Islam · Chronicles · Kitab al-'Ibar
(الكتاب الثالث في أخبار البربر والأمة الثانية من أهل المغرب وذكر أوليتهم وأجيالهم ودولتهم منذ بدء الخليقة لهذا العهد ونقل الخلاف الواقع بين الناس في أنسابهم) — تتمة ٧
Kitab al-'Ibar · Ibn Khaldun (d. 1406) · chapter 58 of 67
هذا البلد بسكرة هو قاعدة وطن الزاب لهذا العهد، وحده من لدن قصر الدوسن بالمغرب إلى قصور هولة [1] وبادس في المشرق، يفصل بينه وبين البسيط الذي يسمونه الحضنة جبل جاتم من المغرب إلى المشرق، ذو ثنايا تفضي إليه من تلك الحضنة، وهو جبل درن المتصل من أقصى المغرب إلى قبلة برقة. ويعتمر بعض ذلك الجبل في محاذاة الزاب من غربيه بقايا عمرت من زناتة، ويتصل من شرقيه بجبل أوراس المطل على بسكرة المعترض في ذلك البسيط من القبلة إلى الجوف [2] .
وهو جبل مشهور الذكر يأتي الخبر عن بعض ساكنيه. وهذا الزاب وطن كبير يشتمل على قرى متعددة متجاورة جمعا جمعا، يعرف كل واحد منها بالزاب. وأولها زاب الدوسن، ثم زاب طولقة ثم زاب مليلة وزاب بسكرة وزاب تهودا وزاب بادس.
وبسكرة أم هذه القرى كلها، وكانت مشيختها في القديم بعد الأغالبة والشيعة لعهد صنهاجة ملوك القلعة من بني رمان من أهلها بما كثروا بساكنها. وملكوا عامة ضياعها. كان لجعفر بن أبي رمان منهم له صيت وشهرة.
وربما نقضوا الطاعة لعهد بلكين بن محمد بن حماد صاحب القلعة في سني خمسين وأربعمائة، وضبطوا البلد وامتنعوا. وتولى كبر ذلك جعفر بن أبي رمانة، ونازلتهم جيوش صنهاجة إلى نظر الوزير خلف بن أبي حديدة [3] من صنائع الدولة فاقتحمها عليهم، واحتملهم إلى القلعة فقتلهم بلكين جميعا، وجعلهم عظة لمن بعدهم.
وأصار الشوري لبني سندي من أهلها. وكان لعروس منهم بعد ذلك خلوص في الطاعة وانحياش إلى الدولة على حين تقلص ظلها وفشل ريحها، وألوى الهرم بشبابها.
وهو الذي فتك بالمنتصر بن خزرون الزناتي بعد وصوله من المشرق واجتلابه على السلطان بقومه من مغراوة أغرى بالأثبج [4] وبني عدي وبني هلال، فمكر به
السلطان وأقطعه ضواحي الزاب وريغه طعمة. ودس إلى عروس في الفتك به ففعل كما قدمنا ذكره في أخبار آل حماد. وانقرضت رياسة بني سندي بانقراض أمراء صنهاجة من إفريقية. وجاءت دولة الموحدين، والذكرة والبيت لبني زيان [1] .
وكان بنو مزني لفقا [2] من لفائق الأعراب، وصلوا إلى إفريقية أحلافا لطوالع بني هلال بن عامر في المائة الخامسة كما قدمنا.
ونسبهم بزعمهم في مازن من فزارة والصحيح أنهم في لطيف من الأثبج. ثم من بني جرى بن علوان بن محمد بن لقمان بن خليفة بن لطيف، واسم أبيهم مزنة بن ديفل بن محيا بن جرى، هكذا تلقيته من بعض الهلاليين، وشهد لذلك الموطئ، فإن أهل الزاب كلهم من أفاريق الأثبج عجزوا عن الظعن ونزلوا قراه على من كان بها قبلهم من زناتة وطوالع الفتح، وإنما ينزعون عن هذا النسب إلى فزارة لما صار إليه أهل الأثبج بالزاب من المغرم والوضائع، فيستنكفون لذلك وينتسبون إلى غرائب الأنساب. وكان أول نزولهم بقرية من قرى بسكرة وكانت تعرف بقرية حياس. ثم كثروا وتسايلوا وأخذوا مع أهل بسكرة بحظ وافر من تملك العقار والمياه.
ثم انتقلوا إلى البلد واستمتعوا منها بالمنزل والظلال، وقاسموا أهلها في الحلو والمر، وانتظم كبارهم في أرباب الشورى من المشيخة. ثم استنكف بنو زيان [3] من انتظامهم معهم وحسدوهم على ما آتاهم الله من فضله، وحذروهم من أنفسهم فاضطرمت بينهم نار العداوة والإحن، وكان أولها الكلام والترافع إلى سدة السلطان بتونس على حين استقلال أبي حفص بإفريقية، ولعهد الأمير أبي زكريا وابنه السلطان مستنصر.
ثم تناجزوا الحرب وتواقعوا بسكك المدينة وكانت صاغية الدولة مع بني زيان لقدمهم في البلد. ولما خرج الأمير أبو إسحاق على أخيه محمد المستنصر لأول بيعته، ولحق بالزواودة من العرب وبايع له موسى بن محمد بن مسعود البلط أمير البدو يومئذ، واعتمر به بسكرة وبلاد الزاب، وأناخ عليها بكلكله كما قدمناه. قام يومئذ فضل بن علي بن أحمد بن الحسن بن علي بن مزني بدعوته، وأعلن بين أهل البلد بطاعته
واتبعوه على كره. ثم عاجلتهم عساكر السلطان وأجهضتهم [1] عن الزاب، فاعتلق فضل بن علي به، واستمسك بذيله وصحبه في طريقه إلى الأندلس، وبدا غربته منها إلى أن هلك المستنصر أخوه، هيأ الله له من أمر الخلافة ما هيأ حسبما ذكرناه.
ولما تم أمره واقتعد بتونس كرسي خلافته عقد لفضل بن علي على الزاب ولأخيه عبد الواحد على بلاد الجريد رعيا لذمة خدمتهما، وذكرا لإيلافهما في المنزل الخشن وصحبتهما، فقدم واليا على الزاب، ودخل بسكرة واستكان بنو زيان لصولته وانقادوا في مرضاة الدولة إلى أمره فلم ينبسوا [2] بكلمة في شأنه، واضطلع بتلك الولاية ما شاء الله.
ثم كان شأن الداعي بن أبي عمارة وتلبسه، ومهلك السلطان أبو إسحاق على يده. ثم ثأر منه السلطان أبو حفص بأخيه واسترجع ما ضاع من ملكهم، وكان يثق بعنايته [3] ، ويعول في أمر الزاب على كفايته. وسيم أعداؤه بنو زيان أيام ولايته فداخلوا أولاد حريز من لطيف إحدى بطون الأثابج، كانوا نزلوا بقرية باشاش [4] لضيق المدينة حين عجزوا عن الظعن، وخالطوا أهل البلد في أحوالهم وامتزجوا معهم بالنسب والصهر فأغروهم بفضل بن علي أن يكون التقدم لهم في الفتك به، وتناول الأمر من يده، وأن يخربوا بيوتهم من قرية باشاش بأيديهم ليسكنوا إليهم ويطمئنوا إلى ولايتهم حلفا عقدوه على المكر بهم. ولما أوقعوا به بظاهر البلد في بعض أيام ركوبه سنة ثلاث وثمانين وستمائة وتولوا من أمر الزاب ما كان يتولاه، تنكر لهم بنو زيان لحولين من ذلك الحلف، ونابذوهم العهد فخرجوا عن البلد وفقدوا ما لهم بها من قريب [5] ، وتفرقوا في بلاد ريغة، واستبد بنو زيان بشورى بسكرة والزاب منتقضين عليهم وعلى السلطان، والزواودة قد تغلبوا عليه وعلى بلاد الحضنة من ورائه نقاوس ومقرة والميلة. وكان منصور بن فضل بن علي عند مهلك أبيه بالحضرة في بعض شئونه. فلما هلك أبوه واستبد بنو زيان بعده، بثوا السعايات فيه إلى السلطان بالحضرة فأنجحت، وتقبض عليه واعتقل أيام السلطان أبي حفص.
ولما تغلب المولى أبو زكريا يحيى ابن الأمير أبي إسحاق على بجاية وقسنطينة وبونة، واستقل بأمرها وانقسمت دولة آل أبي حفص بملكه ذلك منها، تمسك أهل الزاب بدعوة صاحب الحضرة المولى أبي حفص وفر منصور بن فضل بن علي من محبسه بتونس ولحق ببجاية بعد مهلك الحاجب القائم بالأمر أبي الحسين بن سيد الناس، وتولية السلطان أبي زكريا مكانه كاتبه أبو القاسم بن أبي يحيى سنة إحدى وتسعين وستمائة، فلازم خدمته وخف عليه وصانعه بوجوه التخف وتضمن له تحويل الدعوة بالزاب لسلطانه، وشريف أمواله وجبايته إليه واستماله بذلك، فعقد له على الزاب وأمده بالعسكر فنازل بسكرة ووفد أهلها بنو زيان على السلطان ببجاية ببيعتهم فرجعهم على الأعقاب إلى عاملهم منصور، وكتب إليه بقبول بيعتهم، ودخل البلد سنة ثلاث وتسعين وستمائة، وكادهم في بناء القصر لشيعته، وتحصن العسكر بسورة.
ثم نابذهم العهد، وثار بهم فأجلاهم عن البلد، واستمكن فيها ورسخت قدم إمارته فيها، واستدر جباية السلطان، واتسع له نطاق العمالة، فاستضاف إلى عمل الزاب جبل أوراس وقرى ريغه وبلد واركلى وقرى الحصنة: مقرة ونقاوس والمسيلة. فعقد له السلطان على جميعها، ودفعه إلى مزاحمة العرب في جبايتها وانتهاش لحومها إذ كانوا قد غلبوا على سائر الضواحي فساهمهم في جبايتها حتى كاد يغليهم عليها. ووفر أموال الدولة وأنهى الخراج وصانع رجال السلطان فألقوا عليه بالمحبة، وجذبوا بضبعه إلى أقصى مراتب الاصطناع، فأثرى واحتجز الأموال ورسخت عروق رياسته ببسكرة، ورسخت منابت عزه وهلك المولى أبو زكريا الأوسط على رأس المائة السابعة، وولوا مكانه ابنه الأمير أبا البقاء خالدا كما قدمناه، وقام بأمره صاحبه أبو عبد الرحمن بن عمر.
وكان لمنصور بن فضل هذا اختصاص به واعتلاق بيد حاجبه [1] فاستنام إليه وعول في سائر الضواحي من ممالك السلطان على نظره، وعقد له على بلاد التل من أرض سدويكش وعياض فاستضافها إلى عمله، وجرد عن ساعد كفايته في جبايتها فلقح عقيمها وتفجرت ينابيعها. ثم حدثت بينه وبين الدولة منافرة وأجلب على قسنطينة بيحيى بن خالد ابن السلطان أبي إسحاق حاجبه من تلمسان [2] ، وبايع له
واستألف الزواودة لمشايعته، ونازل به قسنطينة ثم اطلع على مكامن صدره فيه وما طوى عليه من التربص به فحل عقدته، ولحق بعسكره ببسكرة، وراجع الطاعة.
ولحق يحيى بن خالد واعتقله إلى أن هلك سنة عشرين وسبعمائة وكانت بينه وبين المرابطين أهل السنة من العرب أتباع سعادة المشهور الذكر فتن وحروب، وطالبوه بترك المغارم والمكوس تخفيفا عن الرعية وعملا بالسنة التي كانوا ملتزمين لطريقها، ونازلوه من أجل ذلك ببسكرة مرارا. ثم هلك سعادة في بعض حروبه على مليلي كما مر في ذكره سنة خمس وسبعمائة. وجمع منصور بن مزني للمرابطين، وبعث عسكره يقوده ابنه علي بن منصور مع علي بن أحمد شيخ الزواودة، وعلى المرابط أبو يحيى بن أحمد أخوه ومعه رجالات المرابطين مثل:
عيسى بن يحيى بن إدريس شيخ أولاد عساكر، وعطية بن سليمان بن سباع وحسن بن سلامة شيخ أولاد طلحة فهزموا عسكر ابن مزني وقتلوا ابنه عليا وتقبضوا على علي بن أحمد، ثم منوا عليه وأطلقوه.
ورجعوا إلى بسكرة فنازلوها وقطعوا نخيلها. ثم عاودوه ثانية وثالثة. ولم يزل بينه وبين هؤلاء المرابطين فتن سائر أيامه. وكان الحاجب ابن عمر قد استخلصه لنفسه وأحله محل الثقة بحلته واستقامة إلى صنائعه [1] . ولما نهض السلطان أبو البقاء إلى تونس صحبه الحاجب في جملته حتى إذا أعمل المكيدة في الانصراف عن السلطان شاركه في تدبيرها إلى أن تمت كما قدمناه. ورجع الحاجب إلى قسنطينة ورده إلى مكان عمله من الزاب. وكان يتردد إليه ببجاية للزيارة والمطالعة في أعماله إلى أن غدر به العرب في بعض طرقه إليها. وتقبض عليه من أمراء الزواودة علي بن أحمد بن عمر ابن محمد بن مسعود، وسليمان بن علي بن سباع بن يحيى بن مسعود على حين اجتذبا حبل الإمارة من يد عثمان بن سباع بن شبل بن موسى بن محمد، واقتسما رياسة الزواودة قومهما فاستمكنا من هذا العامل منصور بن فضل في مرجعه من عمله بلاد سدويكش، وأوثقوه اعتقالا، وهموا بقتله فافتدى منهم بخمسة قناطير من الذهب وارتاشوا [2] بمسكوبهم، وصرفوا في وجوه رياستهم ألفا منها، وقبض منصور بن فضل عنانه عن السفر بعدها إلا في الأحايين. وبعد أخذ الرهن من العرب إلى أن
كانت حركة مولانا السلطان أبي يحيى إلى تونس سنة سبع عشرة وسبعمائة أول حركاته إليها، وطالب صاحبه يعقوب بن عمر وهو بثغر بجاية بالأموال للنفقات والأعطيات، فبعث إليه بمنصور بن فضل وأشار بعقده له على حجابته ليقوم بأمره، ويكفيه مهمات شئونه واعتدها منصور على ابن عمر فساء ظنه، وتنكر له ابن عمر، وحالت صبغة وده وانكفأ السلطان من حركته تلك مخفق السعي بعد أن نزل ظاهر تونس بعساكره كما قدمناه. ولما احتل بقسنطينة بدت له من يعقوب بن عمر صاحب الثغر مخايل الامتناع فأقصر عن اللحاق به، وترددت بينهما الرسل وبعث ابن عمر في منصور بن فضل. ونذر منه بالشر فأجاب داعيه، وصحب قائد السلطان يومئذ محمد ابن أبي الحسن بن سيد الناس إليه، حتى إذا كان ببعض الطريق عدل إلى بلده، وهم به القائد فأجاره أولياؤه من العرب: عثمان بن الناصر شيخ أولاد حربي ويعقوب بن إدريس شيخ أولاد خنفر ومن معهم من ذويهم. ولحق ببسكرة وبلغ الخبر إلى ابن عمر فقرع سن الندم عليه، وشايع منصور بن مزني عدوهم صاحب تلمسان أبا تاشفين ودخل في دعوته وأوفد ابنه يوسف عليه بالطاعة والهدية.
وملك السلطان خلال ذلك تونس وسائر بلاد إفريقية وهلك ابن عمر سنة تسع عشرة وسبعمائة ولم يزل منصور بن مزني ممتنعا سائر أيامه على الدولة، والعساكر من بجاية تتردد لمنازلته إلى أن هلك سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وقام بأمره من بعده ابنه عبد الواحد فعقد له السلطان على عمل أبيه بالزاب، واستضاف إليه ما وراءه من البلاد الصحراوية قرى: ريغة وواركلى. وكان السلطان قد عقد على الثغر بعد مهلك ابن عمر لمحمد بن أبي الحسين بن سيد الناس، وجعل له كفالة ابنه يحيى ودفعه إليه فتجددت الوحشة بين عبد الواحد هذا وبين صاحب الثغر في سبيل المنافسة في المرتبة عند السلطان بما كانوا جميعا صنائع وبطانة للحاجب ابن عمر. وبعث العساكر لحربه ومنازلة حصنه. وناول عبد الواحد هذا لآل زيان الخائفين [1] الدولة طرفا من حبل طاعته فقبل فيها مذهب أبيه آخر عمره. وطال تمرس الجيوش به إلى ان استجن منه عبد الواحد بصهر عقده له على ابنته، واشترط المهادنة وتسليم الجباية، وتودع أمره إلى أن اغتاله أخوه يوسف سنة تسع وعشرين وسبعمائة بمداخلة بطانتهم من بنى
سماط وبني أبي كواية. ولما أحكم مداخلتهم في شأنه آذنه عشاء للشورى معه في بعض المهمات، وطعنه بخنجره فأشواه وهلك لحينه. واستقل يوسف بن منصور بإمارة الزاب ووصله مرسوم السلطان بالتقليد والخلع على العادة، وأجرى الرسم في الدعاء له على منابر عمله.
وكان السلطان قد استدعى محمد بن سيد الناس من الثغر ببجاية [1] ، وفوض له أمور ملكه، فهاجت نار العداوة والإحن القديمة بما بينه وبين يوسف بن منصور عامل الزاب، وهم به لولا ما أخذ بحجزته من الشغل الشاغل للدولة بتحيف آل زيان وهلك الحاجب سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة في نكبة السلطان إياه كما ذكرناه، وعقد لمحمد بن الحكيم على القيادة وجعل بيده زمام العساكر، وفوض له في سائر القرى والضواحي، فأجرى رياسته وحكمه في دولته وتغلب على أمره على حين فرغ السلطان من الشغل بمدافعة عدوه، وحط ما كان من أمرهم على كاهل دولته. ونهض السلطان أبو الحسن إلى آل يغمراسن فقلم أظفار اعتدائهم [2] وفل شبا عزائمهم كما شرحنا قبل، فأذكى القائد محمد بن الحكيم مع يوسف بن منصور نار العداوة، وأثار له من السلطان كأمن الحفيظة وصرف وجوه العزائم إلى حمله على الجادة وتقويمه عن المراوغة في الطاعة، وناهضه بالعساكر مرات ثلاثا يدافعه في كلها بتسليم الجباية إليه. ثم كانت بينه وبين علي بن أحمد كبير الزواودة فتن وحروب دعا إليها منافسة علي في استئثاره بمال الجباية دونه فواضعه الحرب، ودعا العرب إلى منازلته مموها بالدعاء إلى السنة، وحشد أهل ريغة لذلك ونازلة، وانحرف عنه ابنه يعقوب ودخل إلى بسكرة فأصهر له ابن مزني في أخته بنت منصور بن فضل، وعقد له عليها، فحسن دفاعه عنه، وبعث ابن مزني عن سليمان بن علي كبير أولاد سباع، وقريع علي بن أحمد في شئونه، فكان عنده ببسكرة يغاديه القتال ويراوحه إلى أن امتنع ابن مزني.
ورحل علي بن أحمد عن بسكرة وصار مع ابن مزني إلى الاتفاق والمهادنة أعوام الأربعين من المائة الثامنة. ثم كانت غزاة القائد بن الحكيم إليه نهض من إفريقية بعد أن نازل بلاد الجريد، واقتضى طاعتهم ومغارمهم، واسترهن ولد ابن يملول. ثم
ارتحل إلى الزاب في جنوده ومعه العرب من سليم فأجفل بالزاب ونزل بلد أوماش من قراه، وفرت العرب من الزواودة وسائر رياح أمامه، ودافعه يوسف بن مزني بهدية دفعها إليه وهو بمكانه من أوماش، وارتحل عنه إلى بلاد ريغة فافتتح تقرت معقلهم واستباحها ودوخ سائر أعمالها. ورجع إلى تونس ونكب السلطان قائده محمد ابن الحكيم هذا سنة أربع وأربعين وسبعمائة وولى ابنه أبا حفص عمر. وخشي الحاجب أبو محمد بن تافراكين بادرته وسعاية بطانته فلحق بملك المغرب المرهوب الشبا [1] المطل على الممالك، يعسوب القبائل والعشائر الحسن، وأغراه بملك إفريقية واستجره إليها، فنهض في الأمم العريضة سنة ثمان وأربعين وسبعمائة كما ذكرنا ذلك كله من قبل. ووفد عليه يوسف بن منصور أمير الزاب بمعسكره من بني حسن فلقاه برا وترحيبا واستتبعه في جملته إلى قسنطينة. ثم عقد له على الزاب وما وراءه من قرى ريغة وواركلى، وصرفه إلى عمالته. واستقبل تونس، وأمره برفع الجباية إليه مع العمال القادمين من أقصى المغرب على رأس الحول فاستعد لذلك، حتى إذا سمع بوصولهم من المغرب لحقهم بقسنطينة وفجأهم هنالك جميعا الخبر بنكبة السلطان على القيروان كما ذكرناه، ونذكره فاعتزم على اللحاق ببلده.
واعصوصب عليه يعقوب بن علي بن أحمد أمير البدو بالناحية الغربية من إفريقية لأذمة صهر كانت بينهما ومخالصة، وتحيز إليهم من كان بقسنطينة من أولياء السلطان وحاشيته وعماله، ورسل الطاغية والسودان الوافدين مع ابنه عبد الله من أصاغر بنيه، وآواهم يوسف بن منصور جميعا إليه، وأنزلهم ببلده وكفاهم مهماتهم شهورا من الدهر حتى خلص السلطان من القيروان إلى تونس، ولحقوا به مع يعقوب بن علي فكانت تلك يدا اتخذها يوسف بن منصور عند السلطان أبي الحسن وبنيه باقي الأيام. ثم اتبع ذلك بمخالفة رؤساء النواحي من إفريقية جميعا في الانتقاض عليه، وأقام مستمسكا بطاعته يسرب الأموال إليه بتونس وبالجزائر عند خلوصه إليها من النكبة البحرية كما سنذكره، ويدعو له على منابره بعد تفويضه على الجزائر إلى المغرب الأقصى لاسترجاع ملكه، إلى أن هلك السلطان أبو الحسن بجبل هنتاتة من أقصى المغرب سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة واستقام أمر الدولة المرينية لابنه السلطان أبي
عنان الحية الذكر، ولما استضاف إلى ملكه ملك تلمسان، ومحا ما جدده بنو عبد الواد بها من رسوم ملكهم وجمع كلمة زناتة، وأطل على البلاد الشرقية سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة بادر يوسف بن منصور بطاعته فآتاها طواعية، وأوفد على السلطان رسله بكتاب بيعته. ثم وفد عليه ثانيا مع حاجبه الكاتب أبي عبد الله محمد بن أبي عمر، وبعثه بالعساكر لتدويخ إفريقية وتمهيد ملكه ببجاية كما سنذكره. ووفد عليه أمراء القبائل والبدو ورؤساء النواحي سنة أربع وخمسين وسبعمائة ووفد في جملتهم يوسف بن منصور أمير الزاب ويعقوب بن علي أمير البدو وسائر رؤساء الزواودة فلقاهم السلطان تكرمة ورعيا لأذمة خلوصهم لأبيه وقومه من بين أهل إفريقية، وأسنى جوائزهم. وعقد ليوسف بن مزني على الزاب وما وراءه من بلاد ريغه وواركلى على عادتهم وانقلب محبوا محبورا وقد ثبت له من ولاية السلطان ومخالصته حظ، ورفع له ببساطه مجلس، ولما نهض السلطان إلى إفريقية لافتتاح قسنطينة سنة ثمان وخمسين وسبعمائة كما سنذكره تلقاه يوسف بن منصور على قسنطينة فخلطه بأوليائه، ونظمه في طبقات وزرائه. واستوحش يعقوب بن علي يومئذ من مطالبته بالرهن له ولقومه وانتقض، فأجفلت أحياؤه إلى بلاد الزاب وما وراءها من الصحراء، وارتحل السلطان بعساكره في طلبهم إلى أن احتل بلاد الزاب وخرب بلاد يعقوب بن علي بالزاب والتل بقطع أشجارها وتغوير مياهها وهدم بنائها ونسف آثارها، ودخل يعقوب بأحيائه الرمل وأعجزوا السلطان فانكفأ راجعا، واحتل بظاهر يسكرة فتلوم بها ثلاثا لإراحة العساكر وإزاحة عللهم من وعثاء السفر وشعث الصحراء، ففرق [1] يوسف بن منصور في قرى عساكره أيام مقامه يشملهم فيها من العلوفة والحنطة واللحمان والأدم بما أرغد عيشهم وكفاهم همهم. وتحدثت بها الناس دهرا، ورفع إليه جبايته لعامه قناطير من الذهب بعثه بين المال فقبضه القهارمة من ثقاته، وأجزل السلطان مثوبته وأسنى عطيته، واختصه بكسوة ثيابه وعياله من كسا حرمه وثياب قصره. وانكفأ راجعا إلى حضرته. ثم أوفد موسى بن منصور ابنه أحمد على السلطان بسدته من فاس عند منصرف وزيره سليمان بن داود من حركة إفريقية سنة تسع خمسين وسبعمائة وأصحبه هدية من عتاق الخيل وفاره الرقيق. وأقام أياما في نزل
كريم ومحل من المجلس رفيع إلى أن هلك السلطان خاتمة تسع وخمسين وسبعمائة فأرغد القائم بالدولة من بعده جائزته وأسنى صلته وصرفه إلى عمله، واستوصى به أمراء النواحي والثغور في طريقه. ولم ينشب أن شبت نار الفتنة وانتزى الخوارج بالجهات بعد مهلك السلطان فخلص إلى أبيه بعد عنائه وعلى يأس من النجاة بعد أن حصل في قبضة أبي حمو سلطان بني عبد الواد عند استيلائه على تلمسان، وهو بها مع بني مرين، وقد مر بهم مجتازا إلى وطنه فأجاره عليه صغير بن عامر من زغبة رعيا لأذمة ابنه يوسف صاحب الزاب، وتأميلا للعرب فيه وفي أعماله. وبعد أن بذل له من ذات يده ومن طرف ما وصله به بنو مرين من ذخائرهم بعث معه صغير وفادا [1] من قومه أبلغوه مأمنه، فكانت إحدى الغرائب في نجاته.
واسترجع الموحدون ثغورهم: بجاية وقسنطينة من يد بني مرين وأزعجوا عنها العساكر المجمرة بها من قبائلهم كما قدمناه، فراجع يوسف بن منصور طاعته المعروفة لهم إلى أن هلك سنة سبع وستين وسبعمائة يوم عاشوراء، وقام بأمره ابنه أحمد، وجرى على سننه وهو لهذا العهد أمير على الزاب بمحل أبيه من إمارته متقبل في مذهبه وطريقه إلا أن خلق أبيه كان سجية وخلق هذا تقليد لما فيه من التحذلق [2] ، وربك يخلق ما يشاء ويختار. وله أولاد كبيرهم أبو يحيى من بنت محمد بن يملول أخت يحيى، وهو لهذا العهد مرشح لمكانه. ولما حلت بأهل الجريد الفاقرة [3] ونزل به يحيى بن يملول الشؤم على وطنه توجس الخيفة من السلطان وتوقع المطالبة بطاعة غير طاعته المعروفة، فسرب الأموال في العرب ومديده إلى حبل صاحب تلمسان ليستمسك به فوجده قاصرا عنه، وأقام يقدم في أمره رجلا ويؤخر أخرى. ثم قذف الله نور الهداية في قلبه، وأراه سنن رشده. وبادر إلى الاستقامة في الطاعة والعدول عن المراوغة، ووصله فأوفد السلطان أبو العباس شيخ الموحدين أبا العباس بن أبي هلال، وكشف له قناع المخالصة والانحياش، وبعث معه وفده بهديته واستقامته وتقبله السلطان وأعاده إلى أحسن الأحوال ورضي عنه والله متولي الأمور سبحانه لا رب سواه، ولا معبود إلا إياه.
أبو يحيى بن أحمد بن يوسف بن منصور بن فضل بن علي بن أحمد بن الحسن بن
** (الخبر عن رياسة بني يملول بتوزر وبني الخلف بنفطة وبني أبي المنيع بالحامة) **
زعيم هؤلاء الرؤساء ابن يملول صاحب توزر لاتساع بلده وتمدن مصره واحتلاله منها بأم القرى من قطره، وهو يحيى بن محمد بن أحمد بن محمد بن يملول. ونسبهم بزعمهم في طوالع العرب من تنوخ، استقرار [1] ولده بهذا الصقع كان منذ أول الفتح فعفوا [2] وتأثلوا ووشجت به عروقهم نسبا وصهرا حتى انتظموا في بيوتات الشورى المتقدمين للوفادة على الملوك وتلقي العمال القادمين من دار الخلافة والنظر في مصالح الكافة أيام آل حماد بالقلعة، وآل عبد المؤمن بمراكش وآل أبي حفص بتونس، مثل بني واطاس وبني فرقان وبني ماردة وبني عوض. وكان التقدم فيهم أيام عبد الله الشيعي لابن فرقان، وهو الذي أخرج أبا يزيد حين شعر به أنه يريد القيام على أبي القاسم القائم، وأيام آل حماد ليحيى بن واطاس، وهو النازع بطاعة أهل قسنطينة إليهم عن آل بلكين ملوك القيروان حين انقسمت دولة آل زيري، وافترق أمرهم. ثم عادت الرئاسة لبني مروان لأول دولة الموحدين، ومنهم كان الذي لقي عبد المؤمن وآتاه الطاعة عن نفسه وعن أهل بلده توزر، فتقبله ووصله.
وصار الأمر للموحدين فمحوا منها آثار المشيخة والاستبداد. ونشأ أحمد هذا الجد متراميا إلى الرئاسة بهذا القطر يدافع عنه بالراح، ويزاحم بالمناكب من وجوه البلد
وأشراف الوطن. وسعى به إلى شيخ الموحدين وقائد العسكر أيام السلطان أبي حفص محمد الفازاري فنكبه وصادره على مال امتحنه عليه. كانت أول نكباته التي أورت من زناده وأوقدت من جمرة، وتخلص إلى الحضرة يؤمل اعتقال مطيته وثبوت مركزه من دار الخلافة فأوطنها أياما يباكر أبواب الوزراء والخاصة، ويلثم أطراف الأولياء والحاشية وينزل كرائم ماله فيما يزلفه لديهم، ويؤثره بعنايتهم حتى استعمل بديوان البحر مقعد العمال بمرفإ السفن لجباية الأعشار من تجار دار الحرب. ثم استضاف بما كان من عنائه فيها واضطلاعه سائر أعمال الحضرة فتقلدها زعيما بإمضاء الجرايات وإدرار الجباية. واستمرت على ذلك حاله وتضاعفت فائدته فأثرى واحتجن المال، واستخرج الذخيرة قاطعا لألسنة السعاية بالمصانعة والإتحاف بطرف ما يجلبه الروم من بضائعهم حتى أبطره الغنى، ودلت على مكانته الثورة، ورفع أمره إلى الحاجب فخرج التوقيع بالقبض عليه واستصفاء ماله لعهد السلطان أبي يحيى اللحياني فنكب الثانية وصودر على مئين [1] . من آلاف الدنانير وامتحن لها، وباع فيها كسوته حين قرأ الكتاب وخلص من النكبة مسلوب [2] الأمانة ممزق الأديم فقيد الرياش، أحوج ما كان إلى ما يعوز من الكن والدفء وبلالة العيش. ولحق ببلده ناجيا بالرمق ضارعا للدهر.
ودفعه الملأ إلى ما يستنكفون عنه من خدمة العمال ومباكرة أبوابهم والامتحان في ضروراتهم، وأنجده في ذلك بخت جذب بضبعه. وكان في خلال ذلك شغل الحضرة شأن الثغور الغربية وأمرائها فتقلص ظل الدولة عن هؤلاء بعض الشيء وحملت الرعايا بالبلاد الجريدية، وصار أمرها إلى الشورى التي كانت عليها قبل. فلما أدرك أحمد هذه الشورى التي كان يسمو لها سمو حباب الماء ثلج صدره، وأنجح سعيه، واستبد بمشيخة توزر. وهلك في أعوام ثماني عشرة فخلفه من بعده في سبيله تلك ولده يحيى طموحا إلى المرتبة منافسا في الاستقلال، ومزاحما بيوتات المصر بمناكب استوطأها [3] بسائر عمره من الدعار والأوغاد بمعاقرة الخمر والمجاراة في فنون
الشباب لسير [1] أمره، والاستعلاء [2] على نظائره حتى تطارحوا في هوة الهلاك بين قتيل ومغرب ونحيب العمران، لم يعطفه عليهم عواطف الرحم ولا زجره وازع التقوى والسلطان، حتى خلا له الجو واستوسق الأمر واستقل من أمر البلد والحل والعقد بأوفى من استبداد أبيه. وكان مهلكه قريبا من استبداده لخمس سنين متلقيا [3] الكرة من يده أخوه محمد تربه في الرئاسة ومجاريه في مضمارها، فأجرى إلى الغاية واقتعد كرسي الرئاسة وعفى على آثار المشيخة. واستظهر على أمره بمصانعه أمراء البدو وأولاد أبي الليل، والمتات إليهم بصهر كان عقده أبوه أحمد لأبي الليل جدهم على أخته أو عمته. فكانوا ردءا له من الدولة فنفذ [4] صيته وعظم استيلاؤه وامتدت أيامه وعني الملوك بخطابه واسناد الأمور في تلك البلاد إليه خلال ما تعود الكرة وتهب ريح الدولة. وزحف إليه القائد محمد بن الحكيم سنى أربعين فلاذ منه بالطاعة والمصانعة بالمال، ورهنه ولده يحيى فرجعه إليه ابن الحكيم وتقبل طاعته من غير رهن استقامة لما ابتلاه من خلوصه. وأقام على ذلك إلى أن هلك لعام أربع وأربعين من المائة الثامنة.
وتصدى ولده عبد الله للقيام بالأمر فوثب عليه عمه أبو زيد بن أحمد فقتله على جدث أبيه صبح مواراته بعد أن كان أظهر الرضا به والتسليم له فثارت به العامة لحينه، وكان مصرعهما واحدا. وقام بالأمر أخوه يملول بن أحمد أربعة أشهر كانت شر مدة وأسوأ ولاية، لما أصاب الناس بسوء ملكته من سفك الدماء واستباحة الحرم واغتصاب الأموال، حتى كان ينسب إلى الجنون مرة وإلى الكفر أخرى فمرج أمرهم واستولى الضجر على نفوسهم، وكان أخوه أبو بكر معتقلا بالحضرة فراسله أهل توزر سرا وأطلقه السلطان من محبسه بعد أن أخذت عليه المواثيق بالطاعة والوفاء بالجباية فصمد إليها بمن في لفه من الأعراب، وحشد نفزاوة والمجاورين لها في القرى الظاهرة المقدرة السير، وأجلب عليهم ثم بيتها فاقتحمها وبادر الناس إلى القبض على يملول أخيه وأمكنوه منه فاعتقله بداره وتبرأ من دمه، وأصبح لثالثة اعتقاله ميتا بمحبسه.
وكانت قفصة من قبل ذلك لما صار أمر الجريد إلى الشورى قد استبد بها يحيى بن
محمد بن علي بن عبد الجليل بن العابد من بيوتها، ونسبهم بزعمهم في بلى ولهم خلف بزعمهم في الشريد من بطون سليم. والله أعلم بأولية نزولهم بقفصة حتى التحموا بأهلها وانتظموا أمر بيوتاتها. وكانت البيوت بها بيت بني عبد الصمد وبيت بني أبي زيد، وكانت رياسته لبعض بني أبي زيد لعهد الأمير أبي زكريا الأعلى، كان يستعمله على جباية أموال الجريد، ثم سعى به أنه أصاب منها فنكبه وصودر على آلاف من المال فأعطاها، وأقامت رياستهم متفرقة في هذه البيوتات.
ولما حدثت العصبية بالبلد أيام صار أمر الجريد إلى الشورى كان بنو العابد هؤلاء أقوى عصبية من سائرهم، واستبد بها كبيرهم يحيى بن علي. فلما فرغ السلطان من شغله بزناتة وخيم السلطان أبو الحسن على تلمسان فحاصرها. وأقبل السلطان على النظر في تمهيد ملكه وإصلاح ثغوره، وافتتح أمره بغزو قفصة ونهض إليها سنة خمس وثلاثين وسبعمائة في عساكر من الموحدين وطبقات الجند والأولياء من العرب، فحاصرها شهرا أو نحوه وقطع نخيلها فضاق مخنقهم بالحصار وتلاوموا في الطاعة.
واستبقوا بها إلى السلطان وفر الكثير من بني العابد فلحقوا بقابس في جوار ابن مكي ونزل أهل البلد على حكم السلطان فتقبل طاعتهم وأحسن التجاوز عنهم، وبسط المعدلة فيهم وأحسن أمل ذوي الحاجات منهم، وانكفأ راجعا إلى حضرته بعد أن آثرهم بسكنى الجريد، واحتمل مقدم روضة يحيى بن علي إلى الحضرة فلم يزل بها إلى أن هلك سنة أربع وأربعين وسبعمائة، واستبد الأمير أبو العباس بأمر الجريد واستولى على نفطة كما قدمناه. وقيل لبني الخلف وهم: مدافع وأبو بكر عبد الله ومحمد وابنه أحمد بن محمد إخوة أربعة، وابن أخيهم بنو الخلف من مدافع، ونسبهم في غسان من طوالع العرب.
انتقل جدهم من بعض قرى نفزاوة إلى نفطة وتأثل بها، وكان لبنيه بها بيت. واستبد هؤلاء الإخوة الأربعة أزمان الشورى كما قدمناه. ولما استولى السلطان أبو بكر على الجريد وأنزل أنبه أبا لعباس بقفصة، وعقد له على سائر أمصاره وأمضى طاعتهم وامتنعوا فسرح إليهم وزيره أبا القاسم بن عتو من مشيخة الموحدين. وجهزت له العساكر من الحضرة ونازلها وقطع نخلها ولاذ أهلها بالطاعة، وأسلموا بني مدافع المتغلبين فضرب أعناقهم وصلبهم في جذوع النخل آية للمعتبرين. وأفلت السيف منهم عليا صغيرهم لذمة اعتدها له أبو القاسم بن عتو لنزوعه إليه قبل الحادثة.
فكانت واقيته من الهلكة. واستولى الأمير أبو العباس على نفطة واستضافها إلى عمله.
ثم مرض أبو بكر بن يملول في طاعته فنهض إليه السلطان أبو بكر من تونس سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وكان الفتح كما قدمناه. ولحق أبو بكر بن يملول ببسكرة فلم يزل بها إلى أن أجلب على توزر فنبذ إليه يوسف بن مزني عهده، وانتقل إلى حصون وادي ابن يملول المجاورة لتوزر، وهلك سنة ست وأربعين. ثم كان مهلك السلطان وابنه أبو العباس صاحب الأعمال الجريدية إثر ذلك سنة سبع وأربعين وسبعمائة، ورجع إلى كل مصر من الجريد مقدموه فرجع أحمد بن عمر بن العابد إلى قفصة من مكانه في جوار ابن مكي واستولى على بلده في مكان ابن عمه يحيى بن علي، ورجع علي بن الخلف إلى نفطة واستبد بها. ورجع يحيى بن محمد بن أحمد بن يملول إلى توزر من مثوى اغترابه ببسكرة، ارتحل إليها مع عمه أبي بكر طفلا، فلما خلا الجريد من الإمارة ودرج يحيى هذا من عشه في جوار يوسف بن منصور بن مزني وأطلقه مع أولاد مهلهل من الكعوب بعد أن وصلهم وشاركهم [1] ، واسترهن فيه أبناءهم فأوصلوه إلى محل رياسته بتوزر، ونصبه شيعته وأولياء أبيه، وقاموا بأمره.
ورجع أمر الجريد كله إلى رياسة مقدمه كما كان.
ثم وفدوا على السلطان أبي الحسن عند رجعته إلى إفريقية ولقوة بوهران فلقاهم مبرة وتكرمة ورجع كلا إلى بلده ومحل رياسته بعد أن أسنى الجائزة، ووفر الأسهام والأقطاع، وأنفذ الصكوك والكتب، فرجع إلى توزر يحيى بن محمد بن أحمد بن يملول صبيا مغتلما، وإلى نفطة علي بن الخلف. وإلى قفصة أحمد بن عمر بن العابد ونزل كل واحد من هذه الأمصار عاملا وحامية. وعقد على الجريد كله لمسعود ابن إبراهيم بن عيسى اليرنياني من طبقة وزرائه، واستوصى بهؤلاء الرؤساء خيرا في جواره حتى إذا كانت نكبة السلطان بالقيروان سنة تسع وأربعين وسبعمائة وارتحل عامل الجريد مسعود بن إبراهيم ونزل المغرب بمن معه من العمال والحامية، ونمي خبره إلى الأعراب من كرفة فصبحوه في بعض مراحل سفره دون أرض الزاب فاستلحموه ومن كان معه من الحامية، واستولوا على أفنيتهم وذخيرتهم وكراعهم، واستبد رؤساء تلك البلاد بأمصارهم وعادوا إلى ديدنهم من التمريض، وآذنوا بالدعاء لصاحب الحضرة
بمنابرهم، واستمروا على ذلك. فأما يحيى بن محمد بن يملول فنزع إلى مناغاة الملوك في الشارة والحجاب واتخاذ الآلة والبيت المقصور للصلاة، واقتعاد الأريكة وخطاب السمر، [1] بل وفسح للمجون والعكوف على اللذات مجالا يرى أن جماع السياسة والملك في إدارة الكأس وافتراش الآس والحجبة عن الناس والتأله على الندمان والجلاس. وفتح مع ذلك على رعيته وأهل إيالته باب العسف والجور. ورعى بيت المشاهير منهم غيلة فأتلفت نفوسهم، وامتد أمره في ذلك إلى أن استولى السلطان أبو العباس على إفريقية، وكان من أمره ما نذكره. وأما جاره الجنب علي بن الخلف فلم يلبث لما استبد برياسته أن حج سنة أربع وستين وسبعمائة والتزم مذاهب الخير وطرق الرضا والعدالة، وهلك سنة خمس وستين وسبعمائة بعدها وولي مكانه ابنه محمد جاريا على سننه. ثم هلك لسنة من ولايته، وقام بأمره أخوه عبد الله بن علي فأذكى سياسته، وأوقع [2] حزمه وأرهف للناس حده فنقموا عليه سيرته، وسئموا عسفه واستمكن مناهضهم في الشرف ومحاذبهم في رياسة البلد القاضي محمد بن خلف الله من صاحب الحضرة بذمة كانت له في خدمته قديما واستعمله لرعيها في خطة القضاء بحضرته، وآثره بالمكان منه والصحبة فسعى بعبد الله هذا عنه الخليفة ودله على مكامن هلكته، وبصره بعورات بلده. واقتياد عساكر السلطان إليه في زمامه.
ولما احتل بظاهر البلد وعبد الله رئيسها أشد ما كان قوة وأكثر جمعا وأمضى عزما استألف أخوه الخلف بن علي بن الخلف جماعة المشيخة دونه، وحرضهم عليه وداخل القاضي بتبييتها وأنه بالمرصاد في اقتحامها، حتى إذا كانت البيعة دس إلى بعض الأوغاد في قتل أخيه عبد الله، ومكر بالقاضي والعسكر وامتنع عليهم واعتصم دونهم. واستقل برياسة بلده وأقام على ذلك يناغي ابن يملول في سيره ويطارحه الكثير من مذاهبه، ويجري في الثناء الذي بلغ إلى غايته وأولى على بنيته [3] . وأما أحمد بن عمر بن العابد فلم يزل من لدن استبداده ببلده قفصة سالكا مسالك الخمول منحطا عن رتبة التكبر منتحلا مذاهب أهل الخير والعدالة في شارته وزيه ومركبه، جانحا إلى التقلل. فلما أوفى على شرف من العمر [4] استبد عليه ابنه محمد
وترفع عن حال أبيه بعض الشيء إلى مناغاة هؤلاء الرؤساء المترفين، فبينما هؤلاء المتقدمون في هذه الحالة من الاستبداد على السلطان والتخلف بأخلاق الملوك، والتثاقل عن الرعايا بالعسف والجور، واستحداث المكوس والضرائب إذ طالما خصهم [1] السلطان أبو العباس بالحضرة مستبدا بدعوته، صارفا سهم عزائمه [2] فوجموا وتوجسوا الخيفة منه. وائتمروا في المظاهرة واتصال اليد بعد أن كانوا يستحثونه إلى الحضرة، ويبعثون إليه بالانحياش على البعد زبونا على صاحب الحضرة ونزوعا على مصدوقية الطاعة. فلما استبد السلطان أبو العباس بالدعوة استرابوا في أمرهم وسربوا أموالهم في الأعراب المخالفين على السلطان من الكعوب، يؤملون مدافعتهم عنهم فشمر لها أولاد أبي الليل بما كان وقع بينهم وبين السلطان من النفرة.
ونهض إليهم السلطان فغلبهم على ضواحي إفريقية على الظواعن التي كانت جبايتها لهم من مرنجيزة كما قلناه، واستلحمهم فأوهن ذلك من قوتهم.
ثم زحف الثانية إلى أمصار الجريد فلاذوا بالامتناع، فأناخ السلطان بعساكره وأوليائه من العرب أولاد مهلهل على قفصة فقاتلوها يوما أو بعض يوم، وعدا في ثانية على السلطان ونزل على حكمه فتقبض عليه وعلى ابنه شهر ذي القعدة من سنة ثمانين وسبعمائة وتملك البلد، واستولى على ديار ابن العابد بما فيها. وكان استيلاء لا يعبر عنه لطول أيامه في الولاية وكثرة احتجانه للأموال. وعقد السلطان على قفصة لابنه أبي بكر وارتحل يريد توزر، وطار الخبر لابن يملول في توزر فقوض عنها بأهله، ونزل على أحياء مرداس وسرب فيهم المال فرحلوا معه إلى الزاب، ولحق ببسكرة مأوى نكباته ومنتهى مقره، فنزل بها على أحمد بن يوسف بن مزني وأقام هنالك على بلغة [3] من توقع مطالبة السلطان له ولجاره ابن مزني من خسارة أموالهم في لفوف [4] العرب وسوء المغبة إلى أن هلك لسنة أو نحوها وائتمر أهل توزر. بعد تقويضه عنهم، بعثوا إلى السلطان ببيعتهم فلقيه في أثناء طريقه، وتقدم إلى البلد فنزل بقصور ابن يملول واستولى على ذخيرته وتبرأ إليه أهل البلد من ودائع كانت له عندهم من خالص
الذخيرة فدفعوها إلى السلطان. وعقد لابنه المنتصر على توزر، واستقدم الخلف بن الخلف من نفطة، وكان يخالف أصحابه إلى الطاعة حتى نقضوها زبونا على ابن يملول وسالفه من العداوة ينقلها [1] . فلما أحيط بهم أدركه الدهش وبادر إلى السلطان بطاعته فأتاها، وقدم عليه فتقبل السلطان ظاهره وأعطى له عن غيرها طمعا في استصلاحه، وعقد له على حجابة ابنه المنتصر وأنزله معه بتوزر وأمره باستخلافه بلده نفطة، وعقد له على ولايتها وانكفأ راجعا إلى حضرته، وقدم ابن الخلف على أمره ورأى أنه قد تورط في الهلكة فراسل ابن يملول بمكانه من توزر، وعثر أولياء السلطان على كتابه إلى يعقوب بن علي شيخ رياح ومدرة [2] حروبهم يحرضه على صريخ ابن يملول ومعونته، فعلموا نكثه ومداجاته وبادروا إلى القبض عليه، وولوا على نفطة من قبلهم وخاطبوا السلطان بالشأن وأقام في ارتحاله إلى أن كانت حادثة قفصة، فبادر الأمير المنتصر إلى قتله.
وكان من خبر قفصة أن ابن أبي زيد من مشيختها كان ينزع إلى السلطان قبل فتحها هو وأخوه لمنافسة بينهما وبين ابني العابد وهما: محمد وأحمد ابنا عبد العزيز بن عبد الله ابن أحمد بن علي بن عمر بن أبي زيد. وقد ذكر أوليتهم واستعمال سلفهم أيام الأمير زكريا الأعلى في جبايته الجريد. فلما استولى السلطان على البلاد رعى لهما تشيعهما وبدارهما إلى طاعته مع قومهما فأمر لهما مع ابنه بقفصة وكبيرها [3] رديف لحاجبه عبد الله من الموالي الأتراك ومدبر لأمور البلد في طاعة السلطان. ثم نزغ الشيطان في صدره وحدثته نفسه بالاستبداد، وأقام يتحين له الفرض وذهب الأمير أبو بكر إلى زيارة أخيه بتوزر فكاده بالتخلف عنه، وجمع أوباشا من الغوغاء والزعانف وتقدم بهم إلى القصبة وبعث بالصريخ للفتك بعبد الله التركي ونذر بذلك فأغلق أبواب القصبة وبعث الصريخ في أهل القرى، وقاتلهم ساعة من نهار حتى وافى إليه المدد.
فلما استغلظ بمدده أدركهم الدهش وانفض الأشرار من حوله ونجوا إلى الاختفاء في بيوت البلد، وتقبضوا على الكثير ممن داخلهم في الثورة، ووصل الخبر إلى الأمير
أبي بكر بتوزر فبادر إلى مكانه، وقد سكن جأشه [1] واستلحم جميع من تقبض عليه حاجبه ونادى في الناس بالبراءة من ابن أبي زيد فتبرءوا منه. وعثر الحرس عليه وعلى أخيه خارجين من أبواب البلد في زي النساء فقادوهما إليه فقتلهما بعد أن مثل بهما.
واستبد السلطان بالجريد ومحا منه آثار المساءة [2] وعفا عليهما وانتظمه في عمالات السلطان. وأما بلد الحامة وهي من عمالة قسطيلية وتعرف بحامة قابس وحامة مطماطة نسبة إلى أهلها الموطنين كانوا بها من البربر، وهم فيما يقال الذين اختطوها، ففيها الآن ثلاث قبائل من توجر وبني ورتاجن [3] وهم في العصبية فرقتان: أولاد يوسف ورياستهم في أولاد أبي منيع وأولاد حجاف [4] ورياستهم في أولاد وشاح، ولا أدري كيف نسب الفرقتين. فأما أبو منيع فالحديث في رياستهم في قومهم أن جدهم رجاء بن يوسف كان له ثلاثة من الولد وهم بوشباك وأبو محمد [5] وملالة وأن رياسته بعده كانت لابنه بوشباك، ثم ابنه أبي منيع من بعده، ثم لابنه حسن بن أبي منيع، ثم لابنه محمد بن حسن، ثم لأخيه موسى بن حسن ثم لأخيهما أبي عنان [6] إلى أن كان ما نذكر. وأما أولاد حجاف فكانت أول رياستهم لمحمد بن أحمد بن وشاح، وقبله خاله القاضي عمر بن كلى، وكان العمال من الحضرة يتعاقبون فيهم إلى أن أسقط السلطان عنهم الخراج والمغارم بأسرها. وكان مقدمهم لأول دولة السلطان أبي بكر من أولاد أبي منيع، وهو موسى بن حسن. وكان المديوني قائد السلطان واليا عليهم، وارتاب بهم بعض الأيام وأحبوا الثورة به، فدس بها إلى السلطان في بعض حركاته، وغزاهم بنفسه ففروا، وأدرك سبعة من أولاد يوسف هؤلاء وتقبض عليهم فقتلوا. ثم رجع الأمير وولى موسى بن حسن. ولما هلك تولى بعده أخوه أبو عنان، وطال أمد ولايته عليهم وكان منسوبا إلى الخير والعفاف. وهلك سنة اثنتين
وأربعين وسبعمائة وولي بعده ابنه الآخر أبو زيان. ثم ولي بعدهما ابن عمهما مولاهم ابن محمد. ووفد على السلطان أبي الحسن مع وفد أهل الجريد كما مر. ثم هلك فولي بعده من بني عمهم حسان بن هجرس، وثار به محمد بن أحمد بن وشاح من أولاد حجاف المذكور فعزله، وأقام في ولايته إلى سنة ثمان وسبعين وسبعمائة فثار به على الحامة وقتلوا عمر بن كلبى القاضي، وولوا عليهم حسان بن هجرس واليهم.
وثار به يوسف واعتقله وهو يوسف بن عبد الملك بن حجاج بن يوسف بن وشاح وهو الآن مقدمها يعطي طاعة معروفة، ويستدعي العامل في الجباية ويراوغ عن المصدوقية والغلب والاستيلاء، قد أحاط به من كل جهة. وأملي علي بعض نسابتهم أن مشيخة أهل الحامة في بني بوشباك. ثم في بني تامل بن بوشباك. وأن تأمل رأس عليهم وأن وشاحا من ولد تأمل وأن بني وشاح، على فرقتين: بنو حسن وبنو يوسف، وحسان ابن هجرس ومولاهم وعمر أبو علان كلهم من بني حسن، ومحمد بن أحمد بن وشاح من بني يوسف، وهذا مخالف للأول، والله أعلم بالصحيح في أمرهم. وأما نفزاوة وأعمال قسطيلية فتنسب لهذا العهد إلى توزر وهي القرى العديدة المعروفة السير، يعترض بينها وبين توزر إلى القبلة عنها السبخة المشهورة المانعة في الاعتساف، ولها معالم قائمة من الخشب يهتدي بها السالك، وربما يضل خائضها فتبتلعه. ويسكن هذه القرى قوم من بقايا نفزاوة من البرابرة البتر الذين بقوا لك بعد انقراض جمهورهم، ولحق العرب بسائر بطون البربر، ومعهم معاهدون من الفرنجة ينسبون إلى سردانية نزلوا على الذمة والجزية وبها الآن أعقابهم. ثم نزل عليهم من أعراب الشريد وزغب من بني سليم كل من عجز عن الظعن، وملكوا بها العقار والمياه وكثرت نفزاوة، وهم لهذا العهد عامة أهلها وليس في نفزاوة هذه رياسة لصغرها ورجوعها في الغالب إلى أعمال توزر ورياستها. هذا حال المتقدمين ببلاد الجريد في الدولة الحفصية أوردنا أخبارهم فيها لأنهم من صنائعها، وفي عداد ولاتها ومواليها، والله متولي الأمور أه
** (الخبر عن بني مكي رؤساء قابس وأعمالها) **
كانت قابس هذه من ثغور إفريقية ومنتظمة في عمالتها، وكان ولاتها من القيروان أيام الأغالبة والعبيديين وصنهاجة من لدن الفتح، ولما دخل الهلاليون إفريقية واضطربت أمورها واقتسمت دولة صنهاجة الطوائف، انتزى بقابس وصنهاجة المعز ابن محمد الصنهاجي وأدال منه مونس بن يحيى الصنبري من مرداس رياح بأخيه إبراهيم إلى أن هلك. وولي أخوه القاضي ابن إبراهيم، ثم نازلة أهل قابس فقتلوه أيام تميم بن المعز بن باديس فبايعوا لعمر بن المعز بن باديس كان مخالفا على أخيه، وذلك سنة تسع وثمانين وأربعمائة. ثم غلبه عليها أخوه تميم وكان معتلقا [1] للعرب.
وكانت قابس وضواحيها في قسم زغبة من عرب هلال. ثم غلبتهم رياح عليها ونزل مكن بن كامل بن جامع من بني دهمان وأخوه مادع [2] وهما معا من بني علي إحدى بطون رياح فاستحدث بها ملكا لقومه بني جامع وأورثه بنيه إلى أن استولى الموحدون على إفريقية وبعث عبد المؤمن عساكره إلى قابس ففر عنها مدافع بن رشيد آخرهم وانتظمها كما ذكرناه في أخبارهم وملكها، وانقرض ملك بني جامع وصارت قابس وأعمالها للموحدين، وكان ولاة إفريقية من السادة يولون عليها من الموحدين إلى أن تغلب بنو غالية [3] وقراقش على طرابلس وقابس وأعمالها، وكان ما ذكرناه في أخبارهم. ثم غلب الموحدون يحيى بن غانية عليها وأنزلوا بها عمالهم. ولما دعا بنو أبي حفص إلى إفريقية المرة الثانية بعد مهلك الشيخ أبي محمد عبد الواحد، وعقد العاقل [4] على إفريقية لابنه أبي محمد عبد الله عقد معه على قابس للأمير أبي زكريا أخيه فنزلها أميرا. ثم كان من شأن استبداده وخلعه لأخيه ولطاعة بني عبد المؤمن ما ذكرناه. وكان مشيخة قابس لذلك العهد في بيت من بيوتاتها، وهم بنو مسلم ولم يحضرني ممن نسبهم. وبنو مكي ونسبهم في لواتة وهو مكي بن فرح [5] بن زيادة الله
ابن أبي الحسن بن محمد بن زيادة الله بن أبي الحسين [1] اللواتي. وكان بنو مكي هؤلاء خالصة للأمير أبي زكريا. ولما اعتزم على الاستبداد دخل أبو القاسم عثمان بن أبي القاسم بن مكي وتولى له أخذ البيعة على الناس وكان له ولقومه بذلك مكان من المولى أبي زكريا، رعى لهم ذمتها ورفع من شأنهم بسببها، ورموا بني سليم نظراءهم في رياسة البلد بضغائنهم [2] إلى ابن غانية فأخمدوا مالهم بماله ومحوا آثارهم واستقلوا بشورى بلدهم. وأقاموا على ذلك أيام المولى أبي زكريا الأول وابنه المستنصر. ثم كان ما قدمناه من مهلك الواثق بن المستنصر وبنيه على يد عمهم السلطان أبي إسحاق. وكان من أمر الداعي بن أبي عمارة، وكيف شبه على الناس بالفضل بن المخلوع بحيلة من مولاه نصير. رام أن يثأر بها من قاتلهم فتمت مكيدته في ذلك لما أراده الله. ولما أظهر نصير أمره وتسايلت العرب إلى بيعته خطب لأول أمره رئيس قابس لذلك العهد من بني مكي عبد الملك بن عثمان بن مكي فسارع إلى طاعته وحمل الناس عليها، وكانت له بذلك قدم في الدولة معروف رسوخها.
ولما ألقى الداعي بن أبي عمارة جسدا [3] على كرسي الخلافة سنة إحدى وثمانين وستمائة قلده خطة الجباية بالحضرة مستقلا فيها بالولاية والعزل والفرض والتقدير والحسبان بعد أن أجزل من بيت المال عطاءه وجرايته وأسنى رزقه وأهدى الجواري من القصر إليه. ولما هلك الداعي واستقلت قدم الخلافة من عثارها كما قدمناه سنة ثلاث وثمانين وستمائة لحق عبد الحق بن مكي ببلده وامتنع بها على حين ركود ريح الدولة وفشلها، ومرض في طاعته ودافع أهل الدولة بالدعاء للخليفة على منابره. ثم جاهر بالخلعان سنة ثلاث وتسعين وستمائة وبعث بطاعته إلى صاحب الثغور المولى أبي زكريا الأوسط. وهلك ابنه أحمد ولي عهده سنة سبع وتسعين وستمائة. ثم هلك هو من بعده على رأس المائة السابعة، وتخلف حافده مكيا فنصبوه يفعة. وكفله ابن عمه يوسف بن حسن وقام بالأمر مستبدا عليه إلى أن هلك، وخلفه في كفالة أحمد بن ليدان [4] من بيوت أهل قابس أصهار بني مكي التاث أمرهم بمهلك يوسف فنقلهم
السلطان ابن اللحياني إلى الحضرة، وأقاموا بها أياما، ثم ردهم إلى بلدهم أيام مجافاته عن تونس وخروجه إلى ناحية قابس.
ثم هلك خلال ذلك مكي، وخلف صبيين يافعين عبد الملك وأحمد فكفلهما ابن ليدان إلى أن شبا واكتهلا، ولهما من الامتناع على الدولة والاستبداد بأمر القطر والاقتصار على الدعاء للخليفة مثل ما كان لأبيهما وأكثر لتقلص ظل الملك عن قطرهم، وشغل السلطان بمدافعة يغمراسن وعساكرهم عن الثغور الغربية، اجلابهم بالأعياص من أهل البيت على الحضرة، ولما هلك السلطان أبو يحيى اللحياني بمصر قفل ابنه عبد الواحد إلى المغرب يحاول أسباب الملك، ونزل بساحتهم على ما كان من صنائع أبيه إليهم فذكروا العهد، وأوجبوا الحق وآتوا بيعتهم. وقام كبيرهم عبد الملك بأمره ودعا الناس إلى طاعته، وخالف السلطان أبا يحيى عند نهوضه إلى الثغر ببجاية سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة كما قدمناه، فدخل الحضرة ولبث بها أياما لم تبلغ نصف شهر، وبلغ خبرهم إلى السلطان فانكفأ راجعا وفروا إلى مكانهم من قابس، والدولة تنظر إليهم الشزر وتتربص بهم الدوائر إلى أن غلب السلطان أبو الحسن على تلمسان ومحا دولة آل يغمراسن، وفرغت الدولة من شأنهم إلى تمهيد أعمالهم وتقويم المنحرفين عن الطاعة من ولاتها.
وقفل حمزة بن عمر بشفاعة السلطان أبي الحسن إلى السلطان أبي يحيى في شأنه فتقبل وسيلته واستخلصه لنفسه من بعدها، واستقام هو على الطاعة التي لم تجد وليجة عنها، وسلك سبيله تلك أقتاله من الدولة الطائحين في هوة الشقاق، فأوفده عبد الملك هذا شقيقه أحمد على السلطان أبي الحسن متنصلا من ذنوبه لائذا بشفاعته متوسلا بما قدمناه من خدمته حظاياه في طريقهن إلى الحج ذاهبا وجائيا، فخاطب السلطان أبا يحيى في شأنه وأعاده إلى مكانه من اصطناع سلفه واستقام على طاعته.
ولما انتظم السلطان أبو يحيى سائر البلاد الجريدية في ملكه وعقد عليها لابنه أبي العباس ولي عهده، وأنزله دار إمارتها مترددا ما بين توزر وقفصة إلى أن قفلت عمته من الحج سنة ست وأربعين وسبعمائة، وخرج للقائها مختفيا بين الظعائن فجمعه مجلسها بأحمد بن مكي كان قد اعتمد تلقيها والقيام بصحابتها في مراحل سفرها من بلده إلى آخر عمله، فمسح الأمير أبو العباس الإحف عن صدره وأدال له الأمن والرضى من توحشه، واستخلصه لدولته ونجوى أسراره واصطفاه لنفسه وحمله رديفا
لحاجبه، فحل من دولته بمكان غبطة فيه امتيازه من أمراء تلك الطوائف.
وعقد له السلطان أبو يحيى على جزيرة جربة بوسيلة أبي العباس ابنه، وقد كان افتتحها مخلوف بن الكماد من صنائعهم من يد العدو أهل صقلية كما ذكرناه، فضمها إليه وصيرها في أعماله. ولم يزل هذا شأنه معه إلى أن هلك أبو العباس ولي العهد بتونس على يد أخيه أبي حفص عمر عند ما دخلها بعد مهلك أبيهما كما ذكرناه، ولحق أحمد بن مكي ببلده. ثم سار في وفد رؤساء الجريد إلى تلقي السلطان أبي الحسن عند نهوضه إلى إفريقية سنة ثمان وأربعين وسبعمائة ولقبه معهم بوحران من أعمال تلمسان، وكان قدمه عنده فوق قدمهم. ورجع الوفد على أعقابهم محبورين. وتمسك بأحمد بن مكي في جملته إلى الحضرة، ووفد عليه أخوه عبد الملك مؤديا طاعة السلطان، فكرم موصله وأحسن متقبلهما جميعا إلى بلدهما على ما كان بيدهما من عمل قابس وجربة.
ثم كانت نكبة السلطان أبي الحسن على القيروان مجددا لعهد طاعته، فأرادهم السلطان على الامتنان لعبد الواحد اللحياني سلطانهم الأقدم، وعقد له على تلك الثغور الشرقية، وأنزله جربة، وأمرهما بالطاعة له ما دام في طاعته. وعقد لأبي القاسم بن عتو شيخ الموحدين على توزر وقسطيلية بعد أن كان قطعه عند ما تقبض عليه في واقعة السلطان أبي حفص عمر. ثم استقبل رأيه في استخلاصه عند ما انتقض عليه أبو محمد بن تافراكين. ولما رجع من القيروان إلى تونس عقد له على توزر كما ذكرناه، ولعبد الواحد بن اللحياني على قابس وجربة فأسف بذلك بني مكي هؤلاء.
وهلك ابن اللحياني لحين نزوله بجربة بما أصابه من علة الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين وسبعمائة فانتقض بنو مكي على السلطان أبي الحسن ودعوا إلى الخروج عليه وبايعوا الأفضل ابن السلطان أبي يحيى عند ما أفرج عن حصار تونس سنة خمسين وسبعمائة، وداخلوا أبا القاسم بن عتو وهو إذ ذاك لم يتوزر، فأجابهم وكانت من دواعي رحلة السلطان أبي الحسن من إفريقية وتقويضه عنها كما قدمناه. ولما رجع الحاجب أبو محمد بن تافركين من المشرق، واستقل بأمر تونس، ونصب الإمام أبا إسحاق ابن السلطان أبي يحيى للخلافة بها في كفالته غصوا بمكانه من التغلب وأنفوا من استبداده، وانحرفوا إلى دعوة الأمير أبي زيد صاحب ثغر قسنطينة. ووفد عليه
أحمد بن مكي مع محمد بن طالب بن مهلهل كبير البدو بإفريقية فيمن إليه، فاستنهضوه وقلده الأمير أبو زيد حجابته وجعل أمره إليه. وأبرز الحاجب أبو محمد بن تافراكين سلطانه أبا إسحاق في عساكره مع خالد بن حمزة وقومه فالتقى الجمعان بمرمجنة وكانت الدبرة على السلطان أبي إسحاق سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة وجاءوا على أثرهم فنازلوا تونس أياما وما أفرجوا عنها إلا للصائح يخبرهم باحتلال عساكر بني مرين بالمرية من آخر أعمال تلمسان، وأن السلطان أبا عنان قد استلحم بني عبد الواد، وجمع كلمة زناتة، واستقام له أمر المغربين. وأطل على الثغور الشرقية فافترق جمعهم. ولحق الأمير أبو زيد بقسنطينة، وأحمد بن مكي بقابس، وسأل من الأمير أبي زيد أن يقسم رسم الإمارة بينهم في قابس وجربة بأخيه السلطان أبي العباس فأذن له في ذلك، فكانت أول ولايته السعيدة ومضى إلى قابس فنزلها، ثم أجاز البحر إلى جربة، ودفع عنها العسكر الذي كان محاصرا للقشتيل من قبل ابن ثابت صاحب طرابلس، ورجع إلى قابس حتى كان من أمره ما ذكرناه.
وأوفد السلطان أبو العباس أخاه أبا يحيى زكريا على أبي عنان ملك المغرب صريخا على شأنه، وأوفد ابن مكي رسله متذمما ومذكرا بوسائله فتقبل وأغضى. ثم كانت واقعة العدو دمره الله بطرابلس سنة أربع وخمسين وسبعمائة كما قدمناه فبعث إلى السلطان أبي عنان يسأله فديتها والنظر لها من بين ثغور المسلمين، فحمل إليه خمسة أحمال من الذهب العين من بيت المال، أوفد بها من أعيان مجلسه: الخطيب أبا عبد الله بن المرزوق، وأبا عبد الله محمد حافد المولى أبي علي عمر بن سيد الناس.
وعقد لأحمد بن مكي على طرابلس فاستقل بها، وعقد لأخيه عبد الملك على قابس وجربة وأقاموا على دعوته. ومد أحمد يده إلى صفاقس فتناولها وتغلب عليها سنة سبع وخمسين وسبعمائة وهلك السلطان أبو عنان وقد شرق صدر ابن تافراكين الغالب على الحضرة بعدا وتهما فردد عليهما برا وبحرا إلى أن استخلص جزيرة جربة من أيديهما أعوام أربعة وستين وسبعمائة وعقد عليها لولده محمد فاستخلف بها كاتبه محمد بن أبي القاسم بن أبي العيون من صنائع الدولة كما ذكرناه.
وهلك أحمد بن مكي سنة ست وستين وسبعمائة على تفيئة مهلك الحاجب بن تافراكين بالحضرة فكأنهما ضربا موعدا للهلكة وتوافياه. وتخلف ابنه عبد الرحمن
بطرابلس في كفالة مولاه ظافر العلج، وهلك ظافر إثر مهلكه فاستبد عبد الرحمن بطرابلس وساءت سيرته فيها إلى أن نازلة أبو بكر بن محمد بن ثابت في أسطوله كما نذكر سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة. وأجلب عليه بالبرابرة والعرب من أهل الوطن فانتقض عليه أهل البلد وثاروا به. وبادر أبو بكر بن ثابت لاقتحامها عليه وأسلموه إلى أمير من أمراء دباب فأجاره إلى أن أبلغه مأمنه من محلة قومه، وإيالة عمه عبد الملك بقابس إلى أن هلك سنة تسع وسبعين وسبعمائة ولم يزل عبد الملك لهذا العهد وهو سنة إحدى وثمانين وسبعمائة واليا على عمله بقابس وابنه يحيى مستبد بوزارته، وحافده عبد الوهاب لابنه مكي رديف له، وقد تراجعت أحوالهم عما كانت وخرجت من أيديهم الأعمال التي كانت في عمالتهم لعهد أخيه أحمد مثل طرابلس وجزيرة جربة وصفاقس وما إلى ذلك من العمالات حتى كان التخت [1] إنما كان لأخيه، واليمن إنما اقترن بحياته وسيرتهما جميعا من العدالة وتحري مذاهب الخير والسمت، والاتسام بسمات أهل الدين حملة [2] الفقه معروفة حتى كان كل واحد منهم إنما يدعى بالفقيه علما بين أهل عصره حرصا على الانغماس في مذاهب الخير وطرقه. وكان لأحمد حظ من الأدب، وكان يقرض الأبيات من الشعر فيجيد عفا الله عنه. وله في الترسيل حظ ووساع بلاغة رسومها، وينحو في كتابه منحى أهل المشرق في أوضاع حروفهم وأشكال رسومها، ولأخيه عبد الملك حظ من ذلك شارك به جهابذة أهل عصره وأفقه ولما انتظم السلطان أبو العباس أمصار إفريقية في ملكه واستبد بالدعوة الحفصية على قومه داخل أهل الجريد منه الروع، وفزعوا إليه للمعارضة في الامتناع فداخلهم في ذلك وأشاروا إلى صاحب تلمسان بالترغيب في إفريقية فعجز عنهم وألحوا عليه فخام عن العداوة. وزحف مولانا السلطان خلال ذلك إلى الجريد فملك قفصة وتوزر ونفطة فبادر ابن مكي إلى التلبس بالاستقامة وبعث إليه بالطاعة. ثم رجع السلطان إلى الحضرة فرجع هو عن المصدوقة واتهم أهل البلد بالميل إلى السلطان فتقبض على بعضهم وفر آخرون. وانتقض عليه بنو أحمد أهل ضواحيه من دباب فنازلوه وبعثوا إلى الأمير الأكبر بقفصة في العسكر لمنازلته، فبعثه إليهم وأحاطوا به.
ثم انتهز الفرصة ودخل بعض العرب من بني علي في تبييت المعسكر، وبذل لهم في ذلك المال فبيتوه وانفض وبلغ الخبر إلى السلطان فخرج من حضرته سنة إحدى وثمانين وسبعمائة ونزل القيروان وتوافت الفئتان [1] وبعث رسله للأعذار بين يديه فردهم ابن مكي بالطاعة ثم احتمل رواحله ونزل بأحياء العرب. وأغذ السلطان السير إلى البلد فدخلها واستولى على قصورها، ولاذ أهل البلد بالبيعة فآتوها واستعمل عليهم من بطانته وانكفأ راجعا إلى تونس. وهلك عبد الملك لأيام قلائل بين أحياء العرب.
وهلك بعده ابنه عبد الرحمن وابن أخيه أحمد الذي كان صاحب طرابلس بعد أبيه، ولحق ابنه يحيى وحفيده عبد الوهاب بطرابلس فمنعهم ابن ثابت من النزول ببلده لما كان متمسكا بطاعة السلطان، فنزلوا بزنزور من بلاد دباب التي بضواحيها وأقاموا هنالك. واستقامت النواحي الشرقية على طاعة السلطان وانتظمت في دعوته والله مالك الملك.
ثم ذهب يحيى بن عبد الملك إلى المشرق لقضاء فرضه، وأقام عبد الوهاب بين أحياء البرانس [2] بالجبال هنالك، وكان الوالي الذي تركه السلطان بقابس قد ساء أثره في أهلها، فدس شيعتهم إلى عبد الوهاب بذلك وجاء إلى البلد فبيتها، وثاروا بالوالي فقتلوه سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة وملك عبد الوهاب قابس وجاء أخوه [3] يحيى من المشرق بعد قضاء فرضه، فأجلب عليه مرارا يروم ملكها منه، ولم يتهيأ له، ونزل على صاحب الحمة فداخله عبد الوهاب في أن يمكنه منه، ويشرط ما شاء. وتم ذلك بينهما وأوثقه كتافا وبعث به إليه واعتقله بقصر العروسيين، فمكث في السجن أعواما. ثم فر من محبسه ولحق بالحامة على مرحلة من قابس مستنجدا بابن وشاح صاحبها، فأنجده. وما زال يجلب على نواحي قابس إلى أن ملكها وتقبض على عبد الوهاب ابن أخيه مكي فقتله أعوام تسعين وسبعمائة. ولم يزل مستبدا ببلده إلى سنة ست وتسعين وسبعمائة وكان عمر ابن السلطان أبي العباس قد بعثه أبوه لحصار طرابلس فحاصرها حولا كما نذكره، حتى استقام أهلها على الطاعة وأعطوا الضريبة فأفرج عنها. ورجع إلى أبيه فولاه على صفاقس وأعمالها فاستقل بها، ثم دخل أهل
الحامة في ملك قابس فأجابوه وساروا معه فبيتها ودخلها وقبض على يحيى بن عبد الملك فضرب عنقه، وانقرض أمر بني مكي من قابس، ولله الأمر من قبل ومن بعد، وهو خير الوارثين.
** (الخبر عن بني ثابت رؤساء مدينة طرابلس واعمالها) **
قد تقدم لنا شأن هذا البلد لأول الفتح الإسلامي، وأن عمرو بن العاص هو الذي تولى فتحه، وبقي بعد ذلك من جملة أعمال إفريقية، تنسحب عليه ولاية صاحبها، فلم يزل ثغرا لهذه الأعمال من لدن إمارة عقبة ومن بعده وفي دول الأغالبة. وكان المعز لدين الله من خلفاء الشيعة لما ارتحل إلى القاهرة، وعقد على إفريقية لبلكين ابن زيري بن مناد أمير صنهاجة، عقد على طرابلس لعبد الله بن يخلف من رجالات كتامة. ثم لما ولي نزار الخلافة سنة سبع وستين وثلاثمائة طلب منه بلكين أن يضيف عمل طرابلس إلى عمله فأجاب وعهد له بها، وولى عليها بلكين من رجالات صنهاجة. ثم عقد عليها الحاكم بعد مهلك المنصور بن بلكين ليأنس الصقليي سنة تسعين وثلاثمائة بمداخلة عاملها يمصول من صنهاجة، وأعانه على ذلك برجوان الصقليي المتغلب على الدولة يومئذ لمنافسته ليأنس، فوصل إليها في ألف وخمسمائة فارس فملكها، فسرح باديس جعفر بن حبيب لحربه في عسكر من صنهاجة، وتزاحفا يومين بساحة زنزور، ثم انفض عسكر يأنس في الثالث وقتل، ولحق فله بطرابلس فاعتصموا بها. ونازلهم جعفر بن حبيب القائد، وزحف فلفول بن سعيد ابن خزرون الثائر على باديس وابنه بإفريقية إلى قابس فحاصرها.
ثم قصد جعفر بن حبيب بمكانه من حصار طرابلس فأفرج عنها جعفر ولحق بنفوسة، وأميرهم يحيى بن محمد فامتنع عليهم، ثم لحق بالقيروان ومضى فلفول بن سعيد إلى طرابلس فخرج إليه فتوح بن علي ومن معه من أصحاب يأنس فملكوه، وقام فيها بدعوة الحاكم من خلفاء الشيعة وأوطنها. وعقد الحاكم عليها ليحيى بن علي بن حمدون أخي جعفر صاحب المسيلة النازع إليه من الأندلس فوصل إليها واستظهر بفلفول على بجاية، ونازل قابس فامتنعت عليه. ثم عجز عن الولاية ورأى استبداد
فلفول عليه بعصبته فرجع إلى مصر، واستبد فلفول بطرابلس وتداولها بنوه مع ملوك صنهاجة إلى أن استبدوا بها آخرا. ودخل العرب الهلاليون إلى إفريقية فخربوا أوطانها وطمسوا معالمها. ولم تزل بأيدي بني خزرون هؤلاء إلى أن غلبهم عليها جرجي بن ميخائيل صاحب أسطول رجار ملك صقلية من الإفرنج سنة أربعين وخمسمائة، وأبقى المسلمين بها واستعمل عليهم كما فعل في سواحل إفريقية فأقاموا في ملكة النصارى أياما. ثم ثار بهم المسلمون بمداخلة أبي يحيى بن مطروح من أعيانهم وفتكوا بهم. ولما افتتح عبد المؤمن المهدية سنة خمس وخمسين وخمسمائة وفد عليه ابن مطروح ووجوه أهل طرابلس فأوسعهم تكرمة وردهم إلى بلدهم، وولى عليهم ابن مطروح إلى أن كبر سنه وعجز. وارتحل إلى المشرق سنة ست وثمانين وخمسمائة بإذن السيد زيد بن عمر بن عبد المؤمن عامل إفريقية من قبل عمه يوسف واستقر بالإسكندرية.
وتعاقبت عليها ولاة الموحدين، ثم كان من أمر ابن غانية وقراقش ما قدمناه، وصارت طرابلس لقراقش. ثم استبد بنو أبي حفص بإفريقية على بني عبد المؤمن.
وهلك قراقش وابن غانية، وانتظم عمل طرابلس في أعمال الأمير أبي زكريا وبنيه إلى أن انقسمت دولتهم، واقتطعت الثغور الغربية عن الحضرة. وفشل ريح الدولة بعض الشيء وتقلص ظلها عن القاصية، فصارت رياسة طرابلس إلى الشورى ولم يزل العامل من الموحدين يجيء إليها من الحضرة إلا أن رئيسها من أهلها مستبد عليها، وحدثت العصبية في البلد لحدوث الشورى والمنافسة فيها. ثم نزلها السلطان أبو يحيى بن اللحياني سنة سبع عشرة وسبعمائة حين تجافى عن ملك الحضرة، وأحس بزحف السلطان أبي يحيى صاحب بجاية إليها فأبعد عن تونس إلى ثغر طرابلس، وأقام بها وأقام أحمد بن عربي من مشيختها بخدمته.
ولما فارق ابن اللحياني تونس ويئس الموحدون من عوده أخرجوا ابنه محمد المكنى بأبي ضربة من الاعتقال، وبايعوا له. وخرج للقاء السلطان أبي بكر ومدافعته فهزمه السلطان أبو بكر وحمله الأعراب الذين معه على قصد طرابلس لانتزاع الأموال والذخائر الملوكية من يد أبيه. ولما أحس بذلك أبوه ركب البحر من طرابلس إلى الإسكندرية كما هو مذكور في خبره، واستخلف على طرابلس صهره محمد بن أبي عمر بن إبراهيم بن أبي حفص فقام بأمرها، وولى حجابته رجلا من أهله يشهر
بالبطيسي، فساء أثره في أهل طرابلس، وحجب عنهم وجه الرضى من سلطانه، وحمله على مصادرتهم واستخلاص أموالهم حتى أجمعوا الثورة بالسلطان فركب السفين ناجيا منهم بعد أن تعرض بعضهم لوداعه فأطلعه على سعايات البطيسي بهم فقتلوه لوقته، وقتلوا قاضيا بطرابلس من أهل تونس كان يمالئ على ذلك. وتولى كبر ذلك أحمد بن عربي. ثم هلك وقام بأمر طرابلس محمد بن كعبور فقتله سعيد ابن طاهر المزوغي وملك أمر البلد، وكان معه أبو البركات بن أبي الدنيا فمات حتف أنفه. واستقل ابن طاهر بأمر طرابلس اثنتي عشرة سنة. ثم هلك وقام بأمرها ثابت ابن عمار الزكوجي من قبائل هوارة. وثار به لستة أشهر من ولايته أحمد بن سعيد بن طاهر فقتله واستبد به. ثم ثار به جماعة زكوجة وقتلوه في مغتسله عند الآذان بالصبح، وولوا محمدا ابن شيخهم ثابت بن عمار أعوام سبعة وعشرين فاستبد بأمر طرابلس نحوا من عشرين سنة وظل الدولة متقلص عنه. وهو يغالط عن الإمارة بالتجارة والاحتراف بها ولبوس شارتها، والسعي راجلا في سكك المدينة يتناول حاجاته وما عونه بيده ويخالط السوقة في معاملاته، يذهب في ذلك مذهب التخلق والتواضع يسر منه حسوا في ارتغاء، ويطلب العامل من تونس، فيبعثه السلطان على طرابلس يقيم عنده معتملا في تصريفه. وهو يبرأ إليه ظاهرا من الأحكام والنقض والإبرام إلى أن كان تغلب بني مرين على إفريقية. ووصل السلطان أبو الحسن إلى الحضرة على ما نذكره، فداوله طرف الحبل وهو ممسك بطرفه، ونقل إلى الإسكندرية ماله وذخيرته. ثم اغتاله أثناء ذلك جماعة من مجريش عند داره فقتلوه، وثار منهم للحين بطانته وشيعه. وولي بعده ابنه ثابت، فتزيا بزي الإمارة في اللبوس والركوب بحلية الذهب، واتخاذ الحجاب والبطانة.
وأقام على ذلك إلى أن اجتمع بها أسطول من تجار النصارى أغفلوا أمرهم لكثرة طروقهم وترددهم في سبيل التجارة، وكثرة ما يغشاها من سفنهم، فغدروا ليلا وثاروا فيها وكثروا أهلها فأسلم الحامية إليهم باليد. وفر مقدمهم ثابت إلى حلة أولاد مرغم أمراء الجواري في انحائها [1] فقتلوه صبرا لدم كان أصابه منهم في رياسته، فكانت مدته ست سنين، وقتلوا معه أخاه عمارا. واكتسح النصارى جميع ما كان بالبلد من
الذخيرة والمتاع والخرثي والماعون، وشحنوا السفن بها وبالأسرى من العقائل والحامية مصفدين، وأقاموا بالبلد أياما على قلقة [1] ورهب من الكرة لو كان لها رجال. ثم تحدثوا مع من جاورها من المسلمين في فدائها فتصدى لذلك صاحب قابس أبو العباس أحمد بن مكي وبذل لهم فيها خمسين ألفا من الذهب استوهب أكثرها من جماعة المسلمين بالبلاد الجريدية تزلفا إلى الله باستخلاص الثغر من يد الكفر، وذلك سنة [2] وخمسين ولحق ولد ابن ثابت بثغر الإسكندرية فأقاموا به يحترفون بالتجارة إلى أن هلك أحمد بن مكي سنة ست وستين وسبعمائة، وقام بأمره ولده عبد الرحمن.
فسما أبو بكر بن محمد بن ثابت إلى رياسة أبيه، وذكر عهود الصبا في معاهد قومه فاكترى من النصارى سفنا شحنها بصنائعه وموالي أبيه، ونازلها سنة إحدى وسبعين وسبعمائة في أسطول من أساطيلهم. واجتمع إليه ذؤبان العرب ففرق فيهم الأموال وأجلب عليها بمن في قراها وأريافها من الرجل، فاقتحمها على عبد الرحمن بن أحمد بن مكي عنوة، وأجاره العرب من أولاد مرغم بن صابر، تولى ذلك منهم إلى أن أبلغوه مأمنه في إيالة عمه عبد الملك بمكان إمارتهم بقابس.
واستوسق أمر طرابلس لأبي بكر هذا، واستقل بولايتها. ودخل في طاعة السلطان أبي العباس بتونس، وخطب له على منابرة، وقام يصانعه بما للسلطان من الضريبة، ويتحفه حينا بعد حين بالهدايا والطرف إلى أن هلك سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة، وولي مكانه علي ابن أخيه عمار، وقام بكفالته عمه. وكان قائده قاسم ابن خلف الله متهما بالتشيع للصبي المخلف عن أبي يحيى، فارتاب ودفعوه لاقتضاء المغارم من مسرتة، فتوحش الخليفة من علي وانتقض. ثم بعث إليه بأمانه فرجع إلى طرابلس، ثم استوحش وطلب الحج فخلوا سبيله وركب البحر إلى الإسكندرية. ولقي بها خالصة السلطان محمد بن أبي هلال عام حج فأخذ منه ذمة، وكر راجعا في السفين إلى تونس يستحث السلطان لملك طرابلس. فلما مر بهم راسلوه ولاطفوه واستعادوه إلى مكانه فعاد إليهم. ثم جاءته النذر بالهلكة ففر، ولحق السلطان بتونس واستحثه لملك طرابلس. وبلغ الخبر إلى السلطان فبعث معه ابنه
الأمير أبا حفص عمر لحصار طرابلس فنزل بساحتها، وافترق عرب دباب عليه وعلى ابن ثابت، وقام ابن خلف الله في خدمته المقام المحمود، ووفر له جباية الوطن ومغارمه ونقل العرب إلى طاعته ويستألفهم به، وأقام عليها حولا كريتا [1] يمنع عنهم الأقوات ويبرزون إليه فيقاتلهم بعض الأحيان. ثم دفعوه بالضريبة التي عليهم لعدة أعوام نائطة [2] وكان قد ضجر من طول المقامة فرضي بطاعتهم وانكفأ راجعا إلى أبيه سنة خمس وتسعين وسبعمائة فولاه على صفاقس وافتتح منها قابس كما قدمناه. وأقام علي بن عمار على إمارته بطرابلس إلى هذا العهد، والله مدبر الأمور بحكمته.
هذا آخر الكلام في الدولة الحفصية من الموحدين وما تبعها من أخبار المقدمين المستبدين بأمصار الجريد والزاب والثغور الشرقية، فلنرجع إلى أخبار زناتة ودولهم، وبكمالها يكمل الكتاب إن شاء الله تعالى.
تتمة كتاب الثالث
(بسم الله الرحمن الرحيم)
** الخبر عن زناتة من قبائل البربر وما كان بين أجيالهم من العز والظهور وما تعاقب فيهم من الدول القديمة والحديثة **
هذا الجيل في المغرب جيل قديم العهد معروف العين والأثر، وهم لهذا العهد آخذون من شعائر العرب في سكنى الخيام واتخاذ الإبل وركوب الخيل والتغلب في الأرض وإيلاف الرحلتين، وتخطف الناس من العمران والإباية عن الانقياد للنصفة.
وشعارهم بين البربر اللغة التي يتراطنون بها، وهي مشتهرة بنوعها عن سائر رطانة [1] البربر. ومواطنهم في سائر مواطن البربر بإفريقية والمغرب، فمنهم ببلاد النخيل ما بين غدامس والسوس الأقصى حتى أن عامة تلك القرى الجريدية بالصحراء منهم كما نذكره. ومنهم قوم بالتلول بجبال طرابلس وضواحي إفريقية، وبجبل أوراس بقايا منهم سكنوا مع العرب الهلاليين لهذا العهد، وأذعنوا لحكمهم، والأكثر منهم بالمغرب الأوسط حتى أنه ينسب إليهم ويعرف بهم فيقال: وطن زناتة. ومنهم بالمغرب الأقصى أمم أخرى، وهم لهذا العهد أهل دول وملك بالمغربين، وكانت لهم فيه دول أخرى في القديم، ولم يزل الملك يتداول في شعوبهم حسبما نذكره بعد لكل شعب منهم إن شاء الله تعالى.
** (الخبر عن نسبة زناتة وذكر الخلاف الواقع فيه وتعديد شعوبهم) **
أما نسبهم بين البربر فلا خلاف بين نسابتهم أنهم من ولد شانا وإليه نسبهم، وأما شانا فقال أبو محمد بن حزم في كتاب الجمهرة، قال بعضهم: هو جانا بن يحيى بن صولات بن ورماك بن ضري بن رحيك بن مادغيس بن بربر [1] . وقال أيضا في كتاب الجمهرة ذكر لي يوسف الوراق عن أيوب بن أبي يزيد يعني حين وفد على قرطبة عن أبيه الثائر بإفريقية أيام الناصر قال: هو جانا بن يحيى بن صولات بن ورساك بن ضري بن مقبو بن قروال بن يملا بن مادغيس بن رحيك [2] بن همرحق ابن كراد بن مازيغ بن هراك بن هرك بن برا بن بربر بن كنعان بن حام هذا ما ذكره ابن حزم. ويظهر منه أن مادغيس ليس نسبة إلى البربر وقد قدمنا ما في ذلك من الخلاف، وهو أصح ما ينقل في هذا الآن ابن حزم موثوق ولا يعدل به غيره.
(ونقل) عن ابن أبي ريد وهو كبير زناتة ويكون البربر على هذا من نسل برنس فقط، والبتر الذين هم بنو مادغيس الأبتر ليسوا من البربر ومنهم زناتة وغيرهم كما قدمنا لكنهم إخوة البربر لرجوعهم كلهم إلى كنعان بن حام كما يظهر من هذا النسب.
(ونقل) عن أبي محمد بن قتيبة في نسب زناتة هؤلاء أنهم من ولد جالوت في رواية أن
زناتة هو جانا بن يحيى بن ضريس بن جالوت، وجالوت هو ونور بن جرييل [1] بن جديلان بن جاد بن رديلان بن حصي بن باد بن رحيك بن مادغيس الأبتر بن قيس بن عيلان.
(وفي) رواية أخرى عنه أن جالوت بن جالود بن بردنال [2] بن قحطان بن فارس، وفارس مشهور.
(وفي) رواية أخرى عنه أنه ابن هربال [3] بن بالود بن ديال بن برنس بن سفك، وسفك أبو البربر كلهم، ونسابة الجيل نفسه من زناتة يزعمون أنهم من حمير، ثم من التبابعة منهم [4] . وبعضهم يقول أنهم من العمالقة، ويزعمون أن جالوت جدهم من العمالقة، والحق فيهم ما ذكره أبو محمد بن حزم أولا وما بعد ذلك فليس شيء منه بصحيح. فأما الرواية الأولى عن أبي محمد بن قتيبة فمختلطة وفيها أنساب متداخلة.
وأما نسب مادغيس إلى قيس عيلان فقد تقدم في أول كتاب البربر عند ذكر أنسابهم وأن أبناء قيس معروفون عند النسابة. وأما نسب جالوت إلى قيس فأمر بعيد عن القياس، ويشهد لذلك أن معد بن عدنان الخامس من آباء قيس إنما كان معاصرا لبخت نصر كما ذكرناه أول الكتاب. وأنه لما سلط على العرب أوحى الله إلى أرمياء نبي بني إسرائيل أن يخلص معدا ويسير به إلى أرضه، وبخت نصر كان بعد داود بما يناهز أربعمائة وخمسين من السنين، فإنه خرب بيت المقدس بعد بناء داود وسليمان له بمثل هذه المدة.
فمعد متأخر عن داود بمثلها سواء، فقيس الخامس من أبنائه متأخر عن داود بأكثر من ذلك، فجالوت على ما ذكر أنه من أبناء قيس متأخر عن داود بأضعاف ذلك الزمن. وكيف يكون ذلك مع أن داود هو الذي قتل جالوت بنص القرآن؟
(وأما) إدخاله جالوت في نسب البربر، وأنه من ولد مادغيس أو سفك فخطأ،
وكذلك من نسبه إلى العمالقة. والحق أن جالوت من بني فلسطين بن كسلوحيم بن مصرايم بن حام أحد شعوب حام بن نوح، وهم إخوة القبط والبربر والحبشة والنوبة كما ذكرناه في نسب أبناء حام. وكان بين بني فلسطين هؤلاء وبين بني إسرائيل حروب كثيرة، وكان بالشام كثير من البربر إخوانهم، ومن سائر أولاد كنعان يضاهونهم فيها، ودثرت أمة فلسطين وكنعان وشعوبهما لهذا العهد، ولم يبق إلا البربر، واختص اسم فلسطين بالوطن الذي كان لهم فاعتقد سامع اسم البربر مع ذكر جالوت أنه منهم وليس كذلك.
(وأما) ما رأي نسابة زناتة أنهم من حمير فقد أنكره الحافظان أبو عمر بن عبد البر وأبو محمد بن حزم وقالا ما كان لحمير طريق إلى بلاد البربر إلا في أكاذيب مؤرخي اليمن، وإنما حمل نسابة زناتة على الانتساب في حمير الترفع عن النسب البربري لما يرونهم في هذا العهد خولا وعبيدا للجباية وعوامل الخراج، وهذا وهم فقد كان في شعوب البربر من هم مكافئون لزناتة في العصبية أو أشد منهم مثل هوارة ومكناسة، وكان فيهم من غلب العرب على ملكهم مثل كتامة وصنهاجة ومن تلقف الملك من يد صنهاجة مثل المصامدة، كل هؤلاء كانوا أشد قوة وأكثر جمعا من زناتة. فلما فنيت أجيالهم أصبحوا مغلبين فنالهم ضر المغرم، وصار اسم البربر مختصا لهذا العهد بأهل المغرم، فأنف زناتة منه فرارا من الهضيمة.
وأعجبوا بالدخول في النسب العربي لصراحته وما فيه من المزية بتعدد الأنبياء ولا سيما نسب مضر وأنهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم بن نوح بن شيث بن آدم، خمسة من الأنبياء ليس للبربر إذا نسبوا إلى حام مثلها مع خروجهم عن نسب إبراهيم الذي هو الأب الثالث للخليقة إذا الأكثر من أجيال العالم لهذا العهد من نسله. ولم يخرج عنه لهذا العهد إلا الأقل مع ما في العربية أيضا من عز التوحش، والسلامة من مذمومات الخلق بانفرادهم في البيداء. فأعجب زناتة نسبهم وزينه لهم نسابتهم، والحق بمعزل عنه، وكونهم من البربر بعموم النسب لا ينافي شعارهم من الغلب والعز، فقد كان الكثير من شعوب البربر مثل ذلك وأعظم منه. وأيضا فقد تميزت الخليقة وتباينوا بغير واحد من الأوصاف، والكل بنو آدم ونوح من بعده. وكذلك تميزت العرب وتباينت شعوبها والكل لسام ولإسماعيل بعده.
(وأما) تعدد الأنبياء في النسب فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ولا يضرك الاشتراك
مع الجيل [1] في النسب العام إذا وقعت المباينة لهم في الأحوال التي ترفع عنهم، مع أن المذلة للبربر إنما هي حادثة بالقلة ودثور أجيالهم بالملك الذي حصل لهم، ونفقوا في سبله وترفه كما تقدم لك في الكتاب الأول من تأليفنا. وإلا فقد كان لهم من الكثرة والعز والملك والدولة ما هو معروف.
(وأما) أن جيل زناتة من العمالقة الذين كانوا بالشام فقول مرجوح وبعيد عن الصواب لأن العمالقة الذين كانوا بالشام صنفان. عمالقة من ولد عيصو بن إسحاق، ولم تكن لهم كثرة ولا ملك، ولا نقل أن أحدا منهم انتقل إلى المغرب بل كانوا لقلتهم ودثور أجيالهم أخفى من الخفاء. والعمالقة الأخرى كانوا من أهل الملك والدولة بالشام قبل بني إسرائيل وكانت أريحاء دار ملكهم. وغلب عليهم بنو إسرائيل وابتزوهم ملكهم بالشام والحجاز وأصبحوا حصائد سيوفهم، فكيف يكون هذا الجيل من أولئك العمالقة الذين دثرت أجيالهم؟ وهذا لو نقل لوقع به الاسترابة فكيف وهو لم ينقل؟ هذا بعيد في العبادة والله أعلم بخلقه.
(وأما) شعوب زناتة وبطونهم فكثير [2] ولنذكر المشاهير منها (فنقول) : اتفق نساب زناتة على أن بطونهم كلها ترجع إلى ثلاثة من ولد جانا وهم: ورسيك وفرني والديرت [3] . هكذا في كتب أنساب زناتة. (وذكر) أبو محمد بن حزم في كتاب الجمهرة له من ولد ورسيك عند نيابتهم مسارت ورغاي وواشروجن، ومن واشروجن واريغن بن واشروجن. وقال أبو محمد بن حزم في ولد ورسيك أنهم مسارت وناجرت وواسين [4] .
(وأما) فرني بن جانا فمن ولده عند نسابة زناتة يزمرتن ومرنجيصة ووركلة ونمالة
وسبرترة، ولم يذكر أبو محمد بن حزم سبرترة وذكر الأربعة الباقية. (وأما) الديرت ابن جانا فمن ولده عند نسابة زنانة جداو [1] بن الديرت، ولم يذكره ابن حزم. وإنما قال عند ذكر الديرت ومن شعوبه: بنو ورسيك بن الديرت وهم بطنان دمر بن ورسيك وزاكيا بن ورسيك قال: ودمر لقب واسمه الغانا. قال: فمن ولد زاكيا بنو مغراو وبنو يفرن وبنو واسين. قال: وأمهم واسين مملوكة لأم مغراو وهم ثلاثتهم بنو يصلتن بن مسرا بن زاكيا. ويزيد نسابة زنانة في هؤلاء يرنيات بن يصلتن أخا لمغراو ويفرن وواسين ولم يذكره ابن حزم.
قال: ومن ولد دمر بنو ورنيد بن وانتن بن وارديرن بن دمر، وذكر لبني دمر أفخاذا سبعة وهم عرازول ولفورة وزناتين [2] ، وهؤلاء الثلاثة مختصون بنسب دمر، وبرزال ويصدرين وصغمان ويطوفت، هكذا ذكر أبو محمد بن حزم وزعم أنه من إملاء أبي بكر بن يكنى البرزالي الإباضي. وقال فيه: كان ناسكا عالما بأنسابهم، وذكر أن بني واسين وبني برزال كانوا أباضية وأن بني يفرن ومغراوة كانوا سنية. وعند نسابة البربر مثل سابق بن سليمان المطماطي وهانئ بن يصدور [3] والكومي وكهلان بن أبي لوا، وهو مسطر في كتبهم أن بني ورسيك بن الديرت بن جانا ثلاثة بطون وهم بنو زاكيا وبنو دمر وآنشة بنو آنش، وكلهم بنو وارديرن بن ورسيك، فمن زاكيا بن وارديرن أربعة بطون: مغراوة وبنو يفرن وبنو يرنيان وبنو واسين، كلهم بنو يصلتن ابن مسرا بن زاكيا ومن آنش بن وارديرن أربعة بطون: بنو برنال وبنو صقمات وبنو يصدورين وبنو يطوفت كلهم بنو آنش بن وارديرن ومن دمر ابن وارديرن ثلاثة بطون: بنو تقورت وبنو عزرول وبنو ورتاتين كلهم بنو وتيد [4] بن دمر، هذا الذي ذكره نسابة البربر وهو خلاف ما ذكره ابن حزم. ويذكر نسابة زناتة آخرين من شعوبهم ولا ينسبونهم مثل يجفش وهم أهل جبل قازاز قريب مكناسة وسنجاسن وورسيغان وتحليلة وتيسات وواغمرت وتيفراض ووجديجن وبنو بلومو وبنو وماني [5] وبنو توجين على أن بني توجين ينتسبون في بني واسين نسبا ظاهرا صحيحا بلا شك
على ما يذكر في أخبارهم. وبعضهم يقول في وجديجن وواغمرت بنو ورتنيص [1] أنهم من البرانس من بطون البربر على ما قدمناه. وذكر ابن عبد الحكم في كتابه فتح مصر خالد بن حميد الزناتي، وقال فيه هو من شورة إحدى بطون زناتة، ولم نره لغيره. هذا ملخص الكلام في شعوب زناتة وأنسابهم بما لا يوجد في كتاب. والله الهادي إلى مسالك التحقيق لا رب غيره.
** (فصل في تسمية زناتة ومبنى هذه الكلمة) **
(أعلم) أن كثيرا من الناس يبحثون عن مبنى هذه الكلمة واشتقاقها على ما ليس معروفا للعرب ولا لأهل الجيل أنفسهم فيقال: هو اسم وضعته العرب على هذا الجيل، ويقال بل الجيل وضعوه لأنفسهم أو اصطلحوا عليه. ويقال: هو زانا بن جانا فيزيدون في النسب شيئا لم تذكره النسابة. وقد يقال إنه مشتق ولا يعلم في لسان العرب أصل مستعمل من الأسماء يشتمل على حروفه المادية، وربما يحاول بعض الجهلة اشتقاقه من لفظ الزنا، ويعضده بحكاية خسيسة يدفعها الحق، وهذه الأقوال كلها ذهاب [1] إلى أن العرب وضعت لكل شيء اسما، وأن استعمالها إنما هو لأوضاعها التي من لغتها ارتجالا واشتقاقا. وهذا إنما هو في الأكثر وإلا فالعرب قد استعملت كثيرا من غير لغتها في مسماه إما لكونه علما فلا يغير مثل إبراهيم ويوسف وإسحاق من اللغة العبرانية، وإما استعانة وتخفيفا لتداوله بين الألسنة كاللجام والديباج والزنجبيل والنيروز والياسمين والآجر، فتصير باستعمال العرب كأنها من أوضاعهم. ويسمونها المعربة وقد يغيرونها بعض التغيير في الحركات أو في الحروف، وهو شائع لهم لأنه بمنزلة وضع جديد.
وقد يكون الحرف من الكلمة ليس من حروف لغتهم فيبدلونه بما يقرب منه في المخرج فإن مخارج الحروف كثيرة منضبطة وإنما نطقت العرب منها بالثمانية والعشرين حروف أبجد. وبين كل مخرجين منها حروف أكثر من واحد فمنها ما نطقت به الأمم، ومنها ما لم تنطق به، ومنها ما نطق به بعض العرب كما هو مذكور في كتب أهل اللسان.
وإذا تقرر ذلك فاعلم أن أصل هذه اللفظة التي هي زناتة من صيغة جانا التي هي اسم أبي الجيل كله، وهو جانا بن يحيى المذكور في نسبهم. وهم إذا أرادوا الجنس في التعميم الحقوا بالاسم المفرد تاء فقالوا جانات. وإذا أرادوا التعميم زادوا مع التاء نونا فصار جاناتن، ونطقهم بهذه الجيم ليس من مخرج الجيم عند العرب بل ينطقون بها بين الجيم والشين وأميل إلى السين، ويقرب للسمع منها بعض الصفير فأبدلوها زايا
محضة لاتصال مخرج الزاي بالسين، فصارت زانات لفظا مفردا دالا على الجنس.
ثم الحقوا به هاء النسبة وحذفوا الألف التي بعد الزاي تخفيفا لكثرة دورانه على الألسنة والله أعلم.
** (فصل في أولية هذا الجيل وطبقاته) **
أما أولية هذا الجيل بإفريقية والمغرب فهي مساوية لأولية البربر منذ أحقاب متطاولة لا يعلم مبدأها إلا الله تعالى. ولهم شعوب أكثر من أن تحصى مثل مغراوة وبني يفرن وجراوة وبني يرنيان ووجديجن وغمرة وبني ويجفش وواسين وبني تيغرست وبني مرين وتوجين وبني عبد الواد وبني راشد وبني برزال وبني ورنيد وبني زنداك وغيرهم. وفي كل واحد من هذه الشعوب بطون متعددة. وكانت مواطن هذا الجيل من لدن جهات طرابلس إلى جبل أوراس والزاب إلى قبلة تلمسان ثم إلى وادي ملوية. وكانت الكثرة والرئاسة فيهم قبل الإسلام لجراوة ثم لمغراوة وبني يفرن.
(ولما) ملك الإفرنجة بلاد البربر في ضواحيهم صاروا يؤدون لهم طاعة معروفة، وخراجا معروفا مؤقتا، ويعسكرون معهم في حروبهم ويمتنعون عليهم فيما سوى ذلك حتى جاء الله بالإسلام، وزحف المسلمون إلى إفريقية وملك الإفرنجة بها يومئذ جرجير، فظاهره زناتة والبربر على شأنه مع المسلمين وانفضوا جميعا. وقتل جرجير وأصبحت أموالهم مغانم ونساؤهم سبايا، وافتتحت سبيطلة. ثم عاود المسلمون غزو إفريقية وافتتحوا جلولاء وغيرها من الأمصار، ورجع الإفرنجة الذين كانوا يملكونهم على أعقابهم إلى مواطنهم وراء البحر. وظن البربر بأنفسهم مقاومة العرب فاجتمعوا وتمسكوا بحصون الجبال واجتمعت زناتة إلى الكاهنة وقومها جراوة بجبل أوراس حسبما نذكره، فأثخن العرب فيهم واتبعوهم في الضواحي والجبال والقفار حتى دخلوا في دين الإسلام طوعا وكرها، وانقادوا إلى إيالة مصر وتولوا من أمرهم ما كان الإفرنجة يتولونه حتى إذا انحلت بالمغرب عرى الملك العربي وأخرجهم من إفريقية البربر من كتامة وغيرهم، قدح هذا الجيل الزناتي زناد الملك فأورى لهم، وتداول فيهم الملك جيلا بعد جيل في طبقتين حسبما نقصه عليك إن شاء الله تعالى
** (الخبر عن الكاهنة وقومها جراوة من زناتة وشأنهم مع المسلمين عند الفتح) **
كانت هذه الأمة من البربر بإفريقية والمغرب في قوة وكثرة وعديد وجموع، وكانوا يعطون الإفرنجة بأمصارهم طاعة معروفة وملك الضواحي كلها لهم، وعليهم مظاهرة الإفرنجة مهما احتاجوا إليهم ولما أطل المسلمون في عساكرهم على إفريقية للفتح ظاهروا جرجير في زحفه إليهم حتى قتله المسلمون وانفضت جموعهم وافترقت رياستهم ولم يكن بعدها بإفريقية موضع للقاء المسلمين يجمعهم لما كانت غزواتهم لكل أمة من البربر في ناحيتها وموطنها مع من تحيز إليهم من قبل الإفرنجة.
(ولما) اشتغل المسلمون في حرب علي ومعاوية أغفلوا أمر إفريقية ثم ولاها معاوية بعد عام الجامعة عقبة بن نافع الفهري فأثخن في المغرب في ولايته الثانية، وبلغ إلى السوس وقتل بالزاب في مرجعه. واجتمعت البربر على كسيلة كبير أوربة، وزحف إليه بعد ذلك زهير بن قيس البلوي أيام عبد الملك بن مروان فهزمه وملك القيروان وأخرج المسلمين من إفريقية.
(وبعث) عبد الملك حسان بن النعمان في عساكر المسلمين فهزموا البربر، وقتلوا كسيلة واسترجعوا القيروان وقرطاجنة وإفريقية والإفرنجة والروم إلى صقلية والأندلس، وافترقت رياسة البربر في شعوبهم. وكانت زناتة أعظم قبائل البربر وأكثرها جموعا وبطونا، وكان موطن جراوة منهم بجبل أوراس، وهم ولد كراو بن الديرت بن جانا [1] . وكانت رياستهم للكاهنة دهيا بنت [2] بن نيعان بن بارو [3] بن مصكسرى بن أفرد بن وصيلا بن جراو. وكان لها بنون ثلاثة ورثوا رياسة قومهم عن سلفهم وربوا في حجرها، فاستبدت عليهم وعلى قومهم بهم، وبما كان لها من الكهانة والمعرفة بغيب أحوالهم وعواقب أمورهم فانتهت إليها رياستهم.
قال هاني بن بكور الضريسي: ملكت عليهم خمسا وثلاثين سنة [4] وعاشت مائة
وسبعا وعشرين سنة. وكان قتل عقبة بن نافع في البسيط قبلة جبل أوراس باغرائها برابرة تهودا عليه، وكان المسلمون يعرفون ذلك منها. فلما انقضى جمع البربر وقتل كسيلة رجعوا إلى هذه الكاهنة بمعتصمها من جبل أوراس، وقد ضوى إليها بنو يفرن ومن كان بإفريقية من قبائل زناتة وسائر البتر، فلقيتهم بالبسيط أمام جبلها، وانهزم المسلمون واتبعت آثارهم في جموعها حتى أخرجتهم من إفريقية، وانتهى حسان إلى برقة فأقام بها حتى جاءه المدد من عبد الملك، فزحف إليهم سنة أربع وسبعين وفض جموعهم، وأوقع بهم وقتل الكاهنة، واقتحم جبل أوراس عنوة واستلحم فيه زهاء مائة ألف.
وكان للكاهنة ابنان قد لحقا بحسان وحسن إسلامهما واستقامت طاعتهما، وعقد لهما على قومهما جراوة ومن انضوى إليهم بجبل أوراس. ثم افترق فلهم من بعد ذلك وانقرض أمرهم. وافترق جراوة أوزاعا بين قبائل البربر، وكان منهم قوم بسواحل مليلة، وكان لهم آثار بين جيرانهم هناك. واليهم نزع ابن أبي العيش لما غلبه موسى ابن أبي العافية على سلطانه بتلمسان أول المائة الرابعة حسبما نذكره. فنزل عليهم وبنى القلعة بينهم إلى أن خربت من بعد ذلك. والفل منهم بذلك الوطن إلى الآن لهذا العهد مندرجون في بطونه [1] ومن إليهم من قبائل غمارة والله وارث الأرض ومن عليها.
** (الخبر عن مبتدإ دول زناتة في الإسلام ومصير الملك اليهم بالمغرب وافريقية) **
لما فرغ شأن الردة من إفريقية والمغرب وأذعن البربر لحكم الإسلام وملكت العرب، واستقل بالخلافة ورياسة العرب بنو أمية اقتعدوا كرسي الملك بدمشق، واستولوا على سائر الأمم والأقطار، وأثخنوا في القاصية من لدن الهند والصين في المشرق، وفرغانة في الشمال، والحبشة في الجنوب، والبربر في المغرب، وبلاد الجلالقة والإفرنجة في الأندلس. وضرب الإسلام بجرانه، وألقت دولة العرب بكلكلها على الأمم. ثم جدع بنو أمية أنوف بني هاشم مقاسميهم في نسب عبد مناف، والمدعين
استحقاق الأمر بالوصية. وتكرر خروجهم عليهم، فأثخنوا فيهم بالقتل والأسر، حتى توغرت الصدور واستحكمت الأوتار وتعددت فرق الشيعة باختلافهم في مساق الخلافة من علي إلى من بعده من بني هاشم. فقوم ساقوها إلى آل العباس، وقوم إلى آل الحسن، وآخرون إلى آل الحسين، فدعت شيعة آل العباس بخراسان وقام بها اليمنية فكانت الدولة العظيمة الحائزة للخلافة ونزلوا بغداد واستباحوا الأمويين قتلا وسبيا. وخلص من جاليتهم إلى الأندلس عبد الرحمن بن معاوية بن هشام، فجدد بها دعوة الأمويين واقتطع ما وراء البحر عن ملك الهاشميين فلم تخفق لهم به راية.
(ثم نفس) آل أبي طالب على آل العباس ما أكرمهم الله به من الخلافة والملك، فخرج المهدي محمد بن عبد الله المدعو بالنفس الزكية في بني أبي طالب على أبي جعفر المنصور، وكان من أمرهم ما هو مذكور واستلحمتهم جيوش بني العباس في وقائع عديدة. وفر إدريس بن عبد الله أخو المهدي من بعض وقائعهم إلى المغرب الأقصى فأجاره البرابرة من أوربة ومقيلة وصدينة، وقاموا بدعوته ودعوة بنيه من بعده، ونالوا به الملك وغلبوا على المغرب الأقصى والأوسط، وبثوا دعوة إدريس وبنيه من أهله بعده في أهله من زناتة مثل بني يفرن ومغراوة وقطعوه من ممالك بني العباس. واستمرت دولتهم إلى حين انقراضها على يد العبيديين.
ولم يزل الطالبيون أثناء ذلك بالمشرق ينزعون إلى الخلافة ويبثون دعاتهم بالقاصية إلى أن دعا أبو عبد الله المحتسب بإفريقية إلى المهدي ولد إسماعيل الإمام بن جعفر الصادق، فقام برابرة كتامة ومن إليهم من صنهاجة وملكوا إفريقية من يد الأغالبة، ورجع العرب إلى مركز ملكهم بالمشرق، ولم يبق لهم في نواحي المغرب دولة، ووضع العرب ما كان على كاهلهم من أمر المغرب ووطأة مضر بعد أن رسخت الملة فيهم، وخالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، واستيقنوا بوعد الصادق أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده. فلم تنسلخ الملة بانسلاخ الدولة ولا تقوضت مباني الدين بتقويض معالم الملك، وعدا من الله لن يخلفه في تمام أمره وإظهار دينه على الدين كله. فتناغى حينئذ البربر في طلب الملك والقيام بدعوة الأعياص من بني عبد مناف يسدون منها حسدا في ارتقاء [1] إلى أن ظفروا من ذلك بحظ مثل كتامة بإفريقية،
ومكناسة بالمغرب، ونافسهم في ذلك زناتة، وكانوا من أكثرهم جمعا وأشدهم قوة فشمروا له حتى ضربوا معهم بسهم، فكان لبني يفرن بالمغرب وإفريقية على يد صاحب الحمار، ثم على يد يعلى بن محمد وبنيه ملك ضخم. ثم كان لمغراوة على يد بني خزر دولة أخرى تنازعوها مع بني يفرن وصنهاجة. ثم انقرضت تلك الأجيال وتجرد الملك بالمغرب بعدهم في جيل آخر منهم، فكان لبني مرين بالمغرب الأقصى ملك، ولبني عبد الواد بالمغرب الأوسط ملك آخر تقاسمهم فيه بنو توجين والفل من مغراوة حسبما نذكر ونستوفي شرحه، ونجلب [1] أيامهم وبطونهم على الطريقة التي سلكناها في أخبار البربر، والله المعين سبحانه لا رب سواه، ولا معبود إلا إياه.
** (الطبقة الأولى من زناتة ونبدأ منها بالخبر عن بني يفرن وأنسابهم وشعوبهم وما كان لهم من الدول بإفريقية والمغرب) **
وبنو يفرن هؤلاء من شعوب زناتة وأوسع بطونهم، وهم عند نسابة زناتة بنو يفرن بن يصلتين بن مسرا بن زاكيا بن ورسيك بن الديرت [2] بن جانا وإخوته مغراوة وبنو يرنيان وبنو واسين، والكل بنو يصلتين. ويفرن في لغة البربر هو القار [3] وبعض نسابتهم يقولون: إن يفرن هو ابن ورتنيذ [4] بن جانا وإخوته مغراوة وغمرت ووجديجن. وبعضهم يقول يفرن بن مرة بن ورسيك بن جانا، وبعضهم يقول هو ابن جانا لصلبه والصحيح ما نقلناه عن أبي محمد بن حزم.
(وأما) شعوبهم فكثير ومن أشهرهم بنو واركوا ومر نجيصة. وكان بنو يفرن هؤلاء لعهد الفتح أكبر قبائل زناتة وأشدها شوكة، وكان منهم بإفريقية وجبل أوراس والمغرب الأوسط بطون وشعوب، فلما كان الفتح غشي إفريقية ومن بها من البربر جنود الله المسلمون من العرب فتطامنوا لبأسهم حتى ضرب الدين بجرانه، وحسن
إسلامهم. ولما فشا دين الخارجية في العرب وغلبهم الخلفاء بالمشرق واستلحموهم نزعوا إلى القاصية، وصاروا يبثون بها دينهم في البربر فتلقته رؤساؤهم على اختلاف مذاهبه باختلاف رءوس الخارجية في أحكامهم من أباضية وصفرية وغيرهما كما ذكرناه في بابه، ففشا في البربر وضرب فيه يفرن هؤلاء بسهم وانتحلوه وقاتلوا عليه.
وكان أول من جمع لذلك منهم أبو قرة من أهل المغرب الأوسط. ثم من بعده أبو يزيد صاحب الحمار وقومه بنو واركوا ومرنجيصة. ثم كان لهم بالمغرب الأقصى من بعد الانسلاخ من الخارجية دولتان على يد يعلى بن محمد صالح وبنيه حسبما نذكر ذلك مفسرا إن شاء الله تعالى
** (الخبر عن أبي قرة وما كان لقومه من الملك بتلمسان ومبدإ ذلك ومصائره) **
كان من بني يفرن بالمغرب الأوسط بطون كثيرة بنواحي تلمسان إلى جبل بني راشد المعروف بهم لهذا العهد، وهم الذين اختطوا تلمسان كما نذكره في أخبارها. وكان رئيسهم لعهد انتقال الخلافة من بني أمية إلى بني العباس أبو قرة ولا نعرف من نسبه أكثر من أنه منهم. ولما انتقض البرابرة بالمغرب الأقصى وقام ميسرة وقومه بدعوة الخارجية وقتله البرابرة قدموا على أنفسهم مكانه خالد بن حميد من زناتة، فكان من حروبه مع كلثوم بن عياض وقتله إياه ما هو معروف. ورأس على زناتة من بعده أبو قرة هذا.
ولما استأثلت [1] دولة بني أمية كثرت الخارجية في البربر، وملك ورفجومة القيروان، وهوارة وزناتة طرابلس ومكناسة سجلماسة، وابن رستم تاهرت. وقدم ابن الأشعث إفريقية من قبل أبي جعفر المنصور. وخافه البربر فحسم العلل وسكن الحروب. ثم انتقض بنو يفرن بنواحي تلمسان ودعوا إلى الخارجية، وبايعوا أبا قرة كبيرهم بالخلافة سنة ثمان وأربعين ومائة، وسرح إليهم ابن الأشعث الأغلب بن سوادة التميمي فانتهى إلى الزاب وفر أبو قرة إلى المغرب الأقصى، ثم راجع موطنه بعد رجوع الأغلب.
(ولما انتقض) البرابرة على عمر بن حفص بن أبي صفرة الملقب هزارمرد عام خمسين ومائة وحاصروه بطبنة كان فيمن حاصره أبو قرة اليفرني في أربعين ألفا صفرية من قومه وغيرهم حتى اشتد عليه الحصار، وداخل أبا قرة في الإفراج عنه على يد ابنه على أن يعطيه أربعين ألفا، ولابنه أربعة آلاف، فارتحل بقومه وانفض البرابرة عن طبنة. ثم حاصروه بعد ذلك بالقيروان واجتمعوا عليه وأبو قرة معهم بثلاثمائة وخمسين ألفا، الخيالة منها خمسة وثمانون ألفا. وهلك عمر بن حفص في ذلك الحصار.
وقدم يزيد بن حاتم واليا على إفريقية ففض جموعهم وفرق كلمتهم، ولحق أبو قرة
وبنو يفرن أصحابه بمواطنهم من تلمسان بعد أن قتل صاحبه أبو حاتم الكندي رأس الخوارج، واستلحم بني يفرن وتوغل يزيد بن حاتم في المغرب ونواحيه وأثخن في أهله إلى أن استكانوا واستقاموا. ولم يكن لبني يفرن من بعدها انتقاض حتى كان شأن أبي يزيد بإفريقية في بني واركوا ومر نجيصة منهم حسبما نذكره إن شاء الله تعالى الكريم. وبعض المؤرخين ينسب أبا قرة هذا إلى مغيلة، ولم أظفر بصحيح في ذلك، والطرائق متساوية في الجانبين، فإن نواحي تلمسان وإن كانت موطنا لبني يفرن فهي أيضا موطن لمغيلة، والقبيلتان متجاورتان. لكن بنو يفرن كانوا أشد قوة وأكثر جمعا، ومغيلة أيضا كانوا أشهر بالخارجية من بني يفرن لأنهم كانوا صفرية. وكثير من الناس يقولون: إن بني يفرن كانوا على مذهب أهل السنة كما ذكره ابن حزم وغيره والله أعلم.
** (الخبر عن أبي يزيد الخارجي صاحب الحمار من بني يفرن ومبدإ أمره مع الشيعة ومصائره) **
هذا الرجل من بني واركوا إخوة مرنجيصة، وكلهم من بطون بني يفرن، وكنيته أبو يزيد، واسمه مخلد بن كيداد لا يعلم من نسبه فيهم غير هذا. وقال أبو محمد بن حزم: ذكر لي أبو يوسف الوراق عن أيوب بن أبي يزيد أن اسمه مخلد بن كيداد [1] بن سعد الله بن مغيث بن كرمان بن مخلد بن عثمان بن ورنمت بن حونيفر [2] بن سميران بن يفرن بن جانا وهو زناتة. قال: وقد أخبرني بعض البربر بأسماء زائدة بين يفرن وجانا، انتهى. كلام ابن حزم. ونسبه ابن الرقيق أيضا في بني واسين بن ورسيك بن جانا، وقد تقدم نسبهم أول الفصل. وكان كيداد أبوه يختلف إلى بلاد السودان في التجارة، فولد له أبو يزيد بكركوا من بلادهم، وأمه أم ولد اسمها سيكة [3] ورجع به إلى قيطون زناتة ببلاد قصطيلة. ونزل توزر مترددا بينها وبين تقيوس، وتعلم القرآن وتأدب، وخالط النكارية فمال إلى مذاهبهم وأخذها عنهم، ورأس فيها
ورحل إلى مشيختهم بتيهرت، وأخذ عن أبي عبيدة منهم أيام اعتقال عبيد الله المهدي بسجلماسة.
ومات أبوه كيداد وتركه على حال الخصاصة والفقر، فكان أهل القيطون يصلونه بفضل أموالهم، وكان يعلم صبيانهم القرآن ومذاهب النكارية. واشتهر عنه تكفير أهل الملة وسب علي فخاف وانتقل إلى تقيوس. وكان يختلف بينها وبين توزر، وأخذ نفسه بالتغيير على الولاة، ونمي عنه اعتقاد الخروج عن السلطان فنذر الولاة بقصطيلة دمه، فخرج إلى الحج سنة عشر وثلاثمائة وأرهقه الطلب فرجع من نواحي طرابلس إلى تقيوس. ولما هلك عبد الله أوعز القائم إلى أهل قصطيلة في القبض عليه، فلحق بالمشرق وقضى الفرض وانصرف إلى موطنه، ودخل توزر سنة خمس وعشرين وثلاثمائة مستترا. وسعى به ابن فرقان عند والي البلد فتقبض عليه واعتقله، وأقبل سرعان [1] زناتة إلى البلد ومعهم أبو عمار الأعمى رأس النكارية واسمه كما سبق عبد الحميد، وكان ممن أخذ عنه أبو يزيد فتعرضوا للوالي في إطلاقه، فتعلل عليهم بطلبه في الخراج، فاجتمعوا إلى فضل ويزيد ابني أبي يزيد، وعمدوا إلى السجن فقتلوا الحرس وأخرجوه، فلحق ببلد بني واركلا، وأقام بها سنة يختلف إلى جبل أوراس وإلى بني برزال في مواطنهم بالجبال قبلة المسيلة، وإلى بني زنداك من مغراوة إلى أن أجابوه، فوصل إلى أوراس ومعه أبو عمار الأعمى في اثني عشر من الراحلة، ونزلوا على النكارية بالنوالات [2] . واجتمع إليه القرابة وسائر الخوارج، وأخذ له البيعة عليهم أبو عمار صاحبه على قتال الشيعة وعلى استباحة الغنائم والسبي، وعلى أنهم إن ظفروا بالمهدية والقيروان صار الأمر شورى، وذلك سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة.
وترصدوا غيبة صاحب باغاية في بعض وجوهه فضربوا على بسيطها، واستباح بعض القصور بها سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وغمس بذلك أيدي البربر في الفتنة. ثم زحف بهم إلى باغاية واستولت عليه وعلى أصحابه الهزيمة فلحقوا بالجبل. وزحف إليهم صاحب باغية فانهزم ورجع إلى بلده، فحاصره أبو يزيد وأوعز أبو القاسم القائم إلى كتامة في إمداد كنون صاحب باغاية، فتلاحقت به العساكر فبيتهم أبو يزيد وأصحابه
ففلوهم، وامتنعت عليه باغاية وكاتب أبو يزيد البربر الذين حول قصطيلة من بني واسين وغيرهم، فحاصروا توزر سنة ثلاث وستين وثلاثمائة ورحل إلى تبسة فدخلها صلحا، ثم إلى بجاية كذلك، ثم إلى مرماجنة. كذلك، وأهدوا له حمارا أشهب فلزم ركوبه حتى اشتهر به. وبلغ خبره عساكر كتامة بالاربص [1] فانفضوا وملك الأربص وقتل إمام الصلاة بها. وبعث عسكرا إلى تبسة فملكوها وقتلوا عاملها. وبلغ الخبر القائم وهو بالمهدية فهاله. وسرح العساكر لضبط المدن والثغور، وسرح مولاه بشرى الصقلي إلى باجة، وعقد لميسور على الجيوش فعسكر بناحية المهدية، وسرح خليل بن إسحاق إلى القيروان فعسكر بها. وزحف أبو يزيد إلى بشرى بباجة، واشتدت الحرب بينهم، وركب أبو يزيد حماره وأمسك عصاه فاستمالت النكارية، وخالفوا بشرى إلى معسكره فانهزم إلى تونس، واقتحم أبو يزيد باجة واستباحها، ودخل بشرى إلى تونس وارتدت البرابر من كل ناحية فأسلم تونس ولحق بسوسة.
واستأمن أهل تونس إلى أبي يزيد فأمنهم وولى عليهم، وانتهى إلى وادي مجدرة [2] فعسكر بها. ووافته الحشود هنالك. ورعب الناس منه فأجفلوا إلى القيروان، وكثرت الأراجيف وسرب أبو يزيد جيوشه في نواحي إفريقية، فشنوا الغارات وأكثروا السبي والقتل والأسر. ثم زحف إلى رقادة فانفض كتامة الذين كانوا بها ولحقوا بالمهدية.
ونزل أبو يزيد رقادة في مائة ألف.
ثم زحف إلى القيروان فانحصر بها خليل بن إسحاق ثم أخذه بعد مراوضة في الصلح، وهم بقتله فأشار عليه أبو عمار باستبقائه فلم يطعه وقتله. ودخلوا القيروان فاستباحوها ولقيه مشيخة الفقهاء فأمنهم بعد التقريع والعتب، وعلى أن يقتلوا أولياء الشيعة، وبعث رسله في وفد من أهل القيروان إلى الناصر الأموي صاحب قرطبة ملتزما لطاعته والقيام لدعوته وطالبا لمدده، فرجعوا إليه بالقبول والوعد. ولم يزل يردد ذلك سائر أيام الفتنة حتى أوفد ابنه أيوب في آخرها سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، فكان له اتصال بالناصر سائر أيامه. وزحف ميسور من المهدية بالعساكر وفر عنه بنو كملان من هوارة ولحقوا بأبي يزيد وحرضوه على لقاء ميسور، فزحف إليه واستوى اللقاء.
واستمات أبو يزيد والنكارية فانهزم ميسور وقتله أبو كملان وبعث برأسه إلى القيروان،
ثم إلى المغرب واستبيح معسكره.
وسرح أبو يزيد عساكره إلى مدينة سوسة فاقتحموها عنوة وأكثروا من القتل والمثلة.
وعظم القتل بضواحي إفريقية، وخلت القرى والمنازل ومن أفلته السيف أهلكه الجوع. واستخف أبو يزيد بالناس بعد قتل ميسور فلبس الحرير وركب الفاره. ونكر عليه أصحابه ذلك، وكاتبه به رؤساؤهم من البلاد، والقائم خلال ذلك بالمهدية يخندق على نفسه ويستنفر كتامة وصنهاجة للحصار معه. وزحف أبو يزيد حتى نزل المهدية وناوش عساكرها الحرب، فلم يزل الظهور عليهم، وملك زويلة. ولما وقف بالمصلى قال القائم لأصحابه من هاهنا يرجع، واتصل حصاره للمهدية، واجتمع إليه البربر من قابس وطرابلس ونفوسة.
وزحف إليهم ثلاث مرات فانهزم في الثالثة ولم يقلع، وكذلك في الرابعة، واشتد الحصار على المهدية ونزل الجوع بهم. واجتمعت كتامة بقسنطينة وعسكروا بها لإمداد القائم، فسرح إليهم أبو يزيد يكموس [1] المزاتي من ورفجومة، فانفض معسكر كتامة من قسنطينة. ويئس القائم من مددهم وتفرقت عساكر أبي يزيد في الغارات والنهب فخف المعسكر، ولم يبق به إلا هوارة ورأس بني كملان [2] وكثرت مراسلات القائم للبربر.
واستراب بهم أبو يزيد وهرب بعضهم إلى المهدية، ورحل آخرون إلى مواطنهم، فأشار عليه أصحابه بالإفراج عن المهدية فأسلموا معسكرهم، ولحقوا بالقيروان سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. ودبر أهل القيروان في القبض عليه فلم يتهيأ لهم، وعذله أبو عمار فيما أتاه من الاستكثار من الدنيا فتاب وأقلع، وعاود لبس الصوف والتقشف.
وشاع خبر إجفاله عن المهدية فقتل النكارية في كل بلد، وبعث عساكره فعاثوا في النواحي وأوقعوا بأهل الأمصار وخربوا كثيرا منها. وبعث ابنه أيوب إلى باجة فعسكر بها ينتظر وصول المدد من البربر وسائر النواحي فلم يفجأه إلا وصول علي بن حمدون الأندلسي صاحب المسيلة في حشد كتامة وزواودة، وقد مر بقسنطينة والأربص وشقنبارية، واستصحب منها العساكر فبيته أيوب وانفض معسكره، وتردى به فرسه في بعض الأوعار فهلك.
ثم زحف أيوب في عسكره إلى تونس وقائدها حسن بن علي من دعاة الشيعة فانهزم، ثم أتيحت له الكرة ولحق حسن بن علي بلد كتامة فعسكر بهم على قسنطينة. وسرح أبو يزيد جموع البربر لحربه. ثم اجتمعت لأبي يزيد حشود البربر من كل ناحية وثابت إليه قوته. وارتحل إلى سوسة فحاصرها ونصب عليها المجانيق. وهلك القائم سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة في شوال وصارت الخلافة لابنه إسماعيل المنصور فبعث بالمدد إلى سوسة بعد أن اعتزم على الخروج إليها بنفسه فمنعه أصحابه. ووصل المدد إلى سوسة فقاتلوا أبا يزيد فانهزم ولحق بالقيروان، فامتنعت عليه فاستخلص صاحبه أبا عمار من أيديهم وارتحل عنهم.
وخرج المنصور من المهدية إلى سوسة، ثم إلى القيروان فملكها وعفا عن أهلها وأمنهم وأحسن في مخلف أبي يزيد وعياله. وتوافي المدد إلى أبي يزيد ثالثة فاعتزم على حصار القيروان، وزحف إلى عسكر المنصور بساحتها فبيتهم، واشتد الحرب واستمات الأولياء وافترقوا آخر نهارهم. وعاودوا الزحف مرات ووصل المدد إلى المنصور من الجهات حتى إذا كان منتصف المحرم كان الفتح، وانهزم أبو يزيد وعظم القتل في البربر ورحل المنصور في اتباعه فمر [1] ثم تبسة حتى انتهى إلى باغاية. ووافاه بها كتاب محمد بن خزر بالطاعة والولاية والاستعداد للمظاهر، فكتب إليه بترصد أبي يزيد والقبض عليه، ووعده في ذلك بعشرين حملا من المال. ثم رحل إلى طبنة فوافاه بها جعفر بن علي عامل المسيلة بالهدايا والأموال. وبلغه أن أبا يزيد نزل بسكرة وأنه كاتب محمد بن خزر يسأله النصرة، فلم يجد عنده ما يرضيه، فارتحل المنصور إلى بسكرة فتلقاه أهلها. وفر أبو يزيد إلى بني برزال بجبل سالات، ثم إلى جبل كتامة وهو جبل عياض لهذا العهد. وارتحل المنصور في أثره إلى ومرة [2] وبيته أبو يزيد هنالك فانهزم ولم يظفر وانحاز إلى جبل سالات. ثم لحق بالرمال ورجع عنه بنو كملان، وأمنهم المنصور على يد محمد بن خزر.
وسار المنصور في التعبية حتى نزل جبل سالات، وارتحل وراءه إلى الرمال. ثم رجع ودخل بلاد صنهاجة، وبلغه رجوع أبي يزيد إلى جبل كتامة فرجع إليه، ونزل عليه المنصور في كتامة وعجيسة وزواوة وحشد بني زنداك ومزاته ومكناسة ومكلاته.
وتقدم المنصور إليه فقاتلوا أبا يزيد وجموع النكارية فهزموهم واعتصموا بجبل كتامة، ورحل المنصور إلى المسيلة وانحصر أبو يزيد في قلعة الجبل، وعسكر المنصور إزاءها واشتد الحصار، وزحف إليها مرات، ثم اقتحمها عليهم فاعتصم أبو يزيد بقصر في ذروة القلعة فأحيط به واقتحم، وقتل أبو عمار الأعمى ويكموس المزاتي ونجا أبو يزيد مثخنا بالجراحة محمولا بين ثلاثة من أصحابه فسقط في مهواة من الأوعار فوهن وسيق من الغداة إلى المنصور فأمر بمداواته. ثم أحضره ووبخه وأقام الحجة عليه وتجافى عن دمه، وبعثه إلى المهدية وفرض له بها الجراية فجزاه خيرا. وحمل في القفص فمات من جراحته سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة. وأمر به فسلخ وحشي جلده بالتبن وطيف به في القيروان. وهرب الفل من أصحابه إلى ابنه فضل، وكان مع معبد بن خزر فأغاروا على ساقة المنصور، وكمن لهم زيري بن مناد أمير صنهاجة فأوقع بهم. ولم يزل المنصور في اتباعه إلى أن نزل المسيلة وانقطع أثر معبد، ووافاه بمعسكره هنالك انتقاض حميد بن يصل عامل تيهرت [1] من أوليائهم، وأنه ركب البحر من تنس إلى العدوة فارتحل إلى تيهرت وولى عليها وعلى تنس. ثم قصد لواتة فهربوا إلى الرمال، ورجع إلى إفريقية سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة. ثم بلغه أن فضل بن أبي يزيد أغار على جهات قصطيلة، فرحل من سنته في طلبه وانتهى إلى قفصة ثم ارتحل إلى [2] من أعمال الزاب، وفتح حصن ماداس مما يليه. وهرب فضل في الرمال فأعجزه ورجع إلى القيروان سنة ست وثلاثين. ومضى فضل إلى جبل أوراس، ثم سار منه إلى باغاية فحاصرها. وغدر به ماطيط [3] بن يعلى من أصحابه، وجاء برأسه إلى المنصور. وانقرض أمر أبي يزيد وبنيه وافترقت جموعهم. واغتال عبد الله ابن بكار من رؤساء مغراوة بعد ذلك أيوب بن أبي يزيد وجاء برأسه إلى المنصور متقربا إليه. وتتبع المنصور قبائل بني يفرن بعدها إلى أن انقطع أثر الدعوة. والبقاء لله تعالى وحده.
** (الخبر عن الدولة الأولى لبني يفرن بالمغرب الأوسط والأقصى ومبادئ أمورهم ومصايرها) **
كان لبني يفرن من زناتة بطون كثيرة وكانوا متفرقين بالمواطن، فكان منهم بإفريقية بنو واركوا ومرنجيصة وغيرهم كما قدمناه، وكان منهم بنواحي تلمسان ما بينها وبين تاهرت أمم كثير عددهم وهم الذين اختطوا مدينة تلمسان كما نذكره بعد. ومنهم أبو قرة المنتزي بتلك الناحية لأول الدولة العباسية، وهو الذي حاصر عمر بن حفص بطبنة كما تقدم. ولما انقرض أمر أبي يزيد وأثخن المنصور فيمن كان بإفريقية من بني يفرن أقام هؤلاء الذين كانوا بنواحي تلمسان على وفودهم. وكان رئيسهم لعهد أبي يزيد محمد بن صالح. ولما تولى المنصور محمد بن خزر وقومه مغراوة، وكان بينه وبين بني يفرن هؤلاء فتنة هلك فيها محمد بن صالح على يد عبد الله بن بكار من بني يفرن، كان متحيزا إلى مغراوة. وولي. أمره في بني يفرن من بعده ابنه يعلى فعظم صيته، واختط مدينة أفكان [1] .
ولما خطب عبد الرحمن الناصر طاعة الأموية من زناتة أهل العدوة واستألف ملوكهم، سارع يعلى لإجابته، واجتمع عليها مع الخير بن محمد بن خزر وقومه مغراوة، وأجلب على وهران فملكها سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة من يد محمد بن عون، وكان ولاه عليها صولات اللميطي [2] أحد رجالات كتامه سنة ثمان وتسعين ومائتين فدخلها يعلى عنوة على بنيه وخربها. وكان يعلى قد زحف مع الخير بن محمد إلى تاهرت وبرز إليه ميسور الخصي في شيعته من لماية فهزموهم وملكوا تاهرت، وتقبض على ميسور وعبد الله بن بكار فبعث به الخير إلى يعلى بن محمد ليثأر به، فلم يرضه كفؤا لدمه ودفعه إلى من ثأر به من بني يفرن. واستفحل سلطان يعلى في ناحية المغرب وخطب على منابرها لعبد الرحمن الناصر ما بين تاهرت إلى طنجة.
واستدعى من الناصر تولية رجال بيته على أمصار المغرب فعقد على فاس لمحمد بن
الخير بن محمد بن عشيرة ونسك محمد لسنة من ولايته، واستأذن في الجهاد والرباط بالأندلس فأجاز لذلك واستخلف على عمله ابن عمه أحمد بن أبي بكر بن أحمد ابن عثمان بن سعيد، وهو الذي اختط مئذنة القرويين سنة أربع وأربعين وثلاثمائة كما ذكرناه ولم يزل سلطان يعلى بن محمد بالمغرب عظيما إلى أن أغزى بعد المعز لدين الله كاتبه جوهر الصقلي من القيروان إلى المغرب سنة سبع وأربعين وثلاثمائة فلما فصل جوهر بالجنود بادر أمير زناتة بالمغرب يعلى بن محمد اليفرني إلى لقائه والإذعان لطاعته والانحياش إليه، ونبذ عهد الأموية، وأعمل إلى لقيه الرحلة من بلده إيفكان وأعطاه يد الانقياد وعهد البيعة عن قومه بني يفرن وزناتة، فتقبلها جوهر وأضمر الفتك به، وتخير لذلك يوم فصوله من بلده، وأسر إلى بعض مستخلصيه من الاتباع فأوقعوا نفرة في أعقاب العسكر طار إليها الزعماء من كتامة وصنهاجة. وزناتة، وتقبض على يعلى فهلك في وطيس تلك الهيعة فغض بالرماح على أيدي رجالات كتامة وصنهاجة، وذهب دمه هدرا في القبائل. وخرب جوهر مدينة إيفكان وفرت زناتة أمامه وكشف القناع في مطالبتهم.
(وقد ذكر) بعض المؤرخين أن يعلى إنما لقي جوهرا عند منصرفه من الغزاة بمدينة تاهرت، وهنالك كان فتكه به بناحية شلف، فتفرقت بعدها جماعة بني يفرن وذهب ملكهم فلم يجتمعوا إلا بعد حين على ابنه بدوي بالمغرب كما نذكره. ولحق الكثير منهم بالأندلس كما يأتي خبرهم في موضعه وانقرضت دولة بني يفرن هؤلاء إلى أن عادت بعد مدة على يد يعلى بفاس. ثم استقرت آخرا بسلا وتعاقب فيهم هنالك إلى آخرها كما نذكره إن شاء الله تعالى.
** (الخبر عن الدولة الثانية لبني يفرن بسلا من المغرب الأقصى وأولية ذلك وتصاريفه) **
لما أوقع جوهر الكاتب قائد المعز بيعلى بن محمد أمير بني يفرن وملك المغرب سنة سبع وأربعين وثلاثمائة كما ذكرناه وتفرقت جموع بني يفرن لحق ابنه بدوي بن يعلى بالمغرب.
الأقصى وأحس بجوهر من ورائه فأبعد المفر وأصحر إلى أن رجع جوهر من المغرب.
ويقال إن جوهرا تقبض عليه واحتمله أسيرا فاعتقل إلى أن فر من معتقله بعد حين،
واجتمع عليه قومه من بني يفرن وكان جوهر عند منصرفه من المغرب ولى على الأدارسة المتحيزين إلى الريف وبلاد غمارة الحسن بن كنون شيخ بني محمد منهم فنزل [1] وأجاز الحكم المستنصر لأول ولايته سنة خمس وثلاثمائة [2] وزيره محمد بن قاسم بن طملس في العساكر لتدويخ المغرب واقتلاع جرثومة الأدارسة، فأجاز في العساكر وغلبهم على بلادهم وأزعجهم جميعا عن المغرب إلى الأندلس سنة خمس وستين وثلاثمائة كما ذكرناه. ومهد دعوة الأموية بالمغرب، وأقفل الحكم مولاه غالبا ورده إلى الثغر لسده، وعقد على المغرب ليحيى بن محمد بن هاشم التجيبي صاحب الثغر الأعلى، وكان أجازه مددا لغالب في رجال العرب وجند الثغور حتى إذا انغمس الحكم في علة الفالج وركدت ريح المروانية بالمغرب واحتاجت الدولة إلى رجالها لسد الثغور ودفاع العدو، استدعى يحيى بن محمد بن هاشم من العدوة، واداله الحاجب المصحفي بجعفر بن علي بن حمدون أمير الزاب والمسيلة النازع إليهم من دعوة الشيعة، وجمعوا بين الانتفاع به في العدوة والراحة مما يتوقع منه على الدولة ومن البرابرة في التياث الخلافة لما كانوا أصاروا إليه من النكبة، وطوقوه من المحنة.
ولما كان اجتمع بقرطبة من جموع البرابرة فعقدوا له ولأخيه يحيى على المغرب وخلعوا عليهما وأمكنوهما من مال دثر وكسي فاخرة للخلع على ملوك العدوة، فنهض جعفر إلى المغرب سنة خمس وستين وثلاثمائة وضبطه.
واجتمع إليه ملوك زناتة مثل بدوي [3] بن يعلى أمير بني يفرن وابن عمه نوبخت بن عبد الله بن بكار، ومحمد بن الخير بن خزر وابن عمه بكساس بن سيد الناس، وزيري بن خزر وزيري ومقاتل ابنا عطية بن تبادها [4] وخزرون بن محمد وفلفول بن سعيد أمير مغراوة، وإسماعيل بن البوري أمير مكناسة، ومحمد ابن عمه عبد الله بن مدين وخزرون بن محمد الازداجي، وكان بدوي بن يعلى من أشدهم قوة وأحسنهم طاعة. ولما هلك الحكم وولي مكانه هشام المؤيد، وانفرد محمد بن أبي عامر بحجابته اقتصر من العدوة لأول قيامه على مدينة سبتة، فضبطها بجند السلطان
ورجال الدولة، وقلدها الصنائع من أرباب السيوف والأقلام، وعول في ضبط ما وراء ذلك على ملوك زناتة وتعهدهم بالجوائز والخلع، وصار إلى إكرام وفودهم وإثبات من رغب في الإثبات في ديوان السلطان منهم، فجددوا في ولاية الدولة وبث الدعوة.
وفسد ما بين أمير العدوة جعفر بن علي وأخيه يحيى واقتطع يحيى مدينة البصرة لنفسه وذهب بأكثر الرجال. ثم كانت على جعفر النكبة التي نكبه برغواطة في غزاتة إياهم، واستدعاه محمد بن أبي عامر لأول أمره لما رآه من استقامته إليه، وشد أزره وتلوى عليه كراهية لما يلقى بالأندلس من الحكم. ثم أصلحه وتخلى لأخيه عن عمل المغرب وأجاز البحر إلى ابن أبي عامر فحل منه بالمكان الأثير، وتناغت زناتة في التزلف إلى الدولة بقرب الطاعات، فزحف خزرون بن فلفول سنة ست وستين وثلاثمائة إلى مدينة سجلماسة فاقتحمها ومحى دولة آل مدرار منها، وعقد له المنصور عليها كما ذكرنا ذلك قبل.
وزحف عقب هذا الفتح بلكين بن زيري قائد إفريقية للشيعة إلى المغرب سنة تسع وستين وثلاثمائة زحفه المشهور وخرج محمد بن أبي عامر من قرطبة إلى الجزيرة لمدافعته بنفسه، واحتمل من بيت المال مائة حمل ومن العساكر ما لا يحصى عده. وأجاز جعفر بن علي بن حمدون إلى سبتة، وانضمت إليه ملوك زناتة ورجع بلكين عنهم إلى غزو برغواطة إلى أن هلك سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة كما ذكرناه.
ورجع جعفر إلى مكانه من ابن أبي عامر، لم يسمح بمقامه عنه، ووصل حسن بن كنون خلال ذلك من القاهرة بكتاب العزيز نزار بن معد إلى بلكين صاحب إفريقية في إعانته إلى ملك المغرب وإمداده بالمال والعساكر، فأمضاه بلكين لسبيله، وأعطاه مالا ووعده بإضعافه ونهض إلى المغرب فوجد طاعة المروانية قد استحكمت فيه.
وهلك بلكين أثر ذلك وشغل ابنه المنصور عن شأنه فدعا لحسن بن كنون إلى نفسه، وأنفذ أبو محمد بن أبي عامر ابن عمه محمد بن عبد الله ويلقب عسكلاجة لحربه سنة خمس وسبعين وثلاثمائة وجاء أثره إلى الجزيرة كيما يشارف القصة، وأحيط بالحسن بن كنون فسأل الأمان وعقد له مقارعه عمر وعسكلاجة، وأشخصه إلى الحضرة فلم يمض ابن أبي عامر أمامه، ورأى أن لا ذمة له لكثرة نكثة فبعث من ثقاته من أتاه برأسه، وانقرض أمر الأدارسة وانمحى أثرهم فأغضب عمر وعسكلاجة لذلك.
واستراح إلى الجند بأقوال نميت عنه إلى المنصور فاستدعاه من العدوة وألحقه بمقتوله ابن كنون.
وعقد على العدوة للوزير حسن بن أحمد بن عبد الودود السلمي، واكثف عدده، وأطلق في المال يده، ونفذ إلى عمله سنة ست وسبعين وثلاثمائة فضبط المغرب أحسن ضبط وهابته البرابرة، ونزل فاس من العدوة، فعز سلطانه وكثر جمعه، وانضم إليه ملوك النواحي حتى حذر ابن أبي عامر مغبة استقلاله، واستدعاه ليبلو صحة طاعته، فأسرع اللحاق به، فضاعف تكرمته وأعاده إلى عمله، وكان بدوي بن يعلى هذا من بين ملوك زناتة كثير الاضطراب على الأموية والمراوغة لهم بالطاعة.
وكان لمنصور بن أبي عامر يضرب بينه وبين قرينه زيري بن عطية ويقرن كلا منهما بمناغاة صاحبه في الاستقامة، وكان إلى زيري أميل وبطاعته أوثق، لخلوصه وصدق طويته وانحياشه فكان يرجو أن يتمكن من قياد بدوي بن يعلى بمناغاته، فاستدعى بزيري بن عطية إلى الحضرة سنة سبع [1] وسبعين وثلاثمائة فبادر إلى القدوم عليه وتلقاه وأكبر موصله وأحسن مقامه ومنقلبه وأعظم جائزته، وسام بدوي مثلها فامتنع، وقال لرسوله: قل لابن أبي عامر متى عهد حمر الوحش تنقاد للبيطارة.
وأرسل عنانه في العيث والفساد ونهض إليه صاحب المغرب الوزير حسن بن عبد الودود في عساكره وجموعه من جند الأندلس وملوك العدوة مظاهرا عليه لعدوة زيري بن عطية، وجمع لهم بدوي ولقيهم سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة فكان الظهور له.
وانهزم عسكر السلطان وجموع مغراوة، واستلحموا وجرح الوزير حسن بن عبد الودود جراحات كان فيها لليال مهلكه. وطار الخبر إلى ابن أبي عامر فاغتم لذلك وكتب إلى زيري بضبط فاس ومكاتبة أصحاب حسن، وعقد له على المغرب كما نستوفي ذكره عند ذكر دولتهم. وغالبة بدوي عليها مرة بعد أخرى ونزع أبو البهار بن زيري بن مناد الصنهاجي عن قومه، ولحق بسواحل تلمسان ناقضا لطاعة الشيعة، وخارجا على أخيه المنصور بن بلكين صاحب القيروان. وخاطب ابن أبي عامر من وراء البحر وأوفد عليه ابن أخيه ووجوه قومه فسرب إليه الأموال والصلاة بفاس مع
زيري حسبما نذكره، وجمع أيديهما على مدافعة بدوي، فساء أمره فيهما جميعا إلى أن راجع أبو البهار ولاية منصور ابن أخيه كما نذكره بعد. وحاربه زيري فكان له الظهور عليه ولحق أبو البهار بسبتة، ثم عاد إلى قومه.
واستفحل زيري من بعد ذلك، وكانت بينه وبين بدوي وقعة اكتسح زيري من ماله ومعسكره مالا كفؤله، وسبى حرمه. واستلحم من قومه زهاء ثلاثة آلاف فارس.
وخرج إلى الصحراء شريدا سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة. وهلك هناك فولي أمره في قومه حبوس ابن أخيه زيري بن يعلى، ووثب به ابن عمه أبو يداس بن دوناس فقتله طمعا في الرئاسة من بعده، واختلف عليه قومه فأخفق أمله وعبر البحر إلى الأندلس في جمع عظيم من قومه. وولي أمر بني يفرن من بعده حمامة بن زيري بن يعلى أخو حبوس المذكور، فاستقام عليه أمر بني يفرن وقد مر ذكره في خبر بدوي غير مرة، وأنه كانت الحرب بينه وبين زيري بن عطية سجالا، وكانا يتعاقبان ملك فاس بتناول الغلب. وأنه لما وفد زيري على المنصور خالفه بدوي إلى فاس فملكها، وقتل بها خلقا من مغراوة، وأنه لما رجع زيري اعتصم بدوي بفاس فنازله زيري وهلك من مغراوة وبني يفرن في ذلك الحصار خلق. ثم اقتحمها زيري عليهم عنوة فقتله وبعث برأسه إلى سدة الخلافة بقرطبة سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة والله أعلم.
(ولما) اجتمع بنو يفرن على حمامة تحيز بهم إلى ناحية شالة من المغرب فملكها وما إليها من تادلا، واقتطعها من زيري، ولم يزل عميد بني يفرن في تلك العمالة، والحرب بينه وبين زيري ومغراوة متصلة، وكانت بينه وبين المنصور صاحب القيروان مهاداة، فأهدى إليه وهو محاصر لعمه حماد بالقلعة سنة ست وأربعمائة، وأوفد بهديته أخاه زاوي بن زيري فلقيه بالطبول والبنود. ولما هلك حمامة قام بأمر بني يفرن من بعده أخوه الأمير أبو الكمال تميم بن زيري بن يعلى فاستبد بملكهم، وكان مستقيما في دينه مولعا بالجهاد، فانصرف إلى جهاد برغواطة وسالم مغراوة وأعرض عن فتنتهم.
(ولما) كانت سنة أربع وعشرين وأربعمائة تجددت العداوة بين هذين الحيين بني يفرن ومغراوة، وثارت الإحن القديمة، وزحف أبو الكمال صاحب شالة وتادلا وما إلى ذلك في جموع يفرن. وبرز إليه حمامة بن المعز في قبائل مغراوة، ودارت بينهم حروب شديدة وانكشفت مغراوة وفر حمامة إلى وجدة، واستولى الأمير أبو الكمال تميم وقومه على فاس وغلبوا مغراوة على عمل المغرب. واكتسح تميم اليهود بمدينة فاس،
واصطلم نعمهم واستباح حرمهم. ثم احتشد حمامة من وجدة سائر قبائل مغراوة وزناتة وبعث الحاشدين في قياطينهم لجميع بلاد المغرب الأوسط، ووصل إلى تنس صريخا لزعمائهم. وكاتب من بعد عنه من رجالاتهم، وزحف إلى فاس سنة تسع وعشرين وأربعمائة فأفرج عنها أبو الكمال تميم ولحق ببلده ومقر ملكه من شالة، وأقام بمكان عمله وموطن إمارته منها إلى أن هلك سنة ست وأربعين وأربعمائة وولي ابنه حماد إلى أن هلك سنة تسع وأربعين وأربعمائة. وولي بعده ابنه يوسف إلى أن توفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، فولي بعده عمه محمد ابن الأمير أبي تميم إلى أن هلك في حروب لمتونة حين غلبوهم على المغرب أجمع حسبما نذكره، والملك لله يؤتيه من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
(وأما) أبو يداس بن دوناس قاتل حبوس بن زيري بن يعلى بن محمد فإنه لما اختلف عليه بنو يفرن وأخفق أمله في اجتماعهم له، أجاز البحر إلى الأندلس سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة فرفعه إخوانه أبو قرة وأبو زيد وعطاف، فحل كلهم من المنصور محل التكرمة والإيثار ونظمه في جملة الرؤساء والأمراء وأسنى له الجراية والأقطاع، وأثبت رجاله في الديوان، ومن أجاز من قومه فبعد صيته وعلا في الدولة كعبه.
(ولما) افترقت الجماعة وانتثر سلك الخلافة كان له في حروب البربر مع جند الأندلس آثار بعيدة وأخبار غريبة، ولما ملك المستعين قرطبة سنة أربعمائة واجتمع إليه من كان بالأندلس من البرابرة لحق المهدي بالثغور واستجاش طاغية الجلالقة، فزحف معه إلى غرناطة وخرج المستعين في جموعه من البرابرة إلى الساحل واتبعهم المهدي في جموعه فتواقعوا بوادي أيرة [1] فكانت بين الفريقين جولة عظم بلاء البرابرة، وطار لأبي يداس فيما ذكر، وانهزم المهدي والطاغية وجموعهم بعد أن تضايقت المعركة وأصابت أبا يداس بن دوناس جراحة كان فيها مهلكه، ودفن هناك. وكان لابنه خلوف وحافده تميم بن خلوف من رجالات زناتة بالأندلس شجاعة ورياسة، وكان يحيى بن عبد الرحمن ابن أخيه عطاف من رجالاتهم، وكان له اختصاص ببني حمود، ثم بالقاسم منهم، ولاه على قرطبة أيام خلافته والبقاء لله وحده.
** (الخبر عن أبي نور بن أبي قرة وما كان له من الملك بالأندلس أيام الطوائف) **
هذا الرجل اسمه أبو نور بن أبي قرة بن أبي يفرن من رجالات البربر الذين استظهر بهم قومهم أيام الفتنة، تغلب على رندة أزمان تلك الفتنة، وأخرج منها عامر بن فتوح من موالي الأموية سنة خمس وأربعمائة فملكها واستحدث بها لنفسه سلطانا. ولما استفحل أمر ابن عباد بأشبيلية وأسف إلى تملك ما جاوره من الأعمال والثغور، نشأت الفتنة بينه وبين أبي نور هذا. واختلف حاله معه في الولاية والانحراف، وسجل له سنة ثلاث وأربعين واربعمائة برنده وأعمالها فيمن سجل له من البربر.
واستدعاه بعدها سنة خمسين واربعمائة لبعض ولائمه وكاده بكتاب أوقفه عليه على لسان جارية بقصره تشكو إليه ما نال منها ابنه من المحرم، فانطلق إلى بلده وقتل ابنه.
وشعر بالمكيدة فمات أسفا وولي ابنه الآخر أبو نصر إلى سنة سبع وخمسين وأربعمائة فغدر به بعض جنده، وخرج هاربا فسقط من السور ومات. وتسلم المعتمد رنده من بعد ذلك ويقال إن ذلك كان عند كائنة الحمام سنة خمس وأربعين وأربعمائة وان أبا نور هلك فيها. ولما بلغ الخبر ابنه أبا نصر وقع ما وقع والله أعلم.
** (الخبر عن مرنجيصة من بطون بني يفرن وشرح أحوالهم) **
كان هذا البطن من بني يفرن بضواحي إفريقية وكانت لهم كثرة وقوة. ولما خرج أبو يزيد على الشيعة وكان من أخوالهم بنو واركوا ظاهروه على أمره بما كان له معهم من العصبية. ثم انقرض أمره وأخذتهم دولة الشيعة وأولياؤهم صنهاجة وولاتهم على إفريقية بالسطوة والقهر، وإنزال العقوبات بالأنفس والأموال إلى أن تلاشوا وأصبحوا في عداد القبائل الغارمة. وبقيت منهم أحياء نزلوا ما بين القيروان وتونس أهل شاء وبقر وخيام يظعنون في نواحيها، وينتحلون الفلح في معاشهم، وملك الموحدون إفريقية وهم بهذا الحال، وضربت عليهم المغارم والضرائب والعسكرة مع السلطان في غزواته بعدة مفروضة يحضرون بها متى استقروا.
(ولما تغلب) الكعوب من بني سليم على ضواحي إفريقية وأخرجوا منها الزواودة من الرياح أعداء الدولة لذلك العهد، واستظهر بهم السلطان عليهم، اتخذوا إفريقية وطنا من قابس إلى باجة. ثم اشتدت ولايتهم للدولة وعظم الاستظهار بهم وأقطعهم ملك الدولة ما شاؤه من الأعمال والخراج فكان في أقطاعهم خراج مرنجيصة هؤلاء.
ولما كانت وقعة بنو مزين على القيروان وكان بعدها في الفترة ما كان من طغيان الفتنة التي اعتز فيها العرب على السلطان والدولة، كان لهؤلاء الكعوب المتغلبين مدد قوي من أحياء مرنجيصة هؤلاء من الخيل للحملان، والخيالة للاستظهار بأعدادهم في الحروب فصاروا لهم لحمة وخولا، وتملكوهم تملك العبيد، حتى إذا اذهب الله بحمى الفتنة وأقام مائل الخلافة والدولة وصار تراث هذا الملك الحفصي إلى الأحق به مولانا السلطان أبي العباس أحمد، فانقشع الجو وأضاء الأفق ودفع المتغلبين من العرب عن أعماله، وقبض أيديهم عن رعاياه وأصار مرنجيصة هؤلاء من صفاياه بعد إنزال العقوبة بهم على لياذهم بالعرب وظعنهم معهم، فراجعوا الحق وأخلصوا في الانحياش ورجعوا إلى ما ألفوه من الغرامة وقوانين الخراج، وهم على ذلك لهذا العهد والله وارث الأرض ومن عليها.
** (الخبر عن مغراوة من أهل الطبقة الأولى من زناتة وما كان لهم من الدول بالمغرب ومبدإ ذلك وتصاريفه) **
هؤلاء القبائل من مغراوة كانوا أوسع بطون زناتة وأهل الباس والغلب منهم، ونسبهم إلى مغراو بن يصلتين بن مسر بن زاكيا بن ورسيك بن ألديرت بن جانا إخوة بني يفرن وبني يرنيان، وقد تقدم الخلاف في نسبهم عند ذكر بني يفرن، وأما شعوبهم وبطونهم فكثير مثل بني يلبث [1] وبني زنداك وبني رواو [2] ورتزمير وبني أبي سعيد وبني ورميغان والأغواط وبني ريغة وغيرهم ممن لم يحضرني أسماؤهم. وكانت محلاتهم بأرض المغرب الأوسط من شلف إلى تلمسان إلى جبل مدبولة [3] وما إليها
ولهم مع إخوانهم بني يفرن اجتماع وافتراق ومناغاة في أحوال البدو. وكان لمغراوة هؤلاء في بدوهم ملك كبير أدركهم عليه الإسلام فأقره لهم وحسن إسلامهم.
وهاجر أميرهم صولات بن وزمار إلى المدينة، ووفد على أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، فلقاه برا وقبولا لهجرته، وعقد له على قومه ووطنه. وانصرف إلى بلاده محبوا محبورا مغتبطا بالدين مظاهرا لقبائل مضر، فلم يزل هذا دأبه. وقيل إنه تقبض عليه أسيرا لأول الفتح في بعض حروب العرب مع البربر قبل أن يدينوا بالدين فأشخصوه إلى عثمان لمكانه من قومه فمن عليه وأسلم فحسن إسلامه، وعقد له على عمله فاختص صولات هذا وسائر الأحياء من مغراوة بولاء عثمان وأهل بيته من بني أمية، وكانوا خاصة لهم دون قريش، وظاهروا دعوة المروانية بالأندلس رعيا لهذا الولاء على ما تراه بعد في أخبارهم.
ولما هلك صولات قام بأمره في مغراوة وسائر زناتة من بعده ابنه حفص وكان من أعظم ملوكهم، ثم لما هلك قام بأمره ابنه خزر وعند ما تقلص ظل الخلافة عن المغرب الأقصى بعض الشيء، وأظلت فتنة ميسرة الحقير ومظفره [1] فاعتز خزر وقومه على أمر المضرية بالقيروان، واستفحل ملكهم وعظم شأن سلطانهم على البدو من زناتة بالمغرب الأوسط. ثم انتقض أمر بني أمية بالمشرق فكانت الفتنة بالمغرب فازدادوا اعتزازا وعتوا، وهلك خلال ذلك خزر وقام بملكه ابنه محمد وخلص إلى المغرب إدريس الأكبر بن عبد الله بن حسن بن الحسن سنة سبعين ومائة في خلافة الهادي. وقام برابرة المغرب من أوربة ومدينة ومغيلة بأمره، واستوثق له الملك واقتطع المغرب عن طاعة بني العباس سائر الأيام.
ثم نهض إلى المغرب الأوسط سنة أربع وسبعين ومائة فتلقاه محمد بن خزر هذا وألقى إليه المقادة، وبايع له عن قومه وأمكنه من تلمسان بعد أن غلب عليها بني يفرن أهلها. وانتظم لإدريس بن إدريس الأمر وغلب على جميع أعمال أبيه، وملك تلمسان وقام بنو خزر هؤلاء بدعوته كما كانوا لأبيه. وكان قد نزل تلمسان لعهد إدريس الأكبر أخوه سليمان بن عبد الله بن حسن بن الحسن القادم إليه من المشرق، وسجل له بولاية تلمسان من سجل ابنه إدريس لمحمد ابن عمه سليمان من بعده،
فكانت ولاية تلمسان وأمصارها في عقبه، واقتسموا ولاية ثغورها الساحلية فكانت تلمسان لولد إدريس بن محمد بن سليمان، وأرشكول لولد عيسى بن محمد، وتنس لولد إبراهيم بن محمد، وسائر الضواحي من أعمال تلمسان لبني يفرن ومغراوة.
ولم يزل الملك بضواحي المغرب الأوسط لمحمد بن خزر كما قلناه إلى أن كانت دولة الشيعة واستوثق لهم ملك إفريقية. وسرح عبيد الله المهدي إلى المغرب عروبة بن يوسف الكتامي في عساكر كتامة سنة ثمان وتسعين ومائتين، فدوخ المغرب الأدنى ورجع. ثم سرح بعده مصالة بن حبوس إلى المغرب في عساكر كتامة، فاستولى على أعمال الأدارسة واقتضى طاعتهم لعبيد الله. وعقد على فاس ليحيى بن إدريس بن عمر آخر ملوك الأدارسة. وخلع نفسه ودان بطاعتهم، وعقد له مصالة على فاس، وعقد لموسى بن أبي العالية أمير مكناسة وصاحب تازة [1] ، واستولى على ضواحي المغرب، وقفل إلى القيروان. وانتقض عمر بن خزر من أعقاب محمد بن خزر الداعية لإدريس الأكبر، وحمل زناتة وأهل المغرب الأوسط على البرابرة من الشيعة وسرح عبيد الله المهدي مصالة قائد المغرب في عساكر كتامة سنة تسع وثلاثمائة، ولقيه محمد ابن خزر في جموع مغراوة وسائر زناتة ففل عساكر مصالة وخلص إليه فقتله، وسرح عبيد الله ابنه أبا القاسم في العساكر إلى المغرب سنة عشر وثلاثمائة، وعقد له على حرب محمد بن خزر وقومه، فأجفلوا إلى الصحراء، واتبع آثارهم إلى ملوية فلحقوا بسجلماسة وعطف أبو القاسم على المغرب فدوخ أقطاره وجال في نواحيه وجدد لابن أبي العافية على عمله ورجع ولم يلق كيدا.
(ثم إن الناصر) صاحب قرطبة سما له أمل في ملك العدوة، فخاطب ملوك الأدارسة وزناتة، وبعث إليهم خالصته محمد بن عبيد الله بن أبي عيسى سنة ستة عشر وثلاثمائة فبادر محمد بن خزر إلى إجابته وطرد أولياء الشيعة من الزاب. وملك شلب وتنس من أيديهم، وملك وهران وولى عليها ابنه المنير [2] ، وبث دعوة الأموية في أعمال المغرب الأوسط ما عدا تاهرت. وبدأ في القيام بدعوة الأموية إدريس بن إبراهيم
بن عيسى بن محمد بن سليمان صاحب أرشكول. ثم فتح الناصر سبتة سنة سبع عشرة وثلاثمائة من يد الأدارسة وأجار موسى بن أبي العالية على طاعته، واتصلت يده بمحمد بن خزر وتظاهروا على الشيعة وخالف فلفول بن خزر أخاه محمد إلى طاعة الشيعة، وعقد له عبد الله على مغراوة.
وزحف إلى المغرب حميد بن يصل [1] سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة في عساكر كتامة الى عبد الله على تاهرت فانتهى الى فاس وأجفلت أمامه ظواعن زناتة ومكناسة ودوخ المغرب. وزحف من بعده ميسور الخصي سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة فحاصر فاس وامتنعت عليه ورجع. ثم انتقض حميد بن يصل سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة وتحيز إلى محمد بن خزر. ثم أجاز إلى الناصر وولاه على المغرب الأوسط. ثم شغل الشيعة بفتنة أبي يزيد وعظمت آثار محمد بن خزر وقومه من مغراوة، وزحفوا إلى تاهرت مع حميد بن يصل قائد الأموية سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، وزحف معه الخير بن محمد وأخوه حمزة وعمه عبد الله بن خزر، ومعهم يعلى بن محمد في قومه بني يفرن، وأخذوا تاهرت عنوة وقتلوا عبد الله بن بكار، وأسروا قائدها ميسور الخصي بعد أن قتل حمزة بن محمد بن خزر في حروبها.
وكان محمد بن خزر وقومه زحفوا قبل ذلك إلى بسكرة ففتحوا وقتلوا زيدان الخصي. ولما خرج إسماعيل من حصار أبي يزيد وزحف إلى المغرب في اتباعه خشية محمد بن خزر على نفسه لما سلف منه في نقض دعوتهم وقتل أتباعهم، فبعث إليه بطاعة معروفة وأوعز إليه إسماعيل بطلب أبي يزيد ووعده في ذلك بعشرين حملا من المال. وكان أخوه معبد بن خزر في موالاة أبي يزيد إلى أن هلك. وتقبض إسماعيل بعد ذلك على على معبد سنة أربعين وثلاثمائة وقتله، ونصب رأسه بالقيروان. ولم يزل محمد بن خزر وابنه الخير متغلبا على المغرب الأوسط، ومقاسما فيها ليعلى بن محمد.
ووفد فتوح بن الخير سنة أربعين وثلاثمائة على الناصر مع مشيخة تاهرت ووهران فأجازهم وصرفهم إلى أعمالهم.
ثم حدثت الفتنة بين مغراوة وصنهاجة وشغل محمد بن الخير وابنه خزر بحروبهم، وتغلب يعلى بن محمد على وهران وخربها وعقد الناصر لمحمد بن يصل على تلمسان
وأعمالها، وليعلى بن محمد على المغرب وأعماله، فراجع محمد بن خزر طاعة الشيعة من أجل قريعة يعلى بن محمد. ووفد على المعز بعد مهلك أبيه إسماعيل سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة فأولاه تكرمة وتم على طاعتهم إلى أن حضر مع جوهر في غزاته إلى المغرب بأعوام سبع أو ثمان وأربعين وثلاثمائة ثم وفد على المعز بعد ذلك سنة خمسين وثلاثمائة، وهلك بالقيروان، وقد نيف على المائة من السنين. وهلك الناصر المرواني عامئذ على حين انتشرت دعوة الشيعة بالمغرب وانقبض أولياء الأموية إلى أعمال سبتة وطنجة فقام بعده ابنه الحكم المستنصر، واستأنف مخاطبة ملوك العدوة فأجابه محمد بن الخير ابن محمد بن خزر بما كان من أبيه الخير وجده محمد في ولاية الناصر، والولاية التي لبني أمية على آل خزر بوصية عثمان بن عفان لصولات بن وزمار جدهم كما ذكرناه.
فاثخن في الشيعة ودوخ بلادهم. ورماه معد بقرينة [1] زيري بن مناد أمير صنهاجة فعقد له على حرب زناتة وسوغه ما غلب عليه من أعمالهم، وجمعوا للحرب سنة ستين ومائتين فلقي بلكين بن زيري جموعهم بدسيسة من بعض أولياء محمد بن الخير قبل أن يستكمل تعبيتهم، فأبلى منهم ثباتا وصبرا واشتدت الحرب بينهم وانهزمت زناتة، حتى إذا رأى محمد بن الخير أن قد أحيط به انتبذ إلى ناحية من العسكر وذبح نفسه. واستمرت الهزيمة على قومه ووجد منهم في المعركة سبعة عشر أميرا سوى الأتباع. وتحيز كل إلى فريقه.
وولى بعد محمد في مغراوة ابنه الخير وأغرى بلكين بن زيري الخليفة معد وجندل بن جعفر بن علي بن حمدون صاحب المسيلة والزاب بموالاة محمد [2] بن الخير فاستراب جعفر وبعث عنه معد لولاية إفريقية حتى اعتزم على الرحيل إلى القاهرة، فاشتدت استرابته ولحق بالخير بن محمد وقومه. وزحفوا إلى صنهاجة فأتيحت لهم الكرة وأصيب زيري بن مناد كبير العصابة، وبعثوا برأسه إلى قرطبة في وفد من وجوه بني خزر مع يحيى بن علي أخي جعفر. ثم استراب بعدها جعفر من زناتة ولحق بأخيه يحيى، ونزلوا على الحكم وعقد معه لبلكين بن زيري على حرب زناتة وأمده بالأموال والعساكر، وسوغه ما تغلب عليه من أعمالهم، فنهض إلى المغرب سنة إحدى وستين ومائتين وأوغر بالبرابرة منهم وتقرى أعمال طبنة وباغاية والمسيلة وبسكرة
وأجفلت زناتة أمامه. وتقدم إلى تاهرت فمحا من المغرب الأوسط آثار زناتة، ولحق بالمغرب الأقصى.
واتبع بلكين آثار الخير بن محمد وقومه إلى سجلماسة، فأوقع بهم وتقبض عليهم، فقتله صبرا وفض جموعهم، ودوخ المغرب وانكف راجعا، ومر بالمغرب الأوسط فالتحم بوادي زناتة ومن إليهم من المصاصين [1] ورفع الأمان على كل من ركب فرسا أو أنتج خيلا من سائر البربر. ونذر دماءهم فأقفر المغرب الأوسط من زناتة وصار إلى ما وراء ملوية من بلاد المغرب الأقصى إلى أن كان من رجوع بني يعلى بن محمد إلى تلمسان وملكهم إياها، ثم هلك بنو خزر بسجلماسة وطرابلس، وملك بني زيري ابن عطية بفاس ما نحن ذاكروه إن شاء الله تعالى.
** (الخبر عن آل زيري بن عطية ملوك فاس وأعمالها من الطبقة الأولى من مغراوة وما كان لهم بالمغرب الأقصى من الملك والدولة ومبادئ ذلك وتصاريفه) **
كان زيري هذا أمير آل خزر في وقته، ووارث ملكهم البدوي، وهو الذي مهد الدولة بفاس والمغرب الأقصى وأورثها بنيه إلى عهد لمتونة حسبما نستوفي في شرحه.
واسمه زيري بن عطية بن عبد الرحمن بن خزر وجده عبد الله أخو محمد داعية الناصر الذي هلك بالقيروان كما ذكرناه. وكانوا أربعة إخوة محمد ومعبد الذي قتله إسماعيل وفلفول الذي خالف محمدا إلى ولاية الشيعة وعبد الله هذا وكان يعرف بأمه واسمها تبادلت. وقد قيل إن عبد الله هذا هو ابن محمد بن خزر، وأخوه حمزة بن محمد الهالك في حربه مع ميسور عند فتح تاهرت. ولما هلك الخير بن محمد كما قلناه بيد بلكين سنة إحدى وستين وثلاثمائة وارتحلت زناتة إلى ما وراء ملوية من المغرب الأقصى، وصار المغرب الأوسط كله لصنهاجة، واجتمع مغراوة إلى بقية آل خزر وأمراؤهم يومئذ محمد بن خير المذكور ومقاتل وزيري ابنا مقاتل بن عطية بن عبد الله وخزرون بن فلفول.
ثم كان ما ذكرناه من ولاية بلكين بن زيري على إفريقية، وزحف إلى المغرب الأقصى زحفه المشهور سنة تسع وستين وثلاثمائة وأجفلت أمامه ملوك زناتة من بني خزر وبني محمد بن صالح، وانحازوا جميعا إلى سبتة. وأجاز محمد بن الخير البحر إلى المنصور بن أبي عامر صريخا، فخرج المنصور في عساكره إلى الجزيرة ممدا لهم بنفسه. وعقد لجعفر بن علي على حرب بلكين، وأجازه البحر وأمده بمائة حمل من المال، فاجتمعت إليه ملوك زناتة وضربوا مصافهم بساحة سبتة. وأطل عليهم بلكين من جبل تطاون [1] فرأى ما لا قبل له به فارتحل عنهم، وأشغل نفسه بجهاد برغواطة إلى أن هلك منصرفا من المغرب سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة كما ذكرناه.
وعاد جعفر بن علي إلى مكانه من الحضرة، وساهمه المنصور في حمل الرئاسة وبقي
المغرب غفلا من الولاية، واقتصر المنصور على ضبط سبتة ووكل إلى ملوك زناتة دفاع صنهاجة وسائر أولياء الشيعة. وقام يبلو طاعنتهم إلى أن قام بالمغرب الحسن بن كنون من الأدارسة، بعثه العزيز نزار من مصر لاسترجاع ملكه بالمغرب، وأمده بلكين بعسكر من صنهاجة وهلك على تفيئة ذلك بلكين، ودعا الحسن إلى أمره بالمغرب، وانضم إليه بدوي [1] بن يعلى بن محمد اليفرني وأخوه زيري وابن عمه أبو يداس فيمن إليهم من بني يفرن، فسرح المنصور لحربه ابن عمه أبا الحكم عمرو بن عبد الله بن أبي عامر الملقب عسكلاجه، وبعثه بالعساكر والأموال فأجاز البحر وانحاش إليه ملوك آل خزر محمد بن الخير، ومقاتل وزيري ابنا عطية، وخزرون بن فلفول في جميع مغراوة، وظاهروه على شأنه.
وزحف بهم أبو الحكم بن أبي عامر إلى الحسن بن كنون حتى ألجئوه إلى الطاعة، وسأل الأمان على نفسه فعقد له عمرو بن أبي عامر ما رضيه من ذلك، وأمكن به من قياده، وأشخصه إلى الحضرة فكان من قتله وإخفار ذمة أبي الحكم بن أبي عامر وقتله بعده ما تقدم حسبما ذكرنا ذلك من قبل.
وكان مقاتل وزيري ابنا عطية من بين ملوك زناتة أشد الناس انحياشا للمنصور قياما بطاعة المروانية. وكان بدوي بن يعلى وقومه بنو يفرن منحرفين عن طاعتهم. ولما انصرف أبو الحكم بن أبي عامر من المغرب عقد المنصور عليه للوزير حسن بن أحمد ابن عبد الودود السلمي وأطلق يده في انتقاء الرجال والأموال فأنفذه إلى عمله سنة ست وسبعين وثلاثمائة وأوصاه بملوك مغراوة من زناتة، واستبلغ بمقاتل وزيري من بنيهم لحسن انحياشهم وطاعتهم، وأغراه ببدوي بن يعلى المضطرب الطاعة الشديد المراوغة، فنفذ لعمله ونزل بفاس، وضبط أعمال المغرب، واجتمعت إليه ملوك زناتة.
وهلك مقاتل بن عطية سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة واستقل برياسة الظواعن البدو من مغراوة إخوة زيري بن عطية، وحسنت مخاللته لابن عبد الودود صاحب المغرب وانحياشه بقومه إليه. واستدعاه المنصور من محله بفاس سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة إشادة بتكريمه وأغراه ببدوي بن يعلى بمنافسته في الحظ وإيثار الطاعة فبادر
إلى إجابته بعد ان استخلف على المغرب. ابنه المعز، وأنزله بتلمسان ثغر المغرب وولى على عدوة القرويين من فاس علي بن محمود بن أبي علي قشوش، وعلى عدوة الأندلسيين عبد الرحمن بن عبد الكريم بن ثعلبة. وقدم بين يديه هدية إلى المنصور، ووفد عليه فاستقبله بالجيوش والعدة واحتفل للقائه، وأوسع نزله وجرايته ونوه باسمه في الوزارة وأقطعه رزقها. وأثبت رجاله في الديوان ووصله بقيمة هديته وأسنى فيها. وأعظم جائزته وجائزة وفده وعجل تسريحه إلى عمله فقفل إلى إمارته من المغرب. ونمي عنه خلاف ما احتسب فيه من غمط [1] المعروف وإنكار الصنيع، والاستنكاف من لقب الوزارة الذي نوه به، حتى أنه قال لبعض حشمه، وقد دعاه بالوزير: وزير من يا لكع [2] فما والله إلا أمير ابن أمير، وا عجبا من ابن أبي عامر ومخرقته [3] ، والله لو كان بالأندلس رجل ما تركه على حاله، وإن له منا ليوما، والله لقد تأجرني فيما أهديت إليه حطا للقيم، ثم غالطني بما بذله تنبيتا للكرم، إلا أن يحتسب بثمن الوزارة التي حطني بها عن رتبتي.
ونمي ذلك إلى ابن أبي عامر فصر عليها أذنه وزاد في اصطناعه، وبعث بدوي بن يعلى اليفرني قريعة في ملك زناتة يدعوه إلى الوفادة فأساء إجابته وقال: متى عهد المنصور حمر الوحش تنقاد للبياطرة. وأخذ في إفساد السابلة والاجلاب على الأحياء والعيث في العمالة، فأوعز المنصور إلى عامله بالمغرب الوزير حسن بن عبد الودود بنبذ العهد إليه، ومظاهرة عدوه زيري بن عطية عليه، فجمعوا له سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة ولقوة فكانت الدائرة عليهم، وتخرم العسكر وأثبت [4] الوزير ابن عبد الودود جراحة كان فيها حتفه. وبلغ الخبر إلى المنصور فشق عليه وأهمه شأن المغرب، وعقد عليه لوقته لزيري بن عطية، وكتب إليه بعهده وأمر بضبط المغرب ومكانفة [5] جند السلطان وأصحاب حسن بن عبد الودود، فاطلع بأعبائه وأحسن الغناء في عمله.
واستفحل شأن بدوي بن يعلى وبني يفرن، واستغلظوا على زيري بن عطية وأصلوه نار الفتنة، وكانت حروبهم سجالا، وسئمت الرعايا بفاس كثرة تعاقبهم عليها وانتزاؤهم على عملها. وبعث الله لزيري بن عطية ومغراوة مددا من أبي البهار بن زيري بن مناد بما كان انتقض على ابن أخيه منصور بن بلكين صاحب القيروان وإفريقية، ونزع عن دعوة الشيعة إلى المروانية. واقتفى أثره في ذلك خلوف بن أبي بكر صاحب تاهرت وأخوه عطية لصهر كان بينهما وبين زيري، فاقتسموا [1] أعمال المغرب الأوسط ما بين الزاب وأنشريس [2] ووهران، وخطبوا في سائر منابرها باسم هشام المؤيد، وخاطب أبو البهار من وراء البحر محمد بن أبي عامر، وأوفد عليه أبا بكر بن أخيه حبوس بن زيري في طائفة من أهل بيته ووجوه قومه، فاستقبلوا بالجيش ولقاه رحبا وتسهيلا، وأعظم موصله وأسنى جوائز وفده وصلاتهم، وأنفذ معه إلى عمه أبي البهار بخمسمائة قطعة من صنوف الثياب الخز والعبيد، وما قيمته عشرة آلاف درهم من الآنية والحلي، وبخمسة وعشرين ألفا من الدنانير، ودعاه إلى مظاهرة زيري بن عطية على بدوي بن يعلى، وقسم بينهما أعمال المغرب شق الأبلمة حتى لقد اقتسما مدينة فاس عدوة بعد عدوة، فلم يرع ذلك بدوي ولا وزعه عن شأنه من الفتنة والاجلاب على البدو والحاضرة، وشق عصا الجماعة. وانتقض خلوف بن أبي بكر على المنصور لوقته، وراجع ولاية المنصور بن بلكين.
ومرض أبو البهار في المظاهرة عليه للوصلة التي بينهما، وقعد عما قام له زيري بن عطية من حرب خلوف بن أبي بكر، وأوقع به زيري في رمضان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة واستلحمه وكثيرا من أوليائه، واستولى على عسكره، وانحاش إليه عامة أصحابه.
وفر عطية شريدا إلى الصحراء، ثم نهض على أثرها لبدوي بن يعلى وقومه فكانت بينهم لقاءات انكشف فيها أصحاب بدوي واستلحم منهم زهاء ثلاثة آلاف، واكتسح معسكره وسبيت حرمه التي كانت منهن أمه وأخته، وتحيز سائر أصحابه إلى فئة زيري وخرج شريدا إلى الصحراء إلى أن اغتاله ابن عمه أبو يداس بن دوناس كما ذكرناه، وورد خبر الفتحين متعاقبين على المنصور فعظم موقعهما لديه. وقد قيل إن مقتل بدوي إنما كان عند إياب زيري من الوفادة، وذلك أنه لما استقدمه المنصور
ووفد عليه كما ذكرناه، خالفه بدوي إلى فاس فملكها وقتل من مغراوة خلقا واستمكن بها أمره. فلما رجع زيري من وفادته امتنع بها بدوي فنازله زيري وطال الحصار وهلك من الفريقين خلق. ثم اقتحمها عليه عنوة وبعث برأسه إلى سدة الخلافة بقرطبة. إلا أن راوي هذا الخبر يجعل وفادة زيري على المنصور وقتله لبدوي سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة [1] فالله أعلم أي ذلك كان.
(ثم إن زيري) فسد ما بينه وبين أبي البهار الصنهاجي وتزاحفا فأوقع به زيري وانهزم أبو البهار إلى سبتة موريا بالعبور إلى المنصور فبادر بكاتبه عيسى بن سعيد بن القطاع في قطعة من الجند إلى تلقيه فحاد عن لقائه. وصاعد إلى قلعة جراوة، وقد قدم الرسل إلى ابن أخيه المنصور صاحب القيروان مستميلا إلى أن التحم ذات بينهما. ثم تحيز إليه وعاد إلى مكانه من عمله، وخلع ما تمسك به من طاعة الأموية وراجع طاعة الشيعة فجمع المنصور لزيري بن عطية أعمال المغرب. واستكفى به في سد الثغر وعول عليه من بين ملوك المغرب في الذب عن الدعوة، وعهد إليه بمناجزة أبي البهار وزحف إليه زيري في أمم عديدة من قبائل زناتة وحشود البربر وفر أمامه، ولحق بالقيروان. واستولى زيري على تلمسان وسائر أعمال أبي البهار. وملك ما بين السوس الأقصى والزاب فاتسع ملكه وانبسط سلطانه واشتدت شوكته، وكتب بالفتح إلى المنصور بمائتين من الخيل وخمسين جملا من المهاري السبق، وألف درقة من جلود اللمط وأحمال من قسي الزان وقطوط الغالية والزرافة وأصناف الوحوش الصحراوية كاللمط وغيره، وألف حمل من التمر وأحمال من ثياب الصوف الرفيعة كثيرة، فجدد له عهده على المغرب سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وأنزل أحياءه بأنحاء فاس في قياطينهم.
واستفحل أمر زيري بالمغرب ودفع بني يفرن عن فاس إلى نواحي سلا، واختط مدينة وجدة سنة أربع وثمانين وثلاثمائة وأنزلها عساكره وحشمه، واستعمل عليها ذويه، ونقل إليها ذخيرته، وأعدها معتصما، وكانت ثغرا للعمالتين المغرب الأقصى والأوسط.
(ثم فسد) ما بينه وبين المنصور بما نمي عنه من التألف لهشام باستبداد المنصور عليه
فسامه المنصور الهضيمة. وأبى منها، وبعث كاتبه ابن القطاع في العساكر، فاستعصى عليه وأمكنه صاحب قلعة حجر النسر منها، فأشخصه إلى الحضرة.
وأحسن إليه المنصور وسماه الناصح، وكشف زيري وجهه في عداوة ابن أبي عامر والإغراء به والتشيع لهشام المؤيد والامتعاض له من هضيمته وحجره، فسخطه عند ابن أبي عامر وقطع عنه رزق الوزارة، ومحى اسمه من ديوانه ونادى بالبراءة منه.
وعقد لواضح مولاه على المغرب وعلى حرب زيري بن عطية، وانتقى له الحماة من سائر الطبقات، وأزاح عللهم وأمكنه من الأموال للنفقات وأحمال السلاح والكسى، وأصحبه طائفة من ملوك العدوة كانوا بالحضرة، منهم: محمد بن الخير ابن محمد بن الخير وزيري بن خزر وابن عمهما بكساس بن سيد الناس. ومن بني يفرن أبو بخت [1] بن عبد الله بن بكار. ومن مكناسة إسماعيل بن البوري ومحمد بن عبد الله بن مدين، ومن أزداجة خزرون بن محمد وأمده بوجوه الجند. وفصل من الحضرة سنة سبع وثمانين وثلاثمائة وسار في التعبية وأجاز البحر إلى طنجة فعسكر بوادي ردات [2] وزحف زيري بن عطية في قومه، فعسكر إزاءه وتواقفا ثلاثة أشهر، واتهم واضح رجالات بني مرزال بالادهان فأشخصهم إلى الحضرة وأغرى بهم المنصور فوبخهم وتنصلوا فصفح عنهم، وبعثهم في غير ذلك الوجه. ثم تناول واضح حصن أصيلا ونكور فضبطهما واتصلت الوقائع بينه وبين زيري، وبيت واضح معسكر زيري بنواحي أصيلا وهم غارون [3] فأوقع بهم وخرج ابن أبي عامر من الحضرة لاستشراف أحوال واضح وإمداده، فسار في التعبية واحتل بالجزيرة عند فرضة المجاز، ثم بعث عن ابنه المظفر من مكان استخلافه بالزاهرة، وأجاز إلى العدوة واستكمل معه أكابر أهل الخدمة وجلة القواد. وقفل المنصور الى قرطبة واستراع [4] خبر عبد الملك بالمغرب ورجع إليه عامة أصحاب زيري من ملوك البربر وتناولهم من إحسانه وبره ما لم يعهدوا مثله.
وزحف عبد الملك الى طنجة واجتمع مع واضح، وتلوم هناك مزيحا لعلل العسكر، فلما
استتم تدبيره زحف في جمع لا كفاء له. فلقيه زيري بوادي منى من أحواز طنجة في شوال سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة فدارت بينهم حروب شديدة. وهم [1] فيها أصحاب عبد الملك وثبت هو. وبينهما هم في حومة الحرب إذ طعن زيري بعض الموثورين من أتباعه اهتبل الغرة في ذلك الموقف فطعنه ثلاثا في نحره أشواه بها، ومر يشتد نحو المظفر، وبشره فاستكذبه لثبوت رايته ثم سقط إليه الصحيح فشد عليهم فاستوت الهزيمة وأثخن فيه بالقتل، واستولى على ما كان في عسكرهم مما يذهب فيه الوصف.
ولحق زيري بفاس جريحا في قلة، فامتنع عليه أهلها ودافعوه بحرمة، فاحتملهن وفر أمام العساكر إلى الصحراء، وأسلم جميع أعماله. وطير عبد الملك بالفتح إلى أبيه فعظم موقعه عنده وأعلن بالشكر لله والدعاء وبث الصدقات وأعتق الموالي، وكتب إلى ابنه عبد الملك بعهده على المغرب فأصلح نواحيه وسد ثغوره، وبعث العمال في جهاته: فأنفذ محمد بن الحسن بن عبد الودود في جند كثيف إلى تادلا [2] واستعمل حميد بن يصل المكناسي [3] على سجلماسة فخرج كل لوجهه، واقتضوا الطاعة وحملوا إليه الخراج، وأقفل المنصور ابنه عبد الملك في جمادى من سنة تسع وثمانين وثلاثمائة وعقد على المغرب لواضح فضبطه واستقام على تدبيره. ثم عزله في رمضان من سنته بعبيد الله ابن أخيه يحيى، ثم ولى عليه من بعده إسماعيل بن البوري، ثم من بعده أبا الأحوص معن بن عبد العزيز التجيبي إلى أن هلك المنصور.
وأعاد المظفر بن المعز بن زيري من منتبذه بالمغرب الأوسط لولاية أبيه بالمغرب فنزل فاس، وكان من خبر زيري أنه لما استقل من نكبته وهزيمة عبد الملك إياه، واجتمع إليه بالصحراء فل مغراوة، وبلغه اضطراب صنهاجة واختلافهم على باديس بن المنصور بعد مهلك أبيه، وأنه خرج عليه بعد عمومته مع ماكسن بن زيري، فصرف وجهه حينئذ إلى أعمال صنهاجة ينتهز فيها الفرصة. واقتحم المغرب الأوسط ونازل تاهرت وحاصر بها يطوفت بن بلكين. وخرج باديس من القيروان صريخا له.
فلما مر بطبنة امتنع عليه فلفول بن خزرون وخالفه إلى إفريقية فشغل بحربة. وكان
أبو سعيد بن خزرون لحق بإفريقية وولاه المنصور على طبنة كما نذكره، فلما انتقض سار إليه باديس ودفع حماد بن بلكين في عساكر صنهاجة إلى مدافعة زيري بن عطية فالتقيا بوادي ميناس قرب تاهرت، فكانت الدبرة على صنهاجة، واحتوى زيري على معسكرهم واستلحم ألوفا منهم. وفتح مدينة تاهرت وتلمسان وشلف وتنس والمسيلة، وأقام الدعوة فيها كلها للمؤيد هشام ولحاجبه المنصور من بعده.