John Shaqi

Islam · Chronicles · Kitab al-'Ibar

الكتاب الثاني ويشتمل: أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدإ الخليقة الى هذا العهد — تتمة 24

Kitab al-'Ibar · Ibn Khaldun (d. 1406) · chapter 36 of 67

ثم توفي قريش بن بدران سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة ودفن بنصيبين، وجاء فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد بن جهير من دارا وجمع بني عقيل على ابنه أبي المكارم مسلم بن قريش فولوه عليهم، واستقام أمره وأقطعه السلطان سنة ثمان وخمسين الأنبار وهيت وحريم والسن والبواريح، ووصل إلى بغداد فركب الوزير ابن جهير في المركب للقائه. ثم سار سنة ستين وأربعمائة إلى الرحبة فقاتل بها بني كلاب وهم في طاعة المستنصر العلوي فهزمهم وأخذ أسلابهم، وبعث بأشلائهم وعليها سمات العلوية فطيف بها منكسة ببغداد.

** (استيلاء مسلم بن قريش على حلب) **

وفي سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة سار شرف الدولة مسلم بن قريش صاحب الموصل إلى

مدينة حلب فحاصرها، ثم أفرج عنها فحاصرها تتش بن آلب أرسلان، وقد كان ملك الشام سنة إحدى وسبعين قبلها فأقام عليها أياما. ثم أفرج عنها وملك بزاغة والبيرة، وبعث أهل حلب الى مسلم بن قريش بأن يمكنوه من بلدهم ورئيسها يومئذ ابن الحسين العباسي، فلما قرب منهم امتنعوا من ذلك فترصد لهم بعض التركمان وهو صاحب حصن بنواحيها. وأقام كذلك أياما حتى صادف ابن الحسين يتصيد في ضيعته فأسره، وبعث به إلى مسلم بن قريش فأطلقه على أن يسلموا له البلد، فلما عاد إلى البلد تمم له ذلك، وسلم له البلد. فدخله سنة ثلاث وسبعين، وحصر القلعة واستنزل منها سابغا ووثابا ابني محمد بن مرداس، وبعث ابنه إبراهيم وهو ابن عمة السلطان إلى السلطان يخبره بملك حلب وسأل أن يقدر عليه ضمانه فأجابه السلطان إلى ذلك، وأقطع ابنه محمدا مدينة بالس. ثم ساره مسلم إلى حران وأخذها من بني وثاب النميريين وأطاعه صاحب الرها ونقش السكة باسمه.

** (حصار مسلم بن قريش دمشق وعصيان أهل حران عليه) **

وفي سنة ست وسبعين وأربعمائة سار شرف الدولة إلى دمشق فحاصرها، وصاحبها تتش فخرج في عسكره وهزم مسلم بن قريش فارتحل عنها راجعا إلى بلاده. وقد كان استمد أهل مصر فلم يمدوه، وبلغه الخبر بأن أهل حران نقضوا الطاعة، وأن ابن عطية وقاضيها ابن حلية عازمون على تسليم البلد للترك، فبادر الى حران وصالح في طريقه ابن ملاعب صاحب حمص، وأعطاه سليمة ورفسة [1] ، وحاصر حران وخرب أسوارها، واقتحمها عنوة وقتل القاضي وابنه.

** (حرب ابن جهير مع مسلم بن قريش واستيلاؤه على الموصل ثم عودها إليه) **

كان فخر الدولة أبو نصر محمد بن أحمد بن جهير من أهل الموصل، واتصل بخدمة بني المقلد ثم استوحش من قريش بن بدران واستجار ببعض رؤساء بني عقيل فأجاروه منه. ومضى إلى حلب فاستوزره معز الدولة أبو ثمال بن صالح. ثم فارقه إلى نصير الدولة بن مروان بديار بكر فاستوزره. ولما عزل القائم وزيره أبا الفتح محمد بن منصور بن دارس استدعاه للوزارة، فتحيل في المسير إلى بغداد، واتبعه ابن مروان فلم يدركه. ولما وصل إلى بغداد استوزره القائم سنة أربع وخمسين وأربعمائة وطغرلبك يومئذ هو السلطان المستبد على الخلفاء. واستمرت وزارته وتخللها العزل في بعض المرات إلى أن مات القائم، وولي المقتدي، وصارت السلطنة إلى ملك شاه فعزله المقتدي سنة إحدى وسبعين وأربعمائة بشكوى نظام الملك إلى الخليفة به، وسؤاله عزله فعزله، وسار ابنه عميد الدولة إلى نظام الملك بأصفهان واستصلحه وشفع فيه إلى المقتدي، فأعاد ابنه عميد الدولة. ثم عزله سنة ست وسبعين وأربعمائة فبعث السلطان ملك شاه ونظام الملك الى المقتدي بتخلية سبيل بني جهير إليه فوفدوا عليه بأصفهان، ولقوا منه مبرة وتكرمة. وعقد السلطان ملك شاه لفخر الدولة على ديار بكر، وبعث معه العساكر وأمره أن يأخذ البلاد من ابن مروان، وأن يخطب لنفسه بعد السلطان وينقش اسمه على السكة كذلك فسار لذلك، وتوسط ديار بكر.

ثم أردفه السلطان سنة سبع وسبعين وأربعمائة بالعساكر مع الأمير أرتق جد الملوك بماردين لهذا العهد، وكان ابن مروان عند ما أحس بمسير العساكر إليه، بعث إلى شرف الدولة مسلم بن قريش يستنجده على أن يعطيه آمد من أعماله. فجاء إلى آمد وفخر الدولة بنواحيها، وقد ارتاب من اجتماع العرب على نصرة ابن مروان ففتر عزمه عن لقائهم، وسارت عساكر الترك الذين معه فصبحوا العرب في أحيائهم فانهزموا، وغنموا أموالهم ومواشيهم، ونجا شرف الدولة إلى آمد، وحاصره فخر الدولة فيمن معه من العساكر. وبعث مسلم بن قريش إلى الأمير أرتق يقضي عنه في الخروج من آمد على مال بذله له فأغضى له وخرج إلى الرقة. وسار أحمد بن جهير الى ميافارقين

بلد ابن مروان لحصارها، ففارقه بهاء الدولة منصور بن مزيد وابنه سيف الدولة صدقة إلى العراق، وسار ابن جهير إلى خلاط وكان السلطان ملك شاه لما بلغه انحصار مسلم بن قريش بآمد، بعث عميد الدولة آقسنقر جد الملك العادل محمود في عساكر الترك، ولقيهم الأمير أرتق في طريقهم سائرا إلى العراق فعاد معهم وجاءوا إلى الموصل فملكوها، وسار السلطان في عساكره إلى بلاد مسلم بن قريش وانتهى إلى البواريح، وقد خلص مسلم بن قريش من الحصار بآمد، ووصل إلى الرحبة، وقد ملكت عليه الموصل، وذهبت أمواله فراسل مؤيد الملك بن نظام الملك فتوسل به فتقبل وسيلته وأذن له في الوصول الى السلطان بعد أن أعطاه من العهد ما رضي به.

وسار مسلم بن قريش من الرحبة فأحضره مؤيد الملك عند السلطان، وقدم هدية فاخرة من الخيل وغيرها، ومن جملتها فرسه الذي نجا عليه، وكان لا يجارى فوقع من السلطان موقعا وصالحه وأقره على بلاده فرجع إلى الموصل وعاد السلطان إلى ما كان بسبيله.

** (مقتل مسلم بن قريش وولاية ابنه إبراهيم) **

قد قدمنا ذكر قطلمش قريب السلطان طغرلبك، وكان سار إلى بلاد الروم فملكها، واستولى على قونية وأقصراي، ومات فملك مكانه ابنه سليمان، وسار إلى أنطاكية سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وأخذها من يد الروم كما نذكر في أخباره. وكان لشرف الدولة مسلم بن قريش بأنطاكية جزية يؤديها إليه صاحبها الفردروس [1] من زعماء الروم، فلما ملكها سليمان بن قطلمش بعث إليه يطالبه بتلك الجزية، ويخوفه معصية السلطان فأجابه بأني على طاعة السلطان وأمري فيها غير خفي، وأما الجزية فكانت مضروبة على قوم كفار يعطونها عن رءوسهم، وقد أدال الله منهم بالمسلمين ولا جزية عليهم فسار شرف الدولة، ونهب جهات انطاكية. وسار سليمان فنهب جهات حلب وشكت إليه الرعايا فرد عليهم. ثم جمع شرف الدولة جموع العرب وجموع التركمان مع أميرهم جق، وسار إلى أنطاكية فسار سليمان للقائه والتقيا في أعمال أنطاكية في صفر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. ولما التقوا مال الأمير جق بمن

معه من التركمان إلى سليمان فاختل مصاف مسلم بن قريش، وانهزمت العرب عنه وثبت فقتل في أربعمائة من أصحابه، وكان ملكه قد اتسع من نهر عيسى وجميع ما كان لأبيه وعمه قراوش من البلاد. وكانت أعماله في غاية الخصب والأمن، وكان حسن السياسة كثير العدل. ولما قتل مسلم اجتمع بنو عقيل وأخرجوا أخاه إبراهيم من محبسه، بعد أن مكث فيه سنين مقيدا حتى أفسد القيد مشيته، فأطلقوه وولوه على أنفسهم مكان أخيه مسلم. ولما قتل مسلم سار سليمان بن قطلمش إلى أنطاكية وحاصرها شهرين فامتنعت عليه ورجع. وفي سنة تسع وسبعين وأربعمائة بعدها بعث عميد العراق عسكرا إلى الأنبار فملكها من يد بني عقيل. وفيها أقطع السلطان ملك شاه مدينة الرحبة وأعمالها وحران وسروج والرقة والخابور لمحمد بن شرف الدولة مسلم ابن قريش، وزوجه بأخته خاتون زليخة فتسلم جميع هذه البلاد، وامتنع محمد بن المشاطر من تسليم حران فأكرهه السلطان على تسليمها.

** (نكبة إبراهيم وتنازع محمد وعلي ابني مسلم بعده على ملك الموصل ثم استيلاء علي عليها) **

لم يزل إبراهيم بن قريش ملكا بالموصل وأميرا على قومه بني عقيل، حتى استدعاه السلطان ملك شاه سنة اثنتين وثمانين فلما حضر اعتقله، وبعث فخر الدولة ابن جهير على البلاد فملك الموصل وغيرها، وأقطع السلطان عمته صفية مدينة بلد، وكانت زوجا لمسلم بن قريش ولها منه ابنه علي، وتزوجت بعده بأخيه إبراهيم. فلما مات ملك شاه ارتحلت صفية الى الموصل ومعها ابنها علي بن مسلم، وجاءه أخوه محمد بن مسلم وتنازعا في ملك الموصل وانقسمت العرب عليهما. واقتتلوا على الموصل فانهزم محمد وملك علي ودخل الموصل وانتزعها من يد ابن جهير.

** (عود إبراهيم الى ملك الموصل ومقتله) **

لما مات ملك شاه واستبدت تركمان خاتون بعده بالأمور، وأطلقت إبراهيم من

الاعتقال، فبادر الى الموصل، فلما صار بها سمع أن علي ابن أخيه مسلم قد ملكها ومعه أمه صفية عمة ملك شاه فبعث إليها، وتلطف بها فدفعت إليه ملك الموصل فدخلها وكان تتش صاحب الشام أخو ملك شاه قد طمع في ملك العراق. واجتمع إليه الأمراء بالشام وجاء آق سنقر صاحب حلب، وسار إلى نصيبين فملكها وبعث إلى إبراهيم أن يخطب له ويسهل طريقه إلى بغداد، فامتنع إبراهيم من ذلك فسار تتش ومعه آق سنقر وجموع الترك. وخرج إبراهيم للقائه في ثلاثين ألفا. والتقى الفريقان بالمغيم فانهزم إبراهيم، وقتل وغنم الترك حللهم وقتل كثير من نساء العرب أنفسهن خوفا من الفضيحة، واستولى تتش على الموصل.

** ولاية علي بن مسلم على الموصل ثم استيلاء كربوقا وانتزاعه إياها من يده وانقراض أمر بني المسيب من الموصل **

ولما قتل إبراهيم وملك تتش الموصل ولى عليها علي بن أخيه مسلم بن قريش فدخلها مع أمه صفية عند ملك شاه، واستقرت هي وأعمالها في ولايته. وسار تتش إلى ديار بكر فملكها، ثم إلى أذربيجان فاستولى عليها. وزحف إليه بركيارق وابن أخيه ملك شاه، وتقاتلا فانهزم تتش، وقام بماكنه ابنه رضوان، وملك حلب وأمره السلطان بركيارق بإطلاق كربوقا فأطلقه. واجتمعت عليه رجال، وجاء إلى حران فملكها، وكاتبه محمد بن مسلم بن قريش وهو بنصيبين ومعه ثوران بن وهيب وأبو الهيجاء الكردي يستنصرونه على علي بن مسلم بن قريش بالموصل، فسار إليهم وقبض على محمد بن مسلم وسار به إلى نصيبين فملكها. ثم سار إلى الموصل فامتنعت عليه ورجع إلى مدينة بلد. وقتل بها محمد بن مسلم غريقا، وعاد إلى حصار الموصل. واستنجد علي بن مسلم بالأمير جكرمش صاحب جزيرة ابن عمر فسار إليه منجدا له. وبعث كربوقا إليه عسكرا مع أخيه التوتناش فرده مهزوما إلى الجزيرة فتمسك بطاعة كربوقا، وجاء مددا له على حصار الموصل. واشتد الحصار بعلي بن مسلم فخرج من الموصل، ولحق بصدقة بن مزيد بالحلة، وملك كربوقا بلد الموصل بعد حصار تسعة أشهر. وانقرض ملك بني المسيب من الموصل وأعمالها واستولى عليها ملوك الغز من السلجوقية أمراؤهم والبقاء لله وحده.

** (الخبر عن دولة بني صالح بن مرداس بحلب وابتداء أمرهم وتصاريف أحوالهم) **

كان ابتداء أمر صالح بن مرداس ملك الرحبة، وهو من بني كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ومجالاتهم بضواحي حلب. وقال ابن حزم أنه من ولد عمرو بن كلاب، وكانت مدينة الرحبة لأبي علي بن ثمال الخفاجي، فقتله عيسى بن خلاط العقيلي وملكها من يده، وبقيت له مدة. ثم أخذها منه بدران بن المقلد. وزحف لؤلؤ الساري نائب الحاكم بدمشق فملك الرقة، ثم الرحبة من يد بدران، وعاد إلى دمشق. وكان رئيس الرحبة ابن مجلكان فاستبد بها، وبعث إلى صالح بن مرداس يستعين به على أمره فأقام عنده مدة. ثم فسد ما بينهما، وقاتله صالح. ثم اصطلحا، وزوجه ابن مجلكان ابنته ودخل البلد. ثم انتقل ابن مجلكان إلى عانة بأهله وماله بعد أن أطاعوه وأخذ رهنهم. ثم نقضوا وأخذوا ماله وسار إليهم ابن مجلكان مع صالح فوضع عليه صالح من قتله، وسار إلى الرحبة فملكها واستولى على أموال ابن مجلكان وأقام دعوة العلويين بمصر.

** (ابتداء أمر صالح في ملك حلب) **

قد قدمنا أن لؤلؤا مولى أبي المعالي بن سيف الدولة استبد بحلب على ابنه أبي الفضائل، وأخذ البلد منه ومحا دعوة العباسية وخطب للحاكم العلوي بمصر. ثم فسد حاله معه وطمع صالح بن مرداس في ملك حلب. وذكرنا هنالك ما كان بين صالح ولؤلؤ من الحروب، وأنه كان له مولى اسمه فتح وضعه في قلعة حلب حافظا لها، فاستوحش وانتقض على لؤلؤ بممالأة صالح بن مرداس، وبايع للحاكم على أن يقطعه صيدا وبيروت، وسوغه ما كان في حلب من الأموال. ولحق لؤلؤ بأنطاكية وأقام عند الروم. وخرج فتح بحرم لؤلؤ وأمه وتركهن في منبج. وترك حلب وقلعتها إلى نواب الحاكم وتداولت في أيديهم حتى وليها بعض بني حمدان من قبل الحاكم يعرف بعزيز الملك، اصطنعه الحاكم وولاه حلب ثم عصى على ابنه الظاهر،

وكانت عمته بنت الملك مدبرة لدولته، فوضعت على عزيز الملك من قتله، وولوا على حلب عبد الله بن علي بن جعفر الكتامي، ويعرف بابن شعبان الكتامي وعلى القلعة صفي الدولة موصوفا الخادم.

** (استيلاء صالح بن مرداس على حلب) **

ولما ضعف أمر العبيديين بمصر من بعد المائة الرابعة وانقرض أمر بني حمدان من الشام والجزيرة، تطاولت العرب إلى الاستيلاء على البلاد فاستولى بنو عقيل على الجزيرة، واجتمع عرب الشام فتقاسموا البلاد على أن يكون لحسان بن مفرج بن دغفل وقومه طيئ من الرملة إلى مصر، ولصالح بن مرداس وقومه بني كلاب من حلب إلى عانة ولحسان بن عليان وقومه [1] دمشق وأعمالها وكان العامل على هذه البلاد من قبل الظاهر خليفة مصر أنوشتكين إلى عسقلان، وملكها ونهبها حسان.

وسار صالح بن مرداس إلى حلب فملكها من يد ابن شعبان، وسلم له أهل البلد ودخلها. وصعد ابن شعبان إلى القلعة فحصرهم صالح بالقلعة حتى جهدهم الحصار، واستأمنوا وملك القلعة وذلك سنة أربع وعشرين وأربعمائة، واتسع ملكه ما بين بعلبك وعانة.

** (مقتل صالح وولاية ابنه أبي كامل) **

ولم يزل صالح مالكا لحلب إلى سنة عشرين وأربعمائة فجهز الظاهر العساكر من مصر إلى الشام لقتال صالح وحسان، وعليهم أنوشتكين الدريدي فسار لذلك، ولقيهما

على الأردن بطبرية، وقاتلهما فانهزما، وقتل صالح وولده الأصغر، ونجا ولده الأكبر أبو كامل نصر بن صالح إلى حلب، وكان يلقب شبل الدولة. ولما وقعت هذه الواقعة طمع الروم أهل أنطاكية في حلب فزحفوا إليها في عدد كثير.

** (مسير الروم الى حلب وهزيمتهم) **

ثم سار ملك الروم إلى حلب في ثلاثمائة ألف مقاتل، ونزل قريبا من حلب ومعه ابن الدوقس من أكابر الروم، وكان منافرا له، فخالفه وفارقه في عشرة آلاف مقاتل، ونمي إليه أنه يروم الفتك به، وأنه دس عليه فكر راجعا، وقبض على ابن الدوقس واضطرب الروم واتبعهم العرب وأهل السواد الأرمن، ونهبوا أثقال الملك أربعمائة حمل، وهلك أكثر عسكره عطشا. ثم أشرف بعض العرب على معسكره فهربوا وتركوا سوادهم وأموالهم وأكرم الله المسلمين بالفتح.

** (مقتل نصر بن صالح واستيلاء الوزيري على حلب) **

وفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة زحف الوزيري [1] من مصرفي العساكر الى حلب وخليفتهم يومئذ المستنصر، وبرز إليه نصر فالتقوا عند حماة، وانهزم نصر وقتل وملك الوزيري حلب في رمضان من هذه السنة.

** (مهلك الوزيري وولاية ثمال بن صالح) **

ولما ملك الوزيري حلب واستولى على الشام عظم أمره، واستكثر من الأتراك في الجند، ونمي عنه إلى المستنصر بمصر ووزيره الجرجاي أنه يروم الخلاف فدس الجرجاي [2] إلى جانب الوزيري والجند بدمشق في الثورة به، وكشف لهم عن سوء

رأي المستنصر فثاروا به، وعجز عن مدافعتهم فاحتمل أثقاله، وسار إلى حلب، ثم إلى حماة فمنع من دخولها فكاتب صاحب كفر طاب فسار إليه وتبعه إلى حلب ودخلها، وتوفي سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة ولما توفي فسد أمر الشام وانحل النظام وتزايد طمع العرب. وكان معز الدولة ثمال بن صالح بالرحبة منذ مهلك أبيه وأخيه فقصد حلب، وحاصرها فملك المدينة وامتنع أصحاب الوزيري بالقلعة.

واستمدوا أهل مصر وشغل الوالي بدمشق بعد الوزيري، وهو الحسين بن حمدان الحرب حسان بن مفرج صاحب فلسطين، فاستأمن أصحاب الوزيري إلى ثمال بن صالح بعد حصاره إياها حولا فأمنهم، وملكها في صفر سنة أربع وثلاثين وأربعمائة فلم يزل مملكا عليها إلى أن زحفت إليه العساكر من مصر مع أبي عبيداض بن ناصر الدولة بن حمدان، وبلغت جموعهم خمسة آلاف مقاتل فخرج إليهم ثمال، وقاتلهم وأحسن دفاعهم، وأصابهم سيل كاد يذهب بهم فأفرجوا عن حلب، وعادوا إلى مصر. ثم عادت العساكر ثانية من مصر سنة إحدى وأربعين مع رفق الخادم فقاتلهم ثمال وهزمهم، وأسر الخادم رفقا ومات عنده.

** (رغبة ثمال عن حلب ورجوعها لصاحب مصر وولاية ابن ملهم عليها) **

لم تزل العساكر تتردد من مصر إلى حلب، وتضيق عليها حتى سئم ثمال بن صالح إمارتها، وعجز عن القيام بها، فبعث إلى المستنصر بمصر وصالحه على أن ينزل له عن حلب، فبعث عليها مكين الدولة أبا علي الحسن بن ملهم، فتسلمها آخر سنة تسع وأربعين. وسار ثمال إلى مصر ولحق أخوه عطية بن صالح بالرحبة، واستولى ابن ملهم عليها.

** (ثورة أهل حلب بابن ملهم وولاية محمود بن نصر بن صالح) **

وأقام ابن ملهم بحلب سنتين أو نحوها، بلغه عن أهل حلب أنهم كاتبوا محمود بن نصر

بن صالح فقبض عليه، فثار به أهل حلب وحصروه بالقلعة، وبعثوا إلى محمود فجاء منتصف اثنتين وخمسين وأربعمائة وحاصره معهم بالقلعة. واجتمعت معه جموع العرب واستمد ابن ملهم المستنصر، فكتب إلى أبي محمد الحسن بن الحسين بن حمدان أن يسير إليه في العساكر، فسار إلى حلب وأجفل محمود عنها، ونزل ابن ملهم إلى البلد ودخلها ناصر الدولة ونهبتها عساكره، وابن ملهم. ثم تواقع محمود وناصر الدولة بظاهر حلب فانهزم ناصر الدولة بن حمدان وأسر فرجع به محمود إلى البلد وملكها وملك القلعة في شعبان من هذه السنة، وأطلق أحمد بن حمدان وابن ملهم فعاد إلى مصر.

** (رجوع ثمال بن صالح الى ملك حلب وفرار محمود بن نصر عنها) **

لما هزم محمود بن حمدان وأخذ القلعة من يد ابن ملهم. وكان معز الدولة ثمال بن صالح بمصر منذ سلمها للمستنصر سنة تسع وأربعين فسرحه المستنصر الآن، وأذن له في ملك حلب من ابن أخيه، فحاصره في ذي الحجة من سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة واستنجد محمود بخاله منيع بن شبيب بن وثاب النميري صاحب حران، فأمده بنفسه، وجاء لنصره فأفرج ثمال عن حلب وسار إلى البرية في محرم سنة ثلاث وخمسين. ثم عاد منيع إلى حران وملك ثمال حلب في ربيع سنة ثلاث وخمسين وغزا بلاد الروم فظفر وغنم.

** (وفاة ثمال وولاية أخيه عطية) **

ثم توفي ثمال بحلب قريبا من استيلائه، وذلك في ذي القعدة سنة أربع وخمسين وأربعمائة وعهد بحلب لأخيه عطية بن صالح وكان بالرحبة من لدن مسير ثمال إلى مصر فسار وملكها.

ابن خلدون م 23 ج 4

** (عود محمود الى حلب وملكه إياها من يد عطية) **

ولما ملك عطية حلب وكان ذلك عند استيلاء السلجوقية على ممالك العراق والشام وافتراقهم على العمالات. ونزل به قوم منهم فاستخدمهم وقوي بهم. ثم خشي أصحابه غائلتهم فأشاروا بقتلهم، فسلط أهل البلد عليهم فقتلوا منهم جماعة ونجا الباقون، فقصدوا محمود بن نصر بحران فاستنهضوه لملك حلب. وجاءهم فحاصرها وملكها في رمضان سنة خمس وخمسين وأربعمائة واستقام أمره. ولحق عطية عمه بالرقة، فملكها إلى أن أخذها منه شرف الدولة مسلم بن قريش سنة ثلاث وستين وأربعمائة، فسار إلى بلد الروم سنة خمس وستين وأربعمائة واستقام أمر محمود ابن نصر في حلب. وبعث الترك الذين جاءوا في خدمته مع أميرهم ابن خان سنة ستين وأربعمائة إلى بعض قلاع الروم فحاصروها وملكها. وسار محمود إلى طرابلس فحاصرها وصالحوه على مال فأفرج عنهم. ثم سار إليه السلطان البارسلان بعد فراغه من حصار ديار بكر وآمد والرها، ولم يظفر بشيء منها كما نذكر في أخبارهم. وجاء إلى حلب وحاصرها وبها محمود بن نصر. وجاءت رسالة الخليفة القائم بالرجوع إلى الدعوة العباسية فأعادها وسأل من الرسول أزهر أبو الفراس طراد الزيني أن يعفيه السلطان من الحصور عنده فأبى السلطان من ذلك، واشتد الحصار على محمود وأضربهم حجارة المجانيق، فخرج ليلا ومعه والدته منيعة بنت وثاب متطارحين على السلطان، فخلع على محمود في حلب آخر ثمان وستين وأربعمائة وعهد لابنه شبيب إلى الترك الذين ملكوا أباه وهم بالحاضر، وقد بلغه عنهم العيث والفساد، فلما دنا من حللهم تلقوه فلم يجبهم، وقاتلهم وأصيب بسهم في تلك الجولة ومات.

** (مهلك نصر بن محمود وولاية أخيه سابق) **

ولما هلك نصر ملك أخوه سابق. قال ابن الأثير: وهو الذي أوصى له أبوه بالملك، فلم ينفذ عهده لصغره، فلما ولي استدعى أحمد شاه مقدم التركمان الذين قتلوا أباه فخلع عليه، وأحسن إليه وبقي فيها ملكا.

** (استيلاء مسلم بن قريش على حلب من يد سابق وانقراض دولة بني صالح بن مرداس) **

ولما كانت سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة زحف تتش بعد أن ملك دمشق إلى حلب فحاصرها أياما ووجل أهل حلب من ولاية الترك فبعثوا الى مسلم بن قريش ليملكوه ثم بدا لهم في أمره ورجع من طريقه، وكان مقدمهم يعرف بابن الحسين العباسي وخرج ولده متصيدا في ضيعة له فأرسل له بعض أهل القلاع بنواحي حلب من التركمان، وأسره وأرسله إلى مسلم بن قريش فعاهده على تمكينه من البلد، وعاد إلى أبيه فسلم البلد إلى مسلم بن قريش وملكها سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة ولحق سابق بن محمود وأخوه وثاب إلى القلعة واستنزلهما بعد أيام على الأمان واستولى على نواحيها. وبعث إلى السلطان ملك شاه بالفتح، وأن يضمن البلد على العادة فأجابه إلى ذلك، وصارت في ولاية مسلم بن قريش إلى أن ملكها السلطان من بعده.

** (استيلاء السلطان ملك شاه على حلب وولاية آق سنقر عليها) **

قد تقدم لنا أن مسلم بن قريش قتله سليمان بن قطلمش كما مر في أخبار مسلم، فلما قتله أرسل إليه ابن الحسين العباسي مقدم أهل حلب يطلب تسليمها إليه. وكان تتش أيضا قد حاصرها وضيق عليها يطلب ملكها فوعد كلا منهما. ونمي الخبر إلى تتش فسار إلى حلب، وجاءه سليمان بن قطلمش فاقتتلا، وقتل سليمان سنة تسع وسبعين وأربعمائة وبعث برأسه إلى ابن الحسين، فكتب أنه يشاور السلطان ملك شاه في ذلك، فغضب تتش وحاصره، وداخله بعض أهل البلد فغدر به وأدخله ليلا فملك تتش مدينة حلب، وشفع الأمير أرتق بن أكسك من أمراء تتش في ابن الحثيثي وامتنع بالقلعة سالم بن مالك بن بدران ابن المقلد فحاصره تتش وكان ابن الحثيثي قد كاتب السلطان ملك شاه واستدعاه لملك حلب عند ما خاف من أخيه تاج الدولة تتش، فسار إليها من أصفهان سنة تسع وأربعين وأربعمائة ومر بالموصل. ثم تسلم حران

من يد ابن الشاطر، وأقطعها لمحمد بن قريش. ثم سار إلى الرها فملكها من يد الروم.

وكانوا اشتروها من ابن عطية، وسار إلى قلعة جعفر [1] فملكها وقتل من بها من بني قشير وأخذ صاحبها جعفرا شيخا أعمى وولدين له، وكانوا يفسدون السابلة ويرجعون إليها. ثم سار إلى منبج فملكها وسار إلى حلب وأخوه تتش يحاصر القلعة سبعة عشر يوما من حصارها، وعاد إلى دمشق وملك السلطان مدينة حلب وقاتل القلعة ساعة من نهار رشقا بالسهام، فأذعن سالم بن مالك بن بدران بالطاعة والنزول عنها على أن يقطعه قلعة جعفر، فأقطعها له السلطان فلم تزل بيده ويد بنيه إلى أن ملكها منهم نور الدين الشهيد [2] . وبعث نصر بن علي بن منقذ الكتاني صاحب شيزر بالطاعة، وولى على حلب قسيم الدولة آق سنقر جد العادل نور الدين الشهيد، وارتحل عائدا إلى العراق. وسأله أهل حلب أن يعفيهم من ابن الحثيثي فاستصلحه، وأرسله إلى ديار بكر فنزلها إلى أن توفي على حال شديدة من الفقر والاملاق. والله مالك الأمور لا رب غيره.

** (الخبر عن دولة بني مزيد ملوك الحلة وابتداء أمرهم وتصاريف أحوالهم) **

كان بنو مزيد هؤلاء من بني أسد، وكانت محلاتهم من بغداد إلى البصرة إلى نجد وهي معروفة. وكانت لهم النعمانية، وكانت بنو دبيس من عشائرهم في نواحي خوزستان في جزائر معروفة بهم. وكان كبير بني مزيد أبو الحسن علي بن مزيد وأخوه أبو الغنائم.

وسار أبو الغنائم إلى بني دبيس فأقام عندهم، وفر فلم يدركوه، ولحق بناحية أبي الحسن فسار إليهم أبو الحسن، واستمد عميد الجيوش فأمده بعسكر من الديلم في البحر، ولقيهم فانهزم أبو الحسن وقتل أبو الغنائم وذلك سنة إحدى وأربعمائة. فلما كانت سنة خمس وأربعمائة جمع أبو الحسن وسار إليهم لإدراك الثأر بأخيه، وجمع بني دبيس وهم مضر وحسان ونبهان وطراد فاجتمع إليهم العرب ومن في نواحيهم من

الأكراد الشاهجان والحادانية، وتزاحفوا ثم انهزم بنو دبيس، وقتل حسان ونبهان واستولى أبو الحسن بن مزيد على أموالهم وحللهم. ولحق الفل منهم بالجزيرة وقلده فخر الدولة أمر الجزيرة الدبيسية واستثنى منها الطيب وقرقوب. وأقام أبو الحسن هناك. ثم جمع مضر بن دبيس جمعا وكبسه فنجا في فل يسير ولحق ببلد النيل منهزما، واستولى مضر على أمواله وعلى الجزيرة وملكها.

** (وفاة علي بن مزيد وولاية ابنه دبيس) **

ثم توفي أبو الحسن بن مزيد سنة ثمان وأربعمائة وقام بالأمر مكانه ابنه نور الدولة أبو الأغر دبيس، وقد كان أبوه عهد لأخيه في حياته، وخلع عليه سلطان الدولة، وأذن في ولايته. فلما ولي بعد أبيه نزع أخوه المقلد إلى بني عقيل فأقام بينهم، وكانت بسبب ذلك بين دبيس وقراوش أميري بني عقيل فتن وحروب. وجمع دبيس عليه بني خفاجة، وملك الأنبار من يده سنة سبع عشرة وأربعمائة ثم انتقض خفاجة على دبيس وأميرهم منيع بن حسان وسار إلى الجامعين فنهبها وملك الكوفة. وصار أمر دبيس وقراوش إلى الوفاق واستوى الأمر على ذلك ومنعت خفاجة بني عقيل من سقي الفرات.

** (استيلاء منصور بن الحسين على الجزيرة الدبيسية) **

كانت الجزيرة الدبيسية قد استقرت لطراد بن دبيس، وكان منصور بن الحسين من شعوب بني أسد تغلب عليها، وأخرج طراد بن دبيس عنها سنة ثمان عشرة وأربعمائة ثم مات طراد فسار ابنه أبو الحسن إلى جلال الدولة ببغداد، وكان منصور بن الحسين قد خطب للملك أبي كليجار، وقطع الخطبة لجلال الدولة فسأل منه علي بن طراد أن يبعث معه عسكرا ليخرج منصورا من الجزيرة، فأنفذ معه العسكر، وسار إلى واسط. ثم أغذ السير وكان منصور جمع للقائه، وأعانه بعض أمراء الترك، وهو أبو صالح كركبر. وكان قد هرب من جلال الدولة إلى أبي كليجار فأعان منصورا على

شأنه، ولقوا علي بن طراد فهزموه، وقتلوه وجماعة من الترك الذين بعثهم جلال الدولة لنصرته. واستقر ملك الجزيرة الدبيسية لمنصور بن الحسين.

** (فتنة دبيس مع جلال الدولة وحروبه مع قومه) **

كان المقلد أخو دبيس بن مزيد قد لحق ببني عقيل كما ذكرناه، وكانت بينه وبين نور الدولة دبيس عداوة، فسار إلى منيع بن حسان أمير خفاجة، واجتمعا على قتال دبيس على خلافة جلال الدين، وخطب لأبي كليجار واستقدمه للعراق فجاء إلى واسط، وبها ابن جلال الدولة ففارقها وقصد النعمانية ففجر عليه البثوق من بلده.

وأرسل أبو كليجار إلى قراوش صاحب الموصل، والأثير عنبر الخادم أن ينحدروا إلى العراق فانحدروا إلى الكحيل. ومات بها الأثير عنبر وجمع جلال الدولة عساكره واستنجد أبا الشوك صاحب بلاد الأكراد، فأنجده وانحدر إلى واسط، وأقام بها وتتابعت الأمطار والأوحال فسار جلال الدولة إلى الأهواز بلد أبي كليجار لينهبها.

وبعث أبو كليجار إليه بأن عساكر محمود بن سبكتكين قد قصدت العراق ليرده عن الأهواز فلم يلتفت إلى ذلك، وسار ونهب الأهواز، وبلغ الخبر إلى أبي كليجار فسار إلى مدافعته، وتخلف عنه دبيس خوفا على حلله من خفاجة. والتقى أبو كليجار وجلال الدولة فانهزم أبو كليجار وقتل من أصحابه كثير. واستولى جلال الدولة على واسط وأعاد إليها ابنه عبد العزيز كما كان. ولما فارق دبيس أبا كليجار وجد جماعة من عشيرته قد خالفوا عليه، وعاثوا في نواحي الجامعين فقاتلهم وظفر بهم، وأسر منهم جماعة منهم: أبو عبد الله الحسين ابن عمه أبي الغنائم، وشبيب وسرايا ووهب بنو.

عمه حماد بن مزيد وحبسهم بالجوسق. ثم جمع المقلد أخوه جموعا من العرب واستمد جلال الدولة فأمده بعسكر، وقصدوا دبيس فانهزم وأسر جماعة من أصحابه، ونزل المعتقلون بالجوسق فنهبوا حلله. ولحق دبيس بالشريد منهزما فسار به إلى مجد الدولة، وضمن عنه المال المقرر في ولايته فأجيب إلى ذلك، وخلع عليه، واستقام حاله. وذهب المقلد مع جماعة من خفاجة فنهبوا مطيرآباد والنيل أقبح نهب، وعاثوا في منازلها، ولم تكن الحلة بنيت يومئذ. وعبر المقلد دجلة إلى أبي الشوك فأقام عنده حتى أصلح أمره

** (الفتنة بين دبيس وأخيه ثابت) **

كان أبو قوام ثابت بن علي بن مزيد متصلا بالبساسيري سنة أربع وعشرين وأربعمائة وتزحزح لهم دبيس عن البلاد وملك ثابت النيل وأعمال دبيس. وبعث دبيس طائفة من أصحابه لقتال ثابت فانهزموا فسار دبيس عن البلاد، وتركها لثابت حتى رجع البساسيري إلى بغداد فسار في جموع بني أسد وخفاجة، ومعه أبو كامل منصور بن قراد وتركوا حللهم بين حصني وجرى. وساروا جريدة ولقيهم ثابت عند جرجرا، فاقتتلوا مليا، ثم تحاجزوا واصطلحوا على أن يعود دبيس إلى أعماله، ويقطع أخاه ثابتا بعض تلك الأعمال، وتحالفوا على ذلك وافترقوا وجاء البساسيري منجدا لثابت فبلغه الخبر بالنعمانية فرجع.

** (الفتنة بين دبيس وعسكر واسط) **

كان الملك الرحيم قد أقطع دبيس بن مزيد سنة إحدى وأربعين واربعمائة حماية نهر الصلة ونهر الفضل، وهي من إقطاع جند واسط فسخطوا ذلك، واجتمعوا وبعثوا إليه بالتهديد فراجعهم إلى حكم الملك الرحيم، فغضبوا وزحفوا إليه فلقيهم وأكمن لهم فهزمهم وأثخن فيهم، وغنم أموالهم ودوابهم ورجعوا إلى واسط يستنجدون جند بغداد، ويرغبون من البساسيري في المدافعة ويعطه [1] نهر الصلة ونهر الفضل.

** (إيقاع دبيس بخفاجه) **

وفي سنة ست وأربعين وأربعمائة قصد بنو خفاجة الجامعين من أعمال دبيس فعاثوا فيها من غربي الفرات، وكان دبيس في شرقيه فاستنجد البساسيري فجاء بنفسه، وعبر

دبيس الفرات معه وقاتل خفاجة وأجلاهم عن الجامعين فسلكوا البرية، ورجع عنهم. ثم عادوا للفساد فعاد إليهم فدخلوا البرية فاتبعهم إلى حصن خفان فأوقع بهم، وأثخن فيهم وحاصر خفان ثم اقتحمه، وأخرجهم ورجع إلى بغداد ومعه أسارى من خفاجة فصلبوا. ثم سار إلى جرى [1] فحاصرها ووضع عليهم سبعة [2] آلاف دينار فالتزموها وأمنهم.

** (حرب دبيس مع الغز وخطبته للعلوي صاحب مصر ومعاودته الطاعة) **

ولما انقرض أمر بني بويه وغلب عليهم الغز، وصارت الدولة للسلطان طغرلبك سلطان السلجوقية، وجاء السلطان طغرلبك إلى بغداد، واستولى على الخليفة، وخطب له على منابر الإسلام، وقبض على الملك الرحيم آخر ملوك بني بويه حسما ذلك كله مذكور في أخبارهم. وكان البساسيري قد فارق الملك الرحيم قبل مسيره من واسط إلى بغداد للقاء طغرلبك مجمعا على الخلاف على الغز مع قطلمش ابن عم طغرلبك جد الملوك ببلاد الروم أولاد قليج أرسلان [3] ، ومعه متمم الدولة أبو الفتح عمر، وسار معهم قريش بن بدران صاحب الموصل فلقيهم دبيس والبساسيري على سنجار، وهزمهم ورجع قريش إلى دبيس جريحا فخلع عليه، وسار معهم وذهب بهم إلى الموصل. وخرج دبيس وقريش والبساسيري إلى البرية، ومعهم جماعة من بني نمير أصحاب حران والرقة. واتبعهم عساكر السلطان مع هزارسب من أمراء السلجوقية فأوقع بهم، ورجع بالغنائم والأسرى. وأرسل دبيس وقريش إلى هزارسب أن يستعطف بهم السلطان ففعل. وبعث دبيس ابنه بهاء الدولة مع وافد قريش فأكرمهما السلطان طغرلبك. ثم انتقض عليه أخوه نيال بهمذان فسار لحربه. وترك بغداد وخالفه البساسيري إليها وبعث الخليفة القائم عن دبيس ليقيم عنده ببغداد، فاعتذر

بأن العرب لا تقيم، وطلب الخليفة في الخروج إليه حتى يجتمع عليه هو وهزارسب، ويدافعوا عن بغداد. وجاء البساسيري ودخل بغداد ومعه قريش بن بدران فملكها سنة خمسين وأربعمائة وخطب فيها للعلويين واستذم الخليفة القائم بقريش بن بدران فأذمه، وبعثه إلى عانة عند مهاوش العقيلي من بني عمه وفعل البساسيري وجموعه في بغداد الأفاعيل، وأطاعه دبيس بن علي بن مزيد وصدقة بن منصور بن الحسين صاحب الجزيرة الدبيسية، وكان ولي بعد أبيه وقد تقدم ذكر هذا كله. ثم رجع السلطان من همذان بعد قتل أخيه، وقضى أشغاله فأجفل البساسيري وأصحابه من بغداد، ولحق ببلاد دبيس وفارقه صدقة بن منصور إلى هزارسب بواسط. وأعاد طغرلبك الخليفة إلى داره، وسار السلطان في اتباعه وفي مقدمته خمارتكين الطغرائي في ألفي فارس، ومعه سرايا بن منيع الخفاجي فصبحت المقدمة دبيس بن مزيد والبساسيري، فهرب دبيس ووقف البساسيري فقتل وذلك سنة إحدى وخمسين وأربعمائة ورجع السلطان إلى بغداد ثم انحدر إلى واسط. وجاءه هزارسب بن تنكين [1] فأصلح عنده حال دبيس بن مزيد وصدقة بن منصور بن الحسين، وحضرا عند السلطان وجاءا في ركابه إلى بغداد فخلع عليهما وردهما إلى عمالتهما.

** (وفاة دبيس وامارة ابنه منصور) **

ولم يزل دبيس على أعماله إلى أن توفي سنة اربع وسبعين وأربعمائة لسبع وخمسين سنة من إمارته، وكان ممدوحا. ورثاه الشعراء بعد وفاته بأكثر مما مدحوه في حياته. ولما مات ولي في أعماله وعلى بني أسد ابنه أبو كامل منصور، ولقب بهاء الدولة. وسار إلى السلطان ملك شاه فأقره على أعماله وعاد في صفر سنة خمس وسبعين وأربعمائة فأحسن السيرة.

** (وفاة منصور بن دبيس وولاية ابنه صدقة) **

ثم توفي بهاء الدولة أبو كامل منصور بن دبيس بن علي بن مزيد صاحب الحلة والنيل

وغيرهما في ربيع الأول سنة تسع وسبعين، فأرسل الخليفة نقيب العلويين أبا الغنائم إلى ابنه سيف الدولة صدقة يعزيه. وسار صدقة إلى السلطان ملك شاه فخلع عليه وولاه مكان أبيه.

** (انتقاض صدقة بن منصور بن دبيس على السلطان بركيارق) **

وكان السلطان بركيارق قد خرج عليه أخوه محمود بن ملك شاه ينازعه في الملك، وكانت بينهما عدة وقعات، ولم يزل صدقة بن منصور على طاعته ويحضر حروبه تارة بنفسه، وتارة يبعث إليه العساكر مع ابنه إلى سنة أربع وتسعين وأربعمائة. فبعث إليه وزير السلطان بركيارق وهو الأغر أبو المحاسن الدهستاني يطلبه فبما تخلف عنده من المال، وهو ألف ألف دينار، ويتهدده عليه فقطع صدقة الخطبة لبركيارق، وعاد إلى بغداد في هذه السنة منهزما أمام أخويه محمد وسنجر، فبعث الأمير أياز من أكبر أصحابه، وطرد نائب السلطان عن الكوفة واستضافها إليه.

** (استيلاء صدقة على واسط وهيت) **

كان السلطان محمد في سنة ست وتسعين وأربعمائة مستوليا على بغداد والخطبة بها وشحنته فيها أبو الغازي بن أرتق، وصدقة بن دبيس على طاعته ومظاهرته. ثم ظهر في هذه السنة بركيارق على محمد، وحاصره بأصفهان فامتنع عليه فأفرج عنه إلى همذان، وبعث كمستكين القصيري شحنة إلى بغداد فاستدعى أبو الغازي أخاه سقمان بن أرتق من حصن كيفا يستعين به في مدافعة كمستكين. وجاء كمستكين إلى بغداد وخطب بها لبركيارق وخرج أبو الغازي وسقمان إلى دجيل فأقاما به بجرى [1] وجاء صدقة بن مزيد إلى صرصر بعد أن جاءه رسول الخليفة في طاعة أبي الغازي

وسقمان فعادا وعاثت عساكرهما في نواحي دجيل، وتقدما إلى بغداد وبعث معهما صدقة ابنه دبيسا فخيموا بالرملة، وقاتلهم العامة وكثر الهرج، وبعث الخليفة إلى صدقة يعظم عليه الأمر فأشار بإخراج كمستكين القيصري من بغداد لتصلح الأحوال، فأخرج إلى النهروان في ربيع سنة ست وتسعين وأربعمائة وعاد صدقة إلى الحلة وأعيدت خطبة السلطان محمد ببغداد ولحق القيصري بواسط، وخطب بها لمحمد فسار إليه صدقة وأخرجه وجاء أبو الغازي واتبعوا القيصري واستأمن إلى صدقة فأكرمه وأعيدت خطبة السلطان محمد بواسط، وبعده لصدقة وأبي الغازي. وولى كل واحد منهما ولده على واسط، وذهب أبو الغازي إلى بغداد وعاد صدقة إلى الحلة، وأرسل ابنه منصورا مع أبا الغازي إلى المستنصر ليستظهر رضاه فرضي عنه. ثم استولى صدقة على هيت، وكان بركيارق أقطعها لبهاء الدولة توران بن تهيبة [1] وكان مقيما في جماعة من بني عقيل عند صدقة. ثم تشاجرا ومال بنو عقيل إلى صدقة، وحج عقب ذلك، ورجع فوكل به صدقة. وبعث ابنه دبيس ليتسلم هيت فمنعه نائب توران بها، وهو محمد بن رافع بن رفاع بن منيعة [2] بن مالك بن المقلد. فلما أخذ صدقة واسطا سار إلى هيت وبها منصور بن كثير نائبا عن عمه توران، فلقي صدقة وحاربه. ثم انتقض جماعة من أهل البلد وفتحوا لصدقة فملكها، وخلع على منصور وأصحابه وعاد إلى الحلة. واستخلف على هيت ابن عمه ثابت بن كامل. ثم اصطلح السلطان محمد وبركيارق وسار صدقة في شوال إلى واسط فملكها وأخرج الترك الذين كانوا بها وأحضر مهذب الدولة بن أبي الخير فضمنه البلد لثلاثة أشهر بقيت من السنة بخمسين ألف دينار وعاد إلى الحلة.

** (استيلاء صدقة بن مزيد على البصرة) **

كانت البصرة منذ سنين في ولاية إسماعيل بن أرسلان جق من السلجوقية، أقام فيها عشر سنين وعظم تمكنه للخلاف الواقع بين بركيارق ومحمد. وكان يظهر طاعة صدقة

وموافقته. فلما صفا الأمر لمحمد رغب إليه صدقة في إبقائه فابقاه. وبعث السلطان محمد عاملا على خاصة البصرة فمنعه إسماعيل، فأمر السلطان صدقة بأخذ البصرة منه. وأظهر منكبرس الخلاف فشغلوا عن البصرة، وبعث إليه صدقة بتسليم الشرطة إلى مهذب الدولة بن أبي الخير فمنع من ذلك، فسار صدقة إليه، وحصن إسماعيل القلاع التي استجدها حوالي البصرة، واعتقل وجوه البلد من العباسيين والعلويين، والقاضي والمدرس والأعيان، وحاصرها صدقة وخرج إسماعيل لقتاله، وخالفه طائفة من أصحاب صدقة إلى مكان آخر من البلد فاقتحموها، وانهزم إسماعيل إلى قلعة الجزيرة فامتنع بها، ونهبت البلد. وانحدر المهذب بن أبي الخير في السفن فأخذ القلعة التي كانت لإسماعيل بمطارا. ثم استأمن إسماعيل إلى صدقة فأمنه. وجاء صدقة فأمن أهل البصرة ورتب عندهم شحنة، وعاد إلى الحلة منتصف تسع وتسعين وأربعمائة لستة عشر يوما من مقامه بالبصرة. وسار إسماعيل نحو فارس فطرقه المرض في رامهرمز ومات وكان صدقة قد استعمل على البصرة مملوك جده دبيس، واسمه اليونشاش ورتب معه مائة وعشرين فارسا، فاجتمعت ربيعة والمتقن [1] وقصدوا البصرة فدخلوها بالسيف، وأسروا اليونشاش وأقاموا بها شهرا ينهبون ويخربون، وبعث صدقة عسكرا فوصل بعد خروجهم من البلد فانتزع السلطان البصرة من صدقة وبعث إليها شحنة وعميدا واستقام أمرها.

** (استيلاء صدقة على تكريت) **

كانت تكريت لبني معن من بني عقيل، وكانت إلى آخر سبع وعشرين وأربعمائة بيد رافع بن الحسين بن معن، فلما مات وليها ابن أخيه أبو منعة بن ثعلب بن حماد [2] ووجد بها خمسمائة ألف دينار. وتوفي سنة خمس وثلاثين، ووليها ابنه أبو غشام إلى سنة أربع وأربعين فوثب عليه أخوه عيسى فحبسه وملك القلعة والأموال. فلما اجتاز به طغرلبك سنة ثمان وأربعين صالحه على بعض المال فرحل عنه، ومات عيسى إثر

ذلك وخافت زوجته من عود أخيه أبي غشام إلى الملك فقتله في محبسه. وولت على القلعة أبا الغنائم بن المجلبان [1] فسلمها إلى أصحاب طغرلبك، وسارت هي إلى الموصل فقتلها ابن أبي غشام بأبيه. وأخذ مسلم بن قريش مالها. وولى طغرلبك على قلعة تكريت أبا العباس الرازي، فمات لستة أشهر، فولي عليها المهرباط وهو أبو جعفر محمد بن غشام [2] من بلد الثغر، فأقام بها إحدى وعشرين سنة، ومات فوليها ابنه سنتين، وأخذتها من [3] تركمان خاتون وولت عليها كوهوايين الشحنة. ثم مات ملك شاه فملكها قسيم الدولة آقسنقر صاحب حلب، فلما قتل صارت للأمير كمستكين الجاندار، فولى عليها رجلا يعرف بأبي نصر المصارع، ثم عادت إلى كوهوايين إقطاعا. ثم أخذها منه محمد الملك الباسلاني [4] فولى عليها لمقا بن هزارشب الديلمي [5] وأقام بها اثنتي عشرة سنة، فظلم أهلها، وأساء السيرة، فلما أجاز به سقمان بن ارتق سنة ست وتسعين وأربعمائة فنهبها، وكان كيقباد [6] ينهبها ليلا وسقمان ينهبها نهارا. فلما استقر السلطان محمد بعد أخيه بركيارق أقطعها للأمير آقسنقر البرسقي شحنة بغداد، فسار إليها وحصرها مدة تزيد على سبعة أشهر حتى ضاق على كيقباد الأمر، فراسل صدقة بن مزيد ليسلمها إليه، فسار إليها في صفر من هذه السنة، وتسلمها منه. وانحدر البرسقي ولم يملكها ومات كيقباد بعد نزوله من القلعة بثمانية أيام، وكان عمره ستين سنة، واستناب صدقة ورام بن أبي قريش بن ورام [7] وكان كيقباد ينسب الى البطانية.

** (الخلف بين صدقة وصاحب البطيحة) **

قد كنا قدمنا أن السلطان محمدا أقطع صدقة بن مزيد مدينة واسط، فضمنها صدقة

لمهذب الدولة بن أبي الخير، وولى في أعمالها أولاده، فبذروا الأموال، وطالبه صدقة عند انقضاء السنة بالمال وحبسه. وسعى في خلاصه بدران بن صدقة، وكان صهرا لمهذب الدولة، وأعاده إلى البطيحة. وضمن حماد والمختم محمد والد مهذب الدولة كانا أخوين وهما ابنا أبي الخير [1] وكانت لهما رياسة قومهما. وهلك المصطنع وقام ابنه أبو السيد المظفر والد حماد مقامه. وهلك المختم [2] محمد وقام ابنه مهذب الدولة مقامه، ونازعا إبراهيم صاحب البطيحة حتى غلبه مهذب الدولة وقبض عليه، وسلمه إلى كوهوايين، فحمله إلى أصفهان فهلك في الطريق. وعظم أمر مهذب الدولة وصير كوهوايين أمير البطيحة، وصارت جماعته لحكمه. وكان حماد شابا، وكان مهذب الدولة يداريه بجهده، وهو يضمر نقضه، فلما مات كوهوايين انتقض حماد عن مهذب الدولة وأظهر ما في نفسه، واجتهد مهذب الدولة في استصلاحه، فلم يقدر وجمع ابنه القيسر [3] وقصد حمادا فهرب إلى صدقة بالحلة، وبعث معه مددا من العسكر. وحشد مهذب الدولة وسار في العساكر برا وبحرا.

وأكمن حماد لهم وأصحابه واستطردوا بين أيديهم. ثم خرجت عليهم الكمائن فانهزموا. وأرسل حماد يستمد صدقة فبعث إليه مقدم جيشه، وجمعوا السفن وكان مهذب الدولة جوادا، فبعث إلى مقدم الجيش بالإنعامات والصلات فمال إليه، وأشار عليه أن يبعث ابن النفيس [4] إلى صدقة فرضي عنه وأصلح بينه وبين حماد ابن عمه، وذلك آخر المائة الخامسة.

** (مقتل صدقة وولاية ابنه دبيس) **

كان صدقة بن منصور بن مزيد شيعة للسلطان محمد بن ملك شاه على أخيه بركيارق، ومن أعظم أنصاره. ولما هلك بركيارق واستبد السلطان محمد بالملك رعى

وسائله في ذلك، وأقطعه واسطا وأذن له في ملك البصرة، وأنزله منزل المصافاة حتى كان يجبر عليه. وسخط مرة على سرخاب بن كيخس [1] صاحب سارة فلجأ إليه مستجيرا به فأجاره، وطلبه السلطان فمنعه. وكان العميد أبو جعفر يستبد له السلطان لكثرة السعاية، ويغريه به وينكر دالته وتبسطه فتعين [2] السلطان وسار إلى العراق وأرسل إلى صدقة فاستشار صدقة أصحابه فأشار ابنه دبيس بملاطفته واستعطافه بالهدايا، وأشار سعيد بن حميد صاحب جيشه بالمحاربة، فجنح إلى رأيه واستطال في الخطاب وجمع الجند وأفاض فيهم العطاء واعترضهم فكانوا عشرين ألف فارس وثلاثين ألف راجل. وبعث إليه المستظهر مع علي بن طراد الزيني [3] نقيب النقباء يعظه في المخالفة، ويحضه على لقاء السلطان، فاعتذر بالخوف منه ثم بعث إليه السلطان أقضى القضاة أبا سعيد الهروي ليؤمنه، ويستنفره لجهاد الفرنج في جملته فامتنع، ووصل السلطان إلى بغداد في ربيع من سنة إحدى وخمسمائة، ومعه وزيره نظام الملك أحمد بن نظام الملك، فقدم البرسقي شحنة بغداد في جماعة من الأمراء فنزلوا بصرصر مسلحة لقلة عسكر السلطان. وإنه إنما جاء في ألفي فارس للإصلاح والاستئلاف، فلما تبين له لجاج صدقة أرسل إلى الأمراء بأصفهان بأن يستجيشوا ويقدموا، فكتب صدقة إلى الخليفة بالمقاربة وموافقة السلطان. ثم رجع صدقة عن رأيه، وقال: إذا رحل السلطان عن بغداد مددته بالأموال والرجال لجهاده. واما الآن عساكره متصلة فلا وفاق عندي، وقد أرسل إلى جاولي سكاوو، وصاحب الموصل وإيلغازي بن أرتق [4] صاحب ماردين بالانتقاض على السلطان وأيس السلطان من استقامته. ووصل إليه ببغداد قراوش شرف الدولة وكروباوى [5] بن

خراسان التركماني، وأبو عمران فضل بن ربيعة بن خادم بن الجرج [1] الطائي، وكان آباؤه أصحاب البلقاء وبيت المقدس، ومنهم حسان بن مفرج، وطرده كفرتكين أتابك [2] دمشق لما كان عليه من الأجلاب تارة مع الفرنج، وتارة مع أهل مصر.

فلجأ إلى صدقة وقبله وأكرمه، وأجزل له العطاء سبعة آلاف دينار. فلما كانت هذه الحادثة رغب عن صدقة وسار في طلائعه فهرب إلى السلطان فخلع عليه وعلى أصحابه، وسوغه دار صدقة عن الهروب. وأذن له فعبر من الأنبار وكان آخر العهد به. ثم أنفذ السلطان في جمادى الأولى إلى واسط، الأمير محمد بن بوقا التركماني فملكها وأخرج منها أصحاب صدقة، وأنفذ خيله إلى بلد قوسان من أعمال صدقة، فنهبه وأقام أياما، حتى بعث صدقة ابن عمه ثابت بن سلطان في عسكر، فخرج منها الأمير محمد وملكها ثابت. وأقاموا على دجلة وخرج ثابت لقتالهم فهزموه واقتحموا البلد، ومنعهم الأمير محمد من النهب ونادى بالأمان، وأمر السلطان الأمير محمدا بنهب بلاد صدقة، فسار إليها وأقطع مدينة واسط لقسيم الدولة البرسقي ثم سار السلطان من بغداد آخر رجب ولقيه صدقة واشتد القتال وتخاذلت عنه عبادة وخفاجة. ورفع صوته بالابتهال بالناشرة بالعرب، ورغب الأكراد بالمواعد، ثم غشيه الترك فحمل عليهم وهو ينادي: أنا ملك العرب أنا صدقة فأصابه سهم أثبته وتعلق به غلام تركي يسمى برغش فجذبه إلى الأرض. فقال: يا برغش: ارفق فقتله وحمل رأسه إلى السلطان فأنفذه إلى بغداد، وأمر بدفن شلوه. وقتل من أصحابه ثلاثة آلاف أو يزيدون، ومن بني شيبان نحو مائة، وأسر ابنه دبيس، ونجا ابنه بدران إلى الحلة، ومنها إلى البطيحة عند صهره مهذب الدولة، وأسر سرجان بن كيخسرو والمستجير بصدقة على السلطان، وسعيد بن حميد العمدي صاحب الجيش. وكان مقتل صدقة لإحدى وعشرين سنة من إمارته وهو الذي بنى الحلة بالعراق، وكان قد عظم شأنه وعلا قدره بين الملوك، وكان جوادا حليما صدوقا عادلا في رعيته. وكان يقرأ ولا يكتب، وكانت له خزانة كتب منسوبة الخط ألوف مجلدات، ورجع السلطان إلى بغداد من دون الحلة، وأرسل أمانا لزوج صدقة فجاءت إلى بغداد، وأمر السلطان الأمراء بتلقيها، وأطلق لها ولدها دبيسا، واعتذر

لها من قتل صدقة، واستحلف دبيسا على الطاعة، وأن لا يحدث حدثا. وأقام في ظله وأقطعه السلطان إقطاعا كثيرا. ولم يزل دبيس مقيما عند السلطان محمد إلى أن توفي، وملك ابنه محمود سنة إحدى عشرة وخمسمائة، فرغب دبيس من السلطان محمود أن يسرحه إلى بلده، فسرحه، وعاد إليها فملكها واجتمع عليه خلق كثير من العرب والأكراد واستقام أمره.

** (خبر دبيس مع البرسقي ومع الملك مسعود) **

لما توفي الخليفة المستظهر سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، وبويع ابنه المسترشد خاف ابنه الآخر من غائلة أخيه وانحدر في البحر إلى المدائن، وسار منها إلى الحلة فأبى أن يكرهه فتلطف علي بن طراد لأخي الخليفة فأجاب، وتكفل دبيس بما يطلبه، وبينما هو في خلال ذلك برز البرسقي من بغداد مجلبا على دبيس الجموع، وسار أخو الخليفة إلى واسط فملكها في صفر سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وقوي أمره وكثرت جموعه فبعث الخليفة إلى دبيس في شأنه، وأنه خرج عن جواره فلقي أمره بالطاعة، وبعث إليه وهو بواسط عسكرا من قبله فتلقاه وقبض عليه، وبعثه إلى أخيه المسترشد. وكان مسعود أخو السلطان محمد بالموصل ومعه أتابكه حيوس بك [1] ، فاعتزما على قصد العراق لغيبة السلطان محمود عنه، فسار لذلك ومعه وزيره فخر الملك أبو علي بن عمار صاحب طرابلس، وقسيم الدولة زنكي بن آق سنقر أبو المعالي أبو الملك العادل، وكروباوي بن خراسان التركماني صاحب البواريح [2] وأبو الهيجاء صاحب إربل وصاحب سنجار، فلما قاربوا بغداد خاف البرسقي شأنهم وبعث إليه الملك مسعود وحيوس بك أنهم إنما جاءوا نجدة على دبيس. وكان البرسقي إنما ارتاب من حيوس بك فصالحهم، ودخل مسعود بغداد ونزل دار المملكة. وجاء منكبرس في العساكر فسار البرسقي عن بغداد لمحاربته ودفاعه فمال إلى النعمانية، وعبر دجلة واجتمع مع دبيس بن صدقة. وكان دبيس قد صانع مسعودا وصاحبه بالهدايا والألطاف مدافعة عن نفسه، فلما لقيه منكبرس اعتضد به، وسار الملك مسعود

والبرسقي وحيوس بك الى المدائن للقائهما. ثم خاموا عن لقائهما لكثرة جموعهما، ونكبوا عن المدائن وعبروا نهر صرصر، وأكثروا النهب في تلك النواحي من الطائفتين.

وبعث إليهم المسترشد بالموعظة ويأمرهم بالموادعة والمصالحة فأجابوا إلى ذلك. ثم بلغهم أن دبيسا ومنكبرس قد بعثا العساكر مع منصور أخي دبيس وحسين بن أوزبك ربيب منكبرس ليخالفوهم إلى بغداد فخلوها من الحامية، فأغذ البرسقي السير إلى بغداد وترك ابنه عز الدين مسعود على العسكر وصحبه عماد الدين زنكي بن آق سنقر وانتهى إلى ديالى، ومنع العسكر من العبور. ثم جاءه الخبر ليومين بصلح الفريقين كما أشار الخليفة ففتر نشاطه وعبر إلى الجانب الغربي من بغداد. وجاء في أثره منصور أخو دبيس وحسين ربيب منكبرس فنزلا في الجانب الشرقي من بغداد. وأغار البرسقي على نعم الملك مسعود فأخذها، وعاد فخيم بجانب آخر من بغداد، وخيم مسعود وحيوس بك من جانب آخر ودبيس ومنكبرس من جانب ومعهما عز الدولة بن البرسقي منفردا عن أبيه. وكان حيوس بك قد بعث إلى السلطان محمود بطلب الزيادة له وللملك مسعود فجاء كتاب مع رسوله يذكر أن السلطان كان أقطعهم أذربيجان، حتى إذا بلغه مسيرهم إلى بغداد تثاقل عن ذلك، وقد جهز العساكر إلى الموصل. ووقع الكتاب بيد منكبرس فبعث إلى حيوس بك وضمن له إصلاح الحال. وكان يؤثر مصلحته إذ كان متزوجا بأمه فتم الصلح وافترق عن البرسقي أصحابه، وبطل ما كان يحدث به نفسه من الاستبداد بالعراق. وصار مع الملك مسعود واستقر منكبرس شحنة ببغداد، ورجع دبيس الى الحلة.

** (فتنة دبيس مع السلطان محمود واجلاؤه عن بغداد ثم معاودته الطاعة) **

كان دبيس بن صدقة كثيرا ما يكاتب حيوس بك أتابك الملك مسعود، ويعريهم بطلب السلطنة ويعدهم بالمساعدة ليحصل له بذلك علو اليد كما كان لأبيه مع بركيارق ومحمد ابني ملك شاه. وكان قسيم الدولة البرسقي شحنة بغداد قد سار للملك مسعود، وأقطعه مراغة مع الرحبة. وكانت بينه وبين دبيس عداوة مستحكمة فأغراهم دبيس بالقبض عليه، ففارقهم البرسقي إلى السلطان محمود فأكرمه. ثم

اتصل الأستاذ أبو إسماعيل الحسين بن علي الأصفهاني الطغرائي بالملك مسعود، وكان ولده أبو المؤيد محمد يكاتب الطغرائي عن الملك مسعود. فلما وصل أبوه عزل أبا علي بن عمار صاحب طرابلس واستوزره. وحسن لهم ما أشار به دبيس فعزموا عليه. ونمي الخبر إلى السلطان محمود فكاتبهم بالوعيد فأظهروا أمرهم وخطبوا للملك مسعود بالسلطنة، وضربوا له النوب الخمس. وبلغهم أن عساكر محمود متفرقة فأغذوا السير لمحاربته، والتقوا عند عقبة أستراباد في ربيع سنة أربع عشرة، وأبلى البرسقي وكان في مقدمته. ثم انهزم مسعود وأمر [1] كثير من أصحابه، وجيء بالوزير أبي إسماعيل الطغرائي فأمر بقتله لسنة من ولايته، وكان حسن الكتابة والشعر وله تصانيف في صنعة الكيمياء. وسار مسعود يطلب الموصل بعد أن استأمن البرسقي وأدركه فرده إلى أخيه، وعفا عنه وعطف عليه. ولحق حيوس بك بالموصل. ثم بلغه فعل السلطان محمود ومعه ألف سفينة لعبوره، فبادر دبيس لطلب الأمان بعد أن أرسل حرمه إلى البطيحة. وسار بأمواله عن الحلة وأمر بنهبها. ولحق بأبا الغازي بن أرتق بماردين، ووصل السلطان إلى الحلة فوجدها خاوية على عروشها فرجع عنها. وأرسل دبيس أخاه منصورا من قلعة صفد في عسكر إلى العراق فمر بالحلة والكوفة، وانحدر إلى البصرة وبعث إلى برتقش الزكوي في صلاح حالهما مع السلطان محمود فقبض على منصور أخي دبيس وولده، وحبسهما ببعض القلاع حذاء الكرخ. ثم أذن دبيس لجماعة من أصحابه بالمسير إلى أقطاعهم بواسط فمنعهم أتراك واسط، فبعث إليهم عسكرا مع مهلهل بن أبي العسكر، وأمر مظفر بن أبي الخير فساعده، واستمد أهل واسط البرسقي فأمدهم بعسكر. وسار مهلهل للقائهم قبل مجيء المظفر فهزم وأخذ أسيرا في جماعة من أصحابه. وأصعد المظفر من البطيحة ينهب ويفسد حتى قارب واسط. وسمع بالهزيمة فأسرع منحدرا ووقع على كتاب بخط دبيس إلى مهلهل يأمره بالقبض على مظفر بن أبي الخير، ومطالبته بالأموال، فبعثوا به إلى المظفر. وسار معهم وبلغ دبيسا أن السلطان كحل أخاه فلبس السواد، ونهب البلاد، وأخذ للمسترشد بنهر الملك، وأجفل الناس إلى بغداد وسار عسكر واسط إلى النعمانية، فأوقعوا بمن لك من عساكر دبيس وأجلوهم

عنها. وكان دبيس قد أسر في واقعة البرسقي عفيفا خادم الخليفة فأطلقه، وحمله إلى المسترشد عقابا ووعيدا على كحل أخيه فغضب الخليفة، وتقدم إلى البرسقي بالخروج لحرب دبيس، وخرج بنفسه في رمضان سنة عشرة وخمسمائة وأتاه سليمان ابن مهارش من الحديثة في جماعة من بني عقيل وقريش بن مسلم صاحب الموصل في كافة بني عقيل. وأمر المسترشد باستنفار الجند كافة، وفرق فيهم الأموال والسلاح، وجاء دبيسا ما لم يكن يحتسبه فرجع إلى الاستعطاف وبرز الخليفة آخر ذي الحجة، وعبر دجلة وهو في أكمل زيه، ومعه وزيره نظام الدين أحمد بن نظام الملك ونقيب الطالبيين ونقيب النقباء علي بن طراد، وشيخ الشيوخ صدر الدين إسماعيل. وبلغ البرسقي مسير المسترشد فعاد إلى خدمته ونزل معه بالحديثة. ثم سار إلى الموصل على سبيل التعبية والبرسقي في المقدمة، وعبى دبيس أصحابه صفا واحدا. وجعل الرجالة بين يدي الخيالة. وقد كان وعد أصحابه بنهب بغداد وسبي حريمها، فالتقى الفريقان فانهزم عسكر دبيس وأسر جماعة من أصحابه فقتلوا صبرا وسبيت حرمه، ورجع المسترشد إلى بغداد يوم عاشوراء من سنة سبع عشرة وخمسمائة. ونجا دبيس وعبر الفرات، وقصد غزنة من عرب نجد مستنصرا بهم فأبوا عليه، فسار إلى المنتقى [1] وحالفهم على أخذ البصرة فدخلوا ونهبوا أهلها، وقتل مقدم عسكرها.

وبعث المسترشد إلى البرسقي بالعتاب على إهمال أمر البصرة، فتجهز البرسقي للانحدار إليها ففارقها دبيس، ولحق بقلعة حعبر وصار مع الفرنج وأطمعهم في حلب وسار معهم لحصارها سنة ثمان عشرة وخمسمائة فامتنعت عليهم فعادوا عنها، ولحق هو بالملك طغرلبك ابن السلطان بن محمد فأغراه بالمسير إلى العراق كما نذكر.

** (مسير دبيس إلى الملك طغرل) **

لما سار دبيس من الشام إلى الملك طغرل بأذربيجان تلقاه بالمبرة والتكرمة، وأنظمه في خواصه ووزرائه. وأغراه دبيس بالعراق، وضمن له ملكه فسار معه لذلك، وانتهوا

إلى دقوقا في عساكر كثيرة. وكتب مجاهد الدين مهروز [1] صاحب تكريت إلى المسترشد بالخبر فتجهز لمدافعتهم، وجمع العساكر فبلغوا اثني عشر ألف فارس، وبرز من بغداد في صفر سنة تسع عشرة وخمسمائة وفي مقدمته برتقش الذكوي [2] ونزل الخالص. وانتهى إلى طغرل خروج المسترشد فعدل إلى طريق خراسان ونزل جلولاء، وتفرق أصحابه للنهب. وبرز إليه الوزير جلال الدين بن صدقة في عسكر كبير فنزل الدسكرة، ولحقه المسترشد وكان معه. ورحل طغرل ودبيس إلى الهارونية.

ثم سارا إلى تامرا ليقطعا جسر النهروان فحفظ دبيس المعابر، وتقدم طغرل إلى بغداد وتملكها ونهبها. ثم رحل دبيس من تامرا وأقام طغرل لحمى أصابته، وحالت بينهما الأمطار والسيول. ثم أخذ دبيس ثقلا جاء للخليفة فيه ملبوس وطعام كثير، وكان لحقه الجوع والتعب والبرد فأخذ من ذلك الملبوس ولبسه، وأكل من الطعام كثيرا.

واستقبل الشمس فأخذه النوم ورقد. وأما الخليفة لما بلغه الخبر بأخذ الثقل رجع إلى بغداد، ففي حال سيره عثر على دبيس وهو نائم فوقف وأيقظه، فحل عينيه ورأى الخليفة فبادر بتقبيل الأرض على العادة، وسأل العفو، فرق له الخليفة وثناه الوزير ابن صدقة عن ذلك، ووقف دبيس إزاء عسكر برتقش يحادثهم. ثم مدوا الجسر آخر النهار للعبور فتسلل دبيس عنهم، ولحق بالملك طغرل، وسار معه إلى عمه الملك سنجر، وعاثوا في أعمال همذان واتبعهم السلطان محمود فلم يظفر بهم.

** (مسير دبيس الى السلطان سنجر) **

لما أيس طغرل من ملك العراق عند ما سار إليه مع دبيس عاد منه، وسار هو ودبيس إلى السلطان سنجر، وهو يومئذ صاحب خراسان، والمتقدم على بني ملك شاه، فشكى إليه طغرل ودبيس من المسترشد، وبرتقش الشحنة، ووعدهم النصفة منهم.

ثم داخله دبيس وأطمعه في ملك العراق. وخيل له أن المسترشد والسلطان محمود متفقان على مباعدته، ولم يزل يفتل له في الذروة والغارب [3] حتى حرك حفيظته

لذلك، وسار إلى العراق سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة فوصل إلى الري، واستدعى السلطان محمودا من همذان يختبر ما خيل له دبيس. فجاء محمود مبادرا وأكذب دبيسا فيما خيل. وأمر السلطان سنجر العساكر بتلقي السلطان محمود، وأجلسه معه على التخت. وأقام عنده إلى آخر سنة اثنتين وعشرين ثم عاد إلى خراسان وأوصاه بإعادة دبيس إلى بلده، فرجع السلطان محمود إلى همذان ودبيس معه. ثم سار إلى بغداد في محرم سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة وأنزل دبيس بداره، واسترضى له الخليفة فرضي عنه، وامتنع من ولايته، وبذل دبيس مائة ألف دينار لذلك فلم يقبله، وعاد السلطان محمود إلى همذان منتصف السنة.

** (فتنة دبيس مع محمود واسره) **

كانت زوجة السلطان محمود وهي ابنة عمه سنجر تعين بأمر دبيس، فماتت عند رحيل السلطان إلى همذان فانحل أمره. ثم مرض السلطان فأخذ دبيس ابنه الصغير، وقصد العراق فجمع المسترشد لمدافعته. وكان بهروز شحنة بغداد بالحلة فهرب عنها، وملكها دبيس في رمضان سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة. وبلغ الخبر إلى السلطان محمود، فأحضر الأمير ابن قزل والأحمديلي، وكانا ضمنا دبيس فطالبهما بالضمان فسار الاحمديلي في أثره. وجاء السلطان إلى العراق فبعث إليه دبيس بهدايا عظيمة كان فيها مائتا ألف دينار، وثلاثمائة فرس بسروج مثقلة بالذهب. ثم جاء إلى البصرة ونهبها وأخذ ما في بيوت الأموال. وبعث السلطان في أثره العساكر فدخل البرية، وجاءه عند مفارقته البصرة قاصدا من صرصر يستدعيه، وكان صاحبها خصيا فتوفي في هذه السنة، وخلف سرية له فاستولت على القلعة، وأرادت أن تتم أمرها برجل له قوة ونجدة فوصف لها دبيس، وحاله في العراق وكثرة عشيرته، فكتبت تستدعيه لتتزوج به، وتملكه القلعة بما فيها فلحقه الكتاب بعد مفارقته البصرة. وقفل من العراق إلى الشام ومعه الأدلاء ومر بدمشق فحبسه واليها عنده، وبعث فيه عماد الدين زنكي، وكان عدوه. وكان عنده ابن تاج الملوك مأسورا في واقعة كانت بينهما، فطلب أن يبعث إليه دبيس، ويفادي به ابنه والأمراء الذين معه ففعل ذلك تاج الملوك، وحصل دبيس في يد زنكي، وقد أيقن بالهلاك فأطلقه زنكي وحمل له

الأموال والدواب والسلاح وخزائن الأمتعة كما يفعل مع أكابر الملوك. وبلغ المسترشد خبره فبعث سديد الدين بن الأنبار يطلبه من تاج الملوك فسار لذلك من جزيرة ابن عمر، وبلغه في طريقه أنه بعثه إلى زنكي وأنه فاته القصد منه.

** (مسير دبيس الى بغداد مع زنكي وانهزامهما) **

لما توفي السلطان محمود سنة خمس وعشرين وخمسمائة وولي بعده داود، ونازعه عمومته مسعود وسلجوق، ثم استقرت السلطة لمسعود، وكان أخوهما طغرل عند عمه سنجر بخراسان، وكان كبير بيت أهل السلجوقية، وله الحكم على ملوكهم فنكر على السلطان محمود لقتاله سلجوق وطغرل، وسار به إلى العراق، وانتهى الى همذان.

وبعث إلى عماد الدين زنكي فولاه شحنة بغداد، وإلى دبيس بن صدقة وهو عند زنكي فأقطعه الحلة وتجهز السلطان محمود لقتال سنجر وطغرل، واستدعى الخليفة للحضور معه فخرج من بغداد وعاجلهم، ورجع المسترشد إلى بغداد وقد سمع بوصول زنكي ودبيس إليها ولقيهم بالعباسية فهزمهم، وقتل من عسكرهم ودخل بغداد وسار دبيس إلى بلاد الحلة. وكانت بيد أقيال خادم المسترشد فبعث إليها بالمدد فهزموا دبيس ونجا من المعركة. ثم جمع جمعا وقصدوا واسط وانضم إليه عسكرها وابن أبي الخير صاحب البطيحة، وملكها إلى سنة سبع وعشرين وخمسمائة فبعث أقيال الخادم وبرتقش الشحنة العساكر إلى دبيس فلقيهم في عسكر واسط، وانهزم وسار إلى السلطان مسعود فأقام عنده.

** (مقتل دبيس وولاية ابنه صدقة) **

لم يزل دبيس مقيما عند السلطان مسعود إلى أن حدثت الفتنة بينه وبين المسترشد، ومات أخوه طغرل كما هو مذكور في أخبارهم. وسار مسعود إلى همذان بعد موت أخيه طغرل فملكها، وفارقه جماعة من أعيان أمرائه، ومعهم دبيس بن صدقة مستوحشين منه. واستأمنوا للخليفة فحذر من دبيس، ولم يقبلهم فمضوا إلى

خوزستان، واتفقوا مع برسق بن برسق. ثم تدارك الخليفة رأيه وبعث إلى الأمراء الذين مع دبيس بالأمان، وكانوا لما ردهم الخليفة بسبب دبيس أجمعوا القبض عليه، وخدمة الخليفة به. وشعر بهم وهرب إلى السلطان مسعود. وبرز الخليفة من بغداد في رجب من سنة تسع وعشرين وخمسمائة لقتال مسعود، وكتب إليه أكثر أهل الأعمال بالطاعة. وأرسل إليه داود ابن السلطان محمود من أذربيجان بأن يقصد المسترشد الدينور ليحضر داود حربه فأبى، وسار على التعبية حتى بلغ وأعرج [1] فالتقوا هنالك. وانهزمت عساكر المسترشد وأخذ أسيرا ومعه وزيره شرف الدين علي بن طراد، وقاضي القضاة، وابن الأنباري، وجماعة من أعيان الدولة. وغنم ما في عسكره وعاد السلطان إلى بغداد. وبعث الأمير بكاية شحنة إلى بغداد، وكثر العويل والبكاء والضجيج ببغداد على الخليفة، وجعل الخليفة في خيمة ووكل به، وراسله السلطان مسعود في الصلح، وشرط عليه مالا يؤديه، ولا يجمع العساكر ولا يخرج من داره ما بقي، وانعقد ذلك بينهما. وبينما هما في ذلك وصل رسول السلطان سنجر فركب السلطان مسعود للقائه، وافترق المتوكلون بالمسترشد فدخل عليه خيمته آخر ذي القعدة من سنة تسع وعشرين وخمسمائة جماعة الباطنية، وقتلوه وقتلوا معه جماعة من أصحابه. ولما قتل المسترشد اتهم السلطان مسعود أن دبيس بن صدقة دس أولئك النفر عليه فأمر بقتله، وقصده غلام فوقف على رأسه عند باب خيمته، وهو ينكث الأرض بإصبعه فأطار رأسه وهو لا يشعر. وبلغ الخبر إلى ابنه صدقة وهو بالحلة، فاجتمعت إليه عساكر أبيه ومماليكه، واستأمن إليه الأمير قطلغ تكين وأمر السلطان مسعود الشحنة بك آيه بمعاجلته، وأخذ الحلة من يده إلى أن قدم السلطان بغداد سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة فقصده صدقة وأصلح حاله معه ولزم بابه.

** (مقتل صدقة وولاية ابنه محمد) **

ولما قتل المسترشد ولي ابنه الراشد بإشارة السلطان مسعود، ثم حدثت الفتنة بينه وبين السلطان مسعود، وأغراه بها عماد الدين زنكي صاحب الموصل، ومعه الراشد.

وبايع السلطان مسعود للمقتفي سنة ثلاثين وخمسمائة وخلع الراشد ففارق الموصل، وسار الأمراء الذين كانوا مع داود إلى السلطان مسعود، ورضي عنهم. ورجع إلى همذان وأذن للعساكر في العود إلى بلادهم، وتمسك بصدقة بن دبيس وزوجه ابنته. وسار الراشد من الموصل إلى أذربيجان قاصدا الملك، واجتمع إليه صاحب فارس وخوزستان وجماعة الأمراء، فسار إليهم السلطان مسعود وهزمهم. وأخذه صاحب فارس الأمير منكبرس فقتله صبرا. وتسلل صاحب خوزستان وعبد الرحمن طغايرك صاحب خلخال إلى السلطان مسعود وهو في خف من الناس فحملوا عليه وهزموه، وقبضوا على جماعة من الأمراء الذين معه فقتلهم منكبرس فيهم صدقة بن دبيس وعنبر بن أبي العسكر. وذهب داود إلى همذان فملكها، واستقال السلطان مسعود من عثرته، وولى على الحلة محمد بن دبيس، وجعل معه مهلهل بن أبي العسكر أخا نمير بربره، واستقام أمره بالحلة، وكان من شأن الراشد والسلجوقية ما نذكره في أخبارهم.

** (تغلب علي بن دبيس على الحلة وملكه إياها من أخيه محمد) **

ثم خرج على السلطان مسعود سنة ست وأربعين وخمسمائة بوزابة صاحب فارس وخوزستان وبايع للسلطان محمد ابن السلطان محمود، وسار معهم عباس صاحب الري، وملكوا كثيرا من البلاد، فسار السلطان مسعود إليهم من بغداد واستخلف بها الأمير مهلهل ابن أبي العسكر ونظر الخادم، وأشار مهلهل على السلطان مسعود عند رحيله من بغداد أن يحبس علي بن دبيس بقلعة تكريت. ونمي إليه الخبر فهرب في نفر قليل، ومضى إلى بني أسد فجمعهم فسار الى الحلة فبرز إليه محمد أخوه فهزمه علي، وملك الحلة واستهان السلطان أمره أولا فاستفحل وضم إليه جمعا من غلمانه وغلمان أبيه وأهل بيته وعساكرهم، وكثر جمعهم فسار إليه مهلهل فيمن معه في بغداد من العسكر، وضربوا عليه مصافا وكسرهم، وعادوا منهزمين إلى بغداد. وكان أهلها يتعصبون لعلي بن دبيس فكانوا يعيطون إذا ركب مهلهل أو بعض أصحابه يا علي كله. فكثر ذلك منهم بحيث امتنع مهلهل من الركوب، ويد علي فوق كل يد

في أوضاع الأمراء بالحلة [1] وتصرف فيها وصار شحنة بغداد ومن فيها على وجل منه، ووضع الخليفة الحامية على الأسوار وأرسل إلى علي يحضه على الاستقامة فأجاب بالآمال والطاعة فسكن الناس.

** (أخذ السلطان الحلة من يد علي وعوده اليها) **

كان علي بن دبيس كثير العسف بالرعية والظلم لهم، وارتفعت شكوى الرعية به إلى السلطان مسعود سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة فأشكاهم، وأقطع الحلة سلاركرد فسار إليها من همذان. وجمع عسكرا من بغداد وقصد الحلة، واحتاط على أهل علي، وأقام بالحلة في مماليكه وأصحابه. ورجعت عنه العساكر ولحق علي بن دبيس بالتقشكنجر [2] وكان في أقطاعه باللحف متجنيا على السلطان مسعود، فاستنجده علي فأنجده، وسار معه إلى واسط، وسار معهما الطرنطاي صاحب واسط فانتزعوا الحلة من سلاركرد ورجع إلى بغداد آخر اثنتين وأربعين، واستولى علي على الحلة.

** (نكبة علي بن دبيس) **

ثم انتقض على السلطان مسعود سنة أربع وأربعين وخمسمائة جماعة من الأمراء منهم التقشكنجر والطرنطاي وعلي بن دبيس، وبايعوا ملك شاه ابن السلطان محمود، وساروا به إلى العراق، وراسلوا المقتفي في الخطبة له فامتنع، وجمع العساكر وحصن بغداد وأرسل إلى السلطان مسعود بالخبر فشغل عنهم بلقاء عمه السلطان سنجر، كان سار إليه بالري. ولما علم التقشكنجر بذلك نهب النهروان وقبض على علي بن دبيس، وهرب الطرنطاي إلى النعمانية. ثم وصل السلطان مسعود إلى بغداد فرحل التقشكنجر من النهروان وأطلق علي بن دبيس فسار إلى السلطان مسعود فلقيه ببغداد واستعطفه فرضي عنه.

** (وفاة علي بن دبيس وانقراض بني مزيد) **

ثم توفي علي بن دبيس صاحب الحلة عليلا بسعدآباد، واتهم طبيبه محمد بن صالح بالادهان فيه فمات بعده بقليل. ثم مات السلطان مسعود آخر ملوك السلجوقية الأعاظم. وبويع ملك شاه ابن أخيه محمود بعهده. واستبد المقتفي على ملوك السلجوقية بعده. وبعث السلطان ملك شاه سلاركرد إلى الحلة فملكها، ولحق به مسعود بلاك شحنة بغداد، وهرب منها عند موت السلطان مسعود، وأظهر لسلاركرد الوفاق. ثم قبض عليه وغرقه، واستبد بالحلة، وبعث المقتفي إليه العساكر مع الوزير عون الدين بن هبيرة، فبرز مسعود بلاك للقائهم، فانهزم وعاد إلى الحلة فمنعه أهلها من الدخول، فسار إلى تكريت، وملك ابن هبيرة الحلة، وبعث العساكر إلى الكوفة وواسط فملكوها. ثم جاءت عساكر السلطان ملك شاه إلى واسط، وخرجت منها عساكر المقتفي إلى واسط فملكها، ثم إلى الحلة كذلك. ثم عاد إلى بغداد آخر ذي القعدة سنة سبع وأربعين وخمسمائة، ثم قبض الأمراء على ملك شاه سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. وبايعوا لأخيه محمد وطلب الخطبة من المقتفي فمنع منها، فسار السلطان محمد بن محمود إلى العراق سنة إحدى وخمسين وخمسمائة. واضطرب الناس ببغداد واهتم المقتفي بالاحتشاد، وجاءته عساكر واسط، وبعث السلطان مهلهل بن أبي العسكر إلى الحلة فملكها، وحاصر السلطان محمد بغداد سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة وامتنعت عليه فرجع، وتوفي المقتفي سنة خمس وخمسين وخمسمائة وبويع ابنه المستنجد، واستبد بأمره كما كان أبوه. ومنع خطبة السلجوقية من بغداد، وكان في نفسه شيء من بني أسد لاجلابهم على بغداد مع مهلهل بن أبي العسكر، أيام حصار السلطان محمد لها، فأمر بردن بن قماج بقتالهم وإجلائهم، وكانوا منتشرين في البطائح، ولا يقدر عليهم، وجمع عساكره وبعث عن ابن معروف مقدم المنتفق من أرض البصرة فجاءه في جمع كبير، وحاصرهم حتى انحسر الماء عنهم. وأبطأ أمرهم على المستنجد فبعث إلى بردن يعاتبه وينسبه إلى موافقتهم في التشيع فجهد هو وابن معروف في قتالهم، وسد مسالكهم في الماء، واستسلموا فقتل منهم أربعة آلاف، ونودي عليهم بالجلاء من الحلة فافترقوا في البلاد، ولم يبق منهم

بالعراق من يعرف، وسلمت بطائحهم وبلادهم إلى ابن معروف والمنتفق وانقرضت دولة بني مزيد والبقاء لله.

** (الخبر عن ملوك العجم القائمين بالدعوة العباسية في ممالك الإسلام والمستبدين على الخلفاء ونبدأ منهم أولا بدولة ابن طولون بمصر وبداية أمرهم ومصاير أحوالهم) **

قد تقدم لنا عند ذكر الفتوحات فتح مصر على يد عمرو بن العاص سنة عشرين من الهجرة في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بإذنه، وولاه عليها، وافتتح ما وراءها في المغرب إلى طرابلس وودان وغذامس حسبما ذلك مذكور هنالك، وأقام عمرو في ولايتها أيام عمر كلها وولى عثمان على الصعيد عبد الله بن أبي سرح، وأفردها بالولاية، وكان يعدو على عمرو فغضب عمرو، وأبى من الرجوع إلى ولاية مصر، فضمها عثمان لعبد الله بن أبي سرح وولاه عليها. وكانت في أيامه غزوة الصواري، جاءت مراكب الروم من القسطنطينية في ألف مركب ونزلوا بسواحل الإسكندرية. وانتقض أهل القرى، ورغب أهل الإسكندرية من عثمان أن يمدهم بعمرو بن العاص فبعثه، وزحف إليهم في العرب ومعه المقوقس في القبط، وخرجوا من البحر ومعهم من انتقض من أهل القرى، ففتح الله على المسلمين، وهزموا الروم إلى الإسكندرية. وأمضى عمرو في قتلهم ورد على أهل القرى ما غنم المسلمون منهم، وعذرهم بالإكراه، ورجع إلى المدينة وأقام عبد الله في ولايتهم، وغزا إفريقية وافتتحها. ثم غزا بلد النوبة، ووضع عليهم الجزية المعروفة الباقية على الأيام وذلك سنة إحدى وثلاثين. ثم كان من بعد ذلك يبعث معاوية بن خديج فيفتح ويثخن إلى أن استملك فتح إفريقية. ووفد على عثمان آخر أيامه عند ما اهتاجت الفتنة، وكثر الطعن عليه من جماعة جند مصر يتعللون بالشكوى من ابن أبي سرح مع وفد من الجند شاكين من عمالهم بالأمصار. وعزله عثمان يسترضيهم به فكانت قضية الكتاب المنسوب إلى مروان وحصارهم عثمان بداره. وخرج عبد الله من مصر

مددا لعثمان فخالفه محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة إلى مصر وانتزى بها.

ورجع عبد الله من طريقه فمنعه الدخول فسار إلى عسقلان، وأقام بها حتى قتل عثمان. ثم سار إلى الرملة وكانت من مهماته فأقام بها هربا من الفتنة حتى مات، ولم يبايع عليا ولا معاوية. ثم قتل عمرو بن العاص محمد بن أبي حذيفة، وفي كيفية قتله إياه اضطراب. ثم ولى علي على مصر قيس بن سعد بن عبادة، وكان ناصحا له شديدا على عدوه، واستماله معاوية فأساء في الرد عليه. وأشاع معاوية خلاف ذلك عنه فعزله علي من أجل ذلك، وولى ذلك الأشتر النخعي، واسمه مالك بن الحرث بن يغوث بن سلمة بن ربيعة بن الحرث بن خزيمة بن سعد بن مالك بن النخع. وسار إليها فمات بالقلزم قريبها منها سنة سبع وثلاثين، فولى علي مكانه محمد ابن أبي بكر، وكان نشأ في حجره. ثم بعث معاوية إلى عمرو بن العاص وهو بفلسطين قد اعتزل الناس بعد مقتل عثمان، واستماله واجتمع معه على قتال علي وولاه مصر فسار إليها بعد انقضاء أمر صفين وأمر الحكمين. وطلب معاوية الخلافة وقد اضطرب الأمر على محمد بن أبي بكر وخرج عليه معاوية بن خديج السكوني مع جماعة من العثمانية [1] بنواحي مصر فكاتب عمرو العثمانية، وسرح الكتائب إلى مصر، وفي مقدمتها معاوية بن خديج فهزموا عساكر محمد، وافترق عنه أصحابه وقتل كما هو معروف في أخباره. ودخل عمرو بن العاص الفسطاط، وملك مصر، إلى سنة ثلاث وأربعين ومائة فتوفي، وملك مكانه ابنه عبد الله. ثم عزله معاوية وولى أخاه عتبة بن أبي سفيان، وتوفي سنة أربع وأربعين وولى مكانه عقبة بن عامر الجهني، ثم عزله سنة سبع وأربعين ومائة وولى مكانه معاوية بن خديج. ثم اقتطع عنه إفريقية سنة خمسين وولى عليها عقبة بن نافع. ثم جمع مصر وإفريقية لمسلمة بن مخلد الأنصاري، فبعث مسلمة على إفريقية مولاه أبا المهاجر، وأساء عزل عقبة كما هو معروف. ثم مات معاوية وولي ابنه يزيد، واضطربت الأمور، وبويع عبد الله بن الزبير بمكة، وانتشرت دعوته في الممالك الإسلامية فبعث على مصر عبد الرحمن بن جحدم القرشي، وهو عبد الرحمن بن عقبة بن إياس بن الحرث بن عبد بن أسد بن جحدم الفهري، ثم بويع مروان وانتقض ابن الزبير وسار مروان الى

مصر فأخرج منها عبد الرحمن بن جحدم وولى عليها عمر بن سعيد الأشدق. ثم بعثه للقاء مصعب بالشام، وولى مكانه على مصر ابنه عبد العزيز بن مروان. ثم هلك سنة خمس وكان مروان قد مات فولي مكانه ابنه عبد الله ابن عبد الملك [1] . ثم عزله الوليد سنة تسع وثمانين وولى عليها مرة بن شريك بن مرثد بن الحرث العبسي، ومات سنة خمس وتسعين فولى الوليد مكانه عبد الملك بن رفاعة سنة تسع وتسعين، وكان قد استخلفه عند موته. ويقال بل ولي قبله أسامة بن زيد التنوخي. ثم عزل عمر بن عبد العزيز عبد الملك بن رفاعة سنة تسع وتسعين وولى مكانه أيوب بن شرحبيل بن أكرم بن أبرهة بن الصباح الأصبحي. ثم عزله يزيد بن عبد الملك، وولى مكانه بشر بن صفوان، وأقره يزيد، ثم عزله هشام بن عبد الملك وولى [2] بن رفاعة وتوفي بعد خمس عشرة ليلة. واستخلف أخاه الوليد بن رفاعة، وأقره هشام فأقام سبعة أشهر، ثم عزله وولى حنظلة بن صفوان في المحرم سنة أربع وعشرين ومائة وأقره هشام. ثم استعفى مروان بن محمد حين ولي فأعفاه، وولى مكانه حسان بن عتامة بن عبد الرحمن السجيني، وكان بالشام فاستخلف حمير بن نعيم الحصري بمصر. ثم قدم ورفض ولايتها، فولى مكانه حفص بن الوليد لستة عشر يوما من ولايته. وبقي حفص شهرين، ثم ولى مروان الحوثرة بن سهل بن العجلان الباهلي في محرم سنة ثمان وعشرين ومائة ثم صرف عنها في رجب سنة إحدى وثلاثين ومائة، وولي المغيرة بن عبد الله بن مسعود الفزاري. ثم مات في جمادى سنة ست وثلاثين، واستخلف ابنه الوليد. وولى مروان بن عبد الملك موسى بن نصير فأمر باتخاذ المنابر في الكور، وإنما كانوا يخطبون على العصي. ثم قدم مروان بن محمد إلى مصر، وكان فيها مهلكه كما هو معروف. ثم جاءت الدولة العباسية فولى السفاح على مصر عمه صالح بن علي سنة أربع وثلاثين ومائة، وبقيت في ولايته يستخلف عليها، فاستخلف أولا محصن بن فاني الكندي ثمانية أشهر. ثم أبا عون

عبد الملك بن يزيد مولى مناه ثمانية أشهر. وولى داود بن يزيد بن حاتم بن قبيصة في محرم سنة أربع وسبعين. ثم عزله في محرم سنة خمس وسبعين لسنة من ولايته، وأعاد إليها موسى بن عيسى. ثم صرفه في ربيع سنة ست وسبعين وولى ابن عمه إبراهيم بن صالح وتوفي لثلاثة أشهر من ولايته، وقام بالأمر بعده ابنه صالح فولى الرشيد عبد الله ابن المسيب بن زهير الضبي في رمضان سنة ستة وسبعين ومائة ثم عزله بعد الحول، وولى هرثمة بن أعين. ثم أمره بالمسير إلى إفريقية لثلاثة أشهر من ولايته سلخ ثمان وسبعين ومائة، وولى أخاه عبيد الله بن المسيب. ثم أعاد موسى بن عيسى في رمضان سنة تسع وسبعين ومائة فاستخلف ابنه يحيى. ثم صرف موسى في منتصف سنة ثمانين لعشرة أشهر من ولايته، وأعيد عبيد الله بن المهدي. ثم صرفه في رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة وأعيد إسماعيل بن صالح بن علي من العمومة فاستخلف، ثم صرف في منتصف اثنتين وثمانين ومائة وأعيد لعشرة أشهر من ولايته. وولى الليث بن الفضل من أهل أسبورد فوليها أربع سنين ونصفا وعزل. ثم ولى الرشيد من قرابته أحمد بن إسماعيل بن علي منتصف سبع وثمانين ومائة فبقي عليها سنتين وشهرين. ثم ولى مكانه عبد الله بن محمد بن الإمام إبراهيم بن محمد ويعرف بابن زينب، وصرفه عنها آخر شعبان من سنة تسعين ومائة لسنة وشهرين من ولايته. وولى حاتم بن هرثمة بن أعين، فقدم في شوال سنة أربع وتسعين ومائة، ثم صرفه الأمير منتصف خمس وتسعين ومائة لسنة وثلاثة أشهر من ولايته، وولى جابر بن الأشعث بن يحيى بن النعمان الطائي منتصف خمس وتسعين ومائة فأخرجه الجند منها سنة وست وتسعين ومائة لسنة من ولايته. ثم ولى المأمون عليها عباد بن محمد بن حيان البلخي مولى كندة، ويكنى أبا نصر. ثم عزله لسنة ونصف من ولايته في صفر سنة ثمان وتسعين ومائة، وولى المطلب بن عبد الله بن مالك ابن الهيثم الخزاعي، وقدمها من مكة في منتصف ربيع الأول. ثم صرفه في شوال لثمانية أشهر من ولايته، وولى من عمومته العباس بن موسى بن عيسى فبعث عليها ابنه عبد الله، ومعه الإمام محمد بن إدريس الشافعي رضي الله تعالى عنه، فأقام عليها شهرين ونصفا، فقتله الجند يوم النحر سنة ثمان وتسعين ومائة، وولوا عليهم المطلب بن عبد الله. ثم جرت بينه وبين السدي وبين الحكم بن يوسف مولى بني ضبة من أهل بلخ من قوم يقال لهم الزط، وجرت بينه وبين أهل المطلب حروب، وخرج هاربا إلى مكة بعد سنة وثمانية أشهر من ولايتها

ووليها السري بإجماع الجند في رمضان سنة مائتين. ثم وثب به الجند بعد ستة أشهر وولوا سليمان بن غالب بن جبريل بن يحيى بن قرة العجلي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة ومائتين. وولى عبد الله بن طاهر بن الحسين مولى خزاعة فأقام عشرة. ثم ولى المأمون عليها أخاه أبا إسحاق الملقب في خلافته بالمعتصم، فأقر عيسى الجلودي، وبعده عمير بن الوليد التميمي في صفر سنة أربع عشرة ومائتين ثم قتل بعد شهرين، واستخلف ابنه محمد بن عمير شهرا، ثم أعاد عيسى الجلودي. ثم جاء أبو إسحاق المعتصم إلى الفسطاط، وعاد إلى الشام، واستخلف عبدويه بن جبلة في المحرم فاتح [1] خمس عشرة فأقام سنة، وولى عيسى بن منصور بن موسى الخراساني الرافعي مولى بني نصر بن معاوية. ثم قدم المأمون مصر لسنة من ولايته، فسخط على عيسى بن منصور، وعمر المقياس وجسرا آخر بالفسطاط، وولى كندر بن عبد الله ابن نصر الصفدى، ويكنى أبا مالك، ورجع إلى العراق ومات كندر في ربيع سنة تسع عشرة ومائتين، واستخلف ابنه المظفر. ولما صارت الخلافة للمعتصم ولى على مصر مولاه أشناس، ويكنى أبا جعفر في رجب سنة ثمان عشرة، فاستخلف عليها موسى بن أبي العباس ثابت من بني حنيفة من أهل الشاش في رمضان سنة تسع عشرة ومائتين، واستخلف ابنه المظفر فأقام مستخلفا لأشناس أربع سنين ونصفا. ثم عزله بعد سنتين، واستخلف مالك ابن كيد [2] بن عبد الله الصفدي، فقدم في ربيع سنة أربع وعشرين ومائتين ثم عزله بعد سنتين واستخلف علي بن يحيى الأرمني، وقدم في ربيع سنة ست وعشرين ومائتين. ثم عزله بعد سنتين وثمانية أشهر، واستخلف عيسى بن منصور الذي كان مستخلفا للمعتصم أيام المأمون، وسخطه المأمون عند قدومه مصر فقدم عيسى في محرم سنة تسع وعشرين ومائتين. ثم مات أشناس بعد الثلاثين، وقد استخلف على مصر أتياخ مولى المعتصم وأقيم اتياخ [3] مكان أشناس فأقر الواثق إتياخ على مصر، فأقر إتياخ عيسى بن منصور في ربيع سنة ست وثلاثين ومائتين فبقي أربعة أشهر. ثم استخلف إتياخ هرثمة بن النضر الجبلي فقدم منتصف سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وأقام سنة، ثم مات سنة أربع وثلاثين

ومائتين، وقام بأمره ابنه حاتم رضي الله تعالى عنه، فاستخلف إتياخ على بني يحيى الأرمني في رمضان سنة أربع وثلاثين ومائتين. ثم صرف إتياخ عن ولاية مصر في محرم سنة خمس وثلاثين ومائتين بعد وفاة المعتصم. وولى المتوكل على مصر ابنه المستنصر فاستخلف عليها إسحاق بن يحيى بن معاذ الختلي، وقدم في ذي القعدة من سنته.

وفي أيامه أخرج ولد علي من مصر إلى العراق. ثم صرف في ذي القعدة من سنة ست وثلاثين ومائتين، واستخلف المستنصر عليها عبد الرحمن بن يحيى بن منصور بن طلحة وريق، وهو ابن عم طاهر بن الحسين، وقدم في ذي القعدة سنة ست وثلاثين ومائتين. ثم صرفه واستخلف عنبسة بن إسحاق بن عبس بن عبسة من أهل هراة. ويكنى أبا حاتم في صفر سنة ثمان وثلاثين ومائتين. وفي ولايته كبس الروم دمياط يوم عرفة من سنة ثمان وثلاثين ومائتين. واستخلف يزيد بن عبد الله بن دينار من مواليهم، ويكنى أبا خالد. وفي أيامه منع العلويون من ركوب الخيل واقتناء العبيد. ثم ولي المستنصر الخلافة في شوال سنة سبع وأربعين ومائتين فأقر يزيد على ولاية مصر. ثم صرف عنها في ربيع سنة ثلاث وخمسين لعشر سنين من ولايته، وولى المعتز مكانه مزاحم بن خاقان [1] بن عزطوج التركي في ربيع سنة أربع وخمسين، وعهد الى أزجور بن أولغ طرخان التركي فأقام خمسة أشهر وخرج حاجا في رمضان سنة أربع وخمسين. وولي أحمد بن طولون، واستفحل بها أمره، وكانت له ولبنيه بها دولة كما نذكر الآن أخبارها.

** (الخبر عن دولة أحمد بن طولون بمصر وبنيه ومواليه بني طغج وابتداء أمرهم وتصاريف أحوالهم) **

قال ابن سعيد ونقله من كتاب ابن الداية في أخبار بني طولون: كان طولون أبو أحمد من الطغزغز، وهم التتر. حمله نوح بن أسد عامل بخارى إلى المأمون في وظيفته من المال والرقيق والبراذين. وولد له أحمد سنة عشرين ومائتين من جارية اسمها ناسم.

وتوفي طولون سنة أربعين ومائتين، وكفله رفقاء أبيه بدار الملك حتى ثبتت مرتبته، وتصرف في خدمة السلطان، وانتشر له ذكر عند الأولياء فاق به على أهل طبقته،

وشاع بين الترك صونه ودينه وأمانته على الأسرار والأموال والفروج. وكان يستصغر عقول الأتراك، ويرى أنهم ليسوا بأهل للرتب. وكان يحب الجهاد. وطلب من محمد بن أحمد بن خاقان أن يسأل من عبد الله الوزير أن يكتب لهما بأرزاقهما إلى الثغر، ويقيما لك مجاهدين. وسار إلى طرسوس، وأعجبه ما عليه أهل الحق من تغيير المنكر وإقامة الحق فأنس، وعكف على طلب الحديث. ثم رجع إلى بغداد وقد امتلأ علما ودينا وسياسة. ولما تنكر الأتراك للمستعين وبايعوا المعتز، وآل أمر المستعين إلى الخلع والتغريب إلى واسط، وكلوا به أحمد بن طولون فأحسن عشرته، ووسع عليه، وألزمه أحمد بن محمد الواسطي يومه، وكان حسن العشرة فكه المجالسة. ولما اعتزموا على قتله بعثوا إلى أحمد بن طولون أن يمضي ذلك فتفادى منه، فبعثوا سعيدا الحاجب فسمله، ثم قتله. ودفنه ابن طولون وعظم محله بذلك عند أهل الدولة، انتهى كلام ابن سعيد. وقال ابن عبد الظاهر: وقفت على سيرة للإخشيذ قديمة عليها خط الفرغاني وفيها أن أحمد هو ابن النج من الأتراك، كان طولون صديق أبيه ومن طبقته. فلما مات النج رباه طولون وكفله، فلما بلغ من الحداثة مشى مع الحشوية وغزا، وتنقلت به الأحوال إلى أن صار معدودا في الثقات. وولي مصر واستقر بها. قال صدر الدين بن عبد الظاهر: ولم أر ذلك لغيره من المؤرخين انتهى. ولما وقع اضطراب الترك ببغداد وقتل المستعين وولي المعتز واستبد عليه الأتراك وزعيمهم يومئذ باك باك [1] وولاه المعتز مصر، ونظر فيمن يستخلفه عليها، فوقع اختياره على أحمد بن طولون فبعثه عليها، وسار معه أحمد بن محمد الواسطي، ويعقوب بن إسحاق، ودخلها في رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين وعلى الخوارج [2] بها أحمد بن المدبر، وعلى البريد سفير مولى قبيجة [3] فأهدى له ابن المدبر، ثم استوحش منه، وكاتب المعتز بأن ابن طولون يروم العصيان وكاتب صاحب البريد بمثل ذلك، فسطا بسفير صاحب البريد ومات من غده. ثم قتل المعتز وولي المهتدي فقتل باك باك، ورتب مكانه يارجوج [4] ، وولاه مصر. وكانت

بينه وبين أحمد بن طولون مودة أكيدة، فاستخلفه على مصر، وأطلق يده على الإسكندرية والصعيد بعد أن كان مقتصرا على مصر فقط. وجعل إليه الخراج فسقطت رتبة ابن المدبر. ثم أعاده المعتمد فلم ينهض إلى مساماة ابن طولون ولا منازعته. ثم كتب إليه المعتمد بضبط عيسى بن شيخ الشيباني، وكان يتقلد فلسطين والأردن، وتغلب على دمشق، وطمع في مصر ومنع الحمل. واعترض حمل ابن المدبر، وكان خمسة وسبعين حملا من الذهب فأخذها، فكتب إليه المعتمد يومئذ بولاية أعماله فادعى العجز، وأنكر مال الحمل ونزع السواد، وأنفذ أناجور من الحضرة في العساكر إلى دمشق سنة سبع وخمسين. ثم خرج أحمد بن طولون إلى الإسكندرية ومعه أخوه موسى وكان يتجنى عليه، ويرى أنه لم يوف بحقه، وظهر ذلك منه في خطابه فأوقع به ونفاه، وحبس كاتبه إسحاق بن يعقوب، واتهمه بأنه أفضى بسره إلى أخيه. وخرج أخوه حاجا، وسار من هنالك إلى العراق، ووصف أخاه بالجميل فحظي بذلك عند الموفق. واستفحل أمر أحمد واستكثر من الجند وخافه أناجور بالشام. وكتب الموفق يغريه بشأنه وأنه يخشى على الشام منه.

فكتب الموفق إلى ابن طولون بالشخوص إلى العراق لتدبير أمر السلطان، وأن يستخلف على مصر فشعر ابن طولون بالمكيدة في ذلك، فبعث كاتبه أحمد بن محمد الواسطي إلى يارجوج وإلى الوزير، وحمل إليهما الأموال والهدايا. وكان يارجوج متمكنا في الدولة فسعى في أمره، وأعفاه من الشخوص وأطلق ولده وحرمه، واشتدت وطأة ابن طولون وخافه أحمد بن المدبر، فكتب إلى أخيه إبراهيم أن يتلطف له في الانصراف عن مصر فورد الكتاب بتقليده خراج دمشق وفلسطين والأردن، وصانع ابن طولون بضياعه التي ملكها، وسار إلى عمله بمصر وشيعه ابن طولون ورضي عنه وذلك سنة ثمان وخمسين ومائتين وولي الوزير على الخراج من قبله، وتقدم لابن طولون باستحثاثه، فتتابع حمل الأموال إلى المعتمد. ثم كتب ابن طولون بأن تكون جباية الخراج له فأسعف بذلك، وأنفذ المعتمد نفيسا الخادم بتقليده خراج مصر وضريبتها، وخراج الشام. وبعث إليه نفيس الخادم ومعه صالح بن أحمد بن حنبل قاضي الثغور، ومحمد بن أحمد الجزوعي قاضي واسط شاهدين بإعفائه ما زاد على الرسم من المال والطراز. ومات يارجوج في رمضان سنة تسع وخمسين وكان صاحب مصر، ومن أقطاعه. ويدعى له قبل ابن طولون، فلما مات استقل

أحمد بمصر.

** (فتنة ابن طولون مع الموفق) **

لما استأمن الزنج وتغلبوا على نواحي البصرة، وهزموا العساكر بعث المعتمد إلى الموفق، وكان المهتدي نفاه إلى مكة، فعهد له المعتمد بعد ابنه المفوض، وقسم ممالك الإسلام بينهما. وجعل الشرق للموفق ودفعه لحرب الزنج، وجعل الغرب للمفوض، واستخلف عليه موسى بن بغا، واستكتب موسى بن عبيد الله بن سليمان بن وهب. وأودع كتاب عهدهما في الكعبة. وسار الموفق لحرب الزنج، واضطرب الشرق، وقعد الولاة عن الحمل، وشكا الموفق الحاجة إلى المال. وكان ابن طولون يبعث الأموال إلى المعتمد يصطنعه بذلك، فأنفذ الموفق نحريرا خادم المتوكل إلى أحمد بن طولون يستحثه لحمل الأموال والطراز والرقيق والخيل، ودس إليه أن يعتقله واطلع على الكتب، وقتل بعض القواد وعاقب آخرين وبعث مع نحرير ألفي ألف ومائتي ألف دينار ورقيقا وطرزا. وجمع الرسم وبعث معه من أسلمه إلى ثقة أناجور صاحب الشام. ولما فعل ابن طولون بنحرير ما فعل، كتب الموفق إلى موسى بن بغا بصرف أحمد بن طولون عن مصر وتقليدها أناجور. فكتب إلى أناجور بتقليدها فعجز عن مناهضة أحمد، فسار موسى بن بغا ليسلم إليه مصر، وبلغ الرقة واستحث أحمد في الأموال، فتهيأ أحمد لحربه، وحصن الجزيرة معقلا لحربه وذخيرته. وأقام موسى بالرقة عشرة أشهر، واضطرب عليه الجند وشغبوا وطالبوه بالأرزاق واختفى كاتبه موسى بن عبيد الله بن وهب، فرجع وتوفي سنة أربع وستين ومائتين ثم كتب الموفق إلى ابن طولون باستقلال ما حمله من المال، وعنفه وهدده فأساء ابن طولون جوابه، وأن العمل لجعفر بن المعتمد ليس لك فأحفظ ذلك الموفق، وسأل من المعتمد أن يولي على الثغور من يحفظها، وأن ابن طولون لا يؤمن عليها لقلة اهتمامه بأمرها، فبعث محمد بن هارون التغلبي عامل الموصل، وركب السفن فألقته الريح بشاطئ دجلة، فقتله الخوارج أصحاب مسا والساري

** (ولاية أحمد بن طولون على الثغور) **

وكانت أمهات الثغور يومئذ أنطاكية وطرسوس والمصيصة وملطية، وكان على أنطاكية محمد بن علي بن يحيى الأرمني، وعلى طرسوس سيما الطويل وإليه أمر الثغور. وجاء في بعض أيامه إلى أنطاكية فمنعه الأرمني من الدخول فدس إلى أهل البلد بقتله فقتلوه، وأحفظ ذلك الموفق فولى على الثغور أرجون بن أولغ طرخان التركي، وأمره بالقبض على سيما الطويل فقام بالثغور، وأساء التصرف، وحبس الأرزاق عن أهلها. وكانت قلعة لؤلؤة من قلاع طرسوس في نحر العدو، وأهم أهل طرسوس أمرها، فبعثوا إلى حاميتها خمسة آلاف دينار رزقا من عندهم، فأخذها أرجون لنفسه، وضاعت حاميتها وافترقوا. وكتب الموفق إلى أحمد بن طولون بتقليد الثغور، وأن يبعث عليها من قبله فبعث من قبله وكتب الموفق إلى أحمد بن طولون بتقليد الثغور، وأن يبعث عليها من قبله فبعث من قبله طحشي بن بكروان، وحسنت حالهم وطلب منه ملك الروم الهدنة. واستأذن في ذلك ابن طولون فمنعه، وقال: إنما حملهم على ذلك تخريبكم لقلاعهم وحصونهم فيكون في الصلح راحة لهم فحاش لله منه، وأمره برم الثغور وأرزاق الغزاة.

** (استيلاء أحمد بن طولون على الشام) **

قد تقدم لنا ولاية أناجور [1] على دمشق سنة سبع وخمسين ومائتين وما وقع بينه وبين أحمد بن طولون. ثم توفي أناجور في شعبان سنة أربع وستين ومائتين ونصب ابنه علي مكانه. وقام يدبر أمره أحمد بن بغا وعبيد الله بن يحيى بن وهب. وسار إلى الشام موريا بمشارفة الثغور، واستخلف ابنه العباس على مصر، وضم إليه أحمد بن محمد الواسطي، وعسكر في مينة الإصبع، وكتب إلى علي بن أناجور بإقامة الميرة للعساكر فأجاب الآمال. وسار ابن طولون إلى الرملة، وبها محمد بن أبي رافع من

قبل أناجور، ومدبر دولته أحمد بن [1] لك منذ نفاه المهتدي فأكرمه.

ثم سار عن دمشق، واستخلف عليها أحمد بن دوغياش، ورحل الى حمص وبها أكبر قواد أناجور فشكت الرعية منه فعزله، وولى يمتا التركي. ثم سار إلى أنطاكية وقد امتنع بها سيما الطويل بعد أن كتب بالطاعة، وأن ينصرف عنه فأبى وحاصرها وشد حصارها. وضجر أهلها من سيما فداخل بعضهم أحمد بن طولون ودلوه على بعض المسارب فدخلها منه في فاتحة خمس وستين وقتل سيما الطويل وقبض على أمرائه وكاتبه. ثم سار إلى طرسوس فملكها، ودخلها في خلق كثير، وشرع في الدخول إلى بلاد الروم للغزو. وبينما هو يروم ذلك جاءه الخبر بانتقاض ابنه العباس الذي استخلفه بمصر فرجع، وبعث عسكرا إلى الرقة وعسكرا إلى حران، وكانت لمحمد بن أناشر [2] فأخرجوه عنها وهزموه. وبلغ الخبر إلى أخيه موسى، فسار إلى حران وكان شجاعا. وكان مقدم العسكر بحران ابن جيعونه [3] فأهمه أمرهم، فقال له أبو الأغر من العرب: أنا آتيك بموسى واختار عشرين فارسا من الشجعان وسار إلى معسكر موسى فأكمن بعضهم ودخل بالباقين بعض الخيام فعقدت، واهتاج العسكر، وهرب أبو الأغر واتبعوه فخرج عليهم الكمين فهزموهم وأسر موسى، وجاء به أبو الأغر إلى ابن جيعونة قائد ابن طولون فاعتقله وعاد إلى مصر سنة ست وستين ومائتين

** (الخبر عن انتقاض العباس بن أحمد بن طولون على أبيه) **

لما رحل أحمد بن طولون إلى الشام واستخلف ابنه العباس، وكان أحمد بن الواسطي محكما في الدولة. وكان للعباس بطانة يدارسونه الأدب، والنحو وأراد أن يولي بعضهم الوظائف، ولم يكونوا يصلحون لها، فمنع الواسطي من ذلك خشية الخلل في الأعمال، فحمل هؤلاء البطانة عليه عند العباس وأغروه به. وكتب هو إلى أحمد

يشكوهم فأجابه بمداراة الأمور إلى حين وصوله. وكان محمد بن رجاء كاتب أحمد مداخلا لابنه العباس فكان يبعث إليه بكتب الواسطي يتنزل له، فاطلع على جواب أبيه عن كتبه بالمداراة، فازداد خوفا وحمل ما كان هنالك من المال والسلاح، وهو ألف ألف دينار. وتسلف من التجار مائتي ألف أخرى، واحتمل أحمد بن محمد الواسطي وأيمن الأسود مقيدين، وسار إلى برقة. ورجع أحمد إلى مصر وبعث له جماعة فيهم القاضي أبو بكرة بكار بن قتيبة والصابوني القاضي وزياد المري مولى أشهب، فتلطفوا به بالموعظة حتى لان، ثم منعه بطانته وخوفوه فقال لبكار:

ناشدتك الله هل تأمنه علي؟ فقال: هو قد حلف، وأنا لا أعلم فمضى على ريبته.

ورجع القوم إلى أبيه وسار هو إلى إفريقية يطلب ملكها، وسهل عليه أصحابه أمر إبراهيم بن أحمد بن الأغلب صاحبها، وكتب إليه بأن المعتمد قلده إفريقية، وأنه أقره عليها. وانتهى إلى مدينة لبدة [1] فخرج عليه عامل ابن الأغلب فقبض عليه، ونهب البلد وقتل أهله، وفضح نساءهم فاستغاثوا بإلياس بن منصور كبير نفوسة ورئيس الإباضية، وقد كان خاطبه يتهدده على الطاعة. وبلغ الخبر إلى ابن الأغلب فبعث العساكر مع خادمه بلاغ، وكتب إلى محمد بن قهرب عامل طرابلس بأن يظاهر معه على قتال العباس فسار ابن قهرب وناوشه القتال من غير مسارعة. ثم صحبهم الياس في اثني عشر ألفا من قومه. وجاء بلاغ الخادم من خلفه فأجفل، واستبيح أمواله وذخائره، وقتل أكثر من كان معه، وأفلت بحاشيته. وانطلق أيمن الأسود من القيد ورجع إلى مصر. وجاء العباس إلى برقة مهزوما وكان قد أطلق أحمد الواسطي بعد أن ضمن حزب برقة إحضاره، فلما رجع أعاده إلى محبسه فهرب من المحبس، ولحق بالفسطاط ووجد أحمد بن طولون قد سار إلى الإسكندرية عازما على الرحيل إلى برقة، فهون أمره، ومنعه من الرحيل بنفسه، وخرج طبارجي وأحمد الواسطي فجاءوا به مقيدا على بغل، وذلك سنة سبع وستين ومائتين وقبض على كاتبه محمد بن رجاء وحبسه لما كان يطلع ابنه العباس على كتبه، ثم ضرب ابنه وهو باك عليه وحبسه.

** (خروج الصوفي والعمري بمصر) **

كان أبو عبد الرحمن العمري بمصر، وهو عبد الحميد بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر، مقيما بالقاصية من الصعيد، وكان البجاة يغيرون في تلك الأعمال ويعيثون فيها. وجاءوا يوم عيد فنهبوا وقتلوا، فخرج هذا العمري غضبا لله، وأكمن لهم في طريقهم ففتك بهم، وسار في بلادهم حتى أعطوه الجزية، واشتدت شوكته.

وزحف العلوي للقائه فهزمه العمري، وذلك سنة ستين ومائتين وكان من خبر هذا العلوي أنه ظهر بالصعيد سنة سبع وخمسين ومائتين وذكر أن اسمه إبراهيم بن محمد بن يحيى بن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب، ويعرف بالصوفي، فملك مدينة أسنا ونهبها، وعاث في تلك الناحية. وبعث إليه ابن طولون جيشا فهزمهم، وأسر مقدم الجيش فقطعه فأعاد إليه جيشا آخر، وانهزم إلى الواحات. ثم عاد إلى الصعيد سنة تسع وخمسين ومائتين وسار إلى الأشمونين. ثم سار للقاء العمري وانهزم إلى أسوان، وعاث في جهاتها. وبعث إليه ابن طولون العسكر فهرب إلى عيذاب، وعبر البحر إلى مكة فقبض عليه الوالي بمكة، وبعث به إلى ابن طولون فحبسه مدة، ثم أطلقه ومات بالمدينة. ثم بعث ابن طولون العسكر إلى العمري فلقي قائدهم وقال:

إني لم أخرج بالفساد ولا يؤذى مسلم ولا ذمي [1] وإنما خرجت للجهاد فشاور أميرك في فأبى، وناجزه الحرب فانهزم العسكر، ورجعوا إلى ابن طولون فأخبروه بشأنه فقال: هلا كنتم شاورتموني فيه؟ فقد نصره الله عليكم ببغيكم. ثم وثب عليه بعد مدة غلامان له فقتلاه وجاءا برأسه إلى أحمد بن طولون فقتلهما.

** (انتقاض برقة) **

وفي سنة إحدى وستين ومائتين وثب أهل برقة بعاملهم محمد بن فرج الفرغاني

فأخرجوه، ونقضوا طاعة ابن طولون فبعث إليهم العساكر مع غلامه لؤلؤ، وأمره بالملاينة فحاصرهم أياما وهو يلين لهم حتى طمعوا فيه، ونالوا من عسكره فبعث إلى أحمد بخبره فأمره بالاشتداد فشد حصارهم، ونصب عليهم المجانيق فاستأمنوا، ودخل البلد وقبض على جماعة من أعيانهم فضربهم وقطعهم، ورجع إلى مصر واستعمل عليهم مولى من مواليه، وذلك قبل خلاف العباس على أبيه.

** (انتقاض لؤلؤ على ابن طولون) **

كان ابن طولون قد ولى مولاه لؤلؤا على حلب وحمص وقنسرين وديار مضر من الجزيرة، وأنزله الرقة، وكان يتصرف عن أمره. ومتى وقع في مخالفته عاقب ابن سليمان كاتب لؤلؤ فسقط لؤلؤ في المال، وقطع الحمل عن أحمد بن طولون. وخاف الكاتب مغبة ذلك، فحمل لؤلؤا على الخلاف، وأرسل إلى الموفق بعد أن شرط على المعتمد شروطا أجابه الموفق إليها، وسار إلى الرقة وبها ابن صفوان العقيلي، فحاربه وملكها منه وسلمها إلى أحمد بن مالك بن طوق. وسار إلى الموفق فوصل إليه بمكانه من حصار صاحب الزنج وأقبل عليه، واستعان به في تلك الحروب، وولاه على الموصل. ثم قبض عليه سنة ثلاث وسبعين ومائتين وصادره على أربعمائة ألف دينار فافتقر وعاد إلى مصر آخر أيام هارون بن خماروي فقيرا فريدا.

** (مسير المعتمد الى ابن طولون وعوده عنه من الشام) **

كان ابن طولون يداخل المعتمد في السر ويكاتبه، ويشكو إليه المعتمد ما هو فيه من الحجر والتضييق عليه من أخيه الموفق، والموفق بسبب ذلك ينافر ابن طولون ويسعى في إزالته عن مصر. ولما وقع خلاف لؤلؤ على ابن طولون خاطب المعتمد وخوفه الموفق واستدعاه إلى مصر، وأن الجيوش عنده لقتال الفرنج. فأجابه المعتمد إلى ذلك، وأراد لقاءه بجميع عساكره فمنعه أهل الرأي من أصحابه، وأشاروا عليه بالعدول عن المعتمد جملة، وأن أمره يؤل معه إلى أكثر من أمر الموفق، من أجل بطانته التي

يؤثرها على كل أحد. واتصلت الأخبار بأن الموفق شارف القبض على صاحب الزنج، فبعث ابن طولون بعض عساكره إلى الرقة لانتظار المعتمد، واغتنم المعتمد غيبة الموفق وسار في جمادى سنة ثمان وستين ومائتين ومعه جماعة من القواد الذين معه فقبض عليهم وقيدهم. وقد كان ساعد بن مخلد وزير الموفق خاطبه في ذلك عن الموفق فأظهر طاعتهم حين صاروا إلى عمله، وسار معهم إلى أول عمل أحمد بن طولون فلم يرحل معهم حين رحلوا [1] . ثم جلس معهم بين يدي المعتمد وعذلهم في المسير إلى ابن طولون ودخولهم تحت حكمه وحجره. ثم قام بهم عند المعتمد ليناظرهم في خلوة فلما دخلوا خيمته قبض عليهم. ثم رجع إلى المعتمد فعذله في الخروج عن دار خلافته، وفراق أخيه وهو في قتال عدوه. ثم رجع بالمعتمد والذين معه حتى أدخلهم سر من رأى. وبلغ الخبر إلى ابن طولون فقطع خطبة الموفق ومحا اسمه من الطرز، فتقدم الموفق إلى المعتمد بلعن ابن طولون في دار العامة، فأمر بلعنه على المنابر وعزله عن مصر [2] وفوض إليه من باب الشاتية إلى إفريقية، وبعث إلى مكة بلعنه في المواسم فوقعت بين أصحاب ابن طولون وعامل مكة حرب، ووصل عسكر الموفق مع جعفر الباعردي، فانهزم فيها أصحاب ابن طولون وسلبوا وأمر جعفر المصريين وقرءوا الكتاب في المسجد بلعن ابن طولون.

** (اضطراب الثغور ووصول أحمد بن طولون اليها ووفاته) **

كان عامل أحمد بن طولون على الثغور طلخشى بن بلذدان، واسمه خلف، وكان نازلا بطرسوس. وكان مازيار [1] الخادم مولى فتح بن خاقان معه بطرسوس وارتاب به طلخشى فحبسه فوثب جماعة من أهل طرسوس، واستقدموا مازيار من يده وولوه. وهرب خلف وتركوا الدعاء لابن طولون فسار ابن طولون من مصر وانتهى إلى أذنة، وكاتب مازيار واستماله فامتنع، واعتصم بطرسوس فرجع ابن طولون إلى حمص ثم إلى دمشق فأقام بها. ثم رجع وحاصره في فصل الشتاء بعد أن بعث إليه يدعوه [2] وانساح على معسكر أحمد وخيمه، وكادوا يهلكون، فتأخر ابن طولون إلى أذنة، وخرج أهل طرسوس فنهبوا العسكر. وطال مقام أحمد بأذنة في طلب البرد [3] ثم سار إلى المصيصة فأقام بها ومرض هناك. ثم تماسك إلى أنطاكية فاشتد وجعه ونهاه الطبيب عن كثرة الغذاء فتناوله سرا، فكثر عليه الاختلاف، لأن أصل علته هيضة من لبن الجواميس. وثقل عليه الركوب فحملوه على العجلة فبلغ الفرمار، وركب من ساحل الفسطاط إلى داره، وحضره طبيبه فسهل عليه الأمر وأشار بالحمية فلم يداوم عليها. وكثر الإسهال وحميت كبده من سوء الفكر فساءت أفعاله. وضرب بكار بن قتيبة القاضي، وأقامه للناس في الميدان، وخرق سواده وأوقع بابن هرثمة وأخذ ماله وحبسه. وقتل سعيد بن نوفل مضروبا بالسياط. ثم جمع أولياءه وغلمانه وعهد إلى ابنه أبي الجيش خمارويه. وأوصاهم بإنظاره وحسن النظر فسكنوا إلى ذلك لخوفهم من ابنه العباس المعتقل. ثم مات سنة ست وسبعين ومائتين لست وعشرين سنة من إمارته، وكان حازما سائسا وبنى جامعه بمصر وأنفق فيه مائة وعشرين ألف دينار، وبنى قلعة يافا، وكان يميل إلى مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه. وخلف من المال عشرة آلاف ألف دينار، ومن الموالي سبعة آلاف.

ومن الغلمان أربعة آلاف، ومن الخيل المرتبطة مائة، ومن الدواب لركابه مائتين وثلاثين. وكان خراج مصر لأيامه مع ما ينضاف إليها من ضياع الأمراء لحضرة السلطان أربعة آلاف ألف دينار وثلاثمائة ألف دينار، وعلى المارستان وأوقافه ستين ألف دينار، وعلى حصن الجزيرة والجزيرة وهي المسماة لهذا العهد بقلعة الروضة ثمانين ألف دينار. وخربت بعد موته وجددها الصالح نجم الدين بن أيوب. ثم خربت ثانية، ولم يبق منها إلا أطلال دائرة، وكان يتصدق في كل شهر بألف دينار، ويجري على المسجونين خمسمائة دينار في كل شهر، وكانت نفقة مطابخه وعلوفته ألف دينار في كل يوم.

** (ولاية خمارويه بن أحمد بن طولون) **

ولما توفي أحمد بن طولون اجتمع أهل الدولة وخواص الأولياء وكبيرهم أحمد بن محمد الواسطي والغالب على الدولة الحسن بن مهاجر، فاتفقوا على بيعة ابنه أبي الجيش خمارويه، وأحضروا ابنه العباس من محبسه وعزاه الواسطي وهم يبكون. ثم قال بايع لأخيك فأبى، فقام طبارجي وسعد الآيس [1] من الموالي، وسحبوه إلى حجرة في القصر فاعتقلوه بها، وأخرج من الغد ميتا، وأخرجوا أحمد إلى مدفنه وصلى عليه ابنه أبو الجيش، وواراه ورجع إلى القصر مقيما لأمر سلطانه.

** (مسير خمارويه الى الشام وواقعته مع ابن الموفق) **

ولما توفي أحمد بن طولون كان إسحاق بن كنداج عاملا على الجزيرة والموصل، وابن أبي الساج على الكوفة، وقد ملك الرحبة من يد أحمد بن مالك فطمعا في ملك الشام، واستأذنا الموفق فأذن لهما ووعدهما بالمدد. وسار إسحاق إلى الرقة والثغور والعواصم فملكها من يد ابن دعاس عامل ابن طولون. واستولى إسحاق على حمص وحلب وأنطاكية، ثم على دمشق. وبعث خمارويه العساكر إلى الشام فملكوا دمشق

وهرب العامل الذي انتقض بها. ثم سار العسكر إلى شيزر فأقام عليها قبالة إسحاق وابن أبي الساج، وهما ينتظران المدد من العراق. ثم هجم الشتاء فتفرق عسكر خمارويه في دور شيزر ووصل العسكر من العراق مع أبي العباس أحمد بن الموفق الذي صارت إليه الخلافة ولقب المعتضد فكبسوا عسكر خمارويه في دور شيزر وفتكوا فيهم. ونجا الفل إلى دمشق والمعتضد في اتباعهم فارتحلوا عنها، وملكها المعتضد في شعبان سنة إحدى وسبعين ومائتين. ولحق عسكر خمارويه بالرملة فأقاموا بها وكتبوا إلى خمارويه بالخبر، وسار المعتضد نحوهم من دمشق. وبلغه وصول خمارويه وكثرة عساكره. فهم بالعود ومعه أصحاب خمارويه الذين خالفوا عليه، ولحقوا به وكان ابن كنداج وابن أبي الساج متوحشين من المعتضد لسوء معاملته لهما. والتقى العسكران على الماء الذي عليه الطواحين بالرملة. فولى خمارويه منهزما مع عصابة معه ليس لهم دربة بالحرب. ومضى إلى مصر بعد أن أكمن مولاه سعدا الآيس في عسكر. وجاء المعتضد فملك خيام خمارويه وسواده وهو يظن الظفر، فخرج سعد الآيس من كمينه وقصد الخيام وظن المعتضد أن خمارويه قد رجع فركب وانهزم لا يلوي على شيء. وجاء إلى دمشق فمنعوه الدخول فمضى إلى طرسوس، ولما افتقد سعد الآيس خمارويه نصب أخاه أبا العشائر لقيادة العساكر، ووضع العطاء، ووصلت البشائر إلى مصر فسر خمارويه بالظفر، وخجل من الهزيمة، وأكثر الصدقة وأكرم الأسرى وأطلقهم. وسارت عساكره إلى الشام فارتجعوه كله من أصحابه فأخرجوهم، ولحقوا بالعراق وغزا بالصائفة هذه السنة مازيار صاحب الثغر، وغنم وعاد. ثم غزا كذلك سنة ثلاث وسبعين ومائتين.

** (فتنة ابن كنداج وابن أبي الساج والخطبة لابن طولون بالجزيرة) **

كان ابن أبي الساج عاملا على قنسرين وإسحاق على الجزيرة والموصل فتنافسوا في الأعمال واستظهر ابن أبي الساج بخمارويه، وخطب له بأعماله، وبعث ابنه رهينة إليه، فسار في عساكره بعد أن بعث إليه الأموال وانتهى إلى السن، وعبر ابن أبي الساج الفرات ولقي إسحاق بن كنداج على الرقة فهزمه، وجاز خمارويه من بعده فعبر

الفرات إلى الرافقية، ونجا إسحاق إلى ماردين، وحصره ابن أبي الساج. ثم خرج وسار إلى الموصل فصده ابن أبي الساج عنها، وهزمه فعاد إلى ماردين. واستولى ابن أبي الساج على الجزيرة والموصل، وخطب في أعمالها لخمارويه، ثم لنفسه بعده. وبعث العساكر مع غلامه فتح لجباية نواحي الموصل فأوقع بالشراة اليعقوبية ومكر بهم.

وعلى أصحابهم بما فعل معهم فجاءوا إليه، وهزموه واستلحموا أصحابه، ونجا ابن أبي الساج في فل قليل. ثم انتقض ابن أبي الساج على خمارويه سنة خمس وسبعين ومائتين وذلك أن إسحاق بن كنداج سار إلى خمارويه بمصر وصار في جملته فانتقض ابن أبي الساج. وسار خمارويه إليه فلقيه على دمشق في المحرم فانهزم ابن أبي الساج، واستبيح معسكره وكان وضع بحمص خزائنه، فبعث خمارويه عسكرا إلى حمص فمنعوه من دخولها، واستولوا على خزائنه. ومضى ابن أبي الساج إلى حلب، ثم إلى الرقة وخمارويه في اتباعه. ثم فارق الرقة الى الموصل، وعبر خمارويه الفرات واحتل مدينة بلد، وأقام بها. وسار ابن أبي الساج الى الحديثة. وبعث خمارويه عساكره وقواده مع إسحاق بن كنداج في طلب ابن أبي الساج فعبر دجلة، وأقام بتكريت وإسحاق في عشرين ألفا، وابن أبي الساج في ألفين، وأقاموا يترامون في العدوتين. ثم جمع ابن كنداج السفن ليمد الجسر للعبور، فخالفهم ابن أبي الساج إلى الموصل ونزل بظاهرها فرحلوا في اتباعه فسار لقتالهم فانهزم إسحاق إلى الرقة وتبعه ابن أبي الساج. وكتب إلى الموفق يستأذنه في عبور الفرات إلى الشام وأعمال حمازويه فأجابه بالتربص وانتظار المدد. ولما انهزم إسحاق سار إلى خمارويه وبعث معه العسكر، ورجع فنزل على حد الفرات من أرض الشام، وابن أبي الساج قبالته على حدود الرقة، فعبرت طائفة من عسكر ابن كنداج لم يشعروا بهم، وأوقعوا بجمع من عسكر ابن أبي الساج، فلما رأى أن لا مانع لهم من العبور سار إلى الرقة إلى بغداد، وقدم على الموفق سنة ست وسبعين ومائتين فأقام عنده إلى أن ولاه أذربيجان في سنته واستولى ابن كنداج على ديار ربيعة وديار مضر، وأقام الخطبة فيها لخمارويه

** (عود طرسوس الى ايالة خمارويه) **

قد كنا قدمنا أن مازيار الخادم ثار بطرسوس سنة سبعين ومائتين وحاصره أحمد بن طولون فامتنع عليه، فلما ولي خمارويه وفرغ من شواغله، أنفذ إلى مازيار سنة سبع وسبعين ومائتين ثلاثين ألف دينار وخمسمائة ثوب وخمسمائة مطرف، واصطنعه فرجع إلى طاعته وخطب له بالثغور. ثم دخل بالصائفة سنة ثمان وسبعين ومائتين وحاصروا أسكند فأصابه منها حجر منجنيق رثه، ورجع إلى طرسوس فمات بها. وقام بأمر طرسوس ابن عجيف، وكتب إلى خمارويه فأقره على ولايتها، ثم عزله واستعمل مكانه محمد ابن عمه موسى بن طولون، وكان من خبره أن أباه موسى لما ملك أحمد أخوه مصر تبسط عليه بدلالة القرابة وذوي الأرحام، فلم يحتمله له أحمد ورده عليه، وكسر جاهه فانحرف موسى وسخط دولته. ثم خاطبه في بعض مجالسه بمال لا يحتمله السلطان فضربه ونفاه إلى طرسوس، وبعث إليه بمال يتزوده فأبى من قبوله، وسار إلى العراق. ورجع إلى طرسوس فأقام بها إلى أن مات وترك ابنه محمدا. وولاه خمارويه وبعث إلى أميرهم راغب فأكرمه خمارويه وأنس به، وطالت مقامته عنده وشاع بطرسوس أن خمارويه حبسه فاستعظم الناس ذلك، وثاروا بأميرهم محمد بن موسى وسجنوه رهينة في راغب. وبلغ الخبر إلى خمارويه فسرحه إلى طرسوس، فلما وصلها أطلقوا أميرهم محمد بن موسى، وقد سخطهم، فسار عنهم إلى بيت المقدس. وعاد ابن عجيف إلى ولايته بدعوة خمارويه. وغزا سنة ثمانين ومائتين بالصائفة ودخل معه بدر الحمامي فظفروا وغنموا ورجعوا. ثم دخل بالصائفة سنة احدى وثمانين ومائتين من طرسوس طغج بن جف الفرغاني من قبل خمارويه في عساكره طرابزون وفتح مكودية.

** (صهر المعتضد مع خمارويه) **

ولما ولي المعتضد الخلافة بعث إلى خمارويه خاطبا قطر الندى ابنته، وكانت أكمل نساء عصرها في الجمال والآداب. وكان متولي خطبتها أمينه الخصي ابن عبد الله ابن الجصاص، فزوجه خمارويه بها، وبعثها مع ابن الجصاص، وبعث معها من الهدايا

ما لا يوصف. وقدمت سنة تسع وسبعين ومائتين فدخل بها، وتمتع بجمالها وآدابها، وتمكن سلطانه في مصر والشام والجزيرة إلى أن هلك.

** (مقتل خمارويه وولاية ابنه جيش) **

كان خمارويه قد سار سنة اثنتين وثمانين ومائتين إلى دمشق فأقام بها أياما، وسعى إليه بعض أهل بيته بأن جواريه يتخذون الخصيان يفترشوهن، وأراد استعلام ذلك من بعضهن، فكتب إلى نائبة بمصر أن يقرر بعضهن، فلما وصله الكتاب قرر بعض الجواري وضربهن. وخاف الخصيان ورجع خمارويه من الشام، وبات في مخدعه فأتاه بعضهم وذبحه على فراشه في ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين. وهرب الذين تولوا ذلك، فاجتمع القواد صبيحة ذلك اليوم، وأجلسوا ابنه جيش بن خمارويه على كرسي سلطانه، وأفيض العطاء فيهم، وسيق الخدم الذين تولوا قتل خمارويه فقتل منهم نيف وعشرون.

** (مقتل جيش بن خمارويه وولاية أخيه هارون) **

ولما ولي جيش كان صبيا غرا فعكف على لذاته وقرب الأحداث والسفلة، وتنكر لكبار الدولة، وبسط فيهم القول، وصرح لهم بالوعيد، فأجمعوا على خلعه. وكان طغج بن جف مولى أبيه كبار الدولة، وكان عاملا لهم على دمشق فانتقض وخلع طاعته. وسار آخرون من القواد إلى بغداد، منهم إسحاق بن كنداج وخاقان المعلجي، وبدر بن جف أبو طغج، وقدموا على المعتضد فخلع عليهم، وأقام سائر القواد بمصر على انتقاضهم وقتل قائدا منهم. ثم وثبوا بجيش فقتلوه ونهبوا داره، ونهبوا مصر وحرقوه، وبايعوا لأخيه هارون وذلك لتسعة أشهر من ولايته.

** (فتنة طرسوس وانتقاضها) **

قد تقدم لنا أن راغبا مولى الموفق نزل طرسوس للجهاد فأقام بها، ثم غلب عليها بعد ابن عجيف. ولما ولي هارون بن خمارويه سنة ثلاث وثمانين ومائتين ترك الدعاء له،

ودعا لبدر مولى المعتضد، وقطع طرسوس والثغور من عمالة بني طولون. ثم بعث هارون بن خمارويه إلى المعتضد أن يقاطعه على أعماله بمصر والشام بأربعمائة ألف وخمسين ألف دينار، ويسلم قنسرين والعواصم، وهي الثغور للمعتضد فأجابه إلى ذلك.

وسار من آمد وكان قد ملكها من يد محمد بن أحمد بن الشيخ، فاستخلف ابنه المكتفي عليها، وسار سنة ست وثمانين ومائتين فتسلم قنسرين والثغور من يد أصحاب هارون وجعلها مع الجزيرة في ولاية ابنه المكتفي.

** (ولاية طغج بن جف على دمشق) **

ولما ولي هارون بعد أخيه جيش على ما ولي عليه من اختلاف القواد وقوة أيديهم، خشي أهل الدولة من افتراق الكلمة ففوضوا أمرها إلى أبي جعفر بن إيام. كان مقدما عند أحمد وخمارويه فأصلح ما استطاع، وبقي يرتق الفتق ويجبر الصدع. ثم نظر إلى الجند الذين كانوا خالفوا بدمشق مع طغج بن جف فبعث إليهم بدرا الحمامي والحسين بن أحمد المارداني فأصلحا مورد الشام وأفرد الطغج بن جف بولاية دمشق، واستعملا في سائر الأعمال، ورجعا إلى مصر والأمور مضطربة والقواد طوائف لا ينقاد منهم أحد إلى أحد إلى أن وقع ما نذكر.

** (زحف القرامطة الى دمشق) **

قد تقدم لنا ابتداء أمر القرامطة وما كان منهم بالعراق والشام، وأن ذكرويه بن مهداويه داعية القرامطة لما هزم بسواد الكوفة وأفنى أصحابه القتل، لحق ببني القليص بن كلب بن وبرة في السماوة فبايعوه، ولقبوه الشيخ وسموه يحيى. وكنوه أبا القاسم. وزعم أنه محمد بن عبد الله بن المكتوم بن إسماعيل الإمام فلقبوه المدثر.

وزعم أنه المشار إليه في القرآن. ولقب غلاما من أهله المطوق. وسار من حمص إلى حماة ومعرة النعمان إلى بعلبك، ثم إلى سلمية فقتل جميع من فيها حتى النساء والصبيان والبهائم. ونهب سائر القرى من كل النواحي. وعجز طغج بن جف وسائر ابن خلدون م 26 ج 4

جيشه وصاحبه هارون عن دفاعهم. وتوجه أهل الشام ومصر إلى المكتفي مستغيثين، فسار إلى أهل الشام سنة تسعين ومائتين ومر بالموصل، وقدم بين يديه أبا الأغر من بني حمدان في عشرة آلاف رجل، ونزل قريبا من حلب وكبسه القرمطي صاحب الشامة فقتل منهم جماعة ونجا أبو الأغر إلى حلب في فل من أصحابه. وحاصره القرمطي، ثم أفرج عنه، وانتهى المكتفي إلى الرقة. وبعث محمد بن سليمان الكاتب في العساكر، ومعه الحسين من بني حمدان، وبنو شيبان فناهضه في المحرم سنة إحدى وتسعين ومائتين على حماة، وانهزم القرامطة، وأخذ صاحب الشامة أسيرا فبعث به إلى الرقة وبين يديه المدثر والمطوق، وتقدم المكتفي إلى بغداد ولحقه محمد ابن سليمان بهم، فأمر المكتفي بضربهم وقطعهم، وضرب أعناقهم وحسم دائهم، حتى ظهر منهم من ظهر بالبحرين.

** (استيلاء المكتفي على الشام ومصر وقتل هارون وشيبان ابني خمارويه وانقراض دولة بني طولون) **

ونبدأ أولا بخبر محمد بن سليمان المتولي بتحويل دولة بني طولون، كان أصله من ديار مضر من الرقة اصطنعه أحمد بن طولون وخدمه في مصر. ثم تنكر له وعامله في جاهه وأقاربه بما أحفظه، وخشي على نفسه فلحق ببغداد، ولقي بها مبرة وتكرمة.

واستخدمه الخلفاء وجعلوه كاتبا للجيش، فما زال يغريهم بملك مصر إلى أن ولي هارون بن خمارويه، وفشلت دولة بني طولون بالشام، وعاث القرامطة في نواحيه وعجز هارون عن مدافعتهم، ووصل صريخ أهل الشام إلى المكتفي فقام لدفع ضررهم عن المسلمين، ودفع محمد بن سليمان لذلك، وهو يومئذ من أعظم قواده، فسار بالعساكر في مقدمته. ثم أمره المكتفي باتباع القرامطة، وأقام بالرقة فسار حتى لقيهم وقاتلهم حتى هزمهم واستلحمهم، ودفع عن الشام ضررهم، ورجع بالقرمطي صاحب الشامة وأصحابه أسرى إلى المكتفي بالرقة فرجع إلى بغداد، وقتلهم هنالك وشفى نفسه ونفس المسلمين منهم. وكان محمد بن سليمان لما تخلف عن المكتفي عند وصوله إلى بغداد فأمره بالعود، وبعث معه جماعة من القواد، وأمده بالأموال، وبعث دميانة غلام مازيار في الأسطول، وأمره بالمسير إلى سواحل مصر، ودخول نهر

النيل، والقطع عن أهل مصر ففعل وضيق عليهم. وسار محمد بن سليمان والعساكر واستولى على الشام وما وراءه، فلما قارب مصر كاتب القواد يستميلهم، فجاء إليه بدر الحمامي وكان رئيسهم فكسر ذلك من شوكتهم. وتتابع إليه القواد يستميلهم، فجاء إليه بدر الحمامي وكان رئيسهم فكسر ذلك من شوكتهم. وتتابع إليه القواد مستأمنين، فبرز هارون لقتالهم فيمن معه من العساكر، وأقام قبالتهم واضطرب عسكره في بعض الأيام من فتنة وقعت بينهم. واقتتلوا فركب هارون ليسكنهم فأصابته حربة من بعض المغاربة كان فيه حتفه، فقام عمه شيبان بن أحمد بن طولون بعده بالأمر، وبذل الأموال للجند من غير حسبان ولا تقدير، ثم أباح نهب ما بقي منه يصطنعهم بذلك، فنهبوه في ساعة واحدة، وتشوف إلى جمع المال فعجز عنه واضطرب، وفسد تدبيره، وتسايل إلى محمد بن سليمان جنده، وفاوض أعيان دولته في أمره، فاتفقوا على الاستئمان إلى محمد بن سليمان، فبعث إليه مستأمنا، فسار إليه ثم تبعه قواده وأصحابه، فركب محمد إلى مصر واستولى عليها، وقيد بني طولون وحبسهم، وكانوا سبعة عشر رجلا. وكتب بالفتح فأمره المكتفي بإشخاص بني طولون جميعا من مصر والشام إلى بغداد، فبعث بهم. ثم أمر بإحراق القطائع التي بناها أحمد بن طولون على شرقي مصر، وكانت ميلا في ميل فأحرقت ونهب الفسطاط.

** (ولاية عيسى النوشزي على مصر وثورة الخليجي) **

ولما اعتزم محمد بن سليمان على الرجوع إلى بغداد وكان المكتفي قد ولاه على مصر، فولى المكتفي عيسى بن محمد النوشزي، وقدم في منتصف سنة اثنتين وتسعين ومائتين ثم ثار بنواحي مصر إبراهيم الخليجي، وكان من قواد بني طولون، وتخلف عن محمد ابن سليمان. وكتب إلى المكتفي عيسى النوشزي بالخبر. وكثرت جموع الخليجي، وزحف إلى مصر، فخرج النوشزي هاربا إلى الإسكندرية وملك الخليجي مصر، وبعث المكتفي العساكر مع فاتك مولى أبيه المعتضد، وبدر الحمامي وعلى مقدمتهم أحمد بن كيغلغ في جماعة من القواد، ولقيهم الخليجي على العريش في صفر سنة ثلاث وتسعين ومائتين فهزمهم. ثم تراجعوا وزحفوا إليه وكانت بينهم حروب فني فيها

أكثر أصحاب الخليجي وانهزم الباقون، فظفر عسكر بغداد، ونجا الخليجي إلى الفسطاط واختفى به. ودخل قواد المكتفي المدينة وأخذوا الخليجي وحبسوه. وكان المكتفي عند ما بلغته هزيمة ابن كيغلغ، وسار ابن كيغلغ في ربيع وبرز المكتفي من ورائهم يسير إلى مصر، فجاءه كتاب فاتك بالخبر وبحبس الخليجي، فكتب المكتفي بحمله ومن معه إلى بغداد. وبرز من تكريت فبعث فاتك بهم، وحبسوا ببغداد.

ورجع عيسى النوشزي إلى مصر في منتصف ثلاث وتسعين ومائتين فلم يزل واليا عليها إلى أن توفي في شعبان سنة سبع وتسعين ومائتين لخمس سنين من ولايته وشهرين، وقام بأمره ابنه محمد، وولى المقتدر على مصر أبا منصور تكين الخزري، فقدمها آخر شوال من سنة سبع وتسعين ومائتين، وقام واليا عليها. واستفحلت دولة العلويين بالمغرب. وجهز عبيد الله المهدي العساكر مع ابنه أبي القاسم سنة إحدى وثلاثمائة، فملك برقة في ذي الحجة آخرها. ثم سار إلى مصر وملك الإسكندرية والفيوم، وبلغ الخبر إلى المقتدر، فقلد ابنه أبا العباس مصر والمغرب وعمره يومئذ أربع سنين، وهو الذي ولي الخلافة بعد ذلك ولقب الراضي. ولما قلده مصر استخلف له عليها مؤنسا الخادم، وبعثه في العساكر إلى مصر وحاربهم فهزمهم. ورجعوا إلى المغرب فأعاد عبيد الله العساكر سنة اثنتين مع قائده حامسة الكتامي. وجاء في الأسطول فملك الإسكندرية، وسار منها إلى مصر، وجاءه مؤنس الخادم في العساكر فقاتله وهزمه.

ثم كانت بينهم وقعات، وانهزم أصحاب المهدي آخرا في منتصف اثنتين وثلاثمائة.

وقتل منهم نحوا من سبعة آلاف، ورجعوا إلى المغرب فقتل المهدي حامسة وعاد مؤنس إلى بغداد.

** (ولاية ذكاء الأعور) **

لم يزل تكين الخزري واليا على مصر استخلافا إلى أن صرف آخر اثنتين وثلاثمائة، فولى المقتدر مكانه أبا الحسن ذكاء الأعور، وقدم منتصف صفر من سنة ثلاث فلم يزل واليا عليها إلى أن توفي سنة سبع وثلاثمائة لأربع سنين من ولايته

** (ولاية تكين الخزري ثانية) **

لما صرف المقتدر ذكاء، ولى مكانه أبا منصور تكين الخزري ولاية ثانية، فقدم في شعبان سنة سبع وثلاثمائة وكان عبيد الله المهدي قد جهز العساكر مع ابنه أبي القاسم، ووصل إلى الإسكندرية في ربيع من سنة سبع وثلاثمائة وملكها. ثم سار إلى مصر وملك الجزيرة والأشمونين من الصعيد وما إليه، وكتب أهل مكة بطاعته، وبعث المقتدر من بغداد مؤنسا الخادم في العساكر فواقع أبا القاسم عدة وقعات، وجاء الأسطول من إفريقية إلى الإسكندرية في ثمانين مركبا مددا لأبي القاسم، وعليه سليمان بن الخادم، ويعقوب الكتامي، فسار إليهم في أسطول طرسوس في خمسة وعشرين مركبا، وفيها النفط والمدد، وعليها أبو اليمن، فالتقت العساكر في الأساطيل في مرسى رشيد، فظفر أسطول طرسوس بأسطول إفريقية وأسر كثير منهم. وقتل بعضهم وأطلق البعض، وأسر سليمان الخادم فهلك في محبسه بمصر، وأسر يعقوب الكتامي وحمل إلى بغداد فهرب منها إلى إفريقية، واتصل الحرب بين أبي القاسم ومؤنس، وكان الظفر لمؤنس، ووقع الغلاء والوباء في عسكر أبي القاسم ففني كثير منهم بالموت.

ووقع الموتان في الخيل فعاد العسكر إلى المغرب، واتبعهم عساكر مصر حتى أبعدوا فرجعوا عنهم. ووصل أبو القاسم إلى القيروان منتصف السنة. ورجع مؤنس إلى بغداد وقدم تكين إلى مصر كما مر، ولم يزل واليا عليها إلى أن صرف في ربيع من سنة تسع وثلاثمائة

** (ولاية أحمد بن كيغلغ) **

ولاه المقتدر بعد هلال بن بدر، فقدم في جمادى وصرف لخمسة أشهر من ولايته.

وأعيد تكين المرة الثالثة، فقدم في عاشوراء سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة، وأقام واليا عليها تسع سنين إلى أن توفي في منتصف ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة.

وفي أيامه جدد المقتدر عهده لابنه أبي العباس على بلاد المغرب ومصر والشام،

واستخلف له مؤنسا، وذلك سنة ثمان عشرة وثلاثمائة. وقال ابن الأثير: وفي سنة إحدى وعشرين توفي تكين الخزري بمصر فولي عليها مكانه ابنه محمد، وبعث له القاهر بالخلع وثار به الجند فظفر بهم انتهى.

** (ولاية أحمد بن كيغلغ الثانية) **

ولاه القاهر في شوال سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة بعد أن كان ولى محمد بن طغج، وهو عامل دمشق وصرفه لشهر من ولايته قبل أن يتسلم العمل، ورده إلى أحمد بن كيغلغ كما قلناه، فقدم مصر في رجب سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ثم عزل آخر رمضان من سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة وولي الراضي الخليفة بأن يدعى على المنبر باسمه ويزاد في ألقابه الإخشيد فقام بولاية مصر أحسن قيام ثم انتزع الشام من يده كما يذكر.

** (استيلاء ابن رائق على الشام من يد الإخشيد) **

كان محمد بن رائق أمير الأمراء ببغداد وقد مر ذكره. ثم نازعه مولاه تحكم [1] وولي مكانه سنة ست وعشرين وثلاثمائة وهرب ابن رائق ثم استتر ببغداد، واستولى عليها، ورجع الخليفة من تكريت بعد أن كان قدم تحكم، ثم كتب إليه واسترده، وقد عقد الصلح مع ناصر الدولة بن حمدان من قبل أن يسمع بخبر بن رائق. ثم عادوا جميعا إلى بغداد، وراسلهم ابن رائق مع أبي جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد في الصلح، فأجيب وقلده الراضي طريق الفرات وديار مضر التي هي حران والرها وما جاورهما، وجند قنسرين والعواصم، فسار إليها واستقر بها. ثم طمحت نفسه سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة إلى ملك الشام، فسار إلى مدينة حمص فملكها، وكان على دمشق بدر بن عبد الله مولى الإخشيد ويلقب بتدبير فملكها ابن رائق من يده. وسار إلى الرملة يريد مصر. وبرز الإخشيد من مصر فالتقوا بالعريش وأكمن له

الإخشيد، ثم التقيا فانهزم الإخشيد أولا، وملك أصحاب ابن رائق سواده ونزلوا في خيامهم، ثم خرج عليهم كمين الإخشيد فانهزموا، ونجا ابن رائق إلى دمشق في فل من أصحابه. فبعث إليه الإخشيد أخاه أبا نصر بن طغج في العسكر، فبرز إليهم ابن رائق وهزمهم، وقتل أبو نصر في المعركة، فبعث ابن رائق شلوه إلى مصر مع ابنه مزاحم بن محمد بن رائق وكتب إليه بالعزاء والاعتذار، وأن مزاحما في فدائه، فخلع عليه ورده إلى أبيه. وتم الصلح بينهما على أن تكون الشام لابن رائق ومصر للإخشيد، والتخم بينهما للرملة. وحمل الإخشيد عنها مائة وأربعين ألفا كل سنة، وخرج الشام عن حكم الإخشيد وبقي في عمالة ابن رائق إلى أن قتل تحكم والبريدي.

وعاد ابن رائق من الشام إلى بغداد، فاستدعاه المتقي وصار أمير الأمراء بها، فاستخلف على الشام أبا الحسن علي بن أحمد بن مقاتل. ولما وصل إلى بغداد قاتله كورتكين القائم بالدولة فظفر به، وحبسه، وقاتل عامة أصحابه من الديلم. وزحف إليهم البريدي من واسط سنة ثلاثين وثلاثمائة فانهزم المتقي وابن رائق، وسار إلى الموصل وكان المتقي قد استنجد ناصر الدولة بن حمدان، فبعث إليه أخاه سيف الدولة ولقيه المتقي بتكريت، ورجع معه إلى الموصل، وقتل ناصر الدولة بن حمدان محمد بن رائق، وولي إمارة الأمراء للمتقي. فلما سمع الإخشيد بمقتل ابن رائق سار إلى دمشق، ثم استولى يوسف بعد ذلك عليها سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وولى ناصر الدولة بن حمدان في ربيع سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة على أعمال ابن رائق كلها، وهي طريق الفرات وديار مضر وجند قنسرين والعواصم وحمص أبا بكر محمد بن علي بن مقاتل، وأنفذه إليها من الموصل في جماعة من القواد. ثم ولى بعده في رجب ابن عمه أبا عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان على تلك الأعمال، وامتنع أهل الكوفة من طاعته فظفر بهم وملكها. وسار إلى حلب، وكان المتقي قد سار إلى الموصل سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة مغاضبا الأمراء توزون فأقام بالموصل عند بني حمدان. ثم سار إلى الرقة فأقام بها، وكتب إلى الإخشيد يشكو إليه ويستقدمه، فأتاه من مصر، ومر بحلب فخرج عنها الحسين بن سعيد بن حمدان، وتخلف عنه أبو بكر بن مقاتل للقاء الإخشيد فأكرمه، واستعمله على خراج مصر. وولى على حلب يأنس المؤنسي. وسار الإخشيد من حلب إلى الرقة في محرم سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة وأهدى له ولوزيره الحسين بن مقلة وحاشيته، وأشار عليه بالمسير إلى مصر

والشام ليقوم بخدمته فأبى فخوفه من تورون، وأن يلزم الرقة. وكان قد أنفذ رسله إلى تورون في الصلح وجاءوه بالإجابة فلم يعرج على شيء من إشارته. وسار إلى بغداد وانصرف الإخشيد إلى مصر وكان سيف الدولة بالرقة معهم فسار إلى حلب وملكها.

ثم سار إلى حمص وبعث الإخشيد عساكره إليها مع كافور مولاه، فلقيهم سيف الدولة إلى قنسرين، والتقيا لك وتحاربا، ثم افترقا على منعة وعاد الإخشيد إلى دمشق وسيف الدولة إلى حلب، وذلك سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة وسارت الروم إلى حلب وقاتلهم سيف الدولة فظفر بهم.

** (وفاة الإخشيد وولاية ابنه أنوجور واستبداد كافور عليه واستيلاء سيف الدولة على دمشق) **

ثم توفي الإخشيد أبو بكر بن طغج بدمشق سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وقيل خمس وولي مكانه أبو القاسم أنوجور وكان صغيرا فاستبد عليه كافور، وسار من دمشق إلى مصر فخالفه سيف الدولة، فسار إلى حلب، وزحف أنوجور في العساكر إليه فعبر سيف الدولة إلى الجزيرة، وحاصر أنوجور حلب أياما. ثم وقع الصلح بينهما، وعاد سيف الدولة إلى حلب وأنوجور إلى مصر، ومضى كافور إلى دمشق وولى عليها بدرا الإخشيدي المعروف بتدبير [1] ، فرجع إلى مصر فأقام يدبر بها سنة، ثم عزل عنها وولي أبو المظفر طغج وقبض على تدبير.

** (وفاة أنوجور ووفاة أخيه علي واستبداد كافور عليه) **

ثم علت سن أبي القاسم أنوجور، ورام الاستبداد بأمره وإزالة كافور فشعر به وقتله فيما قيل مسموما سنة [2] ونصب أخاه عليا للأمر في كفالته، وتحت استبداده إلى أن هلك.

** (وفاة علي بن الإخشيد وولاية كافور) **

ثم توفي علي بن الإخشيد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة فأعلن كافور بالاستبداد بالأمر دون بني الإخشيد. وركب بالمظلة وكتب له المطيع بعهده على مصر والشام والحرمين وكناه العالي بالله، فلم يقبل الكنية، واستوزر أبا الفضل جعفر بن الفرات، وكان من أعاظم الملوك جوادا ممدوحا سيوسا كثير الخشية لله والخوف منه. وكان يداري المعز صاحب المغرب ويهاديه، وصاحب بغداد وصاحب اليمن، وكان يجلس للمظالم في كل سبت إلى أن هلك.

** (وفاة كافور وولاية أحمد بن علي بن الإخشيد) **

ثم توفي كافور منتصف سبع وخمسين وثلاثمائة لعشرة سنين وثلاثة أشهر من استبداده.

منها سنتان وأربعة أشهر مستقلا من قبل المطيع، وكان أسود شديد السواد واشتراه الإخشيد بثمانية عشر دينارا. ولما هلك اجتمع أهل الدولة وولوا أحمد بن علي بن الإخشيد وكنيته أبو الفوارس، وقام بتدبير أمره الحسن ابن عمه عبد الله بن طغج، وعلى العساكر شمول مولى جده، وعلى الأموال جعفر بن الفضل، واستوزر كاتبه جابر الرياحي. ثم أطلق ابن الفرات بشفاعة ابن مسلم الشريف، وفوض أمر مصر إلى ابن الرياحي.

** (مسير جوهر الى مصر وانقراض دولة بني طغج) **

ولما فرغ المعز لدين الله من شواغل المغرب بعث قائده جوهر الصقلي الكاتب إلى مصر، وجهزه في العساكر، وأزاح عللها. وسار جوهر من القيروان إلى مصر، ومر ببرقة وبها أفلح مولى المعز فلقيه، وترجل له فملك الإسكندرية، ثم الجيزة. ثم أجاز إلى مضر وحاصرها، وبها أحمد بن علي بن الإخشيد وأهل دولته. ثم افتتحها سنة

ثمان وخمسين وثلاثمائة وقتل أبا الفوارس، وبعث بضائعهم وأموالهم إلى القيروان صحبة الوفد من مشيخة مصر وقضاتها وعلمائها، وانقرضت دولة بن طغج، وأذن سنة تسع وخمسين في جامع ابن طولون بحي على خير العمل. وتحولت الدعوة بمصر للعلوية، واختط جوهر مدينة القاهرة في موضع العسكر. وسير جعفر بن فلاح الكتامي إلى الشام فغلب القرامطة عليه كما تقدم ذلك في أخبارهم.

** (الخبر عن دولة بني مروان بديار بكر بعد بني حمدان ومبادي أمورهم وتصاريف أحوالهم) **

كان حق هذه الدولة أن نصل ذكرها بدولة بني حمدان كما فعلنا في دولة بني المقلد بالموصل، وبني صالح بن مرداس بحلب، لأن هذه الدول الثلاث إنما نشأت وتفرعت عن دولتهم، إلا أن بني مروان هؤلاء ليسوا من العرب، وإنما هم من الأكراد فأخرنا دولتهم حتى ننسقها مع العجم. ثم أخرناها عن دولة بني طولون لأن دولة بني طولون متقدمة عنها في الزمن بكثير. فلنشرع الآن في الخبر عن دولة بني مروان وقد كان تقدم لنا خبر باد الكردي واسمه الحسين بن دوشك، وكنيته أبو عبد الله وقيل كنيته أبو شجاع، وأنه خال أبي علي بن مروان الكردي، وأنه تغلب على الموصل وعلى ديار بكر، ونازع فيها الديلم ثم غلبوه عليها وأقام بجبال الأكراد. ثم مات عضد الدولة وشرف الدولة. ثم جاء أبو طاهر إبراهيم وأبو عبد الله الحسن إلى الموصل فملكاها. ثم حدثت الفتنة بينهما وبين الديلم وطمع باد في ملك الموصل، وهو بديار بكر فسار إلى الموصل فغلبه ابنا ناصر الدولة، وقتل في المعركة، وقد مر الخبر عن ذلك كله. فلما قتل خلص ابن أخته أبو علي بن مروان من المعركة، ولحق بحصن كيفا، وبه أهل باد وذخيرته، وهو من أمنع المعاقل فتحيل في دخوله بأن خاله أرسله، واستولى عليه وتزوج امرأة خاله. ثم سار في ديار بكر فملك جميع ما كان لخاله باد. وزحف إليه ابنا حمدان وهو يحاصر ميافارقين فهزمهما. ثم رجعا إليه وهو يحاصر آمد فهزمهما ثانيا، وانقرض أمرهما من الموصل، وملك أبو علي بن مروان ديار بكر وضبطها، واستطال عليه أهل ميافارقين، وكان شيخها أبو الأصغر فتركهم يوم العيد حتى اصحروا وكبسهم بالصحراء، وأخذ أبا الأصغر فألقاه من السور،

ونهب الأكراد عامة البلد، وأغلق أبو علي الأبواب دونهم، ومنعهم من الدخول فذهبوا كل مذهب، وذلك كله سنة ثمانين وثلاثمائة.

** (مقتل أبي علي بن مروان وولاية أخيه أبي منصور) **

كان أبو علي بن مروان قد تزوج بنت سعد الدولة بن سيف الدولة، وزفت إليه من حلب وأراد البناء بها بآمد فخاف شيخها أن يفعل به وبهم ما فعل في ميافارقين فحذر أصحابه منه، وأشار عليهم أن ينثروا الدنانير والدراهم إذا دخل، ويقصدوا بها وجهه فيضربوه فكان كذلك. ثم أغفله وضرب رأسه واختلط أصحابه، فرمى برأسه إليهم، وكر الأكراد راجعين إلى ميافارقين فاستراب بهم مستحفظها أن يملكوها عليه، ومنعهم من الدخول. ثم وصل مهد الدولة أبو منصور بن مروان أخو أبي علي إلى ميافارقين فأمكنه المستحفظ من الدخول فملكه، ولم يكن له فيه إلا السكة والخطبة، ونازعه أخوه أبو نصر فأقام بها مضيقا عليه فغلبه أبو منصور، وبعثه إلى قلعة أسعرد فأقام بها مضيقا عليه وأما آمد فتغلب عليها عبد الله شيخهم أياما، وزوج بنته من ابن دمنة الذي تولى قتل أبي علي بن مروان فقتله ابن دمنة، وملك آمد وبنى لنفسه قصرا ملاصقا للسور. وأصلح أمره مع مهد الدولة بالطاعة. وهادي ملك الروم وصاحب مصر وغيرهما من الملوك، وانتشر ذكره.

** (مقتل مهد الدولة بن مروان وولاية أخيه أبي نصر) **

ثم إن مهد الدولة [1] أقام بميافارقين، وكان قائده شروة متحكما في دولته. وكان له مولى قد ولاه الشرطة. وكان مهد الدولة يبغضه ويهم بقتله مرارا. ثم يتركه من أجل شروة، فاستفسد مولاه شروة على مهد الدولة لحضوره. فلما حضر عنده قتله وذلك سنة اثنتين وأربعمائة ثم خرج على أصحابه وقرابته يقبض عليهم كأنه بأمر مهد الدولة ثم مضى الى ميافارقين ففتحوا له يظنونه مهد الدولة فملكها، وكتب إلى أصحاب

القلاع يستدعيهم على لسان مهد الدولة، وفيهم خواجا أبو القاسم صاحب أرزن الروم، فسار إلى ميافارقين، ولم يسلم القلعة لأحد. وسمع في طريقه بقتل مهد الدولة فرجع من الطريق إلى أرزن الروم، وأحضر أبا نصر بن مروان من أسعرد، وجاء به إلى أبيهم مروان. وكان قد أضر ولزم قبر ابنه أبي علي بأرزن هو وزوجته فأحضره خواجا عنده، واستحلفه عند أبيه وقبر أخيه، وملك أرزن. وبعث شروة من ميافارقين إلى أسعرد عن أبي نصر بن مروان، ففاته إلى أرزن، فأيقن بانتقاض أمره. ثم ملك أبو نصر سائر ديار بكر، ولقب نصير الدولة، ودامت أيامه. وأحسن السيرة وقصده العلماء من سائر الآفاق وكثروا عنده. وكان ممن قصده أبو عبد الله الكازروني، وعنه انتشر مذهب الشافعي بديار بكر، وقصده الشعراء ومدحوه وأجزل جوائزهم. وأقامت الثغور معه آمنة، والرعية في أحسن ملكة إلى أن توفي.

** (استيلاء نصير الدولة بن مروان على الرها) **

كانت مدينة الرها بيد عطير، وكاتبوا أبا نصر بن مروان أن يملكوه فبعث نائبة بآمد ويسمى زنك فملكها، واستشفع عطير بصالح بن مرداس صاحب حلب إلى ابن مروان فأعطاه نصف البلد، ودخل إلى نصير الدولة بميافارقين فأكرمه، ومضى إلى الرها فأقام بها مع زنك. وحضر بعض الأيام مع زنك في صنيع، وحضر ابن النائب الذي قتله فحمله زنك على الأخذ بثأره فاتبعه لما خرج، ونادى بالثأر واستنفر أهل السوق فقتلوه في ثلاثة نفر. وكمن له بنو نمير خارج البلد وبعثوا من يغير منهم عليها، فخرج زنك في العسكر. ولما جاوز الكمين خرجوا عليه وقاتلوه وأصابه حجر فمات من ذلك فاتح ثمان عشرة وأربعمائة وخلصت الرها لنصير الدولة. ثم شفع صالح بن مرداس في ابن عطير وابن شبل فرد إليهما البلد إلى أن باعه ابن عطير من الروم كما يأتي.

** (حصار بدران بن مقلد نصيبين) **

كانت نصيبين لنصير الدولة بن نصر بن مروان، فسار إليها بدران بن المقلد في جموع

بني عقيل، وحاصرها فظهر على العساكر الذين بها، وأمدهم نصير الدولة بعسكر آخر، فبعث بدران من اعترضهم في طريقهم وهزمهم، فاحتفل ابن مروان في الاحتشاد وبعث العساكر إلى نصيبين، فخرجوا عليه فهزموه أولا. ثم كر عليهم ففتك فيهم، وأقام يقاتلهم حتى سمع بأن أخاه قرواش وصل إلى الموصل فخشي منه وارتحل عنها.

** (دخول الغز الى ديار بكر) **

هؤلاء الغز من طوائف الترك، وهم الشعب الذين منهم السلجوقية، وقد تقدم لنا كيف أجازوا إلى خراسان لما قبض محمد بن سبكتكين على أرسلان بن سلجق منهم فحبسه، وما ظهر من فسادهم في خراسان وكيف أوقع بهم مسعود بن سبكتكين من بعد أبيه محمود، ففروا إلى الذين يريدون أذربيجان واللحاق بمن تقدم منهم هنالك، ويسمون العراقية بعد أن عاثوا في همذان وقزوين وأرمينية. وعاث الآخرون في أذربيجان وقتل وهشوذان صاحب تبريز منهم جماعة. ثم عاثوا في الأكراد واستباحوهم. ثم جاءهم الخبر بأن نيال إبراهيم أخا السلطان طغرلبك سار إلى الري فأجفلوا منها سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة ووصلوا أذربيجان واتصلت الأخبار بأن نيال في أثرهم، فأجفلوا ثانيا خوفا منه، لأنهم كانوا له ولإخوته رعية. ولما أجفلوا سلك بهم الدليل في الجبال على الزوزان [1] ، وأسهلوا إلى جزيرة ابن عمر، فسار بعضهم إلى ديار بكر، ونهبوا قزوين ويا زيدي [2] والحسنية، وبقي آخرون بالجانب الشرقي من الجزيرة، وسار آخرون إلى الموصل. وكان سليمان بن نصير الدولة قيما بها فراسلهم في الصلح على أن يسير معهم إلى الشام فقبلوا. ثم صنع سليمان صنيعا ودعا إليه ابن غرغلي [3] وقبض عليه وحبسه. وأجفل الغز في كل ناحية واتبعهم عساكر نصير الدولة وقرواش والأكراد البثنوية [4] . ثم قصدت العرب العراق للمشتى،

وعاد الغز الى جزيرة ابن عمر فحصروها، وخربوا ديار بكر نهبا وقتلا. وصانعهم نصير الدولة بإطلاق منصور بن غرغلي الذي حبسه سليمان فلم يكف إطلاقه من فسادهم، وساروا إلى نصيبين وسنجار والخابور، ودخل قرواش الموصل كما نبهنا، واتبعه طائفة منهم فكان من خبره معهم ما قدمناه في أخباره.

** (مسير الروم الى بلد ابن مروان ثم فتح الرها) **

ولما كانت الدعوة العلوية قد انتشرت في الشام والجزيرة، وكان سبب ذلك أن وثابا النميري صاحب حران والرقة يخطب لهم، فلما ولي الوزيري للعلويين على الشام، بعث إلى ابن مروان بالتهديد، وأنه يسير إلى بلاده، فاستمد ابن مروان قرواش صاحب الموصل وشبيب بن وثاب صاحب الرقة، ودعاهما إلى الموافقة، وقطع الدعوة العلوية، فأجابوه وخطبوا للقائم وقطعوا الخطبة للمستنصر، وذلك سنة ثلاثين وأربعمائة. فقام الوزيري في ركائبه وتهددهم، وأعاد ابن وثاب خطبة العلوية بحران في ذي الحجة آخر السنة.

** (مقتل سليمان بن نصير الدولة) **

كان نصير الدولة قد ولى ابنه سليمان، (ويكنى أبا حرب) الأمور وكان يحاوره في الجزيرة بشرموشك بن المحلي زعيم الأكراد في حصون له هنالك منيعة، ووقعت بينهما منافرة. ثم استماله سليمان ومكر به، وكان الأمير أبو طاهر البثنوي صاحب قلعة فنك وغيرها، وهو ابن أخت نصير الدولة، وكان صديقا لسليمان فكان مما استماله به موشك أن زوجه بابنة أبي طاهر فاطمأن موشك إلى سليمان، وسار إلى غزو الروم بأرمينية. وأمده نصير الدولة ابن مروان بالعساكر والهدايا، وقد كان خطب له من قبل ذلك، وأطاعه فشفع عنده في موشك فقتله سليمان، وقال لطغرلبك أنه مات.

وشكر له أبو طاهر حيث كان صهره واتخذها ذريعة إلى قتله، فخافه سليمان، وتبرأ إليه مما وقع فأظهر القبول، وطلب الاجتماع من حصنه فنك لذلك. وخرج سليمان

إليه في قلة من أصحابه فقتله عبيد الله وأدرك من ثأر أبيه وبلغ الخبر إلى نصير الدولة فبادر بابنه نصير، وبعث معه العساكر لحماية الجزيرة. وسمع قريش بن بدران صاحب الموصل فطمع في ملك جزيرة ابن عمر فسار إليها، واستمال الأكراد الحسنية والبثنوية، واجتمعوا على قتال نصير بن مروان فأحسن المدافعة عن بلده، وقاتلهم وجرح قريش جراحا عديدة، ورجع إلى الموصل وأقام نصير بن مروان بالجزيرة والأكراد على خلافه.

** (مسير طغرلبك الى ديار بكر) **

ولما انصرف طغرلبك من الموصل وملكها وفر قريش عنها ثم عاود الطاعة وذلك سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، فسار طغرلبك بعدها إلى ديار بكر وحاصر جزيرة ابن عمر.

وكان ابن مروان في خدمته وهداياه مترادفة عليه في مسيره، الى الموصل وعوده.

فبعث إليه بالمال مفاداة عن الجزيرة، ويذكر ما هو بصدده من الجهاد وحماية الثغر فأفرج عنه طغرلبك، وسار إلى سنجار كما ذكرناه في أخبار قريش.

** (وفاة نصير الدولة [1] بن مروان وولاية ابنه نصر) **

وفي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة توفي نصير الدولة أحمد بن مروان الكردي صاحب ديار بكر، وكان لقبه القادر بالله، ومات لاثنتين وخمسين سنة من ولايته. وكان قد عظم استيلاؤه، وتوفرت أمواله، وحسن في عمارة الثغور وضبطها أثره [2] . وكان يهادي السلطان طغرلبك بالهدايا العظيمة، ومنها حبل الياقوت الذي كان لبني بويه، اشتراه من أبي منصور بن جلال الدولة، وأرسل معه مائة ألف دينار فحسنت حاله عنده وكان يناغي [3] عظماء الملوك في الترف، فيشتري الجارية بخمسمائة دينار

وأكثر. واجتمع عنده منهن للافتراش والاستخدام أزيد من ألف. واقتنى من الأواني والآلات ما تزيد قيمته على مائتي ألف دينار. وجمع في عصمته بنات الملوك، وأرسل طباخين الى الديار المصرية، وأنفق عليهم جملة حتى تعلموا الطبخ هنالك. ووفد عليه أبو القاسم بن المغربي من أهل الدولة العلوية بمصر، وفخر الدولة بن جهير من الدولة العباسية، فأقبل عليهما واستوزرهما. ووفد عليه الشعراء فوصلهم، وقصده العلماء فحمدوا عنده مقامهم، ولما توفي في [1] كان الظفر فيها لنصر واستقر بميافارقين ومضى أخوه سعيد إلى آمد فملكها واستقر الحال بينهما على ذلك.

** (وفاة نصر بن نصير الدولة وولاية ابنه منصور) **

ثم توفي نظام الدين نصر بن نصير الدولة في ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة وولي ابنه منصور، ودبر دولته ابن الأنباري، ولم يزل في ملكه إلى أن قدم ابن جهير وملك البلاد من يده.

** (مسير ابن جهير إلى ديار بكر) **

كان فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد بن جهير من أهل الموصل، واستخدم لجارية قراوش ثم لأخيه بركة، وسار عنه بالعوائد إلى ملك الروم. ثم استخدم لقريش بن بدران وأراد حبسه، فاستجار ببعض بني عقيل، ومضى إلى حلب فوزر لمعز الدولة أبي ثمال بن صالح. ثم مضى إلى عطية ولحق منها بنصير الدولة بن مروان، واستوزره وأصلح حال دولته. ولما توفي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة دبر أمر ابنه نصر القائم بعده. ثم هرب إلى بغداد سنة أربع وخمسين وأربعمائة استدعى منها للوزارة فوزر بعد محمد بن منصور بن دؤاد. ثم تداول العزل والولاية مرات هو وابنه عميد الملك، واستخدم لنظام الملك والسلطان طغرلبك. وكان شفع عند الخليفة، فلما

عزل ابنه آخرا بعث عنه السلطان ونظام الملك وعن ابنه وجميع أقاربه، وسار إليه بأصفهان ولقاه مبرة وتكريما. وبعثه في العساكر لفتح ديار بكر، وأخذها من يد بني مروان، وأعطاه الآلات وأذن له أن يخطب لنفسه بعد السلطان، وينقش اسمه على السكة فسار لذلك سنة ست وسبعين وأربعمائة.

** (استيلاء ابن جهير على آمد) **

قد ذكرنا مسير فخر الدولة بن جهير في العساكر إلى ديار بكر، ثم أمده السلطان سنة سبع وسبعين وأربعمائة بأرتق بن أكسك [1] في العساكر. واستنجد نصر بن مروان شرف الدولة مسلم بن قريش على أن يعطيه آمد فأنجده، وسار لمظاهرته فأقصر فخر الدولة بن جهير عن حربهم عصبة للعرب. وخالفه أرتق وسار في الترك إليهم وهزمهم، ولحق مسلم بآمد وحاصره بها فبذل المال لأرتق. وخلص من أمره، ولحق بالرقة وسار ابن جهير إلى ميافارقين فرجع عنه منصور بن مزيد وابنه صدقة ومن معهما من العرب. وسار فخر الدولة المعروف بالقرم فنزل عليها، وشد حصارها ونزل يوما بعض الحامية من السور، وأخلى مكانه فوقف فيه بعض العامة، ونادى بشعار السلطان، واتبعه سائر الحامية بالسور. وبعثوا إلى زعيم الرؤساء ابن جهير فركب إليهم وملك البلد. وذلك سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. ونصب أهل البلد بيوت النصارى الذين كانوا يستخدمون لبني مروان في الجبايات، وانتقموا منهم، والله أعلم.

** (استيلاء ابن جهير على ميافارقين وجزيرة ابن عمر وانقراض دولة بني مروان) **

كان فخر الدولة بن جهير لما بعث ابنه إلى آمد، سار هو إلى ميافارقين، وأقام على حصارها منذ سنة سبع وسبعين وأربعمائة وجاءه سعد الدولة كوهرايين مددا واشتد الحصار، وانثلم السور في بعض الأيام فنادى أهلها بشعار ملك شاه. ودخل فخر

الدولة وملك البلد، واستولى على أموال بني مروان وذخائرهم، وبعثها إلى السلطان ملك شاه مع ابنه زعيم الرؤساء، فوصل أصفهان في شوال سنة ثمان وسبعين وأربعمائة وسار فخر الدولة وكوهرايين إلى بغداد، وكان قد بعث عسكرا لحصار جزيرة ابن عمر، فحصروها، وثار بها أهل بيت من أعيانها يعرفون ببني رهان، وفتحوا بابا صغيرا للبلد كان منفذا للرجالة، وأدخلوا العسكر منه، وملكوه بدعوة السلطان ملك شاه. وانقرضت دولة بني مروان ولحق منصور بن نظام الدين نصر بن نصير الدولة بالجزيرة، وأقام في إيالة الغز. ثم قبض عليه جكرمش وحبسه بدار يهودي فمات بها سنة تسع وثمانين وأربعمائة والبقاء لله وحده.

** (الخبر عن دولة بني الصفار ملوك سجستان المتغلبين على خراسان ومبادي أمورهم وتصاريف أحوالهم) **

كان أهل هذه الدولة قوما اجتمعوا بنواحي سجستان، ونصبوا لقتال الخوارج الشراة بتلك الناحية عند ما اضطربت الدولة ببغداد لقتل المتوكل، وسموا أنفسهم المتطوعة، وكان اجتماعهم على صالح بن نصر الكناني، ويقال له صالح المتطوعي وصحبه جماعة منهم درهم بن الحسن ويعقوب بن الليث الصفار وغلبوا على سجستان وملكوها. ثم سار إليهم طاهر بن عبد الله أمير خراسان وغلبهم عليها وأخرجهم منها. ثم هلك صالح أثر ذلك، وقام بأمره في المتطوعة درهم بن الحسن فكثر أتباعه. وكان يعقوب بن الليث قائده، وكان درهم مضعفا فتحيل صاحب خراسان عليه حتى ظفر به، وبعثه إلى بغداد فحبس بها، واجتمع المتطوعة على يعقوب بن الليث قائده، وكان درهم يكاتب المعتز يسأله ولايتها، وأن يقلده حرب الخوارج فكتب له بذلك، وأحسن الغناء في حرب الشراة، وتجاوزه إلى سائر أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم سار من سجستان إلى خراسان سنة ثلاث وخمسين ومائتين وعلى الأنبار ابن أوس فجمع لمحاربة يعقوب. وسار إليهم في التعبية، فاقتتلوا وانهزم ابن أوس، وملك يعقوب هراة وبوشنج، وعظم أمره، وهابه صاحب خراسان وغيرها من الأطراف.

** (استيلاء يعقوب الصفار على كرمان ثم على فارس وعودها) **

كان على فارس علي بن الحسين بن شبل، وكتب إلى المعتز يطلب كرمان، ويذكر عجز ابن طاهر عنها. وكان قد أبطأ عن حرب الخوارج فكتب له المعتز بولاية كرمان، وكتب ليعقوب الصفار أيضا بولايتها بقصد التضريب بينهما لتتمحص طاعتهما أو طاعة أحدهما. فأرسل علي بن الحسين من فارس على كرمان طوق بن المفلس من أصحابه فسبق إليه يعقوب وملكها. وجاء يعقوب فأقام قريبا منها شهرين يترقب خروج طوق إليه. ثم ارتحل الى سجستان ووضع طوق أوزار الحرب، وأقبل على اللهو واتصل ذلك بيعقوب في طريقه فكر راجعا، وأغذ السير ودخل كرمان، وحبس طوقا. وبلغ الخبر إلى علي بن الحسين وهو على شيراز فجمع عسكره ونزل مضيق شيراز. وأقبل يعقوب حتى نزل قبالته، والمضيق متوعر بين جبل ونهر ضيق المسلك بينهما فاقتحم يعقوب النهر بأصحابه، وأجاز إلى علي بن الحسين وأصحابه فانهزموا.

وأخذ علي بن الحسين أسيرا، واستولى على سواده، ودخل شيراز وملكها وجبى الخراج وذلك سنة خمس وخمسين ومائتين وقيل قد وقع بينهما بعد عبور النهر حروب شديدة، وانهزم آخرها علي وكان عسكره نحوا من خمسة عشر ألفا من الموالي والأكراد، فرجعوا منهزمين إلى شيراز آخر يومهم، وازدحموا في الأبواب، وبلغ القتلى منهم خمسة آلاف. ثم افترقوا في نواحي فارس وانتهبوا الأموال. ولما دخل يعقوب شيراز وملك فارس امتحن عليا وأخذ منه ألف بدرة ومن الفرش والسلاح والآلة ما لا يحصى، وكتب للخليفة بطاعته، وأهدى هدية جليلة منها عشرة بازات بيض، وباز أبلق صيني، ومائة نافجة من المسك، وغير ذلك من الطرف، ورجع إلى سجستان ومعه علي وطوق في اعتقاله، ولما فارق فارس بعث المعتز عماله إليها.

** (ولاية يعقوب الصفار على بلخ وهراة) **

ولما انصرف يعقوب عن فارس ولى عليها المعتز من قبله، والخلفاء بعده، وليها

الحرث بن سيما، فوثب به محمد بن واصل بن إبراهيم التميمي من رجال العرب، وأحمد بن الليث من الأكراد الذين بنواحيها فقتلاه، واستولى ابن واصل على فارس سنة ست وخمسين ومائتين وأظهر دعوة المعتمد، وبعث عليها المعتمد الحسين بن الفياض، فسار إليه يعقوب بن الليث سنة سبع وخمسين ومائتين. وكتب إليه المعتمد بالنكير على ذلك. وبعث إليه الموفق بولاية بلخ وطخارستان فملكها، وخرب المباني التي بناها داود بن العباس بظاهر بلخ، وتسمى بأساديانج. ثم سار إلى كابل واستولى عليها، وقبض على رتبيل [1] ، وبعث بالأصنام التي أخذها من كابل، وملك البلاد إلى المعتمد. وأهدى إليه هدية جليلة المقدار، وعاد إلى بست معتزما على العود إلى سجستان فاحفظه بعض قواده بالرحيل قبله فغضب، وأقام منه إلى سجستان. ثم سار إلى خراسان وملك هراة. ثم إلى بوشنج فملكها وقبض على عاملها الحسين بن علي بن طاهر الكبير، وكان كبير بيتهم، وشفع له فيه محمد بن طاهر صاحب خراسان فأبى من إسعافه، وبقي في قلبه، وولى على هراة وبوشنج وباذغيس ورجع إلى سجستان.

** (استيلاء الصفار على خراسان وانقراض أمر بني طاهر) **

كان بسجستان عبد الله السجزي ينازع يعقوب بن الليث، فلما قوي يعقوب واستفحل، سار عبد الله إلى خراسان، وطمع في ملكها، وحاصر محمد بن طاهر في كرسي ولايته نيسابور. ثم تردد الفقهاء بينهم في الصلح حتى تم بينهما، وولاه محمد الطبسين وقهستان. ثم بعث يعقوب إلى محمد في طلبه فأجاره، وأحفظ ذلك يعقوب فسار إلى محمد بنيسابور، فخام محمد عن لقائه. ونزل يعقوب بظاهر نيسابور، وخرج إليه قرابة محمد وعمومته وأهل بيته، ودخل نيسابور واستعمل عليها، وذلك سنة تسع وخمسين ومائتين. وكتب إلى المعتمد بأن أهل خراسان استدعوه لعجز ابن طاهر وتفريطه في أمره. وغلبه العلوي على طبرستان فكتب إليه المعتمد بالنكير والاقتصار على ما بيده، وإلا سلك به سبيل المخالفين. وقيل في ملكه نيسابور غير

ذلك، وهو أن محمد بن طاهر لما أصاب دولته العجز والإدبار، كاتب بعض قرابته يعقوب بن الليث الصفار، واستدعوه فكتب يعقوب إلى محمد بن طاهر بمجيئه إلى ناحيته موريا بقصد الحسن بن زيد في طبرستان. وأن المعتمد أمره بذلك، وأنه لا يعرض لشيء من أمر خراسان. وبعث بعض قواده عينا عليه، وعنفه على الإهمال والعجز، وقبض على جميع أهل بيته نحوا من مائة وستين رجلا وحملهم جميعا إلى سجستان وذلك لإحدى عشرة سنة من ولاية محمد. واستولى يعقوب على خراسان وهرب منازعة عبد الله السجزي إلى الحسين بن يزيد صاحب طبرستان، وقد كان ملكها من لدن سنة إحدى وخمسين ومائتين، فأجاره الحسين وسار إليه يعقوب سنة ستين ومائتين، وحاربه فانهزم الحسين الى أرض الديلم، واعتصم بجبار طبرستان وملك يعقوب سارية وآمد ورجع في طلب السجزي إلى الري وتهدد العامل على دفعه إليه فبعث به وقتله يعقوب.

** (استيلاء الصفار على فارس) **

تقدم لنا تغلب محمد بن واصل على فارس سنة ست وخمسين ومائتين ومسير الصفار إليه سنة سبع وثلاثمائة ورجوعه عنها، وأنه أعاضه عنها ببلخ وطخارستان. ثم إن المعتمد أضاف فارس إلى موسى بن بغا مع الأهواز والبصرة والبحرين واليمامة، وما بيده من الأعمال، فولي موسى على فارس من قبله عبد الرحمن بن مفلح وبعثه إلى الأهواز وامده بطاشتمر. وزحفوا إلى ابن واصل وسار لحرب موسى بن بغا بواسط، فولى على الأهواز مكانه أبا الساج وأمره بمحاربة الزنج فبعث صهره عبد الرحمن لذلك، فلقيه علي بن أياز قائد الزنج، وهزمه وقتل. وملك الزنج الأهواز وعاثوا فيها وأديل من أبي الساج بإبراهيم بن سيما، وسار لحرب ابن واصل، واضطربت الناحية على موسى بن بغا فاستعفى من ولايتها، وأعفاه المعتمد وطمع يعقوب الصفار في ملك فارس، فسار من سجستان ممدا، ورجع ابن واصل من الأهواز إليه، وترك محاربة ابن سيما، وأغذ السير ليفجأه على بغتة، ففطن له الصفار وسار إليهم وفد أعيوا وتعبوا من شدة السير والعطش، ولما تراءى الجمعان تخاذل أصحاب ابن واصل وانهزموا من غير قتال، وغنم الصفار في معسكره وما كانوا أصابوا لابن

مفلح، واستولى على بلاد فارس ورتب بها العمال وأوقع بأهل ذم [1] لإعانتهم ابن واصل، وطمع في الاستيلاء على الأهواز وغيرها.

** (حروب الصفار مع الموفق) **

Source. Kitab al-'Ibar (كتاب العبر), Ibn Khaldun (d. 1406) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0808IbnKhaldun.Tarikh.Shamela0012320-ara1.mARkdown (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com