذيفة في المسجد، وقال: يا معشر المسلمين كيف أخادع عن ديني وآخذ الرشوة عليه. فازداد أهل مصر تعظيما له وطعنا على عثمان وبايعوه على رياستهم، وكتب إليه عثمان يذكره بحقوقه عليه فلم يرده ذلك. وما زال يحرض الناس عليه حتى خرجوا لحصاره وأقام هو بمصر، وخرج ابن أبي سرح إلى عثمان

فاستولى هو على مصر وضبطها إلى أن قتل عثمان وبويع علي وبايع عمرو بن العاص لمعاوية، وسار إلى مصر قبل قدوم قيس بن سعد فمنعهما فخدعا محمد حتى خرج إلى العريش فتحصن بها في ألف رجل، فحاصراه حتى نزل على حكمهم فقتلوه.

وفي هذا الخبر بعض الهون لأن الصحيح أن عمرا ملك مصر بعد صفين، وقيس ولاه علي لأول بيعته، وقد قيل ان ابن أبي حذيفة لما حوصر عثمان بالمدينة أخرج هو ابن أبي سرح عن مصر وضبطها، وأقام ابن أبي سرح بفلسطين حتى جاء الخبر بقتل عثمان وبيعة علي وتوليته قيس بن سعد على مصر، فأقام بمعاوية. وقيل إن عمرا سار إلى مصر بعد صفين فبرز إليه ابن أبي حذيفة في العساكر وخادعه في الرجوع إلى بيعة علي، وأن يجتمعا لذلك بالعريش في غير جيش من الجنود، ورجع إلى معاوية عمرو فأخبره، ثم جاء إلى ميعاده بالعريش وقد استعد بالجنود وأكمنهم خلفه حتى إذا التقيا طلعوا على أثره فتبين ابن أبي حذيفة الغدر فتحصن بقصر العريش إلى أن نزل على حكم عمرو. وبعث به إلى معاوية فحبسه إلى أن فر من محبسه فقتل، وقيل إنما بعثه عمرو إلى معاوية عند مقتل محمد بن أبي بكر وأنه أمنه ثم حمله إلى معاوية فحبسه بفلسطين.

** ولاية قيس بن سعد على مصر **

كان علي قد بعث إلى مصر لأول بيعته قيس بن سعد أميرا في صفر من سنة ست وثلاثين وأذن له في الإكثار من الجنود وأوصاه فقال له: لو كنت لا أدخلها إلا بجند آتي بهم من المدينة لا أدخلها أبدا فانا أدع لك الجند تبعثهم في وجوهك، وخرج في سبعة من أصحابه حتى أتى مصر وقرأ عليهم كتابا يعلمهم بمبايعته وطاعته وأنه أميرهم، ثم خطب فقال بعد أن حمدا لله: أيها الناس قد بايعنا خير من نعلم بعد نبينا فبايعوه على كتاب الله وسنة رسوله. فبايعه الناس واستقامت مصر، وبعث عليها عماله إلا بعض القرى كان فيها قوم يدعون إلى الطلب بدم عثمان، مثل يزيد بن الحرث ومسلمة بن مخلد، فهادنهم وجبى الخراج وانقضى أمر الجمل وهو بمصر.

وخشي معاوية أن يسير إليه علي في أهل العراق وقيس من ورائه في أهل مصر.

فكتب إليه يعظم قتل عثمان ويطوقه عليا ويحضه على البراءة من ذلك ومتابعته على أمره على أن يوليه العراقين إذا ظفر ولا يعزله، يولي من أراد من أهله الحجاز

كذلك، ويعطيه ما شاء من الأموال. فنظر في أهله بين موافقته أو معاجلته بالحرب فآثر الموافقة، فكتب إليه: «أما بعد فإني لم أقارف [1] شيئا مما ذكرته وما اطلعت لصاحبي علي شيء منه. وأما متابعتك فانظر فيها وليس هذا مما يسرع إليه، وأنا كاف عنك فلا يأتيك شيء من قبلي تكرهه حتى نرى وترى» . فكتب إليه معاوية:

«إني لم أرك تدنو فأعدك سلما ولا تتباعد فأعدك حربا، وليس مثلي يصانع المخادع وينخدع للمكايد ومعه عدد الرجال وأعنة الخيل والسلام» . فعلم قيس أن المدافعة لا تنفع معه فأظهر له ما في نفسه، وكتب إليه بالرد القبيح والشتم والتصريح بفضل علي والوعيد، فحينئذ أيس معاوية منه وكاده من قبل علي، فأشاع في الناس أن قيسا شيعة له تأتينا كتبه ورسله ونصائحه وقد ترون ما فعل بإخوانكم القائمين بثأر عثمان وهو يجري عليهم من الأعطية والأرزاق، فأبلغ ذلك إلى علي محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر وعيونه بالشام فأعظم ذلك، وفاوض فيه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، فقال له عبد الله: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك واعزله عن مصر. ثم جاء كتابه بالكف عن قتال المعتزلين فقال ابن جعفر: مره بقتالهم خشية أن تكون هذه ممالأة. فكتب إليه يأمره بذلك فلم ير قيس ذلك رأيا وقال: متى قاتلناهم ساعدوا عليك عدوك وهم الآن معتزلون والرأى تركهم. فقال ابن جعفر: يا أمير المؤمنين ابعث محمد بن أبي بكر على مصر، وكان أخاه لأمه، واعزل قيسا فبعثه.

وقيل بعث قبل الأشتر النخعي، ومات بالطريق، فبعث محمد ولما قدم محمد على قيس خرج عنها مغضبا إلى المدينة وكان عليها مروان بن الحكم فأخافه، فخرج هو وسهل بن حنيف إلى علي. وكتب معاوية إلى مروان يعاتبه لو أمددت عليا بمائة ألف مقاتل كان أيسر علي من قيس بن سعد.

ولما قدم قيس على علي وكشف له عن وجه الخبر قبل عذره وأطاعه في أمره كله، وقدم محمد مصر فقرأ كتاب علي على الناس وخطبهم [2] ، ثم بعث إلى أولئك القوم المعتزلين الذين كان قيس وادعهم. ادخلوا في طاعتنا أو اخرجوا عن بلادنا. فقالوا:

دعنا حتى ننظر. وأخذوا حذرهم، ولما انقضت صفين وصار الأمر إلى التحكيم

بارزوه وبعث العساكر إلى يزيد بن الحرث الكناني بخربتا وعليهم الحرث بن جمهان فقتلوه ثم بعث آخر فقتلوه.

** مبايعة عمرو بن العاص لمعاوية **

لما أحيط بعثمان خرج عمرو بن العاص إلى فلسطين ومعه ابناه عبد الله ومحمد، فسكن بها هاربا مما توقعه من قتل عثمان إلى أن بلغه الخبر بقتله، فارتحل يبكي ويقول كما تقول النساء، حتى أتى دمشق فبلغه بيعة علي، فاشتد عليه الأمر وأقام ينتظر ما يصنعه الناس، ثم بلغه مسير عائشة وطلحة والزبير فأمل فرجا من أمره، ثم جاءه الخبر بوقعة الجمل فارتاب في أمره. وسمع أن معاوية بالشام لا يبايع عليا وأنه يعظم قتل عثمان، فاستشار ابنيه في المسير إليه، فقال له ابنه عبد الله توفي النبي صلى الله عليه وسلم والشيخان بعده وهم راضون عنك فأرى أن تكف يدك وتجلس في بيتك حتى يجتمع الناس. وقال له محمد: أنت ناب من أنياب العرب وكيف يجتمع هذا الأمر وليس لك فيه صيت. فقال: يا عبد الله أمرتني بما هو خير لي في ديني، ويا محمد أمرتني بما هو خير لي في دنياي وشر لي في آخرتي. ثم خرج ومعه ابناه حتى قدم على معاوية فوجدوهم يطلبون دم عثمان، فقال: أنتم على الحق اطلبوا بدم الخليفة المظلوم. فأعرض معاوية قليلا، ثم رجع إليه وشركه في سلطانه.

** أمر صفين **

لما رجع علي بعد وقعة الجمل إلى الكوفة مجمعا على قصد الشام، بعث إلى جرير بن عبد الله البجلي بهمدان وإلى الأشعث بن قيس بآذربيجان وهما من عمال عثمان بأن يأخذا له البيعة ويحضرا عنده، فلما حضرا بعث جرير إلى معاوية يعلمه ببيعته ونكث طلحة والزبير وحزبهما ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس، فلما قدم عليه طاوله في الجواب وحمل أهل الشام ليرى جرير قيامهم في دم عثمان واتهامهم عليا به، وكان أهل الشام لما قدم عليهم النعمان بن بشير بقميص عثمان ملوثا بالدم كما قدمناه وبأصابع زوجته نائلة، وضع معاوية القميص على المنبر والأصابع من فوقه، فمكث الناس يبكون مدة وأقسموا ألا يمسهم ماء إلا لجنابة ولا يناموا على فراش حتى يثأروا لعثمان ومن حال دون ذلك قتلوه. فرجع جرير بذلك إلى علي وعذله الأشتر في بعث

جرير وأنه طال مقامه حتى تمكن أهل الشام من رأيهم [1] ، فغضب لذلك جرير ولحق بقرقيسياء واستقدمه معاوية فقدم عليه. وقيل أن شرحبيل بن السمط الكندي أشار على معاوية برد جرير لأجل منافسة كانت بينهما منذ أيام عمر، وذلك أن شرحبيل كان عمر بن الخطاب بعثه إلى سعد بالعراق ليكون معه فقربه سعد وقدمه ونافسه له أشعث بن قيس، فأوصى جريرا عند وفادته على عمر أن ينال من شرحبيل عنده، ففعل فبعث عمر شرحبيل إلى الشام فكان يحقد ذلك على جرير، فلما جاء الى معاوية أغراه شرحبيل به وحمله على الطلب بدم عثمان.

ثم خرج علي وعسكر بالنخيلة واستخلف على الكوفة أبا مسعود الأنصاري وقدم عليه عبد الله بن عباس في أهل البصرة، وتجهز معاوية وأغراه عمرو بقلة عسكر علي واضطغان أهل البصرة له بمن قتل منهم، وعبى معاوية أهل الشام وعقد لعمرو ولا بنيه وغلامه وردان الألوية. وبعث علي في مقدمته زياد بن النضر الحارثي في ثمانية آلاف وشريح بن هانئ في أربعة آلاف، وسار من النخيلة إلى المدائن واستنفر من كان بها من المقاتلة وبعث منها معقل بن قيس في ثلاثة آلاف يسير من الموصل ويوافيه بالرقة. وولي علي على المدائن سعد بن مسعود الثقفي عم المختار بن أبي عبيد، وسار فلما وصل إلى الرقة نصب له جسر فعبر وجاء زياد وشريح من ورائه، وكانا سمعا بمسير معاوية وخشيا أن يلقاهما معاوية وبينهما وبين علي البحر ورجعا إلى هيت وعبر الفرات، ولحقا بعلي فقدمهما امامه، فلما أتيا إلى سور الروم لقيهما أبو الأعور السلمي في جند من أهل الشام فطاولاه وبعثا إلى علي فسرح الأشتر وأمره أن يجعلهم على مجنبتيه، وقال: لا تقاتلهم حتى آتيك. وكتب إلى شريح وزياد بطاعته فقدم عليهما وكف عن القتال سائر يومه حتى حمل عليهم أبو الأعور بالعشي فاقتتلوا ساعة وافترقوا، ثم خرج من الغداة وخرج إليه من أصحاب الأشتر هاشم بن عتبة المرقال واقتتلوا عامة يومهم. وبعث الأشتر سنان بن مالك النخعي إلي أبي الأعور السلمي يدعوه إلى البراز فأبي وحجز بينهم الليل، ووافاهم من الغد علي وعساكره، فتقدم الأشتر وانتهى إلى معاوية ولحق به علي. وكان معاوية قد ملك شريعة الفرات فشكى الناس إلى علي العطش فبعث صعصعة بن صوحان إلى معاوية: «بأنا سرنا ونحن عازمون على الكف عنكم حتى نعذر إليكم فسابقنا جندكم بالقتال ونحن رأينا

الكف حتى ندعوك ونحتج عليك وقد منعتم الماء والناس غير منتهين فابعث إلى أصحابك يخلون عن الماء للورد حتى ننظر بيننا وبينكم وان أردت القتال حتى يشرب الغالب فعلنا» . فأشار عمرو بن العاص بتخلية الماء لهم، وأشار ابن أبي سرح والوليد بن عقبة بمنعهم الماء، وعرضا بشتم فتشاتم معهم صعصعة ورجع، وأوعز إلى أبي الأعور بمنعهم الماء وجاء الأشعث بن قيس إلى الماء فقاتلهم عليه ثم أمر معاوية أبا الأعور يزيد بن أبي أسد القسري جد خالد بن عبد الله ثم بعمرو بن العاص بعده، وأمر علي الأشعث بشبث بن ربعي ثم بالأشتر وعليهم أصحاب علي وملكوا الماء عليهم، وأرادوا منعهم منه فنهاهم علي عن ذلك.

وأقام يومين ثم بعث إلى معاوية أبا عمرو بشير بن عمرو بن محصن الأنصاري وسعيد بن قيس الهمداني وشبث بن ربعي التميمي، يدعونه إلى الطاعة وذلك أول ذي الحجة سنة ست وثلاثين، فدخلوا عليه وتكلم بشير بن عمرو بعد حمدا لله والثناء عليه والموعظة الحسنة وناشده الله أن لا يفرق الجماعة ولا يسفيك الدماء، فقال: هلا أوصيت بذلك صاحبك. فقال بشير: ليس مثلك أحق بالأمر بالسابقة والقرابة.

قال: فما رأيك؟ قال: تجيبه إلى ما دعا إليه من الحق، قال معاوية: ونترك دم عثمان لا والله لا أفعله أبدا! ثم قال شبث بن ربعي: يا معاوية إنما طلبت دم عثمان تستميل به هؤلاء السفهاء العظام الى طاعتك، ولقد علمنا أنك أبطات على عثمان بالنصر لطلب هذه المنزلة فاتق الله ودع ما أنت عليه ولا تنازع الأمر أهله. فأجابه معاوية وأبدع في سبه وقال: انصرفوا فليس بيني وبينكم إلا السيف. فقال له شبث: أقسم بالله لنعجلها [1] لك. ورجعوا إلى علي بالخبر.

وأقاموا يقتتلون أيام ذي الحجة كلها عسكر من هؤلاء وعسكر من هؤلاء، وكرهوا أن يلقوا جمع أهل العراق بجمع أهل الشام حذرا من الاستئصال والهلاك. ثم جاء المحرم فذهبوا إلى الموادعة حتى ينقضي طمعا في الصلح، وبعث إلى معاوية عدي بن حاتم ويزيد بن قيس الأرحبي وشبث بن ربعي وزياد بن خصفة [2] ، فتكلم عدي بعد الحمد والثناء ودعا إلى الدخول في طاعة علي ليجمع الله به الكلمة فلم يبق غيرك ومن معك واحذر يا معاوية أن يصيبك وأصحابك مثل يوم الجمل. فقال معاوية:

كأنك جئت مهددا لا مصلحا هيهات يا عدي أنا ابن حرب والله ما يقعقع لي بالشنان وأنك من قتلة عثمان وأرجو أن يقتلك الله به. فقال له يزيد بن قيس: إنما أتيناك رسلا ولا ندع مع ذلك النصح والسعي في الالفة والجماعة وذكر من فضل علي واستحقاقه للأمر بتقواه وزهده. فقال معاوية بعد الحمد والثناء: أما الجماعة التي تدعون إليها فهي معنا وأما طاعة صاحبكم فلا نراها لأنه قتل خليفتنا وآوى أهل ثأرنا ونحن مع ذلك نجيبكم إلى الطاعة والجماعة إذا دفع إلينا قتلة عثمان. فقال شبث بن ربعي: أيسرك يا معاوية أن تقتل عمارا؟ قال: نعم بمولاه. قال شبث: حتى تضيق الأرض والفضاء عليك. فقال معاوية: لو كان ذلك لكانت عليك أضيق.

وافترقوا عن معاوية ثم خلا بزياد بن خصفة وشكى إليه من علي وسأله النصر منه بعشيرته وأن يوليه أحد المصرين، فأبى وقال: إني على بينة من ربي فلن أكون ظهيرا للمجرمين. وقام عنه فقال معاوية لعمرو: كأن قلوبهم قلب رجل واحد.

ثم بعث معاوية إلى علي حبيب بن مسلمة وشرحبيل بن السمط ومعن بن يزيد بن الأخنس فدخلوا عليه، فتكلم حبيب بعد الحمد لله والثناء فقال: إن عثمان كان خليفة مهديا يعمل بكتاب الله وينيب إلى أمره فاستثقلتم حياته واستبطأتم موته فقتلتموه فادفع إلينا قتلته إن كنت لم تقتله ثم اعتزل أمر الناس فيولوا من أجمعوا عليه. فقال علي: ما أنت وهذا الأمر؟ فاسكت فلست بأهل له، فقال والله لتراني بحيث تكره، فقال: وما أنت لا أبقى الله عليك ان أبقيت اذهب فصوب وصعد، ثم تكلم بعد الحمد لله والثناء وهداية الناس بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وخلافة الشيخين وحسن سيرتهما، وقد وجدنا عليهما أن توليا ونحن أقرب منهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لكن سمحنا لهما [1] بذلك، وولي عثمان فعاب الناس عليه وقتلوه، ثم بايعوني مخافة الفرقة فأجبتهم، ونكث علي رجلان وخالف صاحبكم الذي ليس له مثل سابقتي، والعجب من انقيادكم له دون بيت نبيكم ولا ينبغي لكم ذلك، وأنا أدعوكم إلى الكتاب والسنة ومعالم الدين وإماتة الباطل وإحياء الحق» فقالوا:

نشهد أن عثمان قتل مظلوما، فقال: لا أقول مظلوما ولا ظالما. قالوا: فمن لم يقل ذلك فنحن منه برآء وانصرفوا. فقرأ علي إنك لا تسمع الموتى 27: 80 الآية ثم، قال لأصحابه: لا يكن هؤلاء في ضلالهم أجد منكم في حقكم.

ثم تنازع عدي بن حاتم في راية طيئ وعامر بن قيس الحزمري [1] وكان رهطه أكثر من رهط عدي، فقال عبد الله بن خليفة البولاني: ما فينا أفضل من عدي ولا من أبيه حاتم ولم يكن في الإسلام أفضل من عدي وهو الوافد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأس طيئ في النخيلة والقادسية والمدائن وجلولاء ونهاوند وتستر، وسأل علي قومهم فوافقوه على ذلك فقضى بها لعدي. ولما انسلخ المحرم نادى علي في الناس بالقتال وعبى الكتائب وقال: لا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم فإذا هزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولا تكشفوا عورة ولا تمثلوا ولا تأخذوا مالا ولا تهيجوا امرأة وإن شتمتكم فإنهن ضعاف الأنفس والقوى، ثم حرضهم ودعا لهم وجعل الأشتر على خيل الكوفة وسهل بن حنيف على خيل البصرة وقيس بن سعد على رجالة البصرة وعمار بن ياسر على رجالة الكوفة وهاشم بن عتبة معه الراية ومسعر بن فدكي على القراء، وعبى معاوية كتائبه فجعل على الميمنة ذا الكلاع الحميري وعلى الميسرة حبيب بن مسلمة، وعلى المقدمة أبا الأعور وعلى خيل دمشق عمرو بن العاص وعلى رجالتها مسلم بن عقبة المري. وعلى الناس كلهم الضحاك بن قيس. وتبايع رجال من أهل الشام على الموت فعقلوا أنفسهم بالعمائم في خمسة صفوف فاقتتلوا عامة يومهم، وفي اليوم الثاني هاشم بن عتبة وأبو الأعور السلمي، وفي اليوم الثالث عمار بن ياسر وعمرو بن العاص فاقتتلوا أشد قتال وحمل عمار فأزال عمرا عن موضعه، وفي اليوم الرابع محمد بن الحنفية وعبيد الله بن عمر بن الخطاب وتداعيا إلى البراز فرد علي ابنه وتراجعوا، وفي اليوم الخامس عبد الله بن عباس والوليد بن عقبة فاقتتلا كذلك، ثم عاد في اليوم السادس الأشتر وحبيب فاقتتلا قتالا شديدا وانصرفا.

وخطب علي الناس عشية يومه [2] وأمرهم بمناهضة القوم بأجمعهم وأن يطيلوا ليلتهم القيام، ويكثروا التلاوة ويدعو الله بالنصر والصبر، ويرموا [3] غدا في لقائهم بالجد والحزم. فبات الناس يصلحون ليلتهم سلاحهم، وعبى علي الناس ليلته إلى الصباح، وزحف وسأل عن القبائل من أهل الشام وعرف مواقفهم وأمر كل قبيلة أن تكفيه أختها من الشام، ومن ليس منهم أحد بالشام يصرفهم إلى من ليس منهم أحد

بالعراق مثل بجيلة صرفهم الى لخم. وخرج معاوية في أهل الشام فاقتتلوا يوم الأربعاء قتالا شديدا عامة يومهم ثم انصرفوا، وغلس علي يوم الخميس بالزحف وعلى ميمنته عبد الله بن بديل بن ورقاء وعلى ميسرته عبد الله بن عباس والقراء مع عمار وقيس بن سعد وعبد الله بن يزيد والناس على راياتهم ومراكزهم، وعلي في القلب بين أهل الكوفة والبصرة ومعه أهل البصرة والكوفة ومعه أهل المدينة من الأنصار وخزاعة وكنانة.

ورفع معاوية قبة عظيمة وألقى عليها الثياب وبايعه أكثر أهل الشام على الموت، وأحاط بقبته خيل دمشق [1] وزحف ابن بديل في الميمنة فقاتلهم إلى الظهر وهو يحرض أصحابه. ثم كشف خيلهم واضطرهم إلى قبة معاوية، وجاء الذين تبايعوا على الموت إلى معاوية فبعثهم إلى حبيب فحمل بهم على ميمنة أهل العراق فانجفل الناس عن ابن بديل إلا ثلاثمائة أو مائتين من القراء وانتهت الهزيمة إلى علي، وأمده علي بسهل بن حنيف في أهل المدينة فاستقبلهم جموع عظيمة لأهل الشام فمنعتهم، ثم انكشفت مضر من الميسرة وثبتت ربيعة وجاء علي يمشي نحوهم فاعترضه أحمر مولى أبي سفيان فحال دونه كيسان مولاه فقتله أحمر، فتناول علي أحمر من درعه فجذبه وضرب به الأرض وكسر منكبيه وعضديه، ثم دنا من ربيعة فصبرهم وثبت أقدامهم وتنادوا بينهم إن أصيب بينكم أمير المؤمنين افتضحتم في العرب، وكان الأشتر مر به راكضا نحو الميمنة واستقبل الناس منهزمين فأبلغهم مقالة علي: أين فراركم من الموت الذي لا تعجزوه [2] إلى الحياة التي لا تبقى لكم، ثم نادى أنا الأشتر فرجع إليه بعضهم فنادى مذحجا وحرضهم فأجابوه، وقصد القوم واستقبله شباب من همذان ثمانمائة أو نحوها وكان قد هلك منهم في ذلك اليوم أحد عشر رئيسا وأصيب منهم ثمانون ومائة وزحف الأشتر نحو الميمنة، وتراجع الناس واشتد القتال حتى كشف أهل الشام وألحقهم بمعاوية عند الاصفرار وانتهى إلى ابن بديل في مائتين أو ثلاثمائة من القراء قد لصقوا بالأرض، فانكشفوا عنهم أهل الشام وأبصروا إخوانهم وسألوا عن علي فقيل لهم هو في الميسرة يقاتل، فقال ابن بديل استقدموا بنا ونهاه الأشتر فأبى ومضى نحو معاوية وحوله أمثال الجبال تقتل كل من دنا منه حتى وصل

الى معاوية، فنهض إليه الناس من كل جانب وأحيط به فقتل وقتل من أصحابه ناس ورجع آخرون مجرمين [1] وأهل الشام في اتباعهم، فبعث الأشتر من نفس عنهم حتى وصلوا إليه وزحف الأشتر في همذان وطوائف من الناس فأزال أهل الشام عن مواقفهم حتى ألحقهم بالصفوف المعقلة بالعمائم حول معاوية، ثم حمل أخرى فصرع منهم أربعة صفوف حتى دعا معاوية بفرسه فركبه، وخرج عبد الله بن أبي الحصين الأزدي في القراء الذين مع عمار فقاتلوا، وتقدم عقبة بن حديد النميري مستميتا ومعه إخوته وقاتلوا حتى قتلوا، وتقدم شمر بن ذي الجوشن مبارزا فضرب أدهم بن محرز الباهلي وجهه بالسيف وحمل هو على أدهم فقتله، وحمل قيس بن المكشوح [2] ومعه راية بجيلة فقاتل حتى أخذها آخر كذلك.

ولما رأى علي أهل ميمنة أصحابه قد عادوا إلى مواقفهم وكشفوا العدو قبالتهم أقبل إليهم وعذلهم بعض الشيء عن مفرهم وأثنى على وجوههم، وقاتل الناس قتالا شديدا وتبارز الشجعان من كل جانب وأقبلت قبائل طيئ والنخع وخرجت حمير من ميمنة أهل الشام، وتقدم ذو الكلاع ومعهم عبيد الله بن عمر بن الخطاب فقصد ربيعة في ميسرة أهل العراق وعليهم ابن عباس وحملوا عليهم حملة شديدة فثبت ربيعة وأهل الحفاظ منهم وانهزم الضعفاء والفشلة، ثم رجعوا ولحقت بهم عبد القيس وحملوا على حمير فقتل ذو الكلاع وعبيد الله بن عمر وأخذ سيف ذي الكلاع وكان لعمر، فلما ملك معاوية العراق أخذه من قاتله. ثم خرج عمار بن ياسر وقال اللهم اني لا أعمل اليوم عملا أرضى من جهاد هؤلاء الفاسقين ثم نادى من سعى في رضوان ربه فلا يرجع إلى مال ولا ولد فأتاه عصابة فقال: «اقصدوا بنا هؤلاء الذين يطلبون بدم عثمان يخادعون بذلك عما في نفوسهم من الباطل» ، ثم مضى فلا يمر بواد من صفين الا اتبعه من هناك من الصحابة. ثم جاء الى هاشم بن عتبة وكان صاحب الراية فأنهضه حتى دنا من عمرو بن العاص وقال: يا عمرو بعت دينك بمصر؟ تبا لك فقال: إنما أطلب دم عثمان، فقال: أشهد أنك لا تطلب وجه الله في كلام كثير من أمثال ذلك وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في عمار تقتله الفئة الباغية.

ولما قتل عمار حمل علي وحمل معه ربيعة ومضر وهمذان حملة منكرة فلم يبق لأهل الشام صف إلا انتقض حتى بلغوا معاوية فناداه علي: علام يقتل الناس بيننا هلم أحاكمك إلى الله فأينا قتل صاحبه استقام له الأمر، فقال له عمرو: أنصفك.

فقال له معاوية: لكنك ما أنصفت. وأسر يومئذ جماعة من أصحاب علي فترك سبيلهم، وكذلك فعل علي، ومر علي بكتيبة من الشام قد ثبتوا فبعث إليهم محمد ابن الحنفية فازالهم عن مواقفهم، وصرح عبد الله بن كعب المرادي فمر به الأسود بن قيس فأوصاه بتقوى الله والقتال مع علي، وقال أبلغه عني السلام، وقال له قاتل على [1] المعركة حتى تجعلها خلف ظهرك فإنه من أصبح غدا والمعركة خلف ظهره فإنه العالي.

ثم اقتتل الناس إلى الصباح وهي ليلة الجمعة وتسمي ليلة الهرير، وعلي يسير بين الصفوف ويحرض كل كتيبة على التقدم حتى أصبح والمعركة كلها خلف ظهره، والأشتر في الميمنة وابن عباس في الميسرة والناس يقتتلون من كل جانب وذلك يوم الجمعة. ثم ركب الأشتر ودعا الناس إلى الحملة على أهل الشام فحمل حتى انتهى إلى عسكرهم وقتل صاحب رايتهم، وأمده علي بالرجال، فلما رأى عمرو شدة أهل العراق وخاف على أصحابه الهلاك، قال لمعاوية: مر الناس يرفعون المصاحف على الرماح ويقولون كتاب الله بيننا وبينكم فإن قبلوا ذلك ارتفع عنا القتال وإن أبى بعضهم وجدنا في افتراقهم راحة. ففعلوا ذلك، فقال الناس: نجيب إلى كتاب الله فقال لهم علي: «يا عباد الله امضوا على حقكم وقتال عدوكم فإن معاوية وابن أبي معيط وحبيبا وابن أبي سرح والضحاك ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن أنا أعرف بهم صحبتهم أطفالا ورجالا فكانوا شر أطفال وشر رجال، ويحكم والله ما رفعوها إلا مكيدة وخديعة» . فقالوا: لا يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله فلا نقبل، فقال: إنما قتلناهم ليدينوا بكتاب الله فإنهم نبذوه. فقال له مسعر بن فدك التميمي وزيد بن حصين الطائي في عصابة من القراء الذين صاروا خوارج بعد ذلك: يا علي أجب الى كتاب الله وإلا دفعنا برمتك إلى القوم. أو فعلنا بك ما فعلنا بابن عفان. فقال:

إن تطيعوني فقاتلوا وإن تعصوني فافعلوا ما بدا لكم، قالوا: فابعث إلى الأشتر وكفه عن القتال، فبعث إليه يزيد بن هانئ بذلك فأبى، وقال:، قد رجوت أن يفتح

الله لي فلما جاء يزيد بذلك ارتج الموقف باللغط، وقالوا لعلي: ما نراك إلا أمرته بقتال فابعث إليه فليأتك وإلا اعتزلناك، فقال علي: ويحك يا يزيد قل له أقبل إلي فان الفتنة قد رفعت، فقال: ألرفع المصاحف؟ فقال: نعم قال: لقد ظننت أن ذلك يوقع فرقة كيف ندع هؤلاء وننصرف والفتح قد وقع، فقال يزيد: تحب أن تظفر وأمير المؤمنين يسلم إلى عدوه أو يقتل، ثم أقبل إليهم الأشتر وأطال عتبهم، وقال امهلوني فواقا فقد أحسست بالفتح، فأبوا فعذلهم وأطال في عذلهم، فقالوا دعنا يا أشتر قاتلناهم الله، فقال: بل خدعتم فانخدعتم. ثم كثرت الملاحاة بينهم وتشاتموا فصاح بهم علي فكفوا، فقال له الأشعث بن قيس: إن الناس قد رضوا بما دعوا إليه من حكم القرآن فإن شئت أتيت معاوية وسألته ما يريد. قال: افعل.

فأتاه وسأله: لأي شيء رفعتم المصاحف؟ قال: لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به من كتابه تبعثون رجلا ترضونه، ونحن آخر ونأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يعدوانه. ثم نتبع ما اتفقا عليه، فقال الأشعث هذا الحق ورجع إلى علي والناس وأخبرهم، فقال الناس رضينا وقبلنا، ورضي أهل الشام عمرا، وقال الأشعث وأولئك القراء الذين صاروا خوارج: رضينا بأبي موسى، فقال علي لا أرضاه فقال الأشعث ويزيد بن الحصين [1] ومسعر بن فدك: لا نرضي إلا به. قال فإنه ليس ثقة قد فارقني وخذل الناس عني وهرب مني حتى أمنته بعد شهر، قالوا لا نريد إلا رجلا هو منك ومن معاوية سواء، قال فالأشتر، قالوا: وهل سعر الأرض غير الأشتر؟ قال: فاصنعوا ما بدا لكم. فبعثوا إلى أبي موسى وقد اعتزل القتال، فقيل إن الناس قد اصطلحوا، فحمد الله، قيل وقد جعلوك حكما فاسترجع، وجاء أبو موسى إلى العسكر وطلب الأحنف بن قيس من علي أن يجعله مع أبي موسى، فأبى الناس من ذلك وحضر عمرو بن العاص عند علي لتكتب القضية بحضوره، فكتبوا بعد البسملة هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين، فقال: عمرو ليس هو بأميرنا، فقال له الأحنف: لا تمحها فاني أتطير بمحوها فمكث مليا، ثم قال الأشعث: امحها.

فقال علي: الله أكبر وذكر قصة الحديبية وفيها أنك ستدعى إلى مثلها فتجيبها، فقال عمرو: وسبحان الله نشبه بالكفار ونحن مؤمنون. فقال علي: يا ابن النابغة ومتى لم تكن للفاسقين وليا وللمؤمنين عدوا، فقال عمرو: والله لا يجمع بيني وبينك

مجلس بعد اليوم، فقال علي: أرجو أن يظهر الله مجلسي منك ومن أشباهك.

وكتب الكتاب: «هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان قاضى علي على أهل الكوفة ومن معهم ومعاوية على أهل الشام ومن معهم أنا ننزل عند حكم الله وكتابه وأن لا يجمع بيننا غيره وأن كتاب الله بيننا من فاتحته إلى خاتمته نحيي ما أحيا ونميت ما أمات مما وجد الحكمان في كتاب الله. وهما أبو موسى عبد الله ابن قيس وعمرو بن العاص وما لم يجدا في كتب الله فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة وأخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين العهود والمواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وأهليهما والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه، وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه أن يحكما بين هذه الأمة ولا يورداها في حرب ولا فرقة حتى يقضيا، وأجلاء القضاء إلى رمضان وإن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه وأن مكان قضيتهما مكان عدل بين أهل الكوفة وأهل الشام» . وشهد رجال من أهل العراق ورجال من أهل الشام وضعوا خطوطهم في الصحيفة، وأبى الأشتر أن يكتب اسمه فيها وحاوره الأشعث في ذلك فأساء الرد عليه وتهدده. وكتب الكتاب لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين. واتفقوا على أن يوافي علي موضع الحكمين بدومة الجندل وبأذرح في شهر رمضان، ثم جاء بعض الناس إلى علي يحضه على قتال القوم فقال:

لا يصلح الرجوع بعد الرضى ولا التبديل بعد الإقرار.

ثم رجع الناس عن صفين ورجع علي، وخالفت الحرورية وأنكروا تحكيم الرجال ورجعوا على غير الطريق الذي جاءوا فيه حتى جازوا النخيلة ورأوا بيوت الكوفة، ومر علي بقبر خباب بن الأرت توفي بعد خروجه فوقف واسترحم له، ثم دخل الكوفة فسمع رجة البكاء في الدور فقال يبكين على القتلى فترحم لهم، ولم يزل يذكر الله حتى دخل القصر فلم تدخل الخوارج معه وأتوا حرورا فنزلوا بها في اثني عشر ألفا، وقدموا شبث بن عمر التميمي أمير القتال وعبيد الله بن الكواء اليشكري أمير الصلاة، قالوا البيعة لله عز وجل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأمر شورى بعد الفتح. فقالوا للناس بايعتم عليا إنكم أولياء من والى وأعداء من عادى، وبايع أهل الشام معاوية على ما أحب وكرهوا فلستم جميعا من الحق في شيء، فقال لهم زياد بن النضر: والله ما بايعناه إلا على الكتاب والسنة لكن لما خالفتموه تعينتم للضلال وتعينا للحق. ثم بعث علي عبد الله بن عباس إليهم قوال لا تراجعهم حتى آتيك فلم يصبر عن

مكالمتهم، وقال: ما نقمتم من أمر الحكمين

وقد أمر الله بهما بين الزوجين فكيف بالأمة فقالوا لا يكون هذا بالرأي والقياس فإن ذلك جعله الله حكما للعباد وهذا أمضاه كما أمضى حكم الزاني والسارق. قال ابن عباس: قال الله تعالى يحكم به ذوا عدل منكم 5: 95، قالوا والأخرى كذلك وليس أمر الصيد والزوجين كدماء المسلمين. ثم قالوا له: قد كنا بالأمس نقاتل عمرو بن العاص فان كان عدلا فعلى ما قتلناه وان لم يكن عدلا فكيف يسوغ تحكيمه؟ وأنتم قد حكمتم الرجال في أمر معاوية وأصحابه والله تعالى قد امضى حكمه فيهم أن يقتلوا أو يرجعوا وجعلتم بينكم الموادعة في الكتب وقد قطعها الله بين المسلمين وأهل الحرب منذ نزلت براءة.

ثم جاء علي إلى فسطاط يزيد بن قيس منهم بعد أن علم أنهم يرجعون إليه في رأيهم، فصلى عنده ركعتين وولاه على أصبهان والري، ثم خرج إليهم وهم في مجلس ابن عباس فقال من زعيمكم قالوا: ابن الكواء قال: فما هذا الخروج؟ قالوا لحكومتكم يوم صفين، قال أنشدكم الله أتعلمون أنه لم يكن رأيي وإنما كان رأيكم مع أني اشترطت على الحكمين أن يحكما بحكم القرآن فان فعلا فلا ضير وإن خالفا فلا خير ونحن برآء من حكمهم، قالوا فتحكيم الرجال في الدماء عدل؟ قال إنما حكمنا القرآن إلا أنه لا ينطق وإنما يتكلم به الرجال، قالوا: فلم جعلتم الأجل بينكم؟ قال لعل الله يأتي فيه بالهدنة بعد افتراق الأمة فرجعوا إلى رأيه، وقال ادخلوا مصركم فلنمكث ستة أشهر حتى يجبى المال ويسمن الكراع ثم نخرج الى عدونا فدخلوا من عند آخرهم.

** أمر الحكمين **

ولما انقضى الأجل وحان وقت الحكمين بعث علي أبا موسى الأشعري في أربعمائة رجل عليهم شريح بن هانئ الحارثي ومعهم عبد الله بن عباس يصلى بهم، وأوصى شريحا بموعظة عمر، فلما سمعها قال متى كنت أقبل مشورة علي وأعتد برأيه؟ قال وما يمنعك أن تقبل من سيد المسلمين، وأساء الرد عليه فسكت عنه. وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة من أهل الشام والتقوا بأذرح من دومة الجندل، فكان أصحاب عمرو أطوع من أصحاب ابن عباس لابن عباس، حتى لم يكونوا يسألوه عن كتاب معاوية إذا جاءه، ويسأل أهل العراق ابن عباس ويتهمونه، وحضر مع الحكمين:

عبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن ابن الحرث بن هشام، وعبد الرحمن بن عبد يغوث الزهري، وأبو جهم بن حذيفة العدوي، والمغيرة بن شعبة، وسعد بن أبي وقاص على خلاف فيه، وقيل قدم على حضوره فأحرم بعمرة من بيت المقدس.

ولما اجتمع الحكمان قال عمرو لأبي موسى: أتعلم أن عثمان قتل مظلوما وأن معاوية وقومه أولياؤه، قال: بلى، قال: فما يمنعك منه وهو في قريش كما علمت وإن قصرت به السابقة قدمه حسن السياسة وأنه صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكاتبه وصاحبه والطالب بدم عثمان وعرض بالولاية، فقال أبو موسى: يا عمرو اتق الله واعلم أن هذا الأمر ليس بالشرف وإلا لكان لآل أبرهة بن الصباح وإنما هو بالدين والفضل مع أنه لو كان بشرف قريش لكان لعلي بن أبي طالب وما كنت لأرى لمعاوية طلبه دم عثمان وأوليه وأدع المهاجرين الأولين. وأما تعرضيك بالولاية فلو خرج لي معاوية عن سلطانه ما وليته وما أرتشي في حكم الله، ثم دعاه إلى تولية عبد الله بن عمر، فقال له عمرو: فما يمنعك من ابني وهو من علمت؟ فقال: هو رجل صدق ولكنك غمسته في الفتنة، فقال عمرو: إن هذا الأمر لا يصلح إلا لرجل له ضرس يأكل ويطعم. وكانت في ابن عمر غفلة وكان ابن الزبير بإزائه فنبهه لما قال: فقال ابن عمر: لا أرشو عليها أبدا. ثم قال أبو موسى: يا ابن العاص إن العرب أسندت أمرها إليك بعد المقارعة بالسيوف فلا تردنهم في فتنة، قال له:

فخبرني ما رأيك، قال: أرى أن نخلع الرجلين ونجعل الأمر شورى يختار المسلمون لأنفسهم. فقال عمرو: والرأي ما رأيت.

ثم أقبلوا على الناس وهم ينتظرونهم، وكان عمرو قد عود أبا موسى أن يقدمه في الكلام لما له من الصحبة والسن، فقال: يا أبا موسى أعلمهم أن رأينا قد اتفق، فقال: إنا رأينا أمرا نرجو الله أن يصلح به الأمة، فقال له ابن عباس: ويحك أظنه خدعك فاجعل له الكلام قبلك، فأبى وقال: أيها الناس إنا نظرنا في أمر الأمة فلم نر أصلح لهم مما اتفقنا عليه وهو أن نخلع علينا ومعاوية ويولي الناس أمرهم من أحبوا وإني قد خلعتهما فولوا من رأيتموه أهلا، فقال عمرو: إن هذا قد خلع صاحبه وقد خلعته كما خلعه وأثبت معاوية فهو ولي ابن عفان وأحق الناس بمقامه. ثم غدا ابن عباس وسعد على أبي موسى بالأئمة فقال: ما أصنع غدرني ورجع بالأئمة على

عمرو وقال لا وفقك الله غدرت وفجرت. وحمل شريح على عمرو فضربه بالسيف [1] وضربه ابن عمر كذلك، وحجز الناس بينهم، فلحق أبو موسى بمكة وانصرف عمرو وأهل الشام إلى معاوية فسلموا عليه بالخلافة، ورجع ابن عباس وشريح إلى علي بالخبر فكان يقنت إذا صلى الغداة ويقول اللهم العن معاوية وعمرا وحبيبا وعبد الرحمن بن مخلد والضحاك بن قيس والوليد وأبا الأعور، وبلغ ذلك معاوية فكان إذا اقنت يلعن عليا وابن عباس والحسن والحسين والأشتر [2] .

** أمر الخوارج وقتالهم **

ولما اعتزم علي أن يبعث أبا موسى للحكومة أتاه زرعة بن البرح الطائي وحرقوص بن زهير السعدي من الخوارج وقالا له: تب من خطيئتك وارجع عن قضيتك واخرج بنا إلى عدونا نقاتلهم، وقال علي: قد كتبنا بيننا وبينهم كتابا وعاهدناهم، فقال حرقوص: ذلك ذنب تنبغي التوبة منه، فقال علي: ليس بذنب ولكنه عجز من الرأي، فقال زرعة: لئن لم تدع تحكيم الرجال لأقاتلنك أطلب وجه الله، فقال علي: بؤسا لك كأني بك قتيلا تسفى عليك الرياح، قال: وددت لو كان ذلك.

وخرجا من عنده يناديان لا حكم إلا لله، وخطب علي يوما فتنادوا من جوانب المسجد بهذه الكلمة، فقال علي: الله أكبر كلمة حق أريد بها باطل، وخطب ثانيا فقالوا كذلك، فقال: أما آن لكم عندنا ثلاثا ما صحبتمونا لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه ولا الفيء ما دمتم معنا ولا نقاتلكم حتى تبدءونا وننتظر فيكم أمر الله. ثم اجتمع الخوارج في منزل عبد الله بن وهب الراسبي [3] فوعظهم وحرضهم على الخروج إلى بعض النواحي لإنكار هذه البدع، وتبعه حرقوص بن زهير في المقالة، فقال حمزة بن سنان الأسدي [4] : الرأي ما رأيتم لكن لا بد لكم من أمير وراية، فعرضوها على زيد بن حصين الطائي، ثم حرقوص بن زهير، ثم حمزة بن سنان، ثم

شريح بن أوفى العنسي فأبوا كلهم. ثم عرضوها على عبد الله بن وهب فأجاب فبايعوه لعشر خلون من شوال، وكان يقال له ذو الثفنات. ثم اجتمعوا في منزل شريح وتشاوروا. وكتب ابن وهب إلى أهل البصرة منهم يستحشدهم [1] على اللحاق بهم، ولما اعتزموا على السير تعبدوا ليلة الجمعة ويومها ساروا، فخرج معهم طرفة بن عدي بن حاتم الطائي، واتبعه أبوه إلى المدائن فلم يقدر عليه فرجع ولقيه عبد الله بن وهب في عشرين فارسا وأراد قتله فمنعه من كان معه من طيئ.

وأرسل علي إلى عامل المدائن سعد بن مسعود بخبرهم فاستخلف ابن أخيه المختار بن عبيد وسار في طلبهم في خمسمائة فارس، فتركوا طريقهم وساروا على بغداد ولحقهم سعد بالكرخ مساء، وجاءه عبد الله في ثلاثين فارسا وقاتلهم وامتنعوا، وأشار أصحابه بتركهم [2] إلى أن يأتي فيهم أمر علي فأبى، ولما جن عليهم الليل عبر عبد الله إليهم دجلة وسار إلى أصحابه بالنهروان، واجتمعت خوارج البصرة في خمسمائة رجل عليهم مسعر بن فدكي التميمي واتبعهم أبو الأسود الدؤلي بأمر ابن عباس ولحقهم فاقتتلوا حتى حجز بينهم الليل، فأدلج مسعر بأصحابه فلحق بعبد الله بن وهب بالنهروان، ولما خرجت الخوارج بايع علي أصحابه على قتالهم، ثم أنكر [3] شأن الحكمين وخطب الناس وقال بعد الحمد لله والموعظة: ألا إن هذين الحكمين نبذا حكم القرآن واتبع كل واحد هواه واختلفا في الحكم وكلاهما لم يرشد، فاستعدوا للسير إلى الشام. وكتب إلى الخوارج بالنهروان بذلك واستحثهم للمسير إلى العدو وقال: نحن على الأمر الأول الذي كنا عليه. فكتبوا إليه: إنك غضبت لنفسك ولم تغضب لربك فان شهدت على نفسك بالكفر وتبت نظرنا بيننا وبينك وإلا فقد نابذناك على السواء. فيئس علي منهم ورأى أن يمضي إلى الشام ويدعهم، وقام في الناس يحرضهم لذلك، وكتب إلى ابن عباس من معسكره بالنخيلة يأمره بالشخوص بالعساكر والمقام إلى أن يأتي أمره، فأشخص ابن عباس الأحنف بن قيس في ألف وخمسمائة، ثم خطب ثانية وندب الناس وقال: كيف ينفر هذا العدد القليل وأنتم

ستون ألف مقاتل! ثم تهددهم وأمرهم بالنفير مع جارية بن قدامة السعدي، فخرج معه ألف وستمائة [1] ووافوا عليا في ثلاثة آلاف ويزيدون. ثم خطب أهل الكوفة ولاطفهم بالقول وحرضهم وأخبرهم بما فعل أهل البصرة مع كثرتهم وقال ليكتب إلي كل رئيس منكم ما في عشيرته من المقاتلة من أبنائهم ومواليهم، فأجابه سعيد بن قيس الهمداني ومعقل بن قيس وعدي بن حاتم وزياد بن خصفة وحجر بن عدي وأشراف الناس بالسمع والطاعة، وأمروا ذويهم ألا يتخلف منهم أحد، فكانوا أربعين ألف مقاتل وسبعة عشر ممن بلغ الحلم، وانتهت عساكره إلى ثمانية وستين ألفا.

وبلغه أن الناس يرون تقديم الخوارج فقال لهم: إن قتال أهل الشام أهم [2] علينا لأنهم يقاتلونكم ليكونوا ملوكا جبارين ويتخذوا عباد الله خولا فرجعوا إلى رأيه وقالوا: سر بنا إلى حيث شئت. وبينما هو على اعتزام السير إلى أهل الشام بلغه أن خوارج أهل البصرة لقوا عبد الله بن خباب من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم قريبا من النهروان فعرفهم بنفسه، فسألوه عن أبي بكر وعمر فأثنى خيرا، ثم عن عثمان في أول خلافته وآخرها فقال: كان محقا في الأول والآخر، فسألوه عن علي قيل التحكيم وبعده، فقال: هو أعلم بالله وأشد توقيا على دينه، فقالوا: إنك توالي الرجال على أسمائها، ثم ذبحوه وبقروا بطن امرأته ثم قتلوا ثلاث نسوة من طيئ.

فآسف عليا قتلهم عبد الله بن خباب واعتراضهم الناس، فبعث الحرث بن مرة العبدي لينظر فيما بلغه عنهم فقتلوه، فقال له أصحابه: كيف ندع هؤلاء ونأمن غائلتهم في أموالنا وعيالنا إنما نقدم أمرهم على الشام، وقام الأشعث بن قيس بمثل ذلك فوافقهم علي وسار إليهم، وبعث من يقول لهم ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم فنكف عنكم حتى نرجع من قتال العرب [3] لعل الله يردكم إلى خير، فقالوا: كلنا قتلهم وكلنا مستحل دماءكم ودماءهم، ثم جاءهم قيس بن سعد ووعظهم وأبو أيوب الأنصاري كذلك.

ثم جاءهم علي فتهددهم وسفه رأيهم ويريهم [4] شأن الحكمين وأنهما لما خالفا حكم

الكتاب والسنة نبذنا أمرهما ونحن على الأمر الأول فقالوا: إنا كفرنا بالتحكيم وقد تبنا فان تبت أنت فنحن معك وان أبيت فقد نابذناك، فقال: كيف أحكم على نفسي بالكفر بعد إيماني وهجرتي وجهادي ثم انصرف عنهم. وقيل إن عليا خطبهم وأغلظ عليهم فيما فعلوه من الاستعراض والقتل فتنادوا لا تكلموهم وتأهبوا للقاء الله. ثم قصدوا جسر الخوارج ولحقهم علي دونه، وقد عبى أصحابه: وعلى ميمنته حجر بن عدي وعلى ميسرته شبث بن ربعي أو معقل بن قيس وعلى الخيل أبو أيوب وعلى الرجالة أبو قتادة وعلى أهل المدينة سبعمائة أو ثمانمائة قيس بن سعد. وعبأت نحوه الخوارج: على ميمنتهم زيد بن حصين الطائي وعلى الميسرة شريح بن أوفى العنسي [1] وعلى الخيل حمزة بن سنان الأسدي وعلى الرجالة حرقوص بن زهير.

ودفع علي إلى أبي أيوب راية أمانا لهم لمن جاءها ممن لم يقتل ولم يستعرض فناداهم إليها وقال: من انصرف الى الكوفة والمدائن فهو آمن. فاعتزل عنهم فروة بن نوفل الأشجعي في خمسمائة وقال أعتزل حتى يتضح لي أمر في قتال علي فنزل الدسكرة، وخرج آخرون إلى الكوفة، ورجع آخرون إلى علي وكانوا أربعة آلاف، وبقي منهم ألف وثمانمائة فحمل عليهم علي والناس حتى فرقهم [2] على الميمنة والميسرة. ثم استقبلتهم الرماة وعطفت عليهم الخيل من المجنبتين ونهض إليهم الرجال بالسلاح فهلكوا كلهم في ساعة واحدة كأنما قيل لهم موتوا، وقتل عبد الله بن وهب وزيد بن حصن وحرقوص بن زهير وعبد الله بن شجرة وشريح بن أوفى. وأمر علي أن يلتمس المخدج في قتلاهم وهو الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في علاماتهم فوجد في القتلى فاعتبر [3] علي وكبر واستنصر الناس، وأخذ ما في عسكرهم من السلاح والدواب فقسمه بين المسلمين ورد عليهم المتاع والإماء والعبيد. ودفن عدي بن حاتم ابنه طرفة ورجالا من المسلمين فنهى علي عن ذلك، وارتحل ولم يفقد من أصحابه إلا سبعة أو نحوهم.

وشكا إليه الناس الكلال ونفوذ السهام والرماح وطلبوا الرجوع إلى الكوفة ليستعدوا

فإنه أقوى على القتال [1] ، وكان الذي تولي كلامه الأشعث بن قيس فلم يجبه، وأقبل فنزل ومنعهم من دخول منازلهم حتى يسيروا إلى عدوهم، فتسللوا أيام المقامة إلى البيوت وتركوا المعسكر خاليا فلما رأى علي ذلك دخل ثم ندبهم ثانيا فلم ينفروا، فأقام أياما ثم كلم رؤساءهم على رأيهم والذي يبطئ بهم فلم ينشط من ذلك إلا القليل، فخطبهم وأغلظ في عتابهم وأعلمهم بما له عليهم من الطاعة في الحق والنصح فتثاقلوا وسكتوا.

** ولاية عمرو بن العاص مصر **

قد تقدم لنا ما كان من اجتماع العثمانية بنواحي مصر مع معاوية بن حديج السكوني، وان محمد بن أبي بكر بعث إليهم العساكر من الفسطاط مع ابن مضاهم [2] فهزموه وقتلوه، واضطربت الفتنة بمصر على محمد بن أبي بكر، وبلغ ذلك عليا فبعث إلى الأشتر من مكان عمله بالجزيرة وهو نصيبين فبعثه على مصر وقال: ليس لها غيرك.

وبلغ الخبر إلى معاوية وكان قد طمع في مصر فعلم أنها ستتمنع بالأشتر، وجاء الأشتر فنزل على صاحب الخراج بالقلزم فمات هنالك، وقيل إن معاوية بعث إلى صاحب القلزم فسمه على أن يسقط عنه الخراج وهذا بعيد. وبلغ خبر موته عليا فاسترجع واسترحم وكان محمد بن أبي بكر لما بلغته ولاية الأشتر شق عليه فكتب علي يعتذر إليه وأنه لم يوله لسوء رأي في محمد وإنما هو لما كان يظن فيه من الشدة، وقد صار إلى الله ونحن عنه راضون فرضي الله عنه وضاعف له الثواب، فاصبر لعدوك وشمر للحرب وادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وأكثر من ذكر الله والاستعانة به والخوف منه يكفيك ما أهمك ويعينك على ما ولاك. فأجابه محمد بالرضى برأيه والطاعة لأمره، وأنه مزمع على حرابة من خالفه.

ثم لما كان من أمر الحكمين ما كان واختلف أهل العراق على علي، وبايع أهل الشام معاوية بالخلافة، فأراد معاوية صرف عمله [3] إلى مصر لما كان يرجو من الاستعانة على حروبه بخراجها، ودعا بطانته أبا الأعور السلمي وحبيب بن مسلمة وبسر بن

أرطاة والضحاك بن قيس وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد وشرحبيل بن السمط وشاورهم في شأنها، فأشار عليه عمرو بافتتاحها وأشار ببعث الجيش مع حازم صارم يوثق ويجتمع إليه من كان على رأيه من العثمانية، وقال معاوية: بل الرأي أن نكاتب العثمانية بالوعد ونكاتب العدو بالصلح والتخويف ونأتي الحرب من بعد ذلك، ثم قال معاوية: إنك يا ابن العاص بورك لك في العجلة وأنا في التؤدة، فقال: أفعل ما تراه وأظن الأمر لا يصير إلا للحرب. فكتب معاوية إلى معاوية بن حديج ومسلمة بن مخلد يشكرهما على الخلاف، ويحثهما على الحرب والقيام في دم عثمان، وفرحا بجوابهما [1] فطلب المدد فجمع أصحابه وأشاروا بذلك، فأمر عمرو بن العاص أن يتجهز إلى مصر في ستة آلاف رجل ووصاه بالتؤدة وترك العجلة، فنزل أدنى أرض مصر واجتمعت إليه العثمانية، وبعث كتابه وكتاب معاوية إلى محمد بن أبي بكر بالتهديد وأن الناس اجتمعوا عليك وهم مسلموك فاخرج، فبعث بالكتابين إلى علي فوعده بإنفاذ [2] الجيوش وأمره بقتال العدو والصبر.

فقدم محمد بن أبي بكر كنانة بن بشر في ألفين، فبعث معاوية عمرو بن حديج [3] وسرحه في أهل الشام فأحاطوا بكنانة، فترجل عن فرسه وقاتل حتى استشهد. وجاء الخبر الى محمد بن أبي بكر فافترق عنه أصحابه وفروا، وآوى في مفره إلى خربة واستتر في تلك الخربة، فقبض عليه فأخذه ابن حديج وجاء به إلى الفسطاط، وطلب أخوه عبد الرحمن من عمرو أن يبعث إلى ابن حديج في البقاء عليه فأبى، وطلب محمد الماء فمنعه ابن حديج جزاء بما فعل بعثمان، ثم أحرقه في جوف حمار بعد أن لعنه ودعا عليه وعلى معاوية وعمرو. وكانت عائشة تقنت في الصلاة بالدعاء على قتلته. ويقال إنه لما انهزم اختفى عند جبلة بن مسروق حتى أحاط به معاوية بن حديج [4] وأصحابه، فخرج إليهم فقاتل حتى قتل.

ولما بلغ الخبر عليا خطب الناس وندبهم الى أعدائهم وقال: اخرجوا بنا إلى الجزاعة بين الحيرة والكوفة. وخرج من الغد إلى المنتصف النهار يمشي إليها حتى نزلها فلم يلحق

به أحد، فرجع من العشي وجمع أشراف الناس ووبخهم فأجاب مالك بن كعب الأرحبي في ألفين، فقال سر وما أراك تدركهم فسار خمسا، ولقي [1] حجاج بن عرفة الأنصاري قادما من مصر فأخبره بقتل محمد، وجاء إلى علي عبد الرحمن بن شبث الفزاري وكان عينا له بالشام، فأخبره بقتل محمد واستيلاء عمرو على مصر، فحزن لذلك، وبعث الى مالك بن كعب [2] أن يرجع بالجيش وخطب الناس فأخبرهم بالخبر وعذلهم على ما كان منهم من التثاقل حتى فات هذا الأمر ووبخهم طويلا ثم نزل.

** دعاء ابن الحضرمي بالبصرة لمعاوية ومقتله **

ولما فتح معاوية مصر بعث عبد الله بن الحضرمي إلى البصرة داعيا لهم وقد آنس منهم الطاعة بما كان من قتل علي أباهم يوم الجمل وأنهم على راية في دم عثمان، وأوصاه بالنزول في مصر يتودد إلى الأزد وحذره من ربيعة وقال إنهم ترائبه يعني شيعة لعلي.

فسار ابن الحضرمي حتى قدم البصرة. وكان ابن عباس قد خرج إلى علي واستخلف عليها زيادا، ونزل في بني تميم واجتمع إليه العثمانية فحضهم على الطلب بدم عثمان من علي، فقال الضحاك بن قيس الهلالي: قبح الله ما جئت به وما تدعو إليه تحملنا على الفرقة بعد الاجتماع وعلى الموت ليكون معاوية أميرا؟ فقال له عبد الله بن حازم السلمي: اسكت فلست لها بأهل. ثم قال لابن الحضرمي: نحن أنصارك ويدك والقول قولك، فقرأ كتاب معاوية يدعوهم إلى رأيه من الطلب بدم عثمان على أن يعمل فيهم بالسنة ويضاعف لهم الأعطية. فلما فرغ من قراءته قام الأحنف بن قيس معتزلا وحض عمر بن مرحوم على لزوم البيعة والجماعة، وقام العباس بن حجر في مناصرة ابن الحضرمي، فقال له المثنى بن مخرمة لا يغرنك ابن صحار وارجع من حيث جئت، فقال ابن الحضرمي لصبرة بن شيمان الأزدي ألا تنصرني؟ قال: لو نزلت عندي فعلت. ودعا زياد أمير البصرة حصين بن المنذور ومالك بن مسمع ورءوس بكر بن وائل إلى المنعة من ابن الحضرمي إلى أن يأتي أمر علي، فأجاب حصين وتثاقل مالك وكان هواه في بني أمية، فأرسل زياد الى صبرة بن شيمان يدعوه

إلى الجوار [1] بما معه من بيت المال [2] فقال: إن حملته إلى داري أجرتك فتحول إليه ببيت المال والمنبر، وكان يصلي الجمعة في مسجد قومه، وأراد زياد اختبارهم فبعث إليهم من ينذرهم بمسيره بهم اليهم، وأخذ زياد جندا منهم بعد صبره لذلك وقال: إن جاءوا جئناهم، وكتب زياد إلي علي بالخبر فأرسل أعين بن ضبيعة [3] ليفرق تميما عن ابن الحضرمي ويقاتل من عصاه بمن أطاعه، فجاء لذلك وقاتلهم يوما أو بعض يوم، ثم اغتاله قوم فقتلوه يقال من الخوارج.

** ولاية زياد على فارس **

ولما قتل ابن الحضرمي بالبصرة والناس مختلفون على علي طمع أهل النواحي من بلاد العجم في كسر الخراج، وأخرج أهل فارس عاملهم سهل بن حنيف، فاستشار علي الناس فأشار عليه جارية بن قدامة [4] بزيادة فأمر ابن عباس أن يوليه عليها، فبعثه إليها في جيش كثيف فطوى بهم أهل فارس وضرب ببعضهم بعضا وهرب قوم وأقام آخرون، وصفت له فارس بغير حرب. ثم تقدم إلى كرمان فدوخها مثل ذلك فاستقامت وسكن الناس، ونزل إصطخر وسكن قلعة بها تسمي قلعة زياد [5] .

** فراق ابن عباس لعلي رضي الله عنهم **

وفي سنة أربعين فارق عبد الله بن عباس عليا [6] ولحق بمكة، وذلك أنه مر يوما بأبي الأسود [7] ووبخه على أمر، فكتب أبو الأسود إلي علي بأن ابن عباس استثر بأموال الله فأجابه علي يشكره على ذلك وكتب لابن عباس ولم يخبره بالكاتب، فكتب اليه

بكذب ما بلغه من ذلك وانه ضابط للمال [1] حافظ له، فكتب إليه علي أعلمني ما أخذت ومن أين أخذت وفيما صنعت [2] ؟ فكتب إليه ابن عباس فهمت استعظامك لما رفع إليك اني رزأته من هذا المال فابعث إلى عملك من أحببت فاني ظاعن عنه واستدعى أخواله من بني هلال، فجاءته قيس كلها ولم يبعث الأموال [3] وقال:

هذه أرزاقنا، وأتبعه أهل البصرة ووقفت دونه قيس. فرجع صبرة بن شيمان الهمداني بالأزد وقال قيس: إخواننا وهم خير من المال فأطيعوني، وانصرف معهم بكر وعبد القيس ثم انصرف الأحنف بقومه من بني تميم وحجز بقية تميم عنه، ولحق ابن عباس بمكة.

** مقتل علي **

قتل علي رضي الله عنه سنة أربعين لسبع عشرة من رمضان وقيل لإحدى عشرة وقيل في ربيع الآخر والأول أصح، وكان سبب قتله أن عبد الرحمن بن ملجم المرادي والبرك [4] بن عبد الله التميمي الصريمي واسمه الحجاج وعمرو بن بكر التميمي السعدي، ثلاثتهم من الخوارج لحقوا من فلهم بالحجاز، واجتمعوا فتذاكروا ما فيه الناس وعابوا الولاة وترحموا على قتلى النهروان، وقالوا: ما نصنع بالبقاء بعدهم فلو شرينا أنفسنا وقتلنا أئمة الضلال وأرحنا منهم الناس، فقال ابن ملجم وكان من مصر: أنا أكفيكم عليا، وقال البرك: أنا أكفيكم معاوية، وقال عمرو بن بكر التميمي: أنا أكفيكم عمرو بن العاص. وتعاهدوا أن لا يرجع أحد عن صاحبه حتى يقتله أو يموت. واتعدوا لسبع عشرة من رمضان وانطلقوا، ولقي ابن ملجم أصحابه بالكوفة فطوى خبره عنهم، ثم جاء إلى شبيب بن شجرة من أشجع ودعاه إلى الموافقة [5] في شأنه، فقال شبيب ثكلتك أمك فكيف تقدر على قتله. قال:

أكمن له في المسجد في صلاة الغداة فان قتلناه وإلا فهي الشهادة، قال: ويحك لا

أجدني أنشرح لقتله مع سابقته وفضله، قال: ألم يقتل العباد الصالحين أهل النهروان؟ قال: بلى. قال: فنقتله بمن قتله منهم، فأجابه: ثم لقي امرأة من تيم الرباب فائقة الجمال قتل أبوها وأخوها يوم النهروان، فأخذت قلبه فخطبها فشرطت عليه عبدا وقينة وقتل علي، فقالت كيف يمكن ما أنت تريدين؟ قالت التمس غرته فان قتلته شفيت النفوس وإلا فهي الشهادة. قال: والله ما جئت إلا لذلك ولك ما سألت، قالت: سأبعث معك من يشد ظهرك ويساعدك، وبعثت معه رجلا من قومها اسمه وردان.

فلما كانت الليلة التي واعد ابن ملجم أصحابه على قتل علي وكانت ليلة الجمعة جاء إلى المسجد ومعه شبيب ووردان وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي للصلاة، فلما خرج ونادى للصلاة علاه شبيب بالسيف فوقع بعضادة الباب، وضربه ابن ملجم على مقدم رأسه، وقال: الحكم لله لا لك يا علي ولا لأصحابك. وهرب وردان إلى منزله وأخبر بعض أصحابه بالأمر فقتله. وهرب شبيب مغلسا. وصاح الناس به فلحقه رجل من حضرموت فأخذه وجلس عليه والسيف في يد شبيب والناس قد أقبلوا في طلبه، وخشي الحضرمي على نفسه لاختلاط الغلس فتتركه وذهب في غمار الناس، وشد الناس على ابن ملجم واستخلف علي على الصلاة جعدة بن هبيرة وهو ابن أخته أم هانئ فصلى الغداة بالناس، وأدخل ابن ملجم مكتوفا على علي فقال: أي عدو الله ما حملك على هذا؟ قال: شحذته أربعين صباحا وسألت الله أن يقتل به شر خلقه، فقال: أراك مقتولا به. ثم قال إن هلكت فاقتلوه كما قتلني وان بقيت رأيت فيه رأيي، يا بني عبد المطلب لا تحرضوا على دماء المسلمين وتقولوا قتل أمير المؤمنين لا تقتلوا إلا قاتلي، يا حسن إن أنا مت من ضربتي هذه فاضربه بسيفه ولا تمثلن بالرجل فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إياكم والمثلة. وقالت أم كلثوم لابن ملجم وهو مكتوف وهي تبكي: أي عدو الله إنه لا بأس على أبي والله مخزيك قال: فعلام تبكين؟ والله لقد شريته بألف وصقلته أربعين ولو كانت هذه الضربة بأهل بلد ما بقي منهم أحد. وقال جندب بن عبد الله لعلي أنبايع الحسن إن فقدناك؟ قال: ما آمركم به ولا أنهاكم أنتم أبصر، ثم دعا الحسن والحسين ووصاهما قال: أوصيكما بتقوى الله ولا تبغيا الدنيا وان

بغتكما ولا تأسفا علي شيء زوى منها عنكما [1] وقولا الحق وارحما اليتيم وأعينا الضائع [2] وكونا للظالم خصما وللمظلوم ناصرا واعملا بما في كتاب الله ولا تأخذكما في الله لومة لائم. ثم قال لمحمد بن الحنفية: اني أوصيك بمثل ذلك وبتوقير أخويك لعظيم حقهما عليك ولا تقطع أمرا دونهما، ثم وصاهم بابن الحنفية، ثم أعاد على الحسن وصيته. ولما حضرته الوفاة كتب وصيته العامة ولم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض.

فأحضر الحسن ابن ملجم فقال له: هل لك في البقاء علي واني قد عاهدت الله أن أقتل عليا ومعاوية واني عاهدت الله على الوفاء بالعهد فخل بيني وبين ذلك فإن قتلته وبقيت فلك عهد الله أن آتيك، فقال: لا والله حتى تعاين النار ثم قدمه فقتله. وأما البرك فإنه قعد لمعاوية تلك الليلة فلما خرج للصلاة ضربه بالسيف في أليته وأخذ فقال: عندي بشري [3] أتنفعني ان أخبرتك بها قال: نعم. قال: إن أخا لي قتل عليا هذه الليلة، قال: فلعله لم يقدر عليه، قال: بلى إن عليا ليس معه حرس، فأمر به معاوية فقتل، وأحضر الطبيب فقال: ليس إلا الكي أو شربة تقطع منك الولد. فقال: في يزيد وعبد الله ما تقربه عيني والنار لا صبر لي عليها، وقد قيل إنه أمر بقطع البرك فقطع وأقام إلى أيام زيادة فقتله بالبصرة، وعند ذلك اتخذ معاوية المقصورة وحرس الليل وقيام الشرط على رأسه إذا سجد. ويقال إن أول من اتخذ المقصورة مروان بن الحكم سنة أربع وأربعين حين طعنه اليماني.

وأما عمرو بن بكر فإنه جلس لعمرو بن العاص تلك الليلة فلم يخرج وكان اشتكى فأمر صاحب شرطته خارجة بن أبي حبيبة بن عامر بن لؤي يصلي بالناس فشد عليه فضربه فقتله وهو يرى أنه عمرو بن العاص، فلما أخذوه وأدخلوه على عمرو قال فمن قتلت إذا؟ قالوا خارجة فقال: لعمرو بن العاص والله ما ظننته غيرك! فقال عمرو: وأردت عمرا وأراد الله خارجة. وأمر بقتله.

وتوفي علي رضي الله عنه وعلى البصرة عبد الله بن عباس وعلى قضائها ابو الأسود الدؤلي وعلى فارس زياد بن سمية وعلى اليمن عبيد الله بن العباس حتى وقع أمر بسر بن

أبي أرطاة، وعلى مكة والطائف قثم بن عباس وعلى المدينة أبو أيوب الأنصاري وقيل سهل بن حنيف.

** بيعة الحسن وتسليمه الأمر لمعاوية **

ولما قتل علي رضي الله عنه اجتمع أصحابه فبايعوا ابنه الحسن، وأول من بايعه قيس ابن سعد وقال: ابسط يدك على كتاب الله وسنة رسوله وقتال الملحدين. فقال الحسن على كتاب الله وسنة رسوله. ويأتيان على كل شرط. ثم بايعه الناس فكان يشترط عليهم انكم سامعون مطيعون تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت، فارتابوا وقالوا: ما هذا لكم بصاحب وما يريد القتال.

وبلغ الخبر بمقتل علي إلى معاوية فبويع بالخلافة ودعي بأمير المؤمنين، وقد كان بويع بها بعد اجتماع الحكمين. ولأربعين ليلة بعد مقتل علي مات الأشعث بن قيس الكندي من أصحابه، ثم مات من أصحاب معاوية شرحبيل بن السمط الكندي.

وكان علي قبل قتله قد تجهز بالمسلمين إلى الشام، وبايعه أربعون ألفا من عسكره على الموت، فلما بويع الحسن زحف معاوية في أهل الشام إلى الكوفة فسار الحسن في ذلك الجيش للقائه وعلى مقدمته قيس بن سعد في اثني عشر ألفا، وقيل بل كان عبد الله بن عباس على المقدمة وقيس في طلائعه. فلما نزل الحسن في المدائن شاع في العسكر أن قيس بن سعد قتل، واهتاج الناس وماج بعضهم في بعض وجاءوا إلى سرادق الحسن ونهبوا ما حوله حتى نزعوه بساطه الذي كان عليه واستلبوه رداءه وطعنه بعضهم في فخذه. وقامت ربيعة وهمدان دونه واحتملوه على سرير إلى المدائن ودخل الى القصر وكاد أمره أن ينحل، فكتب إلى معاوية يذكر له النزول عن الأمر على أن يعطيه ما في بيت المال بالكوفة ومبلغه خمسة آلاف ألف، ويعطيه خراج دارابجرد من فارس والا يشتم عليا وهو يسمع، وأخبر بذلك أخوه الحسين وعبد الله بن جعفر وعذلاه فلم يرجع اليهما. وبلغت صحيفته إلى معاوية فأمسكها وكان قد بعث عبد الله بن عامر وعبد الله بن سمرة الى الحسن ومعهما صحيفة بيضاء ختم في أسفلها وكتب إليه أن اشترط في هذه الصحيفة ما شئت فهو لك فاشترط فيها أضعاف ما كان في الصحيفة، فلما سلم له وطالبه في الشروط أعطاه ما في الصحيفة الاولى وقال هو الذي

طلبت [1] . ثم نزعه أهل البصرة خراج دارابجرد وقالوا: هو فيئنا لا نعطيه. وخطب الحسن أهل العراق وقال: سخى نفسي عنكم ثلاث: قتل أبي وطعني وانتهاب بيتي، ثم قال ألا وقد أصبحتم بين قبيلين قبيل بصفين يبكون له وقبيل بالنهروان يطلبون بثأره وأما الباقي فخاذل، وأما الباكي فثائر وأن معاوية دعانا إلى أمر ليس فيه عز ولا نصفة، فإن أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله بظبا السيوف، وإن أدرتم الحياة قبلنا وأخذنا لكم الرضى. فناداه الناس من كل جانب البقية البقية فأمضى الصلح. ثم بايع لمعاوية لستة أشهر من بيعته.

ودخل معاوية الكوفة وبايعه الناس، وكتب الحسن إلى قيس بن سعد يأمره بطاعة معاوية فقام قيس في أصحابه فقال نحن بين القتال مع غير إمام أو طاعة إمام ضلالة، فقال له الناس: طاعة الإمام أولى، وانصرفوا إلى معاوية فبايعوه وامتنع قيس وانصرف. فلما دخل معاوية الكوفة أشار عليه عمرو بن العاص أن يقيم الحسن للناس خطيبا ليبدو للناس عيه، فلما قدم حمد الله وقال: أيها الناس إن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا وإن لهذا الأمر مدة والدنيا دول الله عزل وجل يقول لنبيه: وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين 21: 111، فقال له معاوية اجلس وعرف أنه خدع في رأيه. ثم ارتحل الحسن في أهل بيته وحشمهم إلى المدينة وخرج أهل الكوفة لوداعه باكين، فلم يزل مقيما بالمدينة إلى أن هلك سنة تسع وأربعين. وقال أبو الفرج الأصبهاني سنة احدى وخمسين وعلى فراشه بالمدينة، وما ينقل من أن معاوية دس إليهم السم مع زوجه جعدة بنت الأشعث فهو من أحاديث الشيعة وحاشا لمعاوية من ذلك.

وأقام قيس بن سعد على امتناعه من البيعة وكان معاوية قد بعث عبد الله بن عامر في جيش إلى عبيد الله بن عباس لما كتب إليه في الأمان بنفسه، فلقيه ليلا وأمنه وسار معه إلى معاوية، فقام بأمر العسكر بعده قيس بن سعد وتعاقدوا على قتال معاوية حتى يشترط لشيعة علي علي دمائهم وأموالهم وما كانوا أصابوا في الفتنة، وبلغ الخبر الى معاوية وأشار عليه عمرو في قتاله، وقال معاوية: يقتل في ذلك أمثالهم من أهل الشام ولا خير فيه. ثم بعث إليه بصحيفة ختم في أسفلها وقال: اكتب في هذا ما شئت فهو لك، فكتب قيس له ولشيعته الأمان على ما أصابوا من الدماء والأموال،

ولم يسأل مالا فأعطاه معاوية ذلك وبايعه قيس والشيعة الذين معه، ثم جاء سعد بن أبي وقاص فبايعه واستقر الأمر لمعاوية واتفق الجماعة على بيعته وذلك في منتصف سنة احدى وأربعين وسمي ذلك العام عام الجماعة من أجل ذلك. ثم خرج عليه الخوارج من كل جهة من بقية أهل النهروان وغيرهم فقاتلهم واستلحمهم كما يأتي في أخبارهم على ما اشترطناه في تأليفنا من إفراد الأخبار عن الدول وأهل النحل دولة دولة وطائفة طائفة.

وهذا آخر الكلام في الخلافة الإسلامية وما كان فيها من الردة والفتوحات والحروب ثم الاتفاق والجماعة أوردتها ملخصة عيونها ومجامعها من كتاب محمد بن جرير الطبري وهو تاريخه الكبير فإنه أوثق ما رأيناه في ذلك، وأبعد من المطاعن عن الشبه في كبار الأمة من خيارهم وعدولهم عن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين، فكثيرا ما يوجد في كلام المؤرخين أخبار فيها مطاعن وشبه في حقهم أكثرها من أهل الأهواء فلا ينبغي أن تسود بها الصحف [1] ، وأتبعتها بمفردات من غير كتاب الطبري بعد أن تخيرت الصحيح جهد الطاقة وإذا ذكرت شيئا في الأغلب نسبته إلى قائلة، وقد كان ينبغي أن تلحق دولة معاوية وأخباره بدول الخلفاء وأخبارهم فهو تاليهم في الفضل والعدالة والصحبة، ولا ينظر في ذلك إلى حديث الخلافة بعدي ثلاثون سنة فإنه لم يصح، والحق أن معاوية في عداد الخلفاء وإنما أخره المؤرخون في التأليف عنهم لأمرين:

الأول أن الخلافة لعهده كانت مغالبة لأجل ما قدمناه من العصبية التي حدثت لعصره، وأما قبل ذلك كانت اختيارا واجتماع فميزوا بين الحالتين، فكان معاوية أول خلفاء المغالبة والعصبية الذين يعبر عنهم أهل الأهواء بالملوك، ويشبهون بعضهم ببعض وحاشى الله أن يشبه معاوية بأحد ممن بعده، فهو من الخلفاء الراشدين ومن كان تلوه في الدين والفضل من الخلفاء المروانية ممن تلاه في المرتبة كذلك وكذلك من بعدهم من خلفاء بني العباس، ولا يقال إن الملك أدون رتبة من الخلافة فكيف يكون خليفة ملكا.

واعلم أن الملك الذي يخالف بل ينافي الخلافة هو الجبروتية المعبر عنها بالكسروية التي أنكرها عمر على معاوية حين رأى ظواهرها، وأما الملك الذي هو الغلبة والقهر بالعصبية والشوكة فلا ينافي الخلافة ولا النبوة فقد كان سليمان بن داود وأبوه صلوات

الله عليهما نبيين وملكين وكانا على غاية الاستقامة في دنياهما وعلى طاعة ربهما عز وجل. ومعاوية لم بطلب الملك ولا أبهته للاستكثار من الدنيا، وانما ساقه أمر العصبية بطبعها لما استولى المسلمون على الدول كلها وكان هو خليفتهم فدعاهم بما يدعو الملوك إليه قومهم عند ما تستفحل العصبية وتدعو لطبيعة الملك. وكذلك شأن الخلفاء أهل الدين من بعده إذا دعتهم ضرورة الملك إلى استفحال أحكامه ودواعيه، والقانون في ذلك عرض أفعالهم على الصحيح من الأخبار لا بالواهي، فمن جرت أفعاله عليها فهو خليفة النبي صلى الله عليه وسلم في المسلمين، ومن خرجت أفعاله عن ذلك فهو من ملوك الدنيا وإنما سمي خليفة بالمجاز.

الأمر الثاني في ذكر معاوية مع خلفاء بني أمية دون الخفاء الأربعة أنهم كانوا أهل نسب واحد وعظيمهم معاوية، فجعل مع أخل نسبه، والخفاء الأولون مختلفو الأنساب فجعلوا في نمط واحد وألحق بهم عثمان وإن كان من أهل هذا النسب للحوقه بهم قريبا في الفضل والله يحشرنا في زمرتهم ويرحمنا بالاقتداء بهم.

تمت تكملة الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث وأوله

الخبر عن الدول الإسلامية ونبدأ منها بدولة بني أمية معقبة لخلفاء صدر الإسلام وذكر أوليتهم وأخبار دولهم واحدة واحدة الى انقضائها

المجلد الثالث

بسم الله الرحمن الرحيم

[تتمة الكتاب الثاني ... ]

[تتمة القول في أجيال العرب ... ]

[تتمة الطبقة الثالثة من العرب ... ]

** [الخبر عن الدول الإسلامية ونبدأ منها بدولة بني أمية معقبة لخلفاء صدر الإسلام وذكر أوليتهم وأخبار دولهم واحدة واحدة الى انقضائها] **

(كان) لبني عبد مناف في قريش جمل من العدد والشرف لا يناهضهم فيها أحد من سائر بطون قريش. وكان فخذاهم بنو أمية وبنو هاشم حيا جميعا ينتمون لعبد مناف وينسبون إليه. وقريش تعرف ذلك وتسأل لهم الرئاسة عليهم الا أن بني أمية كانوا أكثر عددا من بني هاشم وأوفر رجالا. والعزة إنما هي بالكثرة، قال الشاعر:

وإنما العزة للكاثر

وكان لهم قبيل الإسلام شرف معروف انتهى إلى حرب بن أمية وكان رئيسهم في حرب الفجار. وحدث الأخباريون أن قريشا تواقعوا ذات يوم وحرب هذا مسند ظهره إلى الكعبة فتبادر إليه غلمة منهم ينادون يا عم أدرك قومك، فقام يجر إزاره حتى أشرف عليهم من بعض الربا ولوح بطرف ثوبه إليهم أن تعالوا فبادرت الطائفتان إليه بعد أن كان حمي وطيسهم. (ولما) جاء الإسلام ودهش الناس لما وقع من أمر النبوة والوحي وتنزل الملائكة، وما وقع من خوارق الأمور ونسي الناس أمر العصبية مسلمهم وكافرهم. أما المسلمون فنهاهم الإسلام عن أمور الجاهلية كما في الحديث أن الله أذهب عنكم غبية [1] الجاهلية وفخرها لأننا وأنتم بنو آدم وآدم من تراب. وأما المشركون فشغلهم ذلك الأمر

العظيم عن شأن العصائب وذهلوا عنه حينا من الدهر. ولذلك لما افترق أمر بني أمية وبني هاشم بالإسلام. إنما كان ذلك الافتراق بحصار بني هاشم في الشعب لا غير ولم يقع كبير فتنة لأجل نسيان العصبيات والذهول عنها بالإسلام حتى كانت الهجرة وشرع الجهاد ولم يبق إلا العصبية الطبيعية التي لا تفارق وهي بعزة الرجل على أخيه وجاره في القتل والعدوان عليه، فهذه لا يذهبها شيء ولا هي محظورة بل هي مطلوبة ونافعة في الجهاد والدعاء إلى الدين ألا ترى إلى صفوان بن أمية وقوله عند ما انكشف المسلمون يوم حنين وهو يومئذ مشرك في المدة التي جعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يسلم، فقال له أخوه: ألا بطل السحر اليوم؟ فقال له صفوان: اسكت فض الله فاك. لان يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن. ثم أن شرف بني عبد مناف لم يزل في بني عبد شمس وبني هاشم. فلما هلك أبو طالب وهاجر بنوه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمزة كذلك. ثم من بعده العباس والكثير من بني عبد المطلب وسائر بني هاشم خلا الجو حينئذ من مكان بني هاشم بمكة واستغلظت رياسة بني أمية في قريش. ثم استحكمتها مشيخة قريش من سائر البطون في بدر وهلك فيها عظماء بني عبد شمس: عتبة وربيعة والوليد وعقبة بن أبي معيط وغيرهم. فاستقل أبو سفيان بشرف بني أمية والتقدم في قريش، وكان رئيسهم في أحد وقائدهم في الأحزاب وما بعدها. (ولما كان الفتح) قال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم لما أسلم أبو سفيان ليلتئذ، كما هو معروف وكان صديقا له:

يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له ذكرا. فقال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. ثم من على قريش بعد أن ملكهم يومئذ وقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء وأسلموا. وشكت مشيخة قريش بعد ذلك لأبي بكر ما وجدوه في أنفسهم من التخلف عن رتب المهاجرين الأولين، وما بلغهم من كلام عمر في تركه شوراهم فاعتذر لهم أبو بكر وقال أدركوا إخوانكم بالجهاد وأنفذهم لحروب الردة فأحسنوا الغناء عن الإسلام وقوموا الأعراب عن الحيف والميل. ثم جاء عمر فرمي بهم الروم وأرغب قريشا في النفير إلى الشام فكان معظمهم هنالك واستعمل يزيد بن أبي سفيان على الشام. وطال أمد ولايته إلى أن هلك في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة فولى مكانه أخاه معاوية وأقره عثمان من بعد عمر فاتصلت رياستهم على قريش في الإسلام برياستهم قبيل الفتح التي لم تحل صبغتها ولا ينسى عهدها أيام شغل بني هاشم بأمر النبوة ونبذوا الدنيا من أيديهم بما اعتاضوا عنها من مباشرة الوحي وشرف القرب من الله برسوله وما زال الناس يعرفون ذلك لبني أمية. وانظر

مقالة حنظلة بن زياد الكاتب لمحمد بن أبي بكر: إن هذا الأمر إن صار إلى التغالب غلبك عليه بنو عبد مناف. (ولما هلك عثمان) واختلف الناس على علي كانت عساكر علي أكثر عددا لمكان الخلافة والفضل إلا أنها من سائر القبائل من ربيعة ويمن وغيرهم، وجموع معاوية إنما هي جند الشام من قريش شوكة مضر وبأسهم نزلوا بثغور الشام منذ الفتح فكانت عصبيته أشد وأمضى شوكه، ثم كسر من جناح علي ما كان من أمر الخوارج وشغله بهم إلى أن ملك معاوية وخلع الحسن نفسه واتفقت الجماعة على بيعة معاوية في منتصف سنة إحدى وأربعين عند ما نسي الناس شأن النبوة والخوارق ورجعوا إلى أمر العصبية والتغالب وتعين بنو أمية للغلب على مضر وسائر العرب ومعاوية يومئذ كبيرهم. فلم تتعده الخلافة ولا ساهمه فيها غيره فاستوت قدمه واستفحل شأنه واستحكمت في أرض مصر رياسته وتوثق عقده. وأقام في سلطانه وخلافته عشرين سنة ينفق من بضاعة السياسة التي لم يكن أحد من قومه أوفر فيها منه يدا من أهل الترشيح من ولد فاطمة وبني هاشم وآل الزبير وأمثالهم ويصانع رءوس العرب وقروم مضر بالإغضاء والاحتمال والصبر على الأذى والمكروه وكانت غايته في الحلم لا تدرك وعصابته فيها لا تنزع ومرقاته فيها تزل عنها الأقدام (ذكر) أنه مازح عدي بن حاتم يوما يؤنبه بصحبة علي فقال له عدي: والله إن القلوب التي أبغضناك بها لفي صدورنا وأن السيوف التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا ولئن أدنيت إلينا من الغدر شبرا لندنين إليك من الشر باعا وأن حز الحلقوم وحشرجة الحيزوم [1] ، لأهون علينا من أن نسمع المساءة في علي فشم السيف يا معاوية يبعث السيف، فقال معاوية هذه كلمات حق فاكتبوها وأقبل عليه ولاطفه وتحادثا وأخباره في الحلم كثيرة.

** بعث معاوية العمال الى الأمصار **

لما استقل معاوية بالخلافة عام عدم الجماعة بعث العمال إلى الأمصار، فبعث على الكوفة المغيرة بن شعبة. ويقال إنه ولى عليها أولا عبد الله بن عمرو بن العاص فأتاه المغيرة منتصحا وقال: عمرو بمصر وابنه بالكوفة فأنت بين نابي أسد فعزله وولى المغيرة. وبلغ

ذلك عمرا فقال لمعاوية: يختان المال فلا تقدر على رده فعد فاستعمل من يخافك فنصب المغيرة على الصلاة وولى على الخراج غيره، وكان على القضاء شريح. (ولما ولي) المغيرة على الكوفة استعمل كثير بن شهاب على الري وأقره زياد بعده. وكان يغزو الديلم ثم بعث على البصرة بسر بن أرطاة وكان قد تغلب عليها حمران بن زيد عند صلح الحسن مع معاوية فبعث بسرا عليها فخطب الناس وتعرض لعلي. ثم قال: نشدت الله رجلا يعلم أني صادق أو كاذب ولا صدقني أو كذبني. فقال أبو بكرة: اللهم لا نعلمك إلا كاذبا فأمر به فخنق فقام أبو لؤلؤة الضبي فدفع عنه. وكان على فارس من أعمال البصرة زياد بن أبيه وبعث إليه معاوية يطلبه في المال فقال: صرفت بعضه في وجهه واستودعت بعضه للحاجة إليه وحملت ما فضل إلى أمير المؤمنين رحمه الله فكتب إليه معاوية بالقدوم لينظر في ذلك فامتنع فلما ولي بسر على البصرة جمع عنده أولاد زياد والأكابر عبد الرحمن وعبد الله وعباد وكتب إليه لتقدمن أو لأقتلن بنيك فامتنع واعتزم بسر على قتلهم فأتاه أبو بكرة وكان أخا زياد لأمه فقال: أخذتهم بلا ذنب وصالح الحسن على أصحاب علي حيث كانوا فأمهله بسر إلى أن يأتي بكتاب معاوية. ثم قدم أبو بكرة على معاوية وقال: إن الناس لم يبايعوك على قتل الأطفال وإن بسرا يريد قتل بني زياد! فكتب إليه بتخليتهم وجاء إلى البصرة يوم المهاد ولم يبق منه إلا ساعة وهم موثقون للقتل فأدركهم وأطلقهم انتهى. (ثم عزل) معاوية بسرا عن البصرة وأراد أن يولي عتبة بن أبي سفيان فقال له ابن عامر:

إن لي بالبصرة أموالا وودائع وإن لم تولني عليها ذهبت. فولاه وجعل إليه معها خرسان وسجستان وقدمها سنة إحدى وأربعين فولي على خراسان قيس بن الهيثم السلمي وكان أهل بلخ وباذغيس وهراة ويوشلخ [1] قد نضوا، فسار إلى بلخ وحاصرها حتى سألوا الصلح وراجعوا الطاعة، وقيل إنما صالحهم الربيع بن زياد سنة إحدى وخمسين على ما سيأتي (ثم قدم) قيس على ابن عامر فضربه وحبسه وولى مكانه عبد الله بن حازم، وقدم خراسان فأرسل إليه أهل هراة وباذغيس ويوشلخ في الأمان والصلح فأجابهم وحمل لابن عامر مالا انتهى. (ثم ولى) معاوية سنة اثنتين وأربعين على المدينة مروان بن الحكم وعلى مكة خالد بن العاص بن هشام. واستقصى مروان عبد الله بن الحرث بن نوفل وعزل مروان عن المدينة سنة تسع وأربعين وولى مكانه سعيد بن العاص وذلك لثمان سنين من

ولايته. وجعل سعيد على القضاء [1] ابن عبد الرحمن مكان عبد الله بن الحرث ثم عزل معاوية سعيدا سنة أربع وخمسين ورد إليها مروان.

قدوم زياد وكان زياد قد امتنع بفارس بعد مقتل علي كما قدمناه وكان عبد الرحمن ابن أخيه أبي بكرة يلي أمواله بالبصرة ورفع إلى معاوية أن زيادا استودع أمواله عبد الرحمن فبعث إلى المغيرة بالكوفة أن ينظر في ذلك فأحضر عبد الرحمن وقال له: إن يكن أبوك أساء إلي فقد أحسن عمك وأحسن العذر عند معاوية (ثم قدم المغيرة) على معاوية فذكر له ما عنده من الوجل باعتصام زياد بفارس فقال: داهية العرب معه أموال فارس يدبر الحيل فما آمن أن يبايع لرجل من أهل البيت ويعيد الحرب خدعة، فاستأذنه المغيرة أن يأتيه ويتلطف له ثم أتاه وقال: إن معاوية بعثني إليك وقد بايعه الحسن ولم يكن هناك غيره فخذ لنفسك قبل أن يستغني معاوية عنك. قال: أشر علي والمستشار مؤتمن فقال أرى أن تشخص إليه وتصل حبلك بحبله وترجع عنه فكتب إليه معاوية بأمانه وخرج زياد من فارس نحو معاوية ومعه المنجاب بن رابد الضبي وحارثة بن بدر الغداني، واعترضه عبد الله بن حازم في جماعة وقد بعثه ابن عامر ليأتيه به فلما رأى كتاب الأمان تركه وقدم على معاوية فسأله عن أموال فارس فأخبره بما أنفق وبما حمل إلى علي وبما بقي عنده مودعا للمسلمين فصدقه معاوية وقبضه منه. ويقال إنه قال له: أخاف أن تكون مكروبا بي فصالحني فصالحه على ألفي ألف درهم بعث بها إليه واستأذنه في نزول الكوفة فأذن له وكان المغيرة يكرمه ويعظمه وكتب إليه معاوية أن يلزم زيادا وحجر بن عدي وسليمان بن صرد وسيف بن ربعي وابن الكواء وابن الحميق بالصلاة في الجماعة فكانوا يحضرون معه الصلوات.

عمال ابن عامر على الثغور لما ولي ابن عامر على البصرة استعمل عبد الرحمن بن سمرة على سجستان فأتاها وعلى شرطتها عباد بن الحصين ومعه من الأشراف عمر بن عبيد الله بن معمر وغيره. وكان أهل البلاد قد كفروا، ففتح أكثرها حتى بلغ كابل وحاصرها أشهرا ونصب عليها المجانيق حتى ثلم سورها ولم يقدر المشركون على سد الثلمة.

وبات عباد بن الحسين عليها يطاعنهم إلى الصبح، ثم خرجوا من الغد للقتال فهزمهم المسلمون ودخلوا البلد عنوة انتهى. (ثم سار) إلى نسف فملكها عنوة ثم إلى حسك فصالحه أهلها

ثم إلى الرجح فقاتلوه وظفر بهم وفتحها انتهى. ثم إلى زابلستان (وهي غزنة) وأعمالها ففتحها ثم عاد إلى كابل وقد نكث أهلها ففتحها انتهى. (واستعمل) على ثغر الهند عبد الله بن سوار العبدي، ويقال بل ولاه معاوية من قبله فغزا التيعان فأصاب مغنما ووفد على معاوية وأهدى له من خيولها، ثم عاد إلى غزوهم فاستنجدوا بالترك وقتلوه، وكان كريما في الغاية يقال: لم يكن أحد يوقد النار في عسكره، وسأل ذات ليلة عن نار رآها فقيل له خبيص يصنع لنفساء فأمر أن يطعم الناس الخبيص ثلاثة أيام. (واستعمل) على خراسان قيس بن الهيثم فتغافل بالخراج والهدنة فولى مكانه عبد الله بن حاتم. فخاف قيسا وأقبل فزاد ابن عامر غضبا لتضييعه الثغر وبعث مكانه رجلا من يشكر وقيل أسلم بن زرعة الكلابي (انتهى) . (ثم بعث) عبد الله بن حازم وقيل: إن ابن حازم قال لابن عامر: إن قيسا لا ينهض بخراسان وأخاف إن لقي قيس حربا أن ينهزم ويفسد خراسان، فاكتب لي عهدا إن عجز عن عدو قمت مقامه. فكتب وخرجت خارجة من طخارستان فأشار ابن حازم عليه أن يتأخر حتى يجتمع عليه الناس فلما سار غير بعيد أخرج ابن حازم عهده وقام بأمر الناس وهزم العدو. وبلغ الخبر إلى الأمصار فغضبت أصحاب قيس وقالوا خدع صاحبنا، وشكوا إلى معاوية فاستقدمه فاعتذر فقبل منه، وقال له أقم في الناس بعذرك ففعل انتهى. (وفي سنة) ثلاث [1] وأربعين توفي عمرو بن العاص بمصر فاستعمل معاوية مكانه عبد الله ابنه.

عزل ابن عامر وكان ابن عامر حليما لينا للسفهاء فطرق البصرة الفساد من ذلك. وقال له زياد جرد السيف فقال: لا أصلح الناس بفساد نفسي. ثم بعث وفدا من البصرة إلى معاوية فوافقوا عنده وفد الكوفة ومنهم ابن الكواء وهو عبد الله بن أبي أوفى اليشكري فلما سألهم معاوية عن الأمصار أجابه ابن الكواء بعجز ابن عامر وضعفه فقال معاوية: تتكلم على أهل البصرة وهم حضور! وبلغ ذلك ابن عامر فغضب وولى على خراسان من أعداء ابن الكواء عبد الله بن أبي شيخ اليشكري أو طفيل بن عوف فسخر منه ابن الكواء لذلك وقال: وددت أنه ولى كل يشكري من أجل عداوتي. ثم أن معاوية استقدم ابن عامر فقدم

وأقام أياما فلما ودعه قال: إني سائلك ثلاثا قال: هن لك، قال: ترد علي عملي ولا تغضب وتهب لي مالك بعرفة ودورك بمكة. قال: قد فعلت. قال: وصلتك رحم، فقال ابن عامر: وإني سائلك ثلاثا ترد علي عملي بعرفة ولا تحاسب لي عاملا ولا تتبع لي أثرا وتنكحني ابنتك هندا. قال: قد فعلت! ويقال: إن معاوية خيره بين أن يرده على اتباع أثره وحسابه بما سار إليه أو يعزله ويسوغه ما أصاب فاختار الثالثة فعزله وولى مكانه الحرث ابن عبد الله الأزدي [1]

استخلاف زياد كانت سمية أم زياد مولاة للحرث بن كندة الطبيب وولدت عنده أبا بكرة ثم زوجها بمولى له وولدت زيادا وكان أبو سفيان قد ذهب إلى الطائف في بعض حاجاته فأصابها بنوع من أنكحة الجاهلية وولدت زيادا هذا، ونسبه [2] إلى أبي سفيان وأقر لها به، إلا أنه كان بخفية، ولما شب زياد سمت به النجابة واستكتبه أبو موسى الأشعري وهو على البصرة، واستكفاه عمر في أمر فحسن منار دينه وحضر عنده يعلمه بما صنع، فأبلغ ما شاء في الكلام فقال عمرو بن العاص وكان حاضرا لله هذا الغلام، لو كان أبوه من قريش لساق العرب بعصاه. قال أبو سفيان وعلي يسمع: والله إني لأعرف أباه ومن وضعه في رحم أمه، فقال له علي: اسكت فلو سمع عمر هذا منك كان إليك سريعا. ثم استعمل علي زيادا على فارس فضبطها وكتب إليه معاوية يتهدده ويعرض له بولادة أبي سفيان إياه فقام في الناس فقال: عجبا لمعاوية [3] يخوفني دين ابن عم الرسول في المهاجرين والأنصار! وكتب إليه علي إني وليتك وأنا أراك أهلا وقد كان من أبي سفيان فلتة من آمال الباطل وكذب النفس، لا توجب ميراثا ولا نسبا. ومعاوية يأتي الإنسان من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله فاحذر ثم احذر والسلام (ه) . ولما قتل علي وصالح زياد معاوية وضع مصقلة بن هبيرة الشيباني على معاوية ليعرض له بنسب أبي سفيان ففعل، ورأى معاوية أن يستميله باستلحاقه فالتمس الشهادة بذلك ممن علم لحوق نسبه بأبي سفيان فشهد له رجال من أهل البصرة وألحقه، وكان أكثر شيعة علي ينكرون ذلك وينقمونه على معاوية حتى أخوه أبو بكرة. (وكتب زياد) إلى عائشة في بعض الأحيان من زياد بن أبي سفيان يستدعي جوابها بهذا النسب ليكون له حجة فكتبت

إليه: من عائشة أم المؤمنين إلى ابنها زياد. وكان عبد الله بن عامر يبغض زيادا وقال يوما لبعض أصحابه: من عبد القيس؟! ابن سمية يقبح آثاري ويعترض عمالي لقد هممت بقسامة من قريش أن أبا سفيان لم ير سمية! فأخبر زياد بذلك فأخبر به معاوية، فأمر حاجبه أن يرده من أقصى الأبواب وشكا ذلك إلى يزيد، فركب معه فأدخله على معاوية فلما رآه قام من مجلسه ودخل إلى بيته فقال يزيد: نقعد في انتظاره فلم يزالا حتى عدا ابن عامر فيما كان منه من القول، وقال: إني لا أتكثر بزياد من قلة ولا أتعزز به من ذلة ولكن عرفت حق الله فوضعته موضعه فخرج ابن عامر وترضى زيادا ورضي له معاوية.

ولاية زياد البصرة كان زياد بعد صلح معاوية واستلحاقه نزل الكوفة وكان يتشوف الامارة عليها. فاستثقل المغيرة ذلك منه فاستعفى معاوية من ولاية الكوفة فلم يعفه. فيقال إنه خرج زياد إلى الشام، ثم إن معاوية عزل الحرث بن عبد الله الأزدي عن البصرة وولى عليها زيادا سنة خمس وأربعين، وجمع له خراسان وسجستان ثم جمع له السند والبحرين وعمان، وقدم البصرة فخطب خطبته البتراء وهي معروفة، وإنما سميت البتراء لأنه لم يفتحها بالحمد والثناء، فحذرهم في خطبته ما كانوا عليه من الانهماك في الشهوات والاسترسال في الفسق والضلال، وانطلاق أيدي السفهاء على الجنايات وانتهاك الحرم وهم يدنون منهم، فأطال في ذلك عنفهم ووبخهم وعرفهم ما يجب عليهم في الطاعة من المناصحة والانقياد للأئمة وقال: لكم عندي ثلاث لا أحتجب عن طالب حاجة ولو طرقني ليلا ولا أحبس العطاء عن اباية ولا أحمر البعوث [1] فلما فرغ من خطبته قال له عبد الله بن الأيهم: أشهد أنك أوتيت الحكمة وفصل الخطاب. قال: كذبت ذاك نبي الله داود ثم استعمل على شرطته عبد الله بن حصين وأمره أن يمنع الناس من الولوج بالليل. وكان قد قال في خطبته لا أوتي بمدلج إلا سفكت دمه وكان يأمر بقراءة سورة البقرة بعد صلاة العشاء مؤخرة ثم يمهل بقدر ما يبلغ الرجل أقصى البصرة، ثم يخرج صاحب الشرطة فلا يجد أحدا إلا قتله. وكان أول من شدد أمر السلطان وشيد الملك فجرد السيف وأخذ بالظنة وعاقب على الشبهة وخافه السفهاء والذعار وأمن الناس على أنفسهم ومتاعهم حتى كان الشيء يسقط من يد الإنسان فلا يتعرض له أحد حتى يأتي صاحبه فيأخذه ولا يغلق أحد بابا وأدر العطاء واستكثر من الشرط فبلغوا أربعة آلاف [2] وسئل في

إصلاح السابلة فقال: حتى أصلح المصر. فلما ضبطه أصلح ما وراءه، وكان يستعين بعدة من الصحابة منهم عمران بن حصين ولاه قضاء البصرة فاستعفى، فولى مكانه عبد الله بن فضالة الليثي، ثم أخاه عاصما، ثم زرارة بن أوفى وكانت أخته عند زياد، وكان يستعين بأنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة وسمرة بن جندب. ويقال: إن زيادا أول من سير بين يديه بالحراب والعمد، واتخذ الحرس رابطة، فكان خمسمائة منهم لا يفارقون المسجد، ثم قسم ولاية خراسان على أربعة: فولى على مرو أمين ابن أحمد اليشكري، وعلى نيسابور خليد بن عبد الله الحنفي، وعلى مروالروذ والعاربات والطالقات قيس بن الهيثم، وعلى هراة وباذغيس وبوشنج نافع بن خالد الطائي. ثم إن نافعا بعث إليه بجواد باهر غنمه في بعض وجوهه، وكانت قوائمه منه، فأخذ منها قائمة وجعل مكانها أخرى ذهبا وبعث الجواد مع غلامه زيد وكان يتولى أموره فسعى فيه عند زياد بأمر تلك القائمة فعزله وحبسه، وأغرمه مائة ألف كتب عليه بها كتابا، وقيل ثمانمائة ألف. وشفع فيه رجال من الأزد فأطلقه واستعمل مكانه الحكم بن عمرو الغفاري وجعل معه رجالا على الجباية منهم أسلم بن زرعة الكلابي. وغزا الحكم طخارستان فغنم غنائم كثيرة. ثم سار سنة سبع وأربعين إلى جبال الغور، وكانوا قد ارتدوا، ففتح وغنم وسبى وعبر النهر في ولايته إلى ما وراءه فملأه غارة. ولما رجع من غزاة الغور مات بمرو واستخلف على عمله أنس بن أبي أناس [1] بن ربين فلم يرضه زياد. وكتب إلى خليد بن عبد الله الحنفي بولاية خراسان، ثم بعث الربيع بن زياد المحاربي في خمسين ألفا من البصرة والكوفة.

صوائف الشام ودخل المسلمون سنة اثنتين وأربعين إلى بلاد الروم فهزموهم وقتلوا جماعة من البطارقة وأثخنوا فيها ثم دخل بسر بن أرطاة أرضهم سنة ثلاث وأربعين ومشى بها وبلغ القسطنطينية. ثم دخل عبد الرحمن بن خالد وكان على حمص فشتى بهم وغزاهم بسر تلك السنة في البحر. ثم دخل عبد الرحمن إليها سنة ست وأربعين فشتى بها، وشتى أبو عبد الرحمن السبيعي على انطاكية ثم دخلوا سنة ثمان وأربعين فشتى عبد الرحمن بأنطاكية أيضا. ودخل عبد الله بن قيس الفزاري في تلك السنة بالصائفة وغزاهم مالك بن هبيرة اليشكري في البحر وعقبة بن عامر الجهني في البحر أيضا بأهل مصر وأهل المدينة. ثم دخل مالك بن هبيرة سنة تسع وأربعين فشتى بأرض الروم ودخل عبد الله بن كرز الجيلي بالصائفة وشتى يزيد بن ثمرة الرهاوي في بلاد الروم بأهل الشام في البحر

وعقبة بن نافع بأهل مصر كذلك (ثم) بعث معاوية سنة خمسين جيشا كثيفا إلى بلاد الروم مع سفيان بن عوف وندب يزيد ابنه معهم فتثاقل فتركه. ثم بلغ الناس أن الغزاة أصابهم جوع ومرض وبلغ معاوية أن يزيد أنشد في ذلك:

ما إن أبالي بما لاقت جموعهم ... بالفدفد البيد من حمى ومن شوم

إذا اتطأت على الأنماط مرتفقا ... بدير مران عندي أم كلثوم

وهي امرأته بنت عبد الله بن عامر فحلف ليلحقن بهم فسار في جمع كثير جمعهم إليه معاوية فيهم ابن عباس وابن عامر وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري فأوغلوا في بلاد الروم وبلغوا القسطنطينية وقاتلوا الروم عليها. فاستشهد أبو أيوب الأنصاري ودفن قريبا من سورها ورجع يزيد والعساكر إلى الشام ثم شتى فضالة بن عبيد بأرض الروم سنة إحدى وخمسين وغزا بسر بن أرطاة بالصائفة.

وفاة المغيرة توفي المغيرة وهو عامل على الكوفة سنة خمسين بالطاعون، وقيل سنة تسع وأربعين وقيل سنة إحدى وخمسين، فولى مكانه معاوية زيادا وجمع له المصرين فسار زياد إليها واستخلف على البصرة سمرة بن جندب فلما وصل الكوفة خطبهم فحصبوه على المنبر فلما نزل جلس على كرسي وأحاط أصحابه بأبواب المسجد يأتونه بالناس يستحلفهم على ذلك، ومن لم يخلف حبسه فبلغوا ثمانين واتخذ المقصورة من يوم حبس. ثم بلغه عن أوفى بن حسين شيء فطلبه، فهرب ثم أخذه فقتله وقال له عمارة بن عتبة بن أبي معيط: إن عمر بن الحمق يجتمع إليه شيعة علي فأرسل إليه زياد ونهاه عن الاجتماع عنده. وقال لا أبيح أحدا حتى يخرج علي، وأكثر سمرة بن جندب اليتامى بالبصرة يقال قتل ثمانية آلاف فأنكر ذلك عليه زياد انتهى.

(كان عمرو بن العاص) قبل وفاته استعمل عقبة بن عامر بن عبد قيس على إفريقية، وهو ابن خالته انتهى الى لواته [1] ومرانه، فأطاعوا ثم كفروا فغزاهم وقتل وسبى. ثم افتتح سنة اثنتين وأربعين غذامس. وفي السنة التي بعدها ودان وكورا من كور السودان وأثخن في تلك النواحي، وكان له فيها جهاد وفتوح. ثم ولاه معاوية على إفريقية سنة خمسين وبعث إليه عشرة آلاف فارس، فدخل إفريقية وانضاف إليه مسلمة البربر، فكبر جمعه ووضع السيف في أهل البلاد، لأنهم كانوا إذا جاءت عساكر المسلمين أسلموا، فإذا رجعوا عنهم ارتدوا فرأى أن يتخذ مدينة يعتصم بها

العساكر من البربر فاختط القيروان وبنى بها المسجد الجامع، وبنى الناس مساكنهم ومساجدهم، وكان دورها [1] ثلاثة آلاف باع وستمائة باع، وكملت في خمس سنين وكان يغزو ويبعث السرايا للإغارة والنهب، ودخل أكثر البربر في الإسلام واتسعت خطة المسلمين ورسخ الدين. ثم ولى معاوية على مصر وإفريقية مسلمة بن مخلد الأنصاري واستعمل على إفريقية مولاه أبا المهاجر فأساء عزل عقبة واستخف به فسير ابن مخلد الأنصاري عقبة إلى معاوية وشكا إليه فاعتذر له ووعده برده إلى عمله، ثم ولاه يزيد سنة اثنتين وستين (وذكر) الواقدي: أن عقبة ولي إفريقية سنة ست وأربعين فاختط القيروان ثم عزله يزيد سنة اثنتين وستين بأبي المهاجر.

فحينئذ قبض على عقبة وضيق عليه فكتب إليه يزيد يبعثه إليه وأعاده واليا على إفريقية فحبس أبا المهاجر إلى أن قتلهم جميعا كسلة ملك البرانس من البربر كما نذكر بعد. (كان المغيرة بن شعبة أيام إمارته على الكوفة) كثيرا ما يتعرض لعلي في مجالسه وخطبه، ويترحم على عثمان ويدعو له فكان حجر بن عدي إذا سمعه يقول:

بلاياكم قد أضل الله ولعن. ثم يقول أنا أشهد أن من تذمون أحق بالفضل، ومن تزكون أحق بالذم. فبعث له المغيرة يقول: يا حجر اتق غضب السلطان وسطوته، فإنها تهلك أمثالك لا يزيده على ذلك. (ولما كان) آخر إمارته المغيرة قال في بعض أيامه مثل ما كان يقول فصاح به حجر ثم قال له: مر لنا بأرزاقنا فقد حبستها منا وأصبحت مولعا بذم المؤمنين، وصاح الناس من جوانب المسجد صدق حجر فر لنا بأرزاقنا، فالذي أنت فيه لا يجدي علينا نفعا. فدخل المغيرة إلى بيته وعذله قومه في جراءة حجر عليه يوهن سلطانه، ويسخط عليه معاوية فقال لا أحب أن آتي بقتل أحد من أهل المصر. وسيأتي بعدي من يصنع معه مثل ذلك فيقتله ثم توفي المغيرة وولي زياد فلما قدم خطب الناس وترحم على عثمان ولعن قاتليه. وقال حجر ما كان يقول فسكت عنه ورجع إلى البصرة واستخلف على الكوفة عمرو بن حريث وبلغه أن حجرا يجتمع إليه شيعة علي ويعلنون بلعن معاوية والبراءة منهم وأنهم حصبوا عمرو بن حريث فشخص إلى الكوفة حتى دخلها ثم خطب الناس وحجر جالس يسمع فتهدده وقال: لست بشيء إن لم أمنع الكوفة من حجر وأودعه نكالا لمن بعده ثم بعث إليه فامتنع من الإجابة فبعث صاحب الشرطة شداد بن الهيثم الهلالي إليه جماعة فسبهم

أصحابه. فجمع زياد أهل الكوفة وتهددهم فتبرءوا فقال: ليدع كل رجل منكم عشيرته الذين عند حجر ففعلوا حتى إذا لم يبق معه إلا قومه، قال زياد لصاحب الشرطة: انطلق إليه فأت به طوعا أو كرها فلما جاءه يدعوه امتنع من الإجابة فحمل عليهم وأشار إليه أبوا العمرطة الكندي بأن يلحق بكندة فمنعوه، هذا وزياد على المنبر ينتظر ثم غشيهم أصحاب زياد وضرب عمرو بن الحمق فسقط ودخل في دور الأزد فاختفى وخرج حجر من أبواب كندة فركب ومعه أبو العمرطة إلى دور قومه واجتمع إليه الناس ولم يأته من كندة إلا قليل ثم أرسل زياد وهو على المنبر مذحج وهمدان ليأتوه بحجر، فلما علم أنهم قصدوه تسرب من داره إلى النخع ونزل على أخي الأشتر. وبلغه أن الشرطة تسأل عنه في النخع. فأتى الأزد واختفى عند ربيعة بن ناجد، وأعياهم طلبه فدعا حجر محمد بن الأشعث أن يأخذ له أمانا من زياد حتى يبعث به إلى معاوية، فجاء محمد ومعه جرير بن عبد الله وحجر بن يزيد وعبد الله بن الحرث أخو الأشتر فاستأمنوا له زيادا فأجابهم ثم أحضروا حجرا فحبسه وطلب أصحابه فخرج عمرو بن الحمق إلى الموصل ومعه زواعة بن شداد فاختفى في جبل هناك ورفع أمرهما إلى عامل الموصل وهو عبد الرحمن بن عثمان الثقفي ابن أخت معاوية، ويعرف بابن أم الحكم فسار إليهما وهرب زواعة وقبض على عمرو، وكتب إلى معاوية بذلك فكتب إليه أنه طعن عثمان سبعا بمشاقص كانت معه فاطعنه كذلك فمات في الأولى والثانية ثم جد زياد في طلب أصحاب حجر وأتى بقبيصة بن ضبعة العبسي بأمان فحبسه وجاء قيس بن عباد الشبلي برجل من قومه من أصحاب حجر فأحضره زياد وسأله عن علي فأثنى عليه فضربه وحبسه. وعاش قيس بن عباد حتى قاتل مع ابن الأشعث، ثم دخل بيته في الكوفة وسعى به إلى الحجاج فقتله. ثم أرسل زياد إلى عبد الله ابن خليفة الطائي من أصحاب حجر فتوارى وجاء الشرط فأخذوه ونادت أخته الفرار بقومه فخلصوه فأخذ زياد عدي بن حاتم وهو في المسجد وقال: ائتني بعبد الله وخبره جهرة فقال: آتيك بابن عمي تقتله؟ والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه فحبسه، فنكر ذلك الناس وكلموه وقالوا تفعل هذا بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبير طيئ قال: أخرجه على أن يخرج ابن عمه عني فأطلقه وأمر عدي عبد الله أن يلحق بجبل طيئ فلم يزل هنالك حتى مات وأتى زياد بكريم بن عفيف الخثعمي من أصحاب حجر وغيره

ولما جمع منهم اثني عشر في السجن دعا رءوس الأرباع يومئذ [1] وهم عمرو بن حريث على ربع أهل المدينة، وخالد بن عرفطة على ربع تميم وهمدان، وقيس بن الوليد على ربع ربيعة وكندة، وأبو بردة بن أبي موسى على ربع مذحج وأسد. فشهدوا كلهم أن حجرا جمع الجموع وأظهر شتم معاوية، ودعا إلى حربه وزعم أن الأمر لا يصلح إلا في الطالبيين ووثب بالمصر وأخرج العامل وأظهر غدر أبي تراب والترحم عليه، والبراءة من عدوه وأهل حربه، وأن النفر الذين معه وهم رءوس أصحابه على مقدم رأيه ثم استكثر زياد من الشهود فشهد إسحاق وموسى ابنا طلحة والمنذر ابن الزبير وعمارة بن عقبة بن أبي معيط وعمر بن سعد بن أبي وقاص وغيرهم وفي الشهود شريح بن الحرث وشريح بن هانئ ثم استدعى زياد وائل بن حجر الحضرمي وكثير ابن شهاب ودفع إليهما حجر بن عدي وأصحابه وهم الأرقم بن عبد الله الكندي وشريك بن شداد الحضرمي وصيفي بن فضيل الشيباني وقبيصة بن ضبيعة العبسي، وكريم ابن عفيف الخثعمي، وعاصم بن عوف البجلي وورقاء بن سمي البجلي، وكرام بن حبان العنزي وعبد الرحمن بن حسان العنزي ومحرز بن شهاب التميمي وعبد الله بن حوية السعدي ثم أتبع هؤلاء الإحدى عشر بعتبة بن الأخنس من سعد بن بكر وسعد بن غوات الهمداني، وأمرهما أن يسيرا بهم إلى معاوية. ثم لحقهما شريح بن هانئ ودفع كتابه إلى معاوية بن وائل ولما انتهوا إلى مرج غدراء [2] قريب دمشق تقدم ابن وائل وكثير إلى معاوية، فقرأ كتاب شريح وفيه بلغني أن زيادا كتب شهادتي وأني أشهد على حجر أنه ممن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويديم الحج والعمرة ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، حرام الدم والمال فإن شئت فاقبله أو فدعه، فقال معاوية: ما أرى هذا إلا أخرج نفسه من شهادتكم وحبس القوم بمرج غدراء حتى لحقهم عتبة بن الأخنس وسعد بن غوات اللذين ألحقهما زياد بهما. وجاء عامر بن الأسود العجيلي إلى معاوية فأخبره بوصولهما، فاستوهب يزيد بن أسد البجلي عاصما وورقاء ابني عمه وقد كتب يزيد يزكيهما ويشهد ببراءتهما فأطلقهما معاوية وشفع وائل بن حجر في الأرقم وأبو الأعور السلمي في ابن الأخنس وحبيب بن سلمة في أخويه فتركهم وسأله مالك بن هبيرة السكوني

في حجر فرده فغضب وحبس في بيته وبعث معاوية هدبة بن فياض القضاعي، والحسين بن عبد الله الكلابي، وأبا شريف البدري إلى حجر وأصحابه ليقتلوا منهم من أمرهم بقتله فأتوهم وعرض عليهم البراءة من علي فأبوا وصلوا عامة ليلتهم ثم قدموا من الغد للقتل وتوضأ حجر وصلى وقال: لولا أن يظنوا بي الجزع من الموت لاستكثرت منها. اللهم إنا نستعديك على أمشاء أهل الكوفة، يشهدون علينا، وأهل الشام يقتلوننا. ثم مشى إليه هدبة بن فياض بالسيف، فارتعد فقالوا: كيف وأنت زعمت أنك لا تجزع من الموت؟ فابرأ من صاحبك وندعك.

فقال: وما لي لا أجزع وأنا بين القبر والكفن، والسيف. وإن جزعت من الموت لا أقول ما يسخط الرب فقتلوه وقتلوا ستة معه وهم شريك بن شداد وصيفي بن فضيل وقبيصة بن حنيفة، ومحرز بن شهاب، وكرام بن حبان ودفنوهم وصلوا عليهم بعبد الرحمن بن حسان العنزي [1] وجيء بكريم بن الخثعمي إلى معاوية فطلب منه البراءة من علي فسكت واستوهبه سمرة بن عبد الله الخثعمي من معاوية فوهبه له، على أن لا يدخل الكوفة. فنزل إلى الموصل ثم سأل عبد الرحمن بن حسان عن علي فأثنى خيرا ثم عن عثمان فقال: أول من فتح باب الظلم وأغلق باب الحق فرده إلى زياد ليقتله شر قتلة فدفنه حيا وهو سابع القوم. (وأما مالك) بن هبيرة السكوني فلما لم يشفعه معاوية في حجر جمع قومه وسار ليخلصه وأصحابه فلقي القتلة وسألهم فقالوا مات القوم وسار إلى عدي فتيقن قتلهم فأرسل في إثر القتلة فلم يدركوهم، وأخبروا معاوية فقال: تلك حرارة يجدها في نفسه وكأني بها قد طفئت. ثم أرسل إليه بمائة ألف وقال: خفت أن يعيد القوم حربا فيكون على المسلمين أعظم من قتل حجر فطابت نفسه. (ولما بلغ) عائشة خبر حجر وأصحابه، أرسلت عبد الرحمن بن الحرث إلى معاوية يشفع فيهم فجاء وقد قتلوا فقال لمعاوية: أين غاب عنك حلم أبي سفيان؟ فقال: حيث غاب علي مثلك من حلماء قومي وحملني ابن سمية فاحتملت وأسفت عائشة لقتل حجر وكانت تثني عليه. وقيل في سياقة الحديث غير ذلك وهو أن زيادا أطال الخطبة في يوم جمعة فتأخرت الصلاة فأنكر حجر ونادى بالصلاة فلم يلتفت إليه. وخشي فوت الصلاة فحصبه بكف من الحصباء، وقام إلى

الصلاة فقام الناس معه فخافهم زياد ونزل فصلى. وكتب إلى معاوية وعظم عليه الأمر، فكتب إليه أن يبعث به موثقا في الحديد وبعث من يقبض عليه فكان ما مر.

ثم قبض عليه وحمله إلى معاوية، فلما رآه معاوية أمر بقتله فصلى ركعتين وأوصى من حضره من قومه لا تفكوا عني قيدا ولا تغسلوا دما فإني لاق معاوية غدا على الجادة وقتل (انتهى) . (وقالت) عائشة لمعاوية: أين حملك عن حجر؟ قال: لم يحضرني رشيد (انتهى) . (وكان) زياد قد ولى الربيع بن زياد الحارثي على خراسان سنة إحدى وخمسين بعد أن هلك حسن بن عمر الغفاري وبعث معه من جند الكوفة والبصرة خمسين ألفا فيهم بريدة بن الحصيب، وأبو برزة الأسلمي من الصحابة وغزا بلخ ففتحها صلحا، وكانوا انتقضوا بعد صلح الأحمق بن قيس. ثم فتح قهستان عنوة واستلحم من كان بناحيتها من الترك، ولم يفلت منهم إلا قيزل طرخان وقتله قتيبة ابن مسلم في ولايته فلما بلغ الربيع بن زياد بخراسان قتل حجر سخط لذلك وقال: لا تزال العرب تقتل بعده صبرا ولو نكروا قتله منعوا أنفسهم من ذلك، لكنهم أقروا فذلوا. ثم دعا بعد صلاة جمعة لأيام من خبره وقال للناس: إني قد مللت الحياة، واني داع فأمنوا ثم رفع يديه وقال: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك عاجلا وأمن الناس. ثم خرج فما تواترت ثيابه حتى سقط، فحمل إلى بيته، واستخلف ابنه عبد الله ومات من يومه. ثم مات ابنه بعده بشهرين واستخلف خليد ابن عبد الله الحنفي وأقره زياد.

وفاة زياد ثم مات زياد في رمضان سنة ثلاث وخمسين بطاعون أصابه في يمينه يقال بدعوة ابن عمر، وذلك أن زيادا كتب إلى معاوية إني ضبطت العراق بشمالي ويميني فارغة فاشغلها بالحجاز، فكتب له عهده بذلك، وخاف أهل الحجاز وأتوا عبد الله بن عمر يدعو لهم الله أن يكفيهم ذلك فاستقبل القبلة ودعا معهم وكان من دعائه: اللهم اكفناه، ثم كان الطاعون فأصيب في يمينه فأشير عليه بقطعها فاستدعى شريحا القاضي فاستشاره فقال إن يكن الأجل فرغ فتلقى الله أجذم [1]

كراهية في لقائه وإلا فتعيش أقطع، ويعير ولدك فقال: لا أبيت والطاعون في لحاف واحد، واعتزم على قطعها فلما نظر إلى النار والمكاوي جزع وتركه، وقيل تركه لإشارة شريح وعذل الناس شريحا في ذلك فقال: المستشار مؤتمن. ولما حضرته الوفاة قال له ابنه: قد هيأت لكفنك ستين ثوبا فقال: يا بني قد دنا لأبيك لباس خير من لباسه. ثم مات ودفن بالتوسة قرب الكوفة، وكان يلبس القميص ويرقعه، ولما مات استخلف على الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد وكان خليفته على البصرة عبد الله بن عمر بن غيلان وعزل بعد ذلك عبد الله بن خالد عن الكوفة وولى عليها الضحاك بن قيس.

** ولاية عبيد الله بن زياد على خراسان ثم على البصرة **

ولما قدم ابنه عبيد الله على معاوية وهو ابن خمس وعشرين سنة قال: من استعمل أبوك على المصرين؟ فأخبره فقال: لو استعملك لاستعملتك. فقال عبيد الله:

أنشدك الله أن يقول لي أحد بعدك لو استعملك أبوك وعمك استعملتك. فولاه خراسان ووصاه فكان من وصيته: اتق الله ولا تؤثرن على تقواه شيئا، فإن في تقواه عوضا وق عرضك من أن تدنسه، وإن أعطيت عهدا فأوف به، ولا تتبعن كثيرا بقليل، ولا يخرجن منك أمر حتى تبرمه فإذا خرج فلا يردن عليك. وإذا لقيت عدوك فكبر أكبر من معك، وقاسمهم على كتاب الله، ولا تطمعن أحدا في غير حقه، ولا تؤيسن أحدا من حق هو له. ثم ودعه فسار إلى خراسان أول سنة أربع وخمسين، وقدم إليها أسلم بن زرعة الكلابي، ثم قدم فقطع النهر إلى جبال بخارى على الإبل ففتح رامين ونسف وسكند ولقيه الترك فهزمهم وكان مع ملكهم امرأته خاتون، فأعجلوها عن لبس خفيها، فأصاب المسلمون أحدهما وقوم بمائتي ألف درهم. وكان عبيد الله ذلك اليوم يحمل عليهم وهو يطعن حتى يغيب عن أصحابه ثم يرفع رايته تقطر دما. وكان هذا الزحف من زحوف خراسان المعدودة، وكانت أربعة منها للأحنف بن قيس بقهستان والمرعات وزحف لعبد الله بن حازم قضى فيه جموع فاران وأقام عبيد الله واليا على خراسان سنتين وولاه معاوية سنة خمس وخمسين على البصرة. وذلك أن ابن غيلان خطب وهو أمير على البصرة، فحصبه رجل من بني ضبة فقطع يده فأتاه بنو ضبة يسألونه الكتاب إلى معاوية بالاعتذار

عنه، وأنه قطع على أمر لم يصح، مخافة أن يعاقبهم معاوية جميعا فكتب لهم وسار ابن غيلان إلى معاوية رأس السنة وأوفاه الضبيون بالكتاب، فادعوا أن ابن غيلان قطع صاحبهم ظلما فلما قرأ معاوية الكتاب قال: أما القود من عمالي فلا سبيل إليه، ولكن أدي صاحبكم من بيت المال وعزل عبد الله بن غيلان عن البصرة، واستعمل عليها عبيد الله بن زياد، فسار إليها عبيد الله وولى على خراسان أسلم بن زرعة الكلابي فلم يغز ولم يفتح.

** العهد ليزيد **

ذكر الطبري بسنده قال: قدم المغيرة على معاوية فشكا إليه الضعف، فاستعفاه فأعفاه وأراد أن يولي سعيد بن العاص وقال أصحاب المغيرة للمغيرة: إن معاوية قلاك، فقال لهم: رويدا ونهض إلى يزيد وعرض له بالبيعة. وقال ذهب أعيان الصحابة وكبراء قريش ورادوا أسنانهم، وإنما بقي أبناؤهم وأنت من أفضلهم وأحسنهم رأيا وسياسة، وما أدري ما يمنع أمير المؤمنين من العهد لك فأدى ذلك يزيد إلى أبيه واستدعاه وفاوضه في ذلك. فقال: قد رأيت ما كان من الاختلاف وسفك الدماء بعد عثمان وفي يزيد منك خلف، فاعهد له يكون كهفا للناس بعدك فلا تكون فتنة ولا يسفك دم وأنا أكفيك الكوفة ويكفيك ابن زياد البصرة فرد معاوية المغيرة إلى الكوفة، وأمره أن يعمل في بيعة يزيد فقدم الكوفة وذاكر من يرجع إليه من شيعة بني أمية فأجابوه، وأوفد منهم جماعة مع ابنه موسى فدعاه إلى عقد البيعة ليزيد.

فقال: أوقد رضيتموه؟ قالوا: نعم! نحن ومن وراءنا. فقال: ننظر ما قدمتم له ويقضي الله أمره، والأناة خير من العجلة ثم كتب إلى زياد يستنيره بفكر [1] .

وكف عن هدم دار سعيد وكتب سعيد إلى معاوية يعذله في إدخال الظعينة بين قرايته ويقول لو لم تكن بني أب واحد لكانت قرابتنا ما جمعنا الله عليه من نصرة الخليفة المظلوم يجب عليك أن تدعي ذلك فاعتذر له معاوية وتنصل. وقدم سعيد عليه وسأله عن مروان فأثنى خيرا فلما كان سنة سبع وخمسين عزل مروان وولى مكانه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وقيل سنة ثمان [2] .

** عزل الضحاك عن الكوفة وولاية ابن أم الحكم ثم النعمان بن بشير **

عزل معاوية الضحاك عن الكوفة سنة ثمان وخمسين وولى مكانه عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفي وهو ابن أم الحكم أخت معاوية فخرجت عليه الخوارج الذين كان المغيرة حبسهم في بيعة المستورد بن علقمة، وخرجوا من سجنه بعد موته فاجتمعوا على حيان بن ضبيان السلمي ومعاذ بن جرير الطائي، فسير إليهم عبد الرحمن الجيش من الكوفة فقتلوا أجمعين كما يذكر في أخبار الخوارج. ثم إن أهل الكوفة نقلوا عن عبد الرحمن سوء سيرته، فعزله معاوية عنهم وولى مكانه النعمان بن بشير. وقال: أوليك خيرا من الكوفة، فولاه مصر، وكان عليها معاوية بن خديج السكوني، وسار إلى مصر فاستقبله معاوية على مرحلتين منها، وقال: ارجع إلى حالك لا تسر فينا سيرتك في إخواننا أهل الكوفة فرجع إلى معاوية وأقام معاوية بن خديج في عمله.

ولاية عبد الرحمن بن زياد خراسان وفي سنة تسع وخمسين قدم عبد الرحمن بن زياد وافدا على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين أما لنا حق؟ قال: بلى! فماذا قال توليني؟ قال: بالكوفة النعمان بن بشير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالبصرة وخراسان عبيد الله أخوك، وبسجستان عباد أخوك ولا أرى ما يشبهك إلا أن أشركك في عمل عبيد الله فإن عمله واسع يحتمل الشركة فولاه خراسان فسار إليها، وقدم بين يديه قيس بن الهيثم السلمي، فأخذ أسلم بن زرعة وحبسه. ثم قدم عبد الرحمن فأغرمه ثلاثمائة ألف درهم وأقام بخراسان وكان متضعفا لم يقر قط. وقدم على يزيد بين يدي قتل الحسين، فاستخلف على خراسان قيس بن الهيثم. فقال له يزيد: كم معك من مال خراسان؟ قال عشرون ألف درهم فخيره بين أخذها بالحساب ورده إلى عمله أو تسويغه إياها وعزله، على أن يعطي عبد الله بن جعفر خمسمائة ألف درهم، فاختار تسويغها والعزل. وبعث إلى ابن جعفر بألف ألف وقال نصفها من يزيد ونصفها مني. ثم إن أهل البصرة وفدوا مع عبيد الله بن زياد على معاوية فأذن له على منازلهم ودخل الأحنف آخرهم وكان هيأ المنزلة من عبيد الله فرحب به معاوية وأجلسه معه على سريره. ثم تكلم القوم وأثنوا على عبيد الله وسكت الأحنف، فقال معاوية: تكلم يا أبا بحر فقال أخشى خلاف القوم، فقال: انهضوا فقد عزلت عنكم عبيد الله واطلبوا واليا ترضونه، فطفق القوم يختلفون إلى رجال بني أمية وأشراف الشام، وقعد الأحنف في منزله، ثم أحضرهم معاوية وقال: من اخترتم فسمى كل فريق رجلا والأحنف ساكت. فقال معاوية: تكلم يا أبا بحر فقال: إن وليت علينا من أهل بيتك لم نعدل بعبيد الله أحدا، وإن وليت من غيرهم ينظر في ذلك قال: فإني قد أعدته عليكم، ثم أوصاه بالأحنف وقبح رأيه في مباعدته ولما هاجت الفتنة لم يعزله غير الأحنف ثم أخذ على وفد البصرة البيعة لابنه يزيد معهم.

بقية الصوائف دخل بسر بن أرطاة سنة اثنتين وخمسين أرض الروم وشتى بها وقيل رجع ونزل هنالك سفيان بن عوف الأزدي فشتى بها وتوفي هنالك انتهى. وغزا بالصائفة محمد بن عبد الله الثقفي، ثم دخل عبد الرحمن ابن أم الحكم سنة ثلاث وخمسين إلى أرض الروم وشتى بها وافتتحت في هذه السنة رودس، فتحها جنادة بن أبي أمية الأزدي ونزلها المسلمون على حذر من الروم، ثم كانوا يعترضونه في البحر

ويأخذون سفنه، وكان معاوية يدركهم بالعطاء حتى خافهم الروم ثم نقلهم يزيد في ولايته. ثم دخل سنة أربع وخمسين الى بلاد الروم محمد بن مالك وشتى بها وغزا بالصائفة [1] ابن يزيد السلمي، وفتح المسلمون جزيرة أروى قرب القسطنطينية ومقدمهم جنادة بن أبي أمية، فملكوها سبع سنين ونقلهم يزيد في ولايته وفي سنة خمس وخمسين كان شتى سفيان بن عوف بأرض الروم، وقيل عمر بن محرز وقيل عبد الله بن قيس. وفي سنة ست وخمسين كان شتى جنادة بن أبي أمية، وقيل عبد الرحمن بن مسعود، وقيل غزا في البحر يزيد ابن سمرة. وفي البر عياض بن الحرث. وفي سنة سبع وخمسين كان شتى عبد الله بن قيس بأرض الروم. وغزا مالك بن عبد الله الخثعمي في البر، وعمر بن يزيد الجهني في البحر.

وفي سنة ثمان وخمسين كان شتى عمر بن مرة الجهني بأرض الروم، وغزا في البحر جنادة بن أمية. وفتح المسلمون في هذه السنة حصن كفخ من بلاد الروم، وعليهم عمير بن الحباب السلمي صعد سورها وقاتل عليه وحده حتى انكشف الروم وفتحه.

وفي سنة ستين غزا مالك بن عبد الله سوية وملك جنادة بن أبي أمية رودس وهدم مدينتها.

وفاة معاوية وتوفي معاوية سنة ستين وكان خطب الناس قبل موته وقال: إني كزرع مستحصد وقد طالت إمارتي عليكم حتى مللتكم ومللتموني، وتمنيت فراقكم وتمنيتم فراقي ولن يأتيكم بعدي إلا من أنا خير منه، كما أن من كان قبلي خير مني. وقد قيل من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. اللهم إني قد أحببت لقاءك فاحبب لقائي وبارك لي. فلم يمض إلا قليل حتى ازداد به مرضه فدعا ابنه يزيد وقال: يا بني إني قد كفيتك الرحلة والترحال ووطأت لك الأمور وأخضعت لك رقاب العرب، وجمعت لك ما لم يجمعه أحد. وإني لا أخاف عليك أن ينازعك هذا الأمر الذي انتسب لك إلا أربعة نفر من قريش: الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر. فأما ابن عمر فرجل قد وقذته العبادة، وإذا لم يبق غيره بايعك. وأما الحسين فإن أهل العراق لم يدعوه حتى يخرجوه، فإن خرج عليك فظفرت به فاصفح عنه، فإن له رحما ما مثله وحقا

Source. Kitab al-'Ibar (كتاب العبر), Ibn Khaldun (d. 1406) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0808IbnKhaldun.Tarikh.Shamela0012320-ara1.mARkdown (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com