Islam · Chronicles · Kitab al-'Ibar
الكتاب الأول في طبيعة العمران في الخليقة وما يعرض فيها من البدو والحضر والتغلب والكسب والمعاش والصنائع والعلوم ونحوها وما لذلك من العلل والأسباب — تتمة ٦
Kitab al-'Ibar · Ibn Khaldun (d. 1406) · chapter 8 of 67
وإنما يكون ملكهم وتأثلهم لها تدريجا إما بالوراثة من آبائه وذوي رحمه حتى تتأدى أملاك الكثيرين منهم إلى الواحد وأكثر لذلك [1] أو أن يكون بحوالة الأسواق فإن العقار في آخر الدولة وأول الأخرى عند فناء الحامية وخرق السياج وتداعي المصر إلى الخراب تقل الغبطة به لقلة المنفعة فيها بتلاشي الأحوال فترخص قيمها وتتملك بالأثمان اليسيرة وتتخطى بالميراث إلى ملك آخر وقد استجد المصر شبابه باستفحال الدولة الثانية وانتظمت له أحوال رائقة حسنة تحصل معها الغبطة في العقار والضياع لكثرة منافعها حينئذ فتعظم قيمها ويكون لها خطر لم يكن في الأول. وهذا معنى الحوالة فيها ويصبح مالكها من أغنى أهل المصر وليس ذلك بسعيه واكتسابه إذ قدرته تعجز عن مثل ذلك. وأما فوائد
العقار والضياع فهي غير كافية لمالكها في حاجات معاشه إذ هي لا تفي بعوائد الترف وأسبابه وإنما هي في الغالب لسد الخلة وضرورة المعاش. والذي سمعناه من مشيخة البلدان أن القصد باقتناء الملك من العقار والضياع إنما هو الخشية على من يترك خلفه من الذرية الضعفاء [1] ليكون مرباهم به ورزقه فيه ونشؤهم بفائدته ما داموا عاجزين عن الاكتساب فإذا اقتدروا على تحصيل المكاسب سعوا فيها بأنفسهم وربما يكون من الولد من يعجز عن التكسب لضعف في بدنه أو آفة في عقله المعاشي فيكون ذلك العقار قواما لحاله. هذا قصد المترفين في اقتنائه.
وأما التمول منه وإجراء أحوال المترفين فلا. وقد يحصل ذلك منه للقليل أو النادر بحوالة الأسواق وحصول الكثرة البالغة منه والعالي [2] في جنسه وقيمته في المصر إلا أن ذلك إذا حصل ربما امتدت إليه أعين الأمراء والولاة واغتصبوه في الغالب أو أرادوه على بيعه منهم ونالت أصحابه منه مضار ومعاطب والله غالب على أمره وهو رب العرش العظيم.
** الفصل السادس عشر في حاجات المتمولين من أهل الأمصار إلى الجاه والمدافعة **
وذلك أن الحضري إذا عظم تموله وكثر للعقار والضياع تأثله وأصبح أغنى أهل المصر ورمقته العيون بذلك وانفسحت أحواله في الترف والعوائد زاحم عليها الأمراء والملوك وغصوا به. ولما في طباع البشر من العدوان تمتد أعينهم إلى تملك ما بيده وينافسونه فيه ويتحيلون على ذلك بكل ممكن حتى يحصلوه [3] في ربقة حكم سلطاني وسبب من المؤاخذة ظاهر ينتزع به ماله وأكثر الأحكام
السلطانية جائزة في الغالب إذ العدل المحض إنما هو في الخلافة الشرعية وهي قليلة اللبث قال صلى الله عليه وسلم: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تعود ملكا عضوضا» . فلا بد حينئذ لصاحب المال والثروة الشهيرة في العمران من حامية تذود عنه وجاه ينسحب عليه من ذي قرابة للملك أو خالصة له أو عصبية يتحاماها السلطان فيستظل هو بظلها ويرتع في أمنها من طوارق التعدي. وإن لم يكن له ذلك أصبح نهبا بوجوه التخيلات وأسباب الحكام [1] . والله يحكم لا معقب لحكمه 13: 41.
** الفصل السابع عشر في أن الحضارة في الأمصار من قبل الدول وأنها ترسخ باتصال الدولة ورسوخها **
والسبب في ذلك أن الحضارة هي أحوال عادية زائدة على الضروري من أحوال العمران زيادة تتفاوت بتفاوت الرفه وتفاوت الأمم [2] في القلة والكثرة تفاوتا غير منحصر وتقع فيها عند كثرة التفنن في أنواعها وأصنافها فتكون بمنزلة الصنائع ويحتاج كل صنف منها إلى القومة عليه والمهرة فيه وبقدر ما يتزيد من أصنافها تتزيد أهل صناعتها ويتلون ذلك الجيل بها ومتى اتصلت الأيام وتعاقبت تلك الصناعات [3] حذق أولئك الصناع في صناعتهم ومهروا في معرفتها والأعصار بطولها وانفساح أمدها وتكرير أمثالها تزيدها استحكاما ورسوخا وأكثر ما يقع ذلك في الأمصار لاستجار العمران وكثرة الرفه في أهلها. وذلك كله إنما يجيء من قبل الدولة لأن الدولة تجمع أموال الرعية وتنفقها في بطانتها ورجالها وتتسع أحوالهم بالجاه أكثر من اتساعها بالمال فيكون دخل تلك الأموال من الرعايا وخرجها في
أهل الدولة ثم في من تعلق بهم من أهل المصر وهم الأكثر فتعظم لذلك ثروتهم ويكثر غناهم وتتزيد عوائد الترف ومذاهبه وتستحكم لديهم الصنائع في سائر فنونه وهذه هي الحضارة. ولهذا تجد الأمصار التي في القاصية ولو كانت موفورة العمران تغلب عليها أحوال البداوة وتبعد عن الحضارة في جميع مذاهبها بخلاف المدن المتوسطة في الأقطار التي هي مركز الدولة ومقرها وما ذاك إلا لمجاورة السلطان لهم وفيض أمواله فيهم كالماء يخضر ما قرب منه فما قرب من الأرض إلى أن ينتهي إلى الجفوف على البعد وقد قدمنا أن السلطان والدولة سوق للعالم.
فالبضائع كلها موجودة في السوق وما قرب منه وإذا أبعدت عن السوق افتقدت البضائع جملة ثم إنه إذا اتصلت تلك الدولة وتعاقب ملوكها في ذلك المصر واحدا بعد واحد استحكمت الحضارة فيهم وزادت رسوخا واعتبر ذلك في اليهود لما طال ملكهم بالشام نحوا من ألف وأربعمائة سنة رسخت حضارتهم وحذقوا في أحوال المعاش وعوائده والتفنن في صناعاته من المطاعم والملابس وسائر أحوال المنزل حتى إنها لتؤخذ عنهم في الغالب إلى اليوم. ورسخت الحضارة أيضا وعوائدها في الشام منهم ومن دولة الروم بعدهم ستمائة سنة فكانوا في غاية الحضارة. وكذلك أيضا القبط دام ملكهم في الخليقة ثلاثة آلاف من السنين فرسخت عوائد الحضارة في بلدهم مصر وأعقبهم بها ملك اليونان والروم ثم ملك الإسلام الناسخ للكل. فلم تزل عوائد الحضارة بها متصلة وكذلك أيضا رسخت عوائد الحضارة باليمن لاتصال دولة العرب بها منذ عهد العمالقة والتبابعة آلافا من السنين وأعقبهم ملك مصر. وكذلك الحضارة بالعراق لاتصال دولة النبط والفرس بها من لدن الكلدانيين والكيانية [1] والكسروية والعرب بعدهم آلافا من السنين فلم يكن على
وجه الأرض لهذا العهد أحضر [1] من أهل الشام والعراق ومصر. وكذا أيضا رسخت عوائد الحضارة واستحكمت بالأندلس لاتصال الدولة العظيمة فيها للقوط ثم ما أعقبها من ملك بني أمية آلافا من السنين وكلتا الدولتين عظيمة فاتصلت فيها عوائد الحضارة واستحكمت. وأما إفريقية والمغرب فلم يكن بها قبل الإسلام ملك ضخم إنما قطع الإفرنجة إلى إفريقية البحر وملكوا الساحل وكانت طاعة البربر أهل الضاحية لهم طاعة غير مستحكمة فكانوا على قلعة وأوفاز [2] وأهل المغرب لم تجاورهم دولة وإنما كانوا يبعثون بطاعتهم إلى القوط من وراء البحر ولما جاء الله بالإسلام وملك العرب إفريقية والمغرب لم يلبث فيهم ملك العرب إلا قليلا أول الإسلام وكانوا لذلك العهد في طور البداوة ومن استقر منهم بإفريقية والمغرب لم يجد بهما من الحضارة ما يقلد فيه من سلفه إذ كانوا برابر منغمسين في البداوة ثم انتقض برابرة المغرب الأقصى لأقرب العهود على ميسرة المطغري أيام هشام بن عبد الملك ولم يراجعوا أمر العرب بعد واستقلوا بأمر أنفسهم وإن بايعوا لإدريس فلا تعد دولته فيهم عربية لأن البرابر هم الذين تولوها ولم يكن من العرب فيها كثير عدد وبقيت إفريقية للأغالبة ومن إليهم من العرب فكان لهم من الحضارة بعض الشيء بما حصل لهم من ترف الملك ونعيمه وكثرة عمران القيروان وورث ذلك عنهم كتامة ثم صنهاجة من بعدهم وذلك كله قليل لم يبلغ أربعمائة سنة وانصرمت دولتهم واستحالت صبغة الحضارة بما كانت غير مستحكمة وتغلب بدو العرب الهلاليين عليها وخربوها وبقي أثر خفي من حضارة العمران فيها وإلى هذا العهد يونس فيمن سلف له بالقلعة أو القيروان أو المهدية سلف فتجد له من الحضارة في شئون منزله وعوائد أحواله آثارا ملتبسة بغيرها يميزها الحضري البصير بها وكذا في أكثر أمصار إفريقية وليس كذلك في
المغرب وأمصاره لرسوخ الدولة بإفريقية أكثر أمدا منذ عهد الأغالبة والشيعة وصنهاجة وأما المغرب فانتقل إليه منذ دولة الموحدين من الأندلس حظ كبير من الحضارة واستحكمت به عوائدها بما كان لدولتهم من الاستيلاء على بلاد الأندلس وانتقل الكثير من أهلها إليهم طوعا وكرها وكانت من اتساع النطاق ما علمت فكان فيها حظ صالح من الحضارة واستحكامها ومعظمها من أهل الأندلس ثم انتقل أهل شرق الأندلس عند جالية النصارى إلى إفريقية فأبقوا فيها وبأمصارها من الحضارة آثارا ومعظمها بتونس امتزجت بحضارة مصر وما ينقله المسافرون من عوائدها فكان بذلك للمغرب وإفريقية حظ صالح من الحضارة عفي عليه الخلاء ورجع إلى أعقابه وعاد البربر بالمغرب إلى أديانهم من البداوة والخشونة وعلى كل حال فآثار الحضارة بإفريقية أكثر منها بالمغرب وأمصاره لما تداول فيها من الدول السالفة أكثر من المغرب ولقرب عوائدهم من عوائد أهل مصر بكثرة المترددين بينهم. فتفطن لهذا السر فإنه خفي عن الناس. واعلم أنها أمور متناسبة وهي حال الدولة في القوة والضعف وكثرة الأمة أو الجيل وعظم المدينة أو المصر وكثرة النعمة واليسار وذلك أن الدولة والملك صورة الخليقة والعمران وكلها مادة لها من الرعايا والأمصار وسائر الأحوال وأموال الجباية عائدة عليهم ويسارهم في الغالب من أسواقهم ومتاجرهم وإذا أفاض السلطان عطاءه وأمواله في أهلها انبثت فيهم ورجعت إليه ثم إليهم منه فهي ذاهبة عنهم في الجباية والخراج عائدة عليهم في العطاء فعلى نسبة حال الدولة يكون يسار الرعايا وعلى يسار الرعايا وكثرتهم يكون مال الدولة وأصله كله العمران وكثرته فاعتبره وتأمله في الدول تجده والله يحكم ولا معقب لحكمه
** الفصل الثامن عشر في أن الحضارة غاية العمران ونهاية لعمره وانها مؤذنة بفساده **
قد بينا لك فيما سلف أن الملك والدولة غاية للعصبية وأن الحضارة غاية للبداوة وأن العمران كله من بداوة وحضارة وملك وسوقة [1] له عمر محسوس كما أن للشخص الواحد من أشخاص المكونات عمرا محسوسا وتبين في المعقول والمنقول أن الأربعين للإنسان غاية في تزايد قواه ونموها وأنه إذا بلغ سن الأربعين وقفت الطبيعة عن أثر النشوء والنمو برهة ثم تأخذ بعد ذلك في الانحطاط. فلتعلم أن الحضارة في العمران أيضا كذلك لأنه غاية لا مزيد وراءها وذلك أن الترف والنعمة إذا حصلا لأهل العمران دعاهم بطبعه إلى مذاهب الحضارة والتخلق بعوائدها والحضارة كما علمت هي التفنن في الترف واستجادة أحواله والكلف بالصنائع التي تؤنق من أصنافه وسائر فنونه من الصنائع المهيئة للمطابخ أو الملابس أو المباني أو الفرش أو الآنية ولسائر أحوال المنزل. وللتأنق في كل واحد من هذه صنائع كثيرة لا يحتاج إليها عند البداوة وعدم التأنق فيها.
وإذا بلغ التأنق في هذه الأحوال المنزلية الغاية تبعه طاعة الشهوات فتتلون النفس من تلك العوائد بألوان كثيرة لا يستقيم حالها معها في دينها ولا دنياها أما دينها فلاستحكام صبغة العوائد التي يعسر نزعها وأما دنياها فلكثرة الحاجات والمؤنات التي تطالب بها العوائد ويعجز وينكب [2] عن الوفاء بها. وبيانه أن المصر بالتفنن في الحضارة تعظم نفقات أهله والحضارة تتفاوت بتفاوت العمران فمتى كان العمران أكثر كانت الحضارة أكمل. وقد كنا قدمنا أن المصر الكثير العمران يختص بالغلاء في أسواقه وأسعار حاجته. ثم تزيدها المكوس غلاء لأن الحضارة إنما تكون عند انتهاء الدولة في استفحالها وهو زمن وضع المكوس في الدول لكثرة
خرجها حينئذ كما تقدم. والمكوس تعود إلى البياعات بالغلاء لأن السوقة والتجار كلهم يحتسبون على سلعهم وبضائعهم جميع ما ينفقونه حتى في مؤنة أنفسهم فيكون المكس لذلك داخلا في قيم المبيعات وأثمانها. فتعظم نفقات أهل الحضارة وتخرج عن القصد إلى الإسراف. ولا يجدون وليجة عن ذلك لما ملكهم من أثر العوائد وطاعتها وتذهب مكاسبهم كلها في النفقات ويتتابعون [1] في الإملاق والخاصة [2] ويغلب عليهم الفقر ويقل المستامون للمبايع [3] فتكسد الأسواق ويفسد حال المدينة وداعية ذلك كله إفراط الحضارة والترف. وهذه مفسدات في المدينة على العموم في الأسواق والعمران. وأما فساد أهلها في ذاتهم واحدا واحدا على الخصوص فمن الكد والتعب في حاجات العوائد والتلون بألوان الشر في تحصيلها وما يعود على النفس من الضرر بعد تحصيلها بحصول لون آخر من ألوانها. فلذلك يكثر منهم الفسق والشر والسفسفة والتحيل على تحصيل المعاش من وجهه ومن غير وجهه. وتنصرف النفس إلى الفكر في ذلك والغوص عليه واستجماع الحيلة له فتجدهم أجرياء على الكذب والمقامرة والغش والخلابة والسرقة والفجور في الأيمان والربا في البياعات ثم تجدهم لكثرة الشهوات والملاذ الناشئة عن الترف أبصر بطرق الفسق ومذاهبه والمجاهرة به وبداوعيه واطراح الحشمة في الخوض فيه حتى بين الأقارب وذوي الأرحام والمحارم الذين تقتضي البداوة الحياء منهم في الإقذاع بذلك. وتجدهم أيضا أبصر بالمكر والخديعة يدفعون بذلك ما عساه أن ينالهم من القهر وما يتوقعونه من العقاب على تلك القبائح حتى يصير ذلك عادة وخلقا لأكثرهم إلا من عصمه الله. ويموج بحر المدينة بالسفلة من أهل الأخلاق الذميمة ويجاريهم فيها كثير من ناشئة الدولة وولدانهم ممن أهمل عن التأديب وأهملته الدولة من عدادها وغلب عليه خلق
الجوار وإن كانوا أهل أنساب وبيوتات [1] وذلك أن الناس بشر متماثلون وإنما تفاضلوا وتميزوا بالخلق واكتساب الفضائل واجتناب الرذائل. فمن استحكمت فيه صبغة الرذيلة بأي وجه كان، وفسد خلق الخير فيه، لم ينفعه زكاء نسبه ولا طيب منبته. ولهذا تجد كثيرا من أعقاب البيوت وذوي الأحساب والأصالة وأهل الدول منطرحين في الغمار [2] منتحلين للحرف الدنيئة في معاشهم بما فسد من أخلاقهم وما تلونوا به من صبغة الشر والسفسفة وإذا كثر ذلك في المدينة أو الأمة تأذن الله بخرابها وانقراضها وهو معنى قوله تعالى: «وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا 17: 16» [3] . ووجهه حينئذ إن مكاسبهم حينئذ لا تفي بحاجاتهم لكثرة العوائد ومطالبة النفس بها فلا تستقيم أحوالهم. وإذا فسدت أحوال الأشخاص واحدا واحدا اختل نظام المدينة وخربت وهذا معنى ما يقوله بعض أهل الخواص [4] أن المدينة إذا كثر فيها غرس النارنج تأذنت بالخراب حتى أن كثيرا من العامة يتحامى غرس النارنج بالدور تطيرا به. وليس المراد ذلك ولا أنه خاصية [5] في النارنج وإنما معناه أن البساتين وإجراء المياه هو من توابع الحضارة. ثم إن النارنج واللية [6] والسرو وأمثال ذلك مما لا طعم فيه ولا منفعة هو من غاية [7] الحضارة إذ لا يقصد بها في البساتين إلا أشكالها فقط ولا تغرس إلا بعد التفنن في مذاهب الترف. وهذا هو الطور الذي يخشى معه هلاك المصر وخرابه كما قلناه. ولقد قيل مثل ذلك في الدفلى وهو من هذا الباب إذ الدفلى لا يقصد بها إلا تلون البساتين بنورها ما بين أحمر وأبيض وهو من مذاهب الترف. ومن مفاسد الحضارة الانهماك في الشهوات والاسترسال
فيها لكثرة الترف فيقع التفنن في شهوات البطن من المآكل والملاذ والمشارب وطيبها. ويتبع ذلك التفنن في شهوات الفرج بأنواع المناكح من الزنا واللواط، فيفضي ذلك إلى فساد النوع. إما بواسطة اختلاط الأنساب كما في الزنا، فيجهل كل واحد ابنه، إذ هو لغير رشدة، لأن المياه مختلطة في الأرحام، فتفقد الشفقة الطبيعية على البنين والقيام عليهم فيهلكون، ويؤدي ذلك إلى انقطاع النوع، أو يكون فساد النوع بغير واسطة، كما في اللواط المؤدي إلى عدم النسل رأسا وهو أشد في فساد النوع. والزنا يؤدي إلى عدم ما يوجد منه. ولذلك كان مذهب مالك رحمه الله في اللواط أظهر من مذهب غيره، ودل على أنه أبصر بمقاصد الشريعة واعتبارها للمصالح.
فافهم ذلك واعتبر به أن غاية العمران هي الحضارة والترف وأنه إذا بلغ غايته انقلب إلى الفساد وأخذ في الهرم كالأعمار الطبيعية للحيوانات. بل نقول إن الأخلاق الحاصلة من الحضارة والترف هي عين الفساد لأن الإنسان إنما هو إنسان باقتداره على جلب منافعه ودفع مضاره واستقامة خلقه للسعي في ذلك. والحضري لا يقدر على مباشرته حاجاته إما عجزا لما حصل له من الدعة أو ترفعا لما حصل من المربى في النعيم والترف وكلا الأمرين ذميم. وكذلك لا يقدر على دفع المضار واستقامة خلقه للسعي في ذلك. والحضري بما قد فقد من خلق الإنسان بالترف والنعيم [1] في قهر التأديب والتعلم فهو بذلك عيال على الحامية التي تدافع عنه. ثم هو فاسد أيضا غالبا بما فسدت [2] منه العوائد وطاعتها وما تلونت به النفس من مكانتها [3] كما قررناه إلا في الأقل النادر. وإذا فسد الإنسان في قدرته على أخلاقه ودينه فقد فسدت إنسانيته وصار مسخا على الحقيقة. وبهذا الاعتبار كان الذين يتقربون من جند السلطان إلى البداوة والخشونة أنفع من الذين
يتربون على الحضارة وخلقها. موجودون [1] في كل دولة. فقد تبين أن الحضارة هي سن الوقوف لعمر العالم في العمران والدولة [2] والله سبحانه وتعالى كل يوم هو في شأن 55: 29 لا يشغله شأن عن شأن.
** الفصل التاسع عشر في أن الأمصار التي تكون كراسي للملك تخرب بخراب الدولة وانقراضها **
قد استقرينا في العمران أن الدولة إذا اختلت وانتقضت فإن المصر الذي يكون كرسيا لسلطانها ينتقض عمرانه وربما ينتهي في انتقاضه إلى الخراب ولا يكاد ذلك يتخلف. والسبب فيه أمور: الأول أن الدولة لا بد في أولها من البداوة المقتضية للتجافي عن أموال الناس والبعد عن التحذلق. ويدعو ذلك إلى تخفيف الجباية والمغارم التي منها مادة الدولة فتقل النفقات ويقل [3] الترف فإذا صار المصر الذي كان كرسيا للملك في ملكة هذه الدولة المتجددة ونقصت أحوال الترف فيها نقص الترف فيمن تحت أيديها من أهل المصر لأن الرعايا تبع للدولة فيرجعون إلى خلق الدولة إما طوعا لما في طباع البشر من تقليد متبوعهم أو كرها لما يدعو إليه خلق الدولة من الانقباض عن الترف في جميع الأحوال وقلة الفوائد التي هي مادة العوائد فتقصر لذلك حضارة المصر ويذهب منه كثير من عوائد الترف. وهو معنى ما نقول في خراب المصر. الأمر الثاني أن الدولة إنما يحصل لها الملك والاستيلاء بالغلب، وإنما يكون بعد العداوة والحروب. والعداوة تقتضي منافاة بين أهل الدولتين، وتكثر إحداهما على الأخرى في العوائد والأحوال. وغلب أحد المتنافيين يذهب بالمنافي الآخر فتكون أحوال الدولة
السابقة منكرة عند أهل الدولة الجديدة ومستبشعة وقبيحة. وخصوصا أحوال الترف فتفقد في عرفهم بنكير الدولة لها حتى تنشأ لهم بالتدريج عوائد أخرى من الترف فتكون عنها حضارة مستأنفة. وفيما بين ذلك قصور الحضارة الأولى ونقصها وهو معنى اختلال العمران في المصر. الأمر الثالث أن كل أمة لا بد لهم من وطن وهو منشأهم ومنه أولية ملكهم. وإذا ملكوا ملكا آخر صار تبعا للأول وأمصاره تابعة لأمصار الأول. واتسع نطاق الملك عليهم. ولا بد من توسط الكرسي بين تخوم الممالك التي للدولة لأنه شبه المركز للنطاق فيبعد مكانه عن مكان الكرسي الأول وتهوى أفئدة الناس من أجل الدولة والسلطان فينتقل إليه العمران ويخف من مصر الكرسي الأول. والحضارة إنما هي توفر [1] العمران كما قدمناه فتنقص حضارته وتمدنه وهو معنى اختلاله. وهذا كما وقع للسلجوقية في عدولهم بكرسيهم عن بغداد إلى أصبهان وللعرب قبلهم في العدول عن المدائن إلى الكوفة والبصرة، ولبني العباس في العدول عن دمشق إلى بغداد ولبني مرين بالمغرب في العدول عن مراكش إلى فاس. وبالجملة فاتخاذ الدولة الكرسي في مصر يخل بعمران الكرسي الأول. الأمر الرابع أن الدولة الثانية لا بد فيها من تبع [2] أهل الدولة السابقة وأشياعها بتحويلهم إلى قطر آخر يؤمن فيه غائلتهم على الدولة وأكثر أهل المصر الكرسي أشياع الدولة. إما من الحامية الذين نزلوا به أول الدولة أو أعيان المصر لأن لهم في الغالب مخالطة للدولة على طبقاتهم وتنوع أصنافهم. بل أكثرهم ناشئ في الدولة فهم شيعة لها. وإن لم يكونوا بالشوكة والعصبية فهم بالميل والمحبة والعقيدة. وطبيعة الدولة المتجددة محو آثار الدولة السابقة فينقلهم من مصر الكرسي إلى وطنها المتمكن في ملكتها. فبعضهم على نوع التغريب والحبس وبعضهم على نوع الكرامة والتلطف بحيث لا يؤدي إلى النفرة حتى لا يبقى في مصر الكرسي إلا الباعة والهمل من أهل الفلح والعيارة
وسواد العامة وينزل مكانهم حاميتها وأشياعها من يشتد به المصر وإذا ذهب من المصر أعيانهم على طبقاتهم نقص ساكنه وهو معنى اختلال عمرانه. ثم لا بد من أن يستجد عمران آخر في ظل الدولة الجديدة وتحصل فيه حضارة أخرى على قدر الدولة. وإنما ذلك بمثابة (من له بيت على أوصاف مخصوصة فأظهر من قدرته على تغيير تلك الأوصاف) [1] وإعادة بنائها على ما يختاره ويقترحه فيخرب ذلك البيت ثم يعيد بناءه ثانيا. وقد وقع من ذلك كثير في الأمصار التي هي كراسي للملك وشاهدناه وعلمناه «والله يقدر الليل والنهار 73: 20» . والسبب الطبيعي الأول في ذلك على الجملة أن الدولة والملك للعمران بمثابة الصورة للمادة وهو الشكل الحافظ بنوعه لوجودها. وقد تقرر في علوم الحكمة أنه لا يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر. فالدولة دون العمران لا تتصور والعمران دون الدولة والملك متعذر لما في طباع البشر من العدوان [2] الداعي إلى الوازع فتتعين السياسة لذلك إما الشرعية أو الملكية وهو معنى الدولة وإذا كانا لا ينفكان فاختلال أحدهما مؤثر في اختلال الآخر كما أن عدمه مؤثر في عدمه والخلل العظيم إنما يكون من خلل الدولة الكلية مثل دولة الروم أو الفرس أو العرب على العموم أو بني أمية أو بني العباس كذلك. وأما الدولة الشخصية مثل دولة أنوشروان أو هرقل أو عبد الملك بن مروان أو الرشيد فأشخاصها متعاقبة على العمران حافظة لوجوده وبقائه وقريبة الشبه بعضها من بعض فلا تؤثر كثير اختلال لأن الدولة بالحقيقة الفاعلة في مادة العمران إنما هي العصبية والشوكة وهي مستمرة على أشخاص الدولة فإذا ذهبت تلك العصبية ودفعتها عصبية أخرى مؤثرة في العمران ذهبت أهل الشوكة بأجمعهم وعظم الخلل كما قررناه أولا «والله سبحانه وتعالى أعلم» [3]
** الفصل العشرون في اختصاص بعض الأمصار ببعض الصنائع دون بعض **
وذلك أنه من البين أن أعمال أهل المصر يستدعي بعضها بعضا لما في طبيعة العمران من التعاون وما يستدعي من الأعمال يختص ببعض أهل المصر فيقومون عليه ويستبصرون في صناعته ويختصون بوظيفته ويجعلون معاشهم فيه ورزقهم منه لعموم البلوى به في المصر والحاجة إليه. وما لا تستدعي في المصر يكون غفلا إذ لا فائدة لمنتحله في الاحتراف به. وما يستدعي من ذلك لضرورة المعاش فيوجد في كل مصر كالخياط والحداد والنجار وأمثالها وما يستدعي لعوائد الترف وأحواله فإنما يوجد في المدن المستبحرة في العمارة الآخذة في عوائد الترف والحضارة مثل الزجاج والصائغ والدهان والطباخ والصفار والسفاج والفراش والذباح وأمثال هذه وهي متفاوتة. وبقدر ما تزيد الحضارة وتستدعي أحوال الترف تحدث صنائع لذلك النوع فتوجد بذلك المصر دون غيره ومن هذا الباب الحمامات لأنها إنما توجد في الأمصار المستحضرة المستبحرة العمران لما يدعو إليه الترف والغنى من التنعم ولذلك لا تكون في المدن المتوسطة. وإن نزع بعض الملوك والرؤساء إليها فيختطها ويجري أحوالها. إلا أنها إذا لم تكن لها داعية من كافة الناس فسرعان ما تهجر وتخرب وتفر عنها القومة لقلة فائدتهم ومعاشهم منها. والله يقبض ويبسط.
** الفصل الحادي والعشرون في وجود العصبية في الأمصار وتغلب بعضهم على بعض **
من البين أن الالتحام والاتصال موجود في طباع البشر وإن لم يكونوا أهل نسب واحد إلا أنه كما قدمناه أضعف مما يكون بالنسب وأنه تحصل به العصبية
بعضا مما تحصل بالنسب. وأهل الأمصار كثير منهم ملتحمون بالصهر يجذب بعضهم بعضا إلى أن يكونوا لحما لحما وقرابة قرابة وتجد بينهم من العداوة والصداقة ما يكون بين القبائل والعشائر مثله فيفترقون شيعا [1] وعصائب فإذا نزل الهرم بالدولة وتقلص ظل الدولة [2] عن القاصية احتاج أهل أمصارها إلى القيام على أمرهم والنظر في حماية بلدهم ورجعوا إلى الشورى وتميز العلية عن السفلة والنفوس بطباعها متطاولة إلى الغلب والرئاسة فتطمح المشيخة لخلاء الجو من السلطان والدولة القاهرة إلى الاستبداد وينازع كل صاحبه ويستوصلون بالأتباع من الموالي والشيع والأحلاف ويبذلون ما في أيديهم للأوغاد والأوشاب فيعصوصب كل لصاحبه ويتعين الغلب لبعضهم فيعطف على أكفائه ليقص من أعنتهم ويتتبعهم بالقتل أو التغريب حتى يخضد منهم الشوكات النافذة ويقلم الأظفار الخادشة ويستبد بمصره أجمع ويرى أنه قد استحدث ملكا يورثه عقبه فيحدث في ذلك الملك الأصغر ما يحدث في الملك الأعظم من عوارض الجدة والهرم وربما يسمو بعض هؤلاء إلى منازع الملوك الأعاظم أصحاب القبائل والعشائر والعصبيات والزحوف والحروب والأقطار والممالك فينتحلون بها من الجلوس على السرير واتخاذ الآلة وإعداد المواكب للسير في أقطار البلد والتختم والتحية والخطاب بالتهويل ما يسخر منه من يشاهد أحوالهم لما انتحلوه من شارات الملك التي ليسوا لها بأهل. إنما دفعهم إلى ذلك تقلص الدولة والتحام بعض القرابات حتى صارت عصبية. وقد يتنزه بعضهم عن ذلك ويجري على مذهب [3] السذاجة فرارا من التعريض بنفسه للسخرية والعبث. وقد وقع هذا بإفريقية لهذا العهد في آخر الدولة الحفصية لأهل بلاد الجريد من طرابلس وقابس وتؤزر ونفطة وقفصة وبسكرة والزاب وما إلى ذلك. سموا إلى مثلها عند
تقلص ظل الدولة عنهم منذ عقود من السنين فاستغلبوا على أمصارهم واستبدوا بأمرها على الدولة في الأحكام والجباية. وأعطوا طاعة معروفة وصفقة ممرضة وأقطعوها جانبا من الملاينة والملاطفة والانقياد وهم بمعزل عنه. وأورثوا ذلك أعقابهم لهذا العهد. وحدث في خلفهم [1] من الغلظة والتجبر ما يحدث لأعقاب الملوك وخلفهم ونظموا أنفسهم في عداد السلاطين على قرب عهدهم بالسوقة حتى محا ذلك مولانا أمير المؤمنين أبو العباس وانتزع ما كان بأيديهم من ذلك كما نذكره في أخبار الدولة. وقد كان مثل ذلك وقع في آخر الدولة الصنهاجية واستقل بأمصار الجريد أهلها واستبدوا على الدولة حتى انتزع ذلك منهم شيخ الموحدين وملكهم عبد المؤمن بن علي ونقلهم من إماراتهم بها إلى المغرب ومحا من تلك البلاد آثارهم كما نذكر في أخباره. وكذا وقع بسبتة لآخر دولة بني عبد المؤمن.
وهذا التغلب يكون غالبا في أهل السروات والبيوتات المرشحين للمشيخة والرئاسة في المصر، وقد يحدث التغلب لبعض السفلة من الغوغاء والدهماء. وإذا حصلت له العصبية والالتحام بالأوغاد لأسباب يجرها له المقدار فيتغلب على المشيخة والعلية إذا كانوا فاقدين للعصابة والله سبحانه وتعالى غالب على أمره.
** الفصل الثاني والعشرون في لغات أهل الأمصار **
اعلم أن لغات أهل الأمصار إنما تكون بلسان الأمة أو الجيل الغالبين عليها أو المختطين لها ولذلك كانت لغات الأمصار الإسلامية كلها بالمشرق والمغرب لهذا العهد عربية وإن كان اللسان العربي المضري قد فسدت ملكته وتغير إعرابه والسبب في ذلك ما وقع للدولة الإسلامية من الغلب على الأمم والدين والملة صورة
للوجود وللملك. وكلها مواد له والصورة مقدمة على المادة والدين إنما يستفاد من الشريعة وهي بلسان العرب لما أن النبي صلى الله عليه وسلم عربي فوجب هجر ما سوى اللسان العربي من الألسن في جميع ممالكها. واعتبر ذلك في نهي عمر رضي الله عنه عن بطانة [1] الأعاجم وقال إنها خب. أي مكر وخديعة. فلما هجر الدين اللغات الأعجمية وكان لسان القائمين بالدولة الإسلامية عربيا هجرت كلها في جميع ممالكها لأن الناس تبع للسلطان وعلى دينه فصار استعمال اللسان العربي من شعائر الإسلام وطاعة العرب. وهجر الأمم لغاتهم وألسنتهم في جميع الأمصار والممالك. وصار اللسان العربي لسانهم حتى رسخ ذلك لغة في جميع أمصارهم ومدنهم وصارت الألسنة العجمية دخيلة فيها وغريبة. ثم فسد اللسان العربي بمخالطتها في بعض أحكامه وتغير أواخره وإن كان بقي في الدلالات على أصله وسمي لسانا حضريا في جميع أمصار الإسلام. وأيضا فأكثر أهل الأمصار في الملة لهذا العهد من أعقاب العرب المالكين لها، الهالكين في ترفها بما كثروا العجم الذين كانوا بها وورثوا أرضهم وديارهم. واللغات متوارثة فبقيت لغة الأعقاب على حيال لغة الآباء وإن فسدت أحكامها بمخالطة الأعجام شيئا فشيئا. وسميت لغتهم حضرية منسوبة إلى أهل الحواضر والأمصار بخلاف لغة البدو من العرب فإنها كانت أعرق في العروبية ولما تملك العجم من الديلم والسلجوقية بعدهم بالمشرق، وزناتة والبربر بالمغرب، وصار لهم الملك والاستيلاء على جميع الممالك الإسلامية فسد اللسان العربي لذلك وكاد يذهب لولا ما حفظه من عناية المسلمين بالكتاب والسنة اللذين بهما حفظ الدين وسار ذلك مرجحا لبقاء اللغة العربية المضرية من الشعر والكلام إلا قليلا بالأمصار فلما ملك التتر والمغول بالمشرق ولم يكونوا على دين الإسلام ذهب ذلك المرجح وفسدت اللغة العربية على الإطلاق ولم يبق لها رسم في الممالك الإسلامية بالعراق وخراسان
وبلاد فارس وأرض الهند والسند وما وراء النهر وبلاد الشمال وبلاد الروم وذهبت أساليب اللغة العربية من الشعر والكلام إلا قليلا يقع تعليمه صناعيا بالقوانين المتدارسة من كلام [1] العرب وحفظ كلامهم لمن يسره الله تعالى لذلك. وربما بقيت اللغة العربية المضرية بمصر والشام والأندلس وبالمغرب لبقاء الدين طلبا لها فانحفظت ببعض الشيء وأما في ممالك العراق وما وراءه فلم يبق له أثر ولا عين حتى إن كتب العلوم صارت تكتب باللسان العجمي وكذا تدريسه في المجالس والله أعلم بالصواب. والله مقدر الليل والنهار. صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما أبدا إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.
** الباب الخامس من الكتاب الأول في المعاش ووجوبه من الكسب والصنائع وما يعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه مسائل **
** الفصل الأول في حقيقة الرزق والكسب وشرحهما وان الكسب هو قيمة الأعمال البشرية **
اعلم أن الإنسان مفتقر بالطبع إلى ما يقوته ويمونه في حالاته وأطواره من لدن نشوءه إلى أشده إلى كبره «والله الغني وأنتم الفقراء 47: 38» والله سبحانه خلق جميع ما في العالم للإنسان وامتن به عليه في غير ما آية من كتابه فقال:
«وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه 45: 13» [1] وسخر لكم البحر وسخر لكم الفلك وسخر لكم الأنعام. وكثير من شواهده. ويد الإنسان مبسوطة على العالم وما فيه بما جعل الله له من الاستخلاف. وأيدي البشر منتشرة فهي مشتركة في ذلك. وما حصل عليه يد هذا امتنع عن الآخر إلا بعوض. فالإنسان متى اقتدر على نفسه وتجاوز طور الضعف سعى في اقتناء المكاسب لينفق ما آتاه الله منها في تحصيل حاجاته وضروراته بدفع الأعواض عنها. قال الله تعالى: «فابتغوا عند الله الرزق 29: 17» وقد يحصل له ذلك بغير سعي كالمطر المصلح للزراعة وأمثاله. إلا أنها إنما تكون معينة ولا بد من سعيه معها كما يأتي فتكون له تلك المكاسب معاشا إن كانت بمقدار الضرورة والحاجة ورياشا ومتمولا إن زادت على ذلك. ثم إن ذلك الحاصل أو المقتنى إن عادت منفعته على العبد وحصلت له ثمرته من إنفاقه في مصالحه وحاجاته سمي ذلك رزقا. قال صلى الله عليه وسلم: «إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت» وإن لم ينتفع به في شيء من مصالحه ولا حاجاته فلا يسمى بالنسبة إلى المالك رزقا والمتملك منه حينئذ بسعي العبد وقدرته يسمى كسبا. وهذا مثل التراث فإنه يسمى بالنسبة إلى الهالك كسبا ولا يسمى رزقا إذ لم يحصل به منتفع وبالنسبة إلى الوارثين متى انتفعوا به يسمى رزقا. هذا حقيقة مسمى الرزق عند أهل السنة وقد اشترط المعتزل في تسميته رزقا أن يكون بحيث يصح تملكه وما لا يتملك عندهم لا يسمى رزقا وأخرجوا الغصوبات [2] والحرام كله عن أن يسمى شيء منها رزقا والله تعالى يرزق الغاصب والظالم والمؤمن والكافر برحمته وهدايته من يشاء.
ولهم في ذلك حجج ليس هذا موضع بسطها. ثم اعلم أن الكسب إنما يكون بالسعي في الاقتناء والقصد إلى التحصيل فلا بد في الرزق من سعي وعمل ولو في
تناوله وابتغائه من وجوهه. قال تعالى: «فابتغوا عند الله الرزق 29: 17» والسعي إليه إنما يكون بأقدار الله تعالى وإلهامه، فالكل من عند الله. فلا بد من الأعمال الإنسانية في كل مكسوب ومتمول. لأنه إن كان عملا بنفسه مثل الصنائع فظاهر وإن كان مقتنى من الحيوان والنبات والمعدن فلا بد فيه من العمل الإنساني كما تراه وإلا لم يحصل ولم يقع به انتفاع. ثم إن الله تعالى خلق الحجرين المعدنيين من الذهب والفضة قيمة لكل متمول، وهما الذخيرة والقنية لأهل العالم في الغالب. وإن اقتنى سواهما في بعض الأحيان فإنما هو لقصد تحصيلهما بما يقع في غيرهما من حوالة الأسواق التي هما عنها بمعزل فهما أصل المكاسب والقنية والذخيرة. وإذا تقرر هذا كله فاعلم أن ما يفيده الإنسان ويقتنيه من المتمولات إن كان من الصنائع فالمفاد المقتنى منه قيمة عمله وهو القصد بالقنية إذ ليس هناك إلا العمل وليس بمقصود بنفسه للقنية. وقد يكون مع الصنائع في بعضها غيرها مثل التجارة والحياكة معهما الخشب والغزل إلا أن العمل فيهما أكثر فقيمته أكثر وإن كان من غير الصنائع فلا بد من قيمة ذلك المفاد والقنية من دخول قيمة العمل الذي حصلت به إذ لولا العمل لم تحصل قنيتها. وقد تكون ملاحظة العمل ظاهرة في الكثير منها فتجعل له حصة من القيمة عظمت أو صغرت. وقد تخفى ملاحظة العمل كما في أسعار الأقوات بين الناس فإن اعتبار الأعمال والنفقات فيها ملاحظ في أسعار الحبوب كما قدمناه لكنه خفي في الأقطار التي علاج الفلح فيها ومؤنته يسيرة فلا يشعر به إلا القليل من أهل الفلح. فقد تبين أن المفادات والمكتسبات كلها أو أكثرها إنما هي قيم الأعمال الإنسانية وتبين مسمى الرزق وأنه المنتفع به. فقد بان معنى الكسب والرزق وشرح مسماهما. واعلم أنه إذا فقدت الأعمال أو قلت بانتقاص العمران تأذن الله برفع الكسب أترى إلى الأمصار القليلة الساكن كيف يقل الرزق والكسب فيها أو يفقد لقلة الأعمال الإنسانية وكذلك الأمصار التي يكون عمرانها [1] أكثر يكون أهلها أوسع أحوالا
وأشد رفاهية كما قدمناه قبل ومن هذا الباب تقول العامة في البلاد إذا تناقص عمرانها إنها قد ذهب رزقها حتى أن الأنهار والعيون ينقطع جريها في القفر لما أن فور العيون إنما يكون بالأنباط والامتراء الذي هو بالعمل الإنساني كالحال في ضروع الأنعام فما لم يكن إنباط ولا امتراء نضبت وغارت بالجملة كما يجف الضرع إذا ترك امتراؤه. وأنظره في البلاد التي تعهد فيها العيون لأيام عمرانها ثم يأتي عليها الخراب كيف تغور مياهها جملة كأنها لم تكن «والله مقدر الليل والنهار» .
** الفصل الثاني في وجوه المعاش وأصنافه ومذاهبه **
اعلم أن المعاش هو عبارة عن ابتغاء الرزق والسعي في تحصيله وهو مغفل من العيش. كأنه لما كان العيش الذي هو الحياة لا يحصل إلا بهذه جعلت موضعا له على طريق المبالغة ثم إن تحصيل الرزق وكسبه: إما أن يكون بأخذه من يد الغير وانتزاعه بالاقتدار عليه على قانون متعارف ويسمى مغرما وجباية وإما أن يكون من الحيوان الوحشي بافتراسه [1] وأخذه برميه من البر أو البحر ويسمى اصطيادا وإما أن يكون من الحيوان الداجن باستخراج فضوله المنصرفة بين الناس في منافعهم كاللبن من الأنعام والحرير من دوده والعسل من نحلة أو يكون من النبات في الزرع والشجر بالقيام عليه وإعداده لاستخراج ثمرته ويسمى هذا كله فلحا وإما أن يكون الكسب من الأعمال الإنسانية إما في مواد معينة وتسمى الصنائع من كتابة وتجارة وخياطة وحياكة وفروسية وأمثال ذلك أو في مواد غير معينة وهي جميع الامتهانات والتصرفات وإما أن يكون الكسب من البضائع
وإعدادها للأعواض إما بالتغلب بها في البلاد واحتكارها وارتقاب حوالة الأسواق فيها. ويسمى هذا تجارة. فهذه وجوه المعاش وأصنافه وهي معنى ما ذكره المحققون من أهل الأدب والحكمة كالحريري وغيره فإنهم قالوا: «المعاش إمارة وتجارة وفلاحة وصناعة» . فأما الإمارة فليست بمذهب طبيعي للمعاش فلا حاجة بنا إلى ذكرها وقد تقدم شيء من أحوال الجبايات السلطانية وأهلها في الفصل الثاني. وأما الفلاحة والصناعة والتجارة فهي وجوه طبيعية للمعاش أما الفلاحة فهي متقدمة عليها كلها بالذات إذ هي بسيطة وطبيعية فطرية لا تحتاج إلى نظر ولا علم ولهذا تنسب في الخليقة إلى آدم أبي البشر وأنه معلمها والقائم عليها إشارة إلى أنها أقدم وجوه المعاش وأنسبها إلى الطبيعة. وأما الصنائع فهي ثانيتها ومتأخرة عنها لأنها مركبة وعلمية تصرف فيها الأفكار والأنظار ولهذا لا يوجد غالبا إلا في أهل الحضر الذي هو متأخر عن البدو وثان عنه. ومن هذا المعنى نسبت إلى إدريس الأب الثاني للخليقة فإنه مستنبطها لمن بعده من البشر بالوحي من الله تعالى. وأما التجارة وإن كانت طبيعة في الكسب فالأكثر من طرقها ومذاهبها إنما هي تحيلات في الحصول على ما بين القيمتين في الشراء والبيع لتحصل فائدة الكسب من تلك الفضلة. ولذلك أباح الشرع فيه المكاسبة [1] لما أنه من باب المقامرة إلا أنه ليس أخذ المال الغير مجانا فلهذا اختص بالمشروعية. والله أعلم.
** الفصل الثالث في أن الخدمة ليست من الطبيعي **
اعلم أن السلطان لا بد له من اتخاذ الخدمة في سائر أبواب الإمارة والملك الذي هو بسبيله من الجندي والشرطي والكاتب. ويستكفي في كل باب بمن
المضيع ولو كان مأمونا فضرره بالتضييع أكثر من نفعه. فاعلم ذلك واتخذه قانونا في الاستكفاء بالخدمة. والله سبحانه وتعالى قادر على كل شيء.
** الفصل الرابع في ابتغاء الأموال من الدفائن والكنوز ليس بمعاش طبيعي **
اعلم أن كثيرا من ضعفاء العقول في الأمصار يحرصون على استخراج الأموال من تحت الأرض ويبتغون الكسب من ذلك. ويعتقدون أن أموال الأمم السالفة مختزنة كلها تحت الأرض مختوم عليها كلها بطلاسم سحرية، لا يفض ختامها ذلك إلا من عثر على علمه واستحضر ما يحله من البخور والدعاء والقربان. فأهل الأمصار بإفريقية يرون أن الإفرنجة الذين كانوا قبل الإسلام بها دفنوا أموالهم كذلك وأودعوها في الصحف بالكتاب إلى أن يجدوا السبيل إلى استخراجها. وأهل الأمصار بالمشرق يرون مثل ذلك في أمم القبط والروم والفرس. ويتناقلون في ذلك أحاديث تشبه حديث خرافة من انتهاء بعض الطالبين لذلك إلى حفر موضع المال ممن لم يعرف طلسمه ولا خبره فيجدونه خاليا أو معمورا بالديدان. أو يشاهد الأموال والجواهر موضوعة والحرس دونها منتضين سيوفهم. أو تميد به الأرض حتى يظنه خسفا أو مثل ذلك من الهذر. ونجد كثيرا من طلبة البربر بالمغرب العاجزين عن المعاش الطبيعي وأسبابه يتقربون إلى أهل الدنيا بالأوراق المتخرمة [1] الحواشي إما بخطوط عجمية أو بما ترجم بزعمهم منها من خطوط أهل الدفائن بإعطاء الأمارات عليها في أماكنها يبتغون بذلك الرزق منهم بما يبعثونه على الحفر والطلب ويموهون عليهم بأنهم إنما حملهم على الاستعانة بهم طلب الجاه في مثل هذا من منال الحكام والعقوبات. وربما تكون عند
يعلم غناءه فيه ويتكفل بأرزاقهم من بيت ماله. وهذا كله مندرج في الإمارة ومعاشها إذ كلهم ينسحب [1] عليهم حكم الإمارة والملك الأعظم هو ينبوع جداولهم. وأما ما دون ذلك من الخدمة فسببها أن أكثر المترفين يترفع عن مباشرة حاجاته أو يكون عاجزا عنها لما ربي عليه من خلق التنعم والترف فيتخذ من يتولى ذلك له ويقطعه عليه أجرا من ماله. وهذه الحالة غير محمودة بحسب الرجولية الطبيعية للإنسان إذ الثقة بكل أحد عجز، ولأنها تزيد في الوظائف والخرج وتدل على العجز والخنث الذي ينبغي في مذاهب الرجولية التنزه عنهما.
إلا أن العوائد تقلب طباع الإنسان إلى مألوفها فهو ابن عوائده لا ابن نسبه. ومع ذلك فالخديم الذي يستكفى به ويوثق بغنائه كالمفقود إذ الخديم القائم بذلك لا يعدو أربع حالات: إما مضطلع بأمره ولا موثوق فيما يحصل بيده وإما بالعكس فيهما، وهو أن يكون غير مضطلع بأمره ولا موثوق فيها يحصل بيده وإما بالعكس في إحداهما فقط مثل أن يكون مضطلعا غير موثوق أو موثوقا غير مضطلع. فأما الأول وهو المضطلع الموثوق فلا يمكن أحدا استعماله بوجه إذ هو باضطلاعه وثقته غني عن أهل الرتب الدنيئة ومحتقر لمثال الأجر من الخدمة لاقتداره على أكثر من ذلك فلا يستعمله إلا الأمراء أهل الجاه العريض لعموم الحاجة إلى الجاه. وأما الصنف الثاني وهو ممن ليس بمضطلع ولا موثوق فلا ينبغي لعاقل استعماله لأنه يحجف بمخدومه في الأمرين معا فيضيع عليه لعدم الاصطناع تارة ويذهب ماله بالخيانة أخرى فهو على كل حال كل على مولاه.
فهذان الصنفان لا يطمع أحد في استعمالهما. ولم يبق إلا استعمال الصنفين الآخرين: موثوق غير مضطلع ومضطلع غير موثوق وللناس في الترجيح بينهما مذهبان، ولكل من الترجيحين وجه. إلا أن المضطلع ولو كان غير موثوق أرجح لأنه يؤمن من تضييعه ويحاول على التحرز من خيانته جهد الاستطاعة وأما
بعضهم نادرة أو غريبة من الأعمال السحرية يموه بها على تصديق ما بقي من دعواه وهو بمعزل عن السحر وطرقه فتولع كثير من ضعفاء العقول بجمع الأيدي على الاحتفار والتستر فيه بظلمات الليل مخافة الرقباء وعيون أهل الدول، فإذا لم يعثروا على شيء ردوا ذلك إلى الجهل بالطلسم الذي ختم به على ذلك المال يخادعون به أنفسهم عن إخفاق مطامعهم. والذي يحمل على ذلك في الغالب زيادة على ضعف العقل إنما هو العجز عن طلب المعاش بالوجوه الطبيعية للكسب من التجارة والفلح والصناعة فيطلبونه بالوجوه المنحرفة وعلى غير المجرى [1] الطبيعي من هذا وأمثاله عجزا عن السعي في المكاسب وركونا إلى تناول الرزق من غير تعب ولا نصب في تحصيله واكتسابه ولا يعلمون أنهم يوقعون أنفسهم بابتغاء ذلك من غير وجهه في نصب ومتاعب وجهد شديد أشد من الأول ويعرضون أنفسهم مع ذلك لمنال العقوبات. وربما يحمل على ذلك في الأكثر زيادة الترف وعوائده وخروجها عن حد النهاية حتى تقصر عنها وجوه الكسب ومذاهبه ولا تفي بمطالبها. فإذا عجز عن الكسب بالمجرى الطبيعي لم يجد وليجة في نفسه إلا التمني لوجود المال العظيم دفعة من غير كلفة ليفي له ذلك بالعوائد التي حصل في أسرها فيحرص على ابتغاء ذلك ويسعى فيه جهده ولهذا فأكثر من تراهم يحرصون على ذلك هم المترفون من أهل الدولة ومن سكان الأمصار الكثيرة الترف المتسعة الأحوال مثل مصر وما في معناها فنجد الكثير منهم مغرمين بابتغاء ذلك وتحصيله ومساءلة الركبان عن شواذه كما يحرصون على الكيمياء. هكذا بلغني [2] عن أهل مصر في مفاوضة من يلقونه من طلبة المغاربة لعلهم يعثرون منه على دفين أو كنز ويزيدون على ذلك البحث عن تغوير المياه لما يرون أن غالب هذه الأموال الدفينة كلها في مجاري النيل وأنه أعظم ما يستر دفينا أو مختزنا في تلك الآفاق ويموه عليهم أصحاب تلك الدفاتر المفتعلة
في الاعتذار عن الوصول إليها بجرية النيل تسترا بذلك من الكذب حتى يحصل على معاشه فيحرص سامع ذلك منهم على نضوب الماء بالأعمال السحرية لتحصيل مبتغاه من هذه كلفا بشأن السحر متوارثا في ذلك القطر عن أوليه فعلومهم السحرية وآثارها باقية بأرضهم في البراري [1] وغيرها. وقصة سحرة فرعون شاهدة باختصاصهم بذلك وقد تناقل أهل المغرب قصيدة ينسبونها إلى حكماء المشرق تعطى فيها كيفية العمل بالتغوير بصناعة سحرية حسبما تراه فيها وهي هذه:
يا طالبا للسر في التغوير ... اسمع كلام الصدق من خبير
دع عنك ما قد صنفوا في كتبهم ... من قول بهتان ولفظ غرور
واسمع لصدق مقالتي ونصيحتي ... إن كنت ممن لا يرى بالزور
فإذا أردت تغور البئر التي ... حارت لها الأوهام في التدبير
صور كصورتك التي أوقفتها ... والرأس رأس الشبل في التقوير
ويداه ماسكتان للحبل الذي ... في الدلو ينشل من قرار البير
وبصدره هاء كما عاينتها ... عدد الطلاق احذر من التكرير
ويطا على الطاءات غير ملامس ... مشي اللبيب الكيس النحرير
ويكون حول الكل [2] خط دائر ... تربيعه أولى من التكوير
واذبح عليه الطير والطخه به ... واقصده عقب [3] الذبح بالتبخير
بالسندروس وباللبان وميعة ... والقسط وألبسه بثوب حرير
من أحمر أو أصفر لا [4] أزرق ... لا أخضر فيه ولا تكدير
ويشده خيطان صوف أبيض ... أو أحمر من خالص التحمير
والطالع الأسد الذي قد بينوا ... ويكون بدء [1] الشهر غير منير
والبدر متصل بسعد عطارد ... في يوم سبت ساعة التدبير
يعني أن تكون الطاءات بين قدميه كأنه يمشي عليها وعندي أن هذه القصيدة من تمويهات المتخرفين [2] فلهم في ذلك أحوال غريبة واصطلاحات عجيبة وتنتهي التخرفة [3] والكذب بهم إلى أن يسكنوا المنازل المشهورة والدور المعروفة لمثل هذه ويحتفرون الحفر ويضعون المطابق فيها والشواهد التي يكتبونها في صحائف كذبهم ثم يقصدون ضعفاء العقول بأمثال هذه الصحائف (ويعثون على كبراء) [4] ذلك المنزل وسكناه ويوهمون أن به دفينا من المال لا يعبر عن كثرته ويطالبون بالمال لاشتراء العقاقير والبخورات لحل الطلاسم ويعدونه بظهور الشواهد التي قد أعدوها هنالك بأنفسهم ومن فعلهم فينبعث لما يراه من ذلك وهو قد خدع ولبس عليه من حيث لا يشعر وبينهم في ذلك اصطلاح في كلامهم يلبسون به عليهم ليخفى عند محاورتهم فيما يتلونه [5] من حفر وبخور وذبح حيوان وأمثال ذلك. وأما الكلام في ذلك على الحقيقة فلا أصل له في علم ولا خبر واعلم أن الكنوز وإن كانت توجد لكنها في حكم النادر وعلى وجه الاتفاق لا على وجه القصد إليها. وليس ذلك بأمر تعم به البلوى حتى يدخر الناس أموالهم تحت الأرض ويختمون عليها بالطلاسم لا في القديم ولا في الحديث. والركاز الذي ورد في الحديث وفرضه الفقهاء وهو دفين الجاهلية إنما يوجد بالعثور والاتفاق لا بالقصد والطلب وأيضا فمن اختزن ماله وختم عليه بالأعمال السحرية فقد بالغ في إخفائه فكيف ينصب عليه الأدلة والأمارات لمن يبتغيه. ويكتب ذلك في الصحائف حتى يطلع على ذخيرته أهل الأمصار
والآفاق؟ هذا يناقض قصد الإخفاء. وأيضا فأفعال العقلاء لا بد وأن تكون لغرض مقصود في الانتفاع. ومن اختزن المال فإنه يختزنه لولده أو قريبه أو من يؤثره. وأما أن يقصد إخفاءه بالكلية عن كل أحد وإنما هو للبلاء والهلاك أو لمن لا يعرفه بالكلية ممن سيأتي من الأمم فهذا ليس من مقاصد العقلاء بوجه. وأما قولهم: أين أموال الأمم من قبلنا وما علم فيها من الكثرة والوفور؟ فاعلم أن الأموال من الذهب والفضة والجواهر والأمتعة إنما هي معادن ومكاسب مثل الحديد والنحاس والرصاص وسائر العقارات والمعادن. والعمران يظهرها بالأعمال الإنسانية ويزيد فيها أو ينقصها وما يوجد منها بأيدي الناس فهو متناقل متوارث وربما انتقل من قطر إلى قطر ومن دولة إلى أخرى بحسب أغراضه [1] . والعمران الذي يستدعي له فإن نقص المال في المغرب وإفريقية فلم ينقص ببلاد الصقالبة والإفرنج وإن نقص في مصر والشام فلم ينقص في الهند والصين. وإنما هي الآلات والمكاسب والعمران يوفرها أو ينقصها، مع أن المعادن يدركها البلاء كما يدرك سائر الموجودات ويسرع إلى اللؤلؤ والجوهر أعظم مما يسرع إلى غيره. وكذا الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص والقصدير ينالها من البلاء والفناء ما يذهب بأعيانها لأقرب وقت. وأما ما وقع في مصر من أمر المطالب والكنوز فسببه أن مصر في ملكة القبط منذ آلاف [2] أو يزيد من السنين وكان موتاهم يدفنون بموجودهم من الذهب والفضة والجواهر واللئالئ على مذهب من تقدم من أهل الدول فلما انقضت دولة القبط وملك الفرس بلادهم نقروا على ذلك في قبورهم فكشفوا عنه فأخذوا من قبورهم ما لا يوصف:
كالأهرام من قبور الملوك وغيرها. وكذا فعل اليونانيون من بعدهم وصارت قبورهم مظنة لذلك لهذا العهد. ويعثر على الدفين فيها كثيرا من الأوقات. أما ما يدفنونه من أموالهم أو ما يكرمون به موتاهم في الدفن من أوعية وتوابيت من
الذهب والفضة معدة لذلك فصارت قبور القبط منذ آلاف من السنين مظنة لوجود ذلك فيها. فلذلك عني أهل مصر بالبحث عن المطالب لوجود ذلك فيها واستخراجها. حتى إنهم حين ضربت المكوس على الأصناف آخر الدولة ضربت على أهل المطالب. وصدرت ضريبة على من يشتغل بذلك من الحمقى والمهوسين فوجد بذلك المتعاطون من أهل الأطماع الذريعة إلى الكشف عنه والذرع [1] باستخراجه وما حصلوا إلا على الخيبة في جميع مساعيهم نعوذ بالله من الخسران فيحتاج من وقع له شيء [2] من هذا الوسواس وابتلي به أن يتعوذ بالله من العجز والكسل في طلب معاشه كما تعوذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وينصرف عن طرق الشيطان ووسواسه ولا يشغل بالمحالات والمكاذب من الحكايات «والله يرزق من يشاء بغير حساب 2: 212» .
** الفصل الخامس في أن الجاه مفيد للمال **
وذلك أنا نجد صاحب المال والحظوة في جميع أصناف المعاش أكثر يسارا وثروة من فاقد الجاه. والسبب في ذلك أن صاحب الجاه مخدوم بالأعمال يتقرب بها إليه في سبيل التزلف والحاجة إلى جاهه فالناس معينون له بأعمالهم في جميع حاجاته من ضروري أو حاجي أو كمالي فتحصل قيم تلك الأعمال كلها من كسبه وجميع معاشاته أن تبذل فيه الأعواض من العمل يستعمل فيها الناس من غير عوض فتتوفر قيم تلك الأعمال عليه. فهو بين قيم للأعمال يكتسبها وقيم أخرى تدعوه الضرورة إلى إخراجها فتتوفر عليه. والأعمال لصاحب الجاه كثيرة فتفيد الغنى لأقرب وقت ويزداد مع الأيام يسارا وثروة. ولهذا المعنى كانت الإمارة أحد أسباب المعاش كما قدمناه وفاقد الجاه بالكلية ولو كان صاحب مال فلا
يكون يساره إلا بمقدار ماله وعلى نسبة سعيه وهؤلاء هم أكثر التجار. ولهذا تجد أهل الجاه منهم يكونون أيسر بكثير. ومما يشهد لذلك أنا نجد كثيرا من الفقهاء وأهل الدين والعبادة إذا اشتهروا حسن الظن بهم واعتقد الجمهور معاملة الله في إرفادهم فأخلص الناس في إعانتهم على أحوال دنياهم والاعتمال في مصالحهم وأسرعت إليهم الثروة وأصبحوا مياسير من غير مال مقتنى إلا ما يحصل لهم من قيم الأعمال التي وقعت المعونة بها من الناس لهم. رأينا من ذلك أعدادا في الأمصار والمدن. وفي البدو يسعى لهم الناس في الفلح والتجر وكل هو قاعد بمنزله لا يبرح من مكانه فينمو ماله ويعظم كسبه ويتأثل الغني من غير سعي ويعجب من لا يفطن لهذا السر في حال ثروته وأسباب غناه ويساره والله سبحانه وتعالى يرزق من يشاء بغير حساب.
** الفصل السادس في أن السعادة والكسب إنما يحصل غالبا لأهل الخضوع والتملق وان هذا الخلق من أسباب السعادة **
قد سلف لنا فيما سبق أن الكسب الذي يستفيده البشر إنما هو قيم أعمالهم ولو قدر أحد عطل [1] عن العمل جملة لكان فاقد الكسب بالكلية. وعلى قدر عمله وشرفه بين الأعمال وحاجة الناس إليه يكون قدر قيمته. وعلى نسبة ذلك نمو كسبه أو نقصانه. وقد بينا آنفا أن الجاه يفيد المال لما يحصل لصاحبه من تقرب الناس إليه بأعمالهم وأموالهم في دفع المضار وجلب المنافع. وكان ما يتقربون به من عمل أو مال عوضا عما يحصلون عليه بسبب الجاه من الأغراض [2] في صالح أو طالح. وتصير تلك الأعمال في كسبه وقيمها أموال وثروة له فيستفيد الغنى واليسار لأقرب وقت. ثم إن الجاه متوزع في الناس ومترتب فيهم طبقة بعد طبقة
ينتهي في العلو إلى الملوك الذين ليس فوقهم يد عالية [1] وفي السفل إلى من لا يملك ضرا ولا نفعا بين أبناء جنسه وبين ذلك طبقات متعددة حكمة الله في خلقه بما ينتظم معاشهم وتتيسر مصالحهم ويتم بقاؤهم لأن النوع الإنساني لا يتم وجوده وبقاؤه إلا بالتعاون بين أبنائه على مصالحهم، لأنه قد تقرر أن الواحد منهم لا يتم وجوده وإنه وإن ندر ذلك في صورة مفروضة لا يصح بقاؤه.
ثم إن هذا التعاون لا يحصل إلا بالإكراه عليه لجهلهم في الأكثر بمصالح النوع ولما جعل لهم من الاختيار وأن أفعالهم إنما تصدر بالفكر والروية لا بالطبع.
وقد يمتنع من المعاونة فيتعين حمله عليها فلا بد من حامل يكره أبناء النوع على مصالحهم لتتم الحكمة الإلهية في بقاء هذا النوع. وهذا معنى قوله تعالى «ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون 43: 32» فقد تبين أن الجاه هو القدرة الحاملة للبشر على التصرف في من تحت أيديهم من أبناء جنسهم بالإذن والمنع والتسلط بالقهر والغلبة ليحملهم على دفع مضارهم وجلب منافعهم في العدل بأحكام الشرائع والسياسة وعلى أغراضه فيما سوى ذلك ولكن الأول مقصود في العناية الربانية بالذات والثاني داخل فيها بالعرض كسائر الشرور الداخلة في القضاء الإلهي، لأنه قد لا يتم وجود الخير الكثير إلا بوجود شر يسير من أجل المواد فلا يفوت الخير بذلك بل يقع على ما ينطوي عليه من الشر اليسير. وهذا معنى وقوع الظلم في الخليقة فتفهم. ثم إن كل طبقة من طباق [2] أهل العمران من مدينة أو إقليم لها قدرة على من دونها من الطباق وكل واحدة من الطبقة السفلى يستمد بذي الجاه من أهل الطبقة التي فوقه ويزداد كسبه تصرفا فيمن تحت يده على قدر ما يستفيد منه والجاه على ذلك داخل على الناس في جميع أبواب المعاش ويتسع ويضيق بحسب الطبقة والطور
الذي فيه صاحبه. فإن كان الجاه متسعا كان الكسب الناشئ عنه كذلك وإن كان ضيقا قليلا فمثله. وفاقد الجاه وإن كان له مال فلا يكون يساره إلا بمقدار عمله أو ماله ونسبة سعيه ذاهبا وآئبا في تنميته كأكثر التجار وأهل الفلاحة في الغالب وأهل الصنائع كذلك إذا فقدوا الجاه واقتصروا على فوائد صنائعهم فإنهم يصيرون إلى الفقر والخصاصة في الأكثر ولا تسرع إليهم ثروة وإنما يرمقون العيش ترميقا ويدافعون [1] ضرورة الفقر مدافعة. وإذا تقرر ذلك وأن الجاه متفرع [2] وأن السعادة والخير مقترنان بحصوله علمت أن بذله وإفادته من أعظم النعم وأجلها وأن باذله من أجل المنعمين وإنما يبذله لمن تحت يديه فيكون بذله بيد عالية وعزة فيحتاج طالبه ومبتغيه إلى خضوع وتملق كما يسأل أهل العز والملوك وإلا فيتعذر حصوله. فلذلك قلنا إن الخضوع والتملق من أسباب حصول هذا الجاه المحصل للسعادة والكسب وإن أكثر أهل الثروة والسعادة بهذا التملق ولهذا نجد الكثير ممن يتخلق بالترفع والشمم لا يحصل لهم غرض الجاه فيقتصرون في التكسب على أعمالهم ويصيرون إلى الفقر والخصاصة. واعلم أن هذا الكبر والترفع من الأخلاق المذمومة إنما يحصل من توهم الكمال وأن الناس يحتاجون إلى بضاعته من علم أو صناعة كالعالم المتبحر في علمه والكاتب المجيد في كتابته أو الشاعر البليغ في شعره وكل محسن في صناعته يتوهم أن الناس محتاجون لما بيده فيحدث له ترفع عليهم بذلك وكذا يتوهم أهل الأنساب ممن كان في آبائه ملك أو عالم مشهور أو كامل في طور يعبرون [3] به بما رأوه أو سمعوه من رجال آبائهم في المدينة ويتوهمون أنهم استحقوا مثل ذلك بقرابتهم إليهم ووراثتهم عنهم. فهم متمسكون في الحاضر بالأمر المعدوم وكذلك أهل الحيلة والبصر والتجارب بالأمور [4] قد يتوهم بعضهم كمالا في نفسه بذلك واحتياجا إليه. وتجد هؤلاء
الأصناف كلهم مترفعين لا يخضعون لصاحب الجاه ولا يتملقون لمن هو أعلى منهم ويستصغرون من سواهم لاعتقادهم الفضل على الناس فيستنكف أحدهم عن الخضوع ولو كان للملك ويعده مذلة وهوانا وسفها. ويحاسب الناس في معاملتهم إياه بمقدار ما يتوهم في نفسه ويحقد على من قصر له في شيء مما يتوهمه من ذلك. وربما يدخل على نفسه الهموم والأحزان من تقصيرهم فيه ويستمر في عناء عظيم من إيجاب الحق لنفسه أو إباية الناس له من ذلك. ويحصل له المقت من الناس لما في طباع البشر من التأله، وقل أن يسلم أحد منهم لأحد في الكمال والترفع عليه إلا أن يكون ذلك بنوع من القهر والغلبة والاستطالة. وهذا كله في ضمن الجاه. فإذا فقد صاحب هذا الخلق الجاه وهو مفقود له كما تبين لك مقته الناس بهذا الترفع ولم يحصل له حظ من إحسانهم وفقد الجاه لذلك من أهل الطبقة التي هي أعلى منه لأجل المقت وما يحصل له بذلك من القعود عن تعاهدهم وغشيان [1] منازلهم ففسد معاشه وبقي في خصاصة وفقر أو فوق ذلك بقليل. وأما الثروة فلا تحصل له أصلا. ومن هذا اشتهر بين الناس أن الكامل في المعرفة محروم من الحظ وأنه قد حوسب بما رزق من المعرفة واقتطع له ذلك من الحظ وهذا معناه. ومن خلق لشيء يسر له. والله المقدر لا رب سواه. ولقد يقع في الدول أضراب في المراتب من أهل [2] الخلق ويرتفع فيها كثير من السلفة وينزل كثير من العلية بسبب ذلك وذلك أن الدول إذا بلغت نهايتها [3] من التغلب والاستيلاء انفرد منها منبت الملك بملكهم وسلطانهم ويئس من سواهم من ذلك وإنما صاروا في مراتب دون مرتبة الملك وتحت يد السلطان وكأنهم خول له. فإذا استمرت الدولة وشمخ الملك تساوى حينئذ في المنزلة عند السلطان كل من انتمى إلى خدمته وتقرب إليه بنصيحة واصطنعه السلطان لغنائه في كثير من مهماته.
فتجد كثيرا من السوقة يسعى في التقرب من السلطان بجده ونصحه ويتزلف إليه بوجوه خدمته ويستعين على ذلك بعظيم من الخضوع والتملق له ولحاشيته وأهل نسبه، حتى يرسخ قدمه معهم وينظمه السلطان في جملته فيحصل له بذلك حظ عظيم من السعادة وينتظم في عدد أهل الدولة وناشئة الدولة حينئذ من أبناء قومها الذين ذللوا أضغانهم [1] ومهدوا أكنافهم مغترين بما كان لآبائهم في ذلك من الآثار لم تسمح [2] به نفوسهم على السلطان ويعتدون بآثاره ويجرون في مضمار الدولة بسببه فيمقتهم السلطان لذلك ويباعدهم. ويميل إلى هؤلاء المصطنعين الذين لا يعتدون بقديم ولا يذهبون إلى دالة ولا ترفع. إنما دأبهم الخضوع له والتملق والاعتمال في غرضه متى ذهب إليه فيتسع جاههم وتعلو منازلهم وتنصرف إليهم الوجوه والخواطر [3] بما يحصل لهم من قبل [4] السلطان والمكانة عنده ويبقى ناشئة الدولة [5] فيما هم فيه من الترفع والاعتداد بالقديم لا يزيدهم ذلك إلا بعدا من السلطان ومقتا وإيثارا لهؤلاء المصطنعين عليهم إلى أن تنقرض الدولة. وهذا أمر طبيعي في الدولة ومنه جاء شأن المصطنعين في الغالب والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق لا رب سواه.
** الفصل السابع في أن القائمين بأمور الدين من القضاء والفتيا والتدريس والإمامة والخطابة والأذان ونحو ذلك لا تعظم ثروتهم في الغالب **
والسبب لذلك أن الكسب كما قدمناه قيمة الأعمال وأنها متفاوتة بحسب الحاجة إليها. فإذا كانت الأعمال ضرورية في العمران عامة البلوى به كانت قيمتها أعظم
وكانت الحاجة إليها أشد. وأهل هذه الصنائع الدينية لا تضطر إليهم عامة الخلق وإنما يحتاج إلى ما عندهم الخواص ممن أقبل على دينه. وإن احتيج إلى الفتيا والقضاء في الخصومات فليس على وجه الاضطرار والعموم فيقع الاستغناء عن هؤلاء في الأكثر. وإنما يهتم بإقامة مراسمهم صاحب الدولة بما ناله [1] من النظر في المصالح فيقسم لهم حظا من الرزق على نسبة الحاجة إليهم على النحو الذي قررناه. لا يساويهم بأهل الشوكة ولا بأهل الصنائع من حيث الدين والمراسم الشرعية لكنه يقسم بحسب عموم الحاجة وضرورة أهل العمران فلا يصح في قسمهم [2] إلا القليل. وهم أيضا لشرف بضائعهم أعزة على الخلق وعند نفوسهم فلا يخضعون لأهل الجاه حتى ينالوا منه حظا يستدرون به الرزق بل ولا تفرغ أوقاتهم لذلك لما هم فيه من الشغل بهذه البضائع [3] الشريفة المشتملة على إعمال الفكر والبدن [4] . بل ولا يسعهم ابتذال أنفسهم لأهل الدنيا لشرف بضائعهم فهم بمعزل عن ذلك، فلذلك لا تعظم ثروتهم في الغالب. ولقد باحثت بعض الفضلاء فأنكر ذلك علي فوقع بيدي أوراق مخرقة من حسابات [5] الدواوين بدار المأمون تشتمل على كثير من الدخل والخرج وكان فيما طالعت فيه أرزاق القضاة والأئمة والمؤذنين فوقفته عليه وعلم منه صحة ما قلته ورجع إليه وقضينا العجب من أسرار الله في خلقه وحكمته في عوالمه والله الخالق القادر لا رب سواه.
** الفصل الثامن في أن الفلاحة من معاش المتضعين وأهل العافية من البدو **
وذلك لأنه أصيل [6] في الطبيعة وبسيط في منحاه ولذلك لا تجده ينتحله أحد
من أهل الحضر في الغالب ولا من المترفين. ويختص منتحله بالمذلة قال صلى الله عليه وسلم وقد رأى السكة ببعض دور الأنصار: «ما دخلت هذه دار قوم إلا دخله الذل» وحمله البخاري على الاستكثار منه. وترجم عليه باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع أو تجاوز الحد الذي أمر به. والسبب فيه والله أعلم ما يتبعها من المغرم المفضي إلى التحكم واليد العالية [1] فيكون الغارم ذليلا بائسا بما تتناوله أيدي القهر والاستطالة. قال صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تعود الزكاة مغرما» إشارة إلى الملك العضوض القاهر للناس الذي معه التسلط والجور ونسيان حقوق الله تعالى في المتمولات واعتبار الحقوق كلها مغرم للملوك والدول. والله قادر على ما يشاء. والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق.
** الفصل التاسع في معنى التجارة ومذاهبها وأصنافها **
اعلم أن التجارة محاولة الكسب بتنمية المال بشراء السلع بالرخص وبيعها بالغلاء أيام كانت السلعة من دقيق أو زرع أو حيوان أو قماش. وذلك القدر النامي يسمى ربحا. فالمحاول لذلك الربح إما أن يختزن السلعة ويتحين بها حوالة الأسواق من الرخص إلى الغلاء فيعظم ربحه وإما بأن ينقله إلى بلد آخر تنفق فيه تلك السلعة أكثر من بلده الذي اشتراها فيه فيعظم ربحه. ولذلك قال بعض الشيوخ من التجار لطلب الكشف عن حقيقة التجارة أنا أعلمها لك في كلمتين: اشتراء الرخيص وبيع الغالي. فقد حصلت التجارة إشارة منه بذلك إلى المعنى الذي قررناه. والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق لا رب سواه.
** الفصل العاشر في أي أصناف الناس يحترف بالتجارة وأيهم ينبغي له اجتناب حرفها **
قد قدمنا [1] أن معنى التجارة تنمية المال بشراء البضائع ومحاولة بيعها بأغلى من ثمن الشراء إما بانتظار حوالة الأسواق أو نقلها إلى بلد هي فيه أنفق وأغلى أو بيعها بالغلاء على الآجال. وهذا الربح بالنسبة إلى أصل المال يسير إلا أن المال إذا كان كثيرا عظم الربح لأن القليل في الكثير كثير. ثم لا بد في محاولة هذه التنمية الذي هو الربح من حصول هذا المال بأيدي الباعة في شراء البضائع وبيعها، ومعاملتهم في تقاضي أثمانها. وأهل النصفة قليل، فلا بد من الغش والتطفيف المجحف بالبضائع ومن المطل في الأثمان المجحف بالربح.
كتعطيل المحاولة في تلك المدة وبها نماؤه. ومن الجحود والإنكار المسحت لرأس المال إن لم يتقيد بالكتاب والشهادة، وغنى الحكام في ذلك قليل لأن الحكم إنما هو على الظاهر، فيعاني التاجر من ذلك أحوالا صعبة. ولا يكاد يحصل على ذلك التافه من الربح إلا بعظم العناء والمشقة، أو لا يحصل أو يتلاشى رأس ماله. فإن كان جريئا على الخصومة بصيرا بالحسبان شديد المماحكة مقداما على الحكام كان ذلك أقرب له إلى النصفة بجراءته منهم ومماحكته وإلا فلا بد له من جاه يدرع به، يوقع له الهيبة عند الباعة ويحمل الحكام على إنصافه من معامليه [2] فيحصل له بذلك النصفة في ماله طوعا [3] في الأول وكرها في الثاني وأما من كان فاقدا للجراءة والإقدام من نفسه فاقد الجاه من الحكام فينبغي له أن يجتنب الاحتراف بالتجارة لأنه يعرض ماله للضياع والذهاب ويصير مأكلة للباعة ولا يكاد ينتصف منهم (لأن الغالب في الناس
وخصوصا الرعاع والباعة شرهون إلى ما في أيدي الناس سواهم متوثبون عليه.
ولولا وازع الأحكام لأصبحت أموال الناس نهبا) [1] «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين 2: 251» .
** الفصل الحادي عشر في أن خلق التجار نازلة عن خلق الأشراف والملوك **
وذلك أن التجار في غالب أحوالهم إنما يعانون البيع والشراء ولا بد فيه من المكايسة ضرورة فإن اقتصر عليها اقتصرت به على خلقها وهي أعني خلق المكايسة بعيدة عن المروءة التي تتخلق بها الملوك والأشراف. وأما إن استرذل خلقه بما يتبع ذلك في أهل الطبقة السفلى منهم من المماحكة والغش والخلابة وتعاهد الأيمان الكاذبة على الأثمان ردا وقبولا فأجدر بذلك الخلق أن يكون في غاية المذلة لما هو معروف. ولذلك تجد أهل الرئاسة يتحامون الاحتراف بهذه الحرفة لأجل ما يكسب من هذا الخلق. وقد يوجد منهم من يسلم من هذا الخلق ويتحاماه لشرف نفسه وكرم جلاله إلا أنه في النادر بين الوجود والله يهدي من يشاء بفضله وكرمه وهو رب الأولين والآخرين.
** الفصل الثاني عشر في نقل التاجر للسلع **
التاجر البصير بالتجارة لا ينقل من السلع إلا ما تعم الحاجة إليه من الغني والفقير والسلطان والسوقة إذ في ذلك نفاق سلعته. وأما إذا اختص نقله بما يحتاج
إليه البعض فقط فقد يتعذر نفاق سلعته حينئذ بإعواز الشراء من ذلك البعض لعارض من العوارض فتكسد سوقه وتفسد أرباحه. وكذلك إذا نقل السلعة المحتاج إليها فإنما ينقل الوسط من صنفها فإن العالي من كل صنف من السلع إنما يختص به أهل الثروة وحاشية الدولة وهم الأقل. وإنما يكون الناس أسوة في الحاجة إلى الوسط من كل صنف فليتحر ذلك جهده ففيه نفاق سلعة [1] أو كسادها وكذلك نقل السلع من البلد البعيد المسافة أو في شدة الخطر في الطرقات يكون أكثر فائدة للتجار وأعظم أرباحا وأكفل بحوالة الأسواق لأن السلعة المنقولة حينئذ تكون قليلة معوزة لبعد مكانها أو شدة الغرر في طريقها فيقل حاملوها ويعز وجودها وإذا قلت وعزت غلت أثمانها. وأما إذا كان البلد قريب المسافة والطريق سابل بالأمن فإنه حينئذ يكثر ناقلوها فتكثر وترخص أثمانها ولهذا تجد التجار الذين يولعون بالدخول إلى بلاد السودان أرفه الناس وأكثرهم أموالا لبعد طريقهم ومشقته واعتراض المفازة الصعبة المخطرة بالخوف والعطش.
لا يوجد فيها الماء إلا في أماكن معلومة يهتدي إليها أدلاء الركبان فلا يرتكب خطر هذا الطريق وبعده إلا الأقل من الناس فتجد سلع بلاد السودان قليلة لدينا فتختص بالغلاء وكذلك سلعنا لديهم. فتعظم بضائع التجار من تناقلها ويسرع إليهم الغنى والثروة من أجل ذلك. وكذلك المسافرون من بلادنا إلى المشرق لبعد الشقة أيضا. وأما المترددون في أفق واحد ما بين أمصاره وبلدانه ففائدتهم قليلة وأرباحهم تافهة لكثرة السلع وكثرة ناقليها «والله هو الرزاق ذو القوة المتين»
** الفصل الثالث عشر في الاحتكار **
ومما اشتهر عند ذوي البصر والتجربة في الأمصار أن احتكار الزرع لتحين أوقات الغلاء مشئوم. وأنه يعود على فائدته بالتلف والخسران. وسببه والله أعلم
أن الناس لحاجتهم إلى الأقوات مضطرون إلى ما يبذلون فيها من المال اضطرارا فتبقى النفوس متعلقة به وفي تعلق النفوس بما لها سر [1] كبير في وباله على من يأخذه مجانا ولعله الذي اعتبره الشارع في أخذ أموال الناس بالباطل وهذا وإن لم يكن مجانا فالنفوس متعلقة به لإعطائه ضرورة من غير سعة في العذر فهو كالمكره وما عدا الأقوات والمأكولات من المبيعات لا اضطرار للناس إليها وإنما يبعثهم عليها التفنن في الشهوات فلا يبذلون أموالهم فيها إلا باختيار وحرص. ولا يبقى لهم تعلق بما أعطوه فلهذا يكون من عرف بالاحتكار تجتمع القوى النفسانية على متابعته لما يأخذه من أموالهم فيفسد ربحه. والله تعالى أعلم.
وسمعت فيما يناسب هذا حكاية ظريفة عن بعض مشيخة المغرب. أخبرني شيخنا أبو عبد الله الأبلي قال: حضرت عند القاضي بفاس لعهد السلطان أبي سعيد وهو الفقيه أبو الحسن المليلي وقد عرض عليه أن يختار بعض الألقاب المخزنية لجرايته قال فأطرق مليا ثم قال: من مكس الخمر. فاستضحك الحاضرون من أصحابه وعجبوا وسألوه عن حكمة ذلك. فقال: إذا كانت الجبايات كلها حراما فأختار منها ما لا تتابعه نفس معطيه والخمر قل أن يبذل فيها أحد ماله إلا وهو طرب مسرور بوجوداته غير أسف عليه ولا متعلقة به نفسه وهذه ملاحظة غريبة والله سبحانه وتعالى يعلم ما تكن الصدور.
** الفصل الرابع عشر في أن رخص الأسعار مضر بالمحترفين بالرخص **
وذلك أن الكسب والمعاش كما قدمناه إنما هو بالصنائع أو التجارة.
والتجارة هي شراء البضائع والسلع وادخارها. يتحين بها حوالة الأسواق بالزيادة
في أثمانها ويسمى ربحا. ويحصل منه الكسب والمعاش للمحترفين بالتجارة دائما فإذا استديم الرخص في سلعة أو عرض من مأكول أو ملبوس أو متمول على الجملة ولم يحصل للتاجر حوالة الأسواق فسد الربح والنماء بطول تلك المدة وكسدت سوق ذلك الصنف ولم يحصل التاجر إلا على العناء فقعد التجار عن السعي فيها وفسدت رءوس أموالهم. واعتبر ذلك أولا بالزرع فإنه إذا استديم رخصه يفسد به حال المحترفين [1] بسائر أطواره من الفلح والزراعة لقلة الربح فيه وندارته [2] أو فقده. فيفقدون النماء في أموالهم أو يجدونه على قلة ويعودون بالإنفاق على رءوس أموالهم وتفسد أحوالهم ويصيرون إلى الفقر والخصاصة.
ويتبع ذلك فساد حال المحترفين أيضا بالطحن والخبز وسائر ما يتعلق بالزراعة من الحرث إلى صيرورته مأكولا. وكذا يفسد حال الجند إذا كانت أرزاقهم من السلطان على [3] أهل الفلح زرعا فإنها تقل جبايتهم من ذلك ويعجزون عن إقامة الجندية التي (هي بسببها ومطالبون بها ومنقطعون لها) [4] فتفسد أحوالهم وكذا إذا استديم الرخص في السكر أو العسل فسد جميع ما يتعلق به وقعد المحترفون عن التجارة فيه وكذا حال الملبوسات إذا استديم فيها الرخص أيضا فإذا الرخص المفرط يجحف بمعاش المحترفين بذلك الصنف الرخيص وكذا الغلاء المفرط أيضا. وإنما معاش الناس وكسبهم في التوسط من ذلك وسرعة حوالة الأسواق وعلم ذلك يرجع إلى العوائد المتقررة بين أهل العمران. وإنما يحمد الرخص في الزرع من بين المبيعات لعموم الحاجة إليه واضطرار الناس إلى الأقوات من بين الغني والفقير. والعالة من الخلق هم الأكثر في العمران فيعم الرفق بذلك ويرجح جانب القوت على جانب التجارة في هذا الصنف الخاص «والله الرزاق ذو القوة المتين» والله سبحانه وتعالى رب العرش العظيم.
** الفصل الخامس عشر في أن خلق التجارة نازلة عن خلق الرؤساء وبعيدة من المروءة **
قد قدمنا في الفصل قبله أن التاجر مدفوع إلى معاناة البيع والشراء وجلب الفوائد والأرباح ولا بد في ذلك من المكايسة والمماحكة والتحذلق وممارسة الخصومات واللجاج وهي عوارض هذه الحرفة. وهذه الأوصاف نقص [1] من الذكاء والمروءة وتجرح [2] فيها لأن الأفعال لا بد من عود آثارها على النفس. فأفعال الخير تعود بآثار الخير والذكاء وأفعال الشر والسفسفة تعود بضد ذلك فتتمكن وترسخ إن سبقت وتكررت وتنقص خلال الخير إن تأخرت عنها بما ينطبع من آثارها المذمومة في النفس شأن الملكات الناشئة عن الأفعال. وتتفاوت هذه الآثار بتفاوت أصناف التجار في أطوارهم فمن كان منهم سافل الطور محالفا لأشرار الباعة أهل الغش والخلابة والخديعة والفجور في الأثمان [3] إقرارا وإنكارا، كانت رداءة تلك الخلق عنه أشد وغلبت عليه السفسفة وبعد عن المروءة واكتسابها بالجملة. وإلا فلا بد له من تأثير المكايسة والمماحكة في مروءته، وفقدان ذلك منهم في الجملة. ووجود الصنف الثاني منهم الذي قدمناه في الفصل قبله أنهم يدرعون بالجاه ويعوض لهم من مباشرة ذلك، فهم [4] نادر وأقل من النادر.
وذلك أن يكون المال قد يوجد [5] عنده دفعة بنوع غريب أو ورثه عن أحد من أهل بيته فحصلت له ثروة تعينه على الاتصال بأهل الدولة وتكسبه ظهورا وشهرة بين أهل عصره فيرتفع عن مباشرة ذلك بنفسه ويدفعه إلى من يقوم له به من وكلائه وحشمه. ويسهل له الحكام النصفة في حقوقهم بما يؤنسونه من بره
وإتحافه فيبعدونه عن تلك الخلق بالبعد عن معاناة الأفعال المقتضية لها كما مر.
فتكون مروءتهم أرسخ وأبعد عن تلك المحاجاة [1] إلا ما يسري من آثار تلك الأفعال من وراء الحجاب فإنهم يضطرون إلى مشارفة أحوال أولئك الوكلاء ورفاقهم أو خلافهم فيما يأتون أو يذرون من ذلك إلا أنه قليل ولا يكاد يظهر أثره «والله خلقكم وما تعملون 37: 96» .
** الفصل السادس عشر في أن الصنائع لا بد لها من العلم [2] **
اعلم أن الصناعة هي ملكة في أمر عملي فكري وبكونه عمليا هو جسماني محسوس. والأحوال الجسمانية المحسوسة فنقلها بالمباشرة أوعب لها وأكمل، لأن المباشرة في الأحوال الجسمانية المحسوسة أتم فائدة والملكة صفة راسخة تحصل عن استعمال ذلك الفعل وتكرره مرة بعد أخرى حتى ترسخ صورته. وعلى نسبة الأصل تكون الملكة. ونقل المعاينة أوعب وأتم من نقل الخبر والعلم.
فالملكة الحاصلة عن الخبر. وعلى قدر جودة التعليم وملكة المعلم يكون حذق المتعلم في الصناعة وحصول ملكته. ثم إن الصنائع منها البسيط ومنها المركب.
والبسيط هو الذي يختص بالضروريات والمركب هو الذي يكون للكماليات.
والمتقدم منها في التعليم هو البسيط لبساطته أولا، ولأنه مختص بالضروري الذي تتوفر الدواعي على نقله فيكون سابقا في التعليم ويكون تعليمه لذلك ناقصا. ولا يزال الفكر يخرج أصنافها ومركباتها من القوة إلى الفعل بالاستنباط شيئا فشيئا على التدريج حتى تكمل. ولا يحصل ذلك دفعة وإنما يحصل في أزمان وأجيال إذ خروج الأشياء من القوة إلى الفعل لا يكون دفعة لا سيما في الأمور الصناعية فلا بد له إذن من زمان. ولهذا تجد الصنائع في الأمصار الصغيرة ناقصة ولا يوجد منها
إلا البسيط فإذا تزايدت حضارتها ودعت أمور الترف فيها إلى استعمال الصنائع خرجت من القوة إلى الفعل. وتنقسم الصنائع أيضا إلى ما يختص بأمر المعاش ضروريا كان أو غير ضروري وإلى ما يختص بالأفكار التي هي خاصية الإنسان من العلوم والصنائع والسياسة. ومن الأول الحياكة والجزارة والنجارة والحدادة وأمثالها. ومن الثاني الوراقة وهي معاناة الكتب بالانتساخ والتجليد والغناء والشعر وتعليم العلم وأمثال ذلك. ومن الثالث الجندية وأمثالها. والله أعلم.
** الفصل السابع عشر في أن الصنائع إنما تكمل بكمال العمران الحضري وكثرته **
والسبب في ذلك أن الناس ما لم يستوف العمران الحضري وتتمدن المدينة إنما همهم في الضروري من المعاش وهو تحصيل الأقوات من الحنطة وغيرها. فإذا تمدنت المدينة وتزايدت فيها الأعمال ووفت بالضروري وزادت عليه صرف الزائد حينئذ إلى الكمالات من المعاش. ثم إن الصنائع والعلوم إنما هي للإنسان من حيث فكره الذي يتميز به عن الحيوانات والقوت له من حيث الحيوانية والغذائية فهو مقدم لضروريته على العلوم والصنائع وهي متأخرة عن الضروري.
وعلى مقدار عمران البلد تكون جودة الصنائع للتأنق فيها حينئذ واستجادة ما يطلب منها بحيث تتوفر دواعي الترف والثروة. وأما العمران البدوي أو القليل فلا يحتاج من الصنائع إلا البسيط خاصة المستعمل في الضروريات من نجار أو حداد أو خياط أو حائك أو جزار. وإذا وجدت هذه بعد فلا توجد فيه كاملة ولا مستجادة وإنما يوجد منها بمقدار الضرورة إذ هي كلها وسائل إلى غيرها وليست مقصودة لذاتها. وإذا زخر بحر العمران وطلبت فيه الكمالات كان من جملتها التأنق في الصنائع واستجادتها فكملت بجميع متمماتها وتزايدت صنائع
أخرى معها مما تدعو إليه عوائد الترف وأحواله من جزار ودباغ وخراز وصائغ وأمثال ذلك. وقد تنتهي هذه الأصناف إذا استبحر العمران إلى أن يوجد فيها كثير من الكمالات والتأنق فيها في الغاية وتكون من وجوه المعاش في المصر لمنتحلها.
بل تكون فائدتها من أعظم فوائد الأعمال لما يدعو إليه الترف في المدينة مثل الدهان والصفار والحمامي والطباخ والشماع [1] والهراس ومعلم الغناء والرقص وقرع الطبول على التوقيع. ومثل الوراقين الذين يعانون صناعة انتساخ الكتب وتجليدها وتصحيحها فإن هذه الصناعة إنما يدعو إليها الترف في المدينة من الاشتغال بالأمور الفكرية وأمثال ذلك. وقد تخرج عن الحد إذا كان العمران خارجا عن الحد كما بلغنا عن أهل مصر أن فيهم من يعلم الطيور العجم والحمر الإنسية ويتخيل أشياء من العجائب بإيهام قلب الأعيان وتعليم الحداء والرقص والمشي على الخيوط في الهواء ورفع الأثقال من الحيوان والحجارة وغير ذلك من الصنائع التي لا توجد عندنا بالمغرب. لأن عمران أمصاره لم يبلغ عمران مصر والقاهرة. أدام الله عمرانها بالمسلمين. والله الحكيم العليم.
** الفصل الثامن عشر في أن رسوخ الصنائع في الأمصار إنما هو برسوخ الحضارة وطول أمده **
والسبب في ذلك ظاهر وهو أن هذه كلها عوائد للعمران والأوان [2] . والعوائد إنما ترسخ بكثرة التكرار وطول الأمد فتستحكم صبغة ذلك وترسخ في الأجيال.
وإذا استحكمت الصبغة عسر نزعها. ولهذا نجد في الأمصار التي كانت استبحرت في الحضارة لما تراجع عمرانها وتناقص بقيت فيها آثار من هذه الصنائع ليست في
غيرها من الأمصار المستحدثة العمران ولو بلغت مبالغها في الوفور والكثرة وما ذاك إلا لأن أحوال تلك القديمة العمران مستحكمة راسخة بطول الأحقاب وتداول الأحوال وتكررها وهذه لم تبلغ الغاية بعد. وهذا كالحال في الأندلس لهذا العهد فإنا نجد فيها رسوم الصنائع قائمة وأحوالها مستحكمة راسخة في جميع ما تدعو إليه عوائد أمصارها كالمباني والطبخ وأصناف الغناء واللهو من الآلات والأوتار والرقص وتنضيد الفرش في القصور، وحسن الترتيب والأوضاع في البناء وصوغ الآنية من المعادن والخزف وجميع المواعين وإقامة الولائم والأعراس وسائر الصنائع التي يدعو إليها الترف وعوائده. فنجدهم أقوم عليها وأبصر بها. ونجد صنائعها مستحكمة لديهم فهم على حصة موفورة من ذلك وحظ متميز بين جميع الأمصار. وإن كان عمرانها قد تناقص. والكثير منه لا يساوي عمران غيرها من بلاد العدوة. وما ذاك إلا لما قدمناه من رسوخ الحضارة فيهم برسوخ الدولة الأموية وما قبلها من دولة القوط وما بعدها من دولة الطوائف وهلم جرا. فبلغت الحضارة فيها مبلغا لم تبلغه في قطر إلا ما ينقل عن العراق والشام ومصر أيضا لطول آماد الدول فيها فاستحكمت فيها الصنائع وكملت جميع أصنافها على الاستجادة والتنميق. وبقيت صبغتها ثابتة في ذلك العمران لا تفارقه إلى أن ينتقض بالكلية حال الصبغ إذا رسخ في الثوب. وكذا أيضا حال تونس فيما حصل فيها بالحضارة من الدول الصنهاجية والموحدين من بعدهم وما استكمل لها في ذلك من الصنائع في سائر الأحوال وإن كان ذلك دون الأندلس. إلا أنه متضاعف برسوم منها تنقل إليها من مصر لقرب المسافة بينهما وتردد المسافرين من قطرها إلى قطر مصر في كل سنة وربما سكن أهلها هناك عصورا فينقلون من عوائد ترفهم ومحكم صنائعهم ما يقع لديهم موقع الاستحسان. فصارت أحوالها في ذلك متشابهة من أحوال مصر لما ذكرناه ومن أحوال الأندلس لما أن أكثر ساكنها من شرق الأندلس حين الجلاء لعهد المائة السابعة. ورسخ فيها من ذلك أحوال وإن
كان عمرانها ليس بمناسب لذلك لهذا العهد. إلا أن الصبغة إذا استحكمت فقليلا ما تحول إلا بزوال محلها. وكذا نجد بالقيروان ومراكش وقلعة ابن حماد أثرا باقيا من ذلك وإن كانت هذه كلها اليوم خرابا أو في حكم الخراب. ولا يتفطن لها إلا البصير من الناس فيجد من هذه الصنائع آثارا تدله على ما كان بها كأثر الخط الممحو في الكتاب «والله الخلاق العليم» .
** الفصل التاسع عشر في أن الصنائع إنما تستجاد وتكثر إذا كثر طالبها **
والسبب في ذلك ظاهر وهو أن الإنسان لا يسمح بعمله أن يقع مجانا لأنه كسبه ومنه معاشه. إذ لا فائدة له في جميع عمره في شيء مما سواه فلا يصرفه إلا فيما له قيمة في مصره ليعود عليه بالنفع. وإن كانت الصناعة مطلوبة وتوجه إليها النفاق كانت حينئذ الصناعة بمثابة السلعة التي تنفق سوقها وتجلب للبيع، فتجتهد الناس في المدينة لتعلم تلك الصناعة ليكون منها معاشهم. وإذا لم تكن الصناعة مطلوبة لم تنفق سوقها ولا يوجه قصد إلى تعلمها، فاختصت بالترك وفقدت للإهمال. ولهذا يقال عن علي رضي الله عنه: «قيمة كل امرئ ما يحسن» بمعنى أن صناعته هي قيمته أي قيمة عمله الذي هو معاشه. وأيضا فهنا سر آخر وهو أن الصنائع وإجادتها إنما تطلبها الدولة فهي التي تنفق سوقها وتوجه الطالبات إليها. وما لم تطلبه الدولة وإنما يطلبها غيرها من أهل المصر فليس على نسبتها لأن الدولة هي السوق الأعظم وفيها نفاق كل شيء والقليل والكثير فيها على نسبة واحدة. فما نفق منها كان أكثريا ضرورة. والسوقة وإن طلبوا الصناعة فليس طلبهم بعام ولا سوقهم بنافقة. والله سبحانه وتعالى قادر على ما يشاء
** الفصل العشرون في أن الأمصار إذا قاربت الخراب انتقضت منها الصنائع **
وذلك لما بينا أن الصنائع إنما تستجاد إذا احتيج إليها وكثر طالبها. وإذا ضعفت أحوال المصر وأخذ في الهرم بانتقاض عمرانه وقلة ساكنه تناقص فيه الترف ورجعوا إلى الاقتصار على الضروري من أحوالهم فتقل الصنائع التي كانت من توابع الترف لأن صاحبها حينئذ لا يصح له بها معاشه فيفر إلى غيرها، أو يموت ولا يكون خلف منه، فيذهب رسم تلك الصنائع جملة، كما يذهب النقاشون والصواغ [1] والكتاب والنساخ وأمثالهم من الصنائع [2] لحاجات الترف.
ولا تزال الصناعات في التناقص إلى أن تضمحل. والله الخلاق العليم وسبحانه وتعالى.
** الفصل الحادي والعشرون في أن العرب أبعد الناس عن الصنائع **
والسبب في ذلك أنهم أعرق في البدو وأبعد عن العمران الحضري، وما يدعو إليه من الصنائع وغيرها. والعجم من أهل المشرق وأمم النصرانية عدوة البحر الرومي أقوم الناس عليها، لأنهم أعرق في العمران الحضري وأبعد عن البدو وعمرانه. حتى إن الإبل التي أعانت العرب على التوحش في القفر، والإعراق في البدو، مفقودة لديهم بالجملة، ومفقودة مراعيها، والرمال المهيئة لنتاجها.
ولهذا نجد أوطان العرب وما ملكوه في الإسلام قليل الصنائع بالجملة، حتى تجلب إليه من قطر آخر. وانظر بلاد العجم من الصين والهند وأرض الترك وأمم
النصرانية، كيف استكثرت فيهم الصنائع واستجلبها الأمم من عندهم. وعجم المغرب من البربر مثل العرب في ذلك لرسوخهم في البداوة منذ أحقاب من السنين. ويشهد لك بذلك قلة الأمصار بقطرهم كما قدمناه. فالصنائع بالمغرب لذلك قليلة وغير مستحكمة الأماكن [1] من صناعة الصوف من نسجه، والجلد في خرزه ودبغه. فإنهم لما استحضروا بلغوا فيها المبالغ لعموم البلوى بها وكون هذين أغلب السلع في قطرهم، لما هم عليه من حال البداوة. وأما المشرق فقد رسخت الصنائع فيه منذ ملك الأمم الأقدمين من الفرس والنبط والقبط وبني إسرائيل ويونان والروم أحقابا متطاولة، فرسخت فيهم أحوال الحضارة، ومن جملتها الصنائع كما قدمناه، فلم يمح رسمها. وأما اليمن والبحرين وعمان والجزيرة وإن ملكه العرب إلا أنهم تداولوا ملكه آلافا من السنين في أمم كثيرين [2] منهم. واختطوا أمصاره ومدنه وبلغوا الغاية من الحضارة والترف مثل عاد وثمود والعمالقة وحمير من بعدهم. والتبابعة والأذواء فطال أمد الملك والحضارة واستحكمت صبغتها وتوفرت الصنائع ورسخت، فلم تبل ببلى الدولة كما قدمناه.
فبقيت مستجدة حتى الآن. واختصت بذلك للوطن، كصناعة الوشي والعصب وما يستجاد من حوك الثياب والحرير فيها والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
** الفصل الثاني والعشرون فيمن حصلت له ملكة في صناعة فقل أن يجيد بعد في ملكة أخرى **
ومثال ذلك الخياط إذا أجاد ملكة الخياطة وأحكمها ورسخت في نفسه فلا يجيد من بعدها ملكة النجارة أو البناء إلا أن تكون الأولى لم تستحكم بعد ولم ترسخ صبغتها. والسبب في ذلك أن الملكات صفات للنفس وألوان فلا تزدحم
دفعة. ومن كان على الفطرة كان أسهل لقبول الملكات وأحسن استعدادا لحصولها. فإذا تلونت النفس بالملكة الأخرى وخرجت عن الفطرة ضعف فيها الاستعداد باللون الحاصل من هذه الملكة فكان قبولها للملكة الأخرى أضعف.
وهذا بين يشهد له الوجود. فقل أن تجد صاحب صناعة يحكمها ثم يحكم من بعدها أخرى ويكون فيهما معا على رتبة واحدة من الإجادة. حتى أن أهل العلم الذين ملكتهم فكرية فهم بهذه المثابة. ومن حصل منهم على ملكة علم من العلوم وأجادها في الغاية فقل أن يجيد ملكة علم آخر على نسبته بل يكون مقصرا فيه إن طلبه إلا في الأقل النادر من الأحوال. ومبني سببه على ما ذكرناه من الاستعداد وتلوينه بلون الملكة الحاصلة في النفس. والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق لا رب سواه.
** الفصل الثالث والعشرون في الإشارة إلى أمهات الصنائع **
اعلم أن الصنائع في النوع الإنساني كثيرة لكثرة الأعمال المتداولة في العمران. فهي بحيث تشذ عن الحصر ولا يأخذها العد. إلا أن منها ما هو ضروري في العمران أو شريف بالموضع [1] فنخصها بالذكر ونترك ما سواها. فأما الضروري فالفلاحة والبناء والخياطة والنجارة والحياكة، وأما الشريفة بالموضع [1] فكالتوليد والكتابة والوراقة والغناء والطب. فأما التوليد فإنها ضرورية في العمران وعامة البلوى إذ بها تحصل حياة المولود وتتم غالبا.
وموضوعها مع ذلك المولودون وأمهاتهم. وأما الطب فهو حفظ الصحة للإنسان ودفع المرض عنه ويتفرع عن علم الطبيعة، وموضوعة مع ذلك بدن الإنسان.
وأما الكتابة وما يتبعها من الوراقة فهي حافظة على الإنسان حاجته ومقيدة لها
عن النسيان ومبلغة ضمائر النفس إلى البعيد الغائب ومخلدة نتائج الأفكار والعلوم في الصحف ورافعة رتب الوجود للمعاني. وأما الغناء فهو نسب الأصوات ومظهر جمالها للأسماع. وكل هذه الصنائع الثلاث داع إلى مخالطة الملوك الأعاظم في خلواتهم ومجالس أنسهم فلها بذلك شرف ليس لغيرها. وما سوى ذلك من الصنائع فتابعة وممتهنة في الغالب. وقد يختلف ذلك باختلاف الأغراض والدواعي، والله أعلم بالصواب.
** الفصل الرابع والعشرون في صناعة الفلاحة **
هذه الصناعة ثمرتها اتخاذ الأقوات والحبوب بالقيام على إثارة الأرض لها ازدراعها وعلاج نباتها وتعهده بالسقي والتنمية إلى بلوغ غايته ثم حصاد سنبله واستخراج حبه من غلافه وإحكام الأعمال لذلك، وتحصيل أسبابه ودواعيه.
وهي أقدم الصنائع لما أنها محصلة للقوت المكمل لحياة الإنسان غالبا إذ يمكن وجوده من دون القوت. ولهذا اختصت هذه الصناعة بالبدو. إذ قدمنا أنه أقدم من الحضر وسابق عليه فكانت هذه الصناعة لذلك بدوية لا يقوم عليها الحضر ولا يعرفونها لأن أحوالهم كلها ثانية على البداوة فصنائعهم ثانية عن صنائعها وتابعة لها. والله سبحانه وتعالى مقيم العباد فيما أراد.
** الفصل الخامس والعشرون في صناعة البناء **
هذه الصناعة أول صنائع العمران الحضري وأقدمها وهي معرفة العمل في اتخاذ البيوت والمنازل للكن [1] والمأوى للأبدان في المدن. وذلك أن الإنسان لما
جبل عليه من الفكر في عواقب أحواله، لا بد أن يفكر فيما يدفع عنه الأذى من الحر والبرد كاتخاذ البيوت المكتنفة بالسقف والحيطان من سائر جهاتها [1] والبشر مختلف في هذه الجبلة الفكرية فمنهم المعتدلون فيها فيتخذون ذلك باعتدال أهالي [2] الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس وأما أهل البدو فيبعدون عن اتخاذ ذلك لقصور أفكارهم عن إدراك الصنائع البشرية فيبادرون للغيران والكهوف المعدة من غير علاج [3] . ثم المعتدلون والمتخذون البيوت للمأوى قد يتكاثرون في البسيط الواحد بحيث يتناكرون ولا يتعارفون فيخشون طرق [4] بعضهم بعضا بياتا فيحتاجون إلى حفظ مجتمعهم بإدارة ماء أو أسوار تحوطهم [5] ويصير جميعا مدينة واحدة ومصرا واحدا ويحوطهم الحكم من داخل يدفع [6] بعضهم عن بعض وقد يحتاجون إلى الانتصاف [7] ويتخذون المعاقل والحصون لهم ولمن تحت أيديهم وهؤلاء مثل الملوك ومن في معناهم من الأمراء وكبار القبائل. ثم تختلف أحوال البناء في المدن كل مدينة على ما يتعارفون ويصطلحون عليه ويناسب مزاج هوائهم واختلاف أحوالهم في الغنى والفقر. وكذا حال أهل المدينة الواحدة فمنهم من يتخذ القصور والمصانع العظيمة الساحة المشتملة على عدة الدور والبيوت والغرف الكبيرة لكثرة ولده وحشمه وعياله وتابعه ويؤسس جدرانها بالحجارة ويلحم بينها بالكلس ويعالي عليها بالأصبغة والجص ويبالغ في كل ذلك بالتنجيد والتنميق إظهارا للبسطة بالعناية في شأن
المأوى. ويهيئ مع ذلك الأسراب والمطامير للاختزان لأقواته والإسطبلات لربط مقرباته إذا كان من أهل الجنود وكثرة التابع والحاشية [1] كالأمراء ومن في معناهم ومنهم من يبني الدويرة والبيوت [2] لنفسه وسكنه وولده لا يبتغي ما وراء ذلك لقصور حاله عنه واقتصاره على الكن [3] الطبيعي للبشر وبين ذلك مراتب غير منحصرة وقد يحتاج لهذه الصناعة أيضا عند تأسيس الملوك وأهل الدول المدن العظيمة والهياكل المرتفعة ويبالغون في إتقان الأوضاع وعلو الأجرام مع الإحكام بتبلغ الصناعة مبالغها. وهذه الصناعة هي التي تحصل الدواعي لذلك كله وأكثر ما تكون هذه الصناعة في الأقاليم المعتدلة من الرابع وما حواليه إذ الأقاليم المنحرفة لا بناء فيها. وإنما يتخذون البيوت حظائر من القصب والطين أو يأوون إلى الكهوف والغيران. وأهل هذه الصناعة القائمون عليها متفاوتون: فمنهم البصير الماهر ومنهم القاصر. ثم هي تتنوع أنواعا كثيرة فمنها البناء بالحجارة المنجدة أو بالآجر يقام بها الجدران ملصقا بعضها إلى بعض بالطين والكلس الذي يعقد معها ويلتحم كأنها جسم واحد ومنها البناء بالتراب خاصة تقام منه حيطان يتخذ لها لوحان من الخشب مقدران طولا وعرضا باختلاف العادات في التقدير. وأوسطه أربع أذرع في ذراعين فينصبان على أساس وقد يوعد ما بينهما بما يراه صاحب البناء في عرض الأساس ويوصل بينهما بأذرع من الخشب يربط عليها بالحبال والجدر [4] . ويسد الجهتان الباقيتان من ذلك الخلاء بينهما بلوحين آخرين صغيرين ثم يوضع فيه التراب مخلطا [5] بالكلس ويركز بالمراكز المعدة حتى ينعم ركزه ويختلط أجزاؤه بالكلس ثم
يزاد التراب ثانيا وثالثا إلى أن يمتلئ ذلك الخلاء بين اللوحين وقد تداخلت أجزاء الكلس والتراب وصارت جسما واحدا. ثم يعاد نصب اللوحين على صورة [1] ويركز كذلك إلى أن يتم وينظم الألواح كلها سطرا من فوق سطر إلى أن ينتظم الحائط كله ملتحما كأنه قطعة واحدة ويسمى الطابية وصانعه الطواب. ومن صنائع البناء أيضا أن تجلل الحيطان بالكلس بعد أن يحل بالماء ويخمر أسبوعا أو أسبوعين على قدر ما يعتدل مزاجه عن إفراط النارية المفسدة للإلحام. فإذا تم له ما يرضاه من ذلك علاه [2] من فوق الحائط وذلك إلى أن يلتحم. ومن صنائع البناء عمل السقف بأن يمد الخشب المحكمة النجارة أو الساذجة على حائطي البيت ومن فوقها الألواح كذلك موصولة بالدسائر ويصب عليها التراب والكلس ويبسط [3] بالمراكز حتى تتداخل أجزاؤها وتلتحم ويعالى عليها الكلس كما يعالى على الحائط. ومن صناعة البناء ما يرجع إلى التنميق والتزيين كما يصنع من فوق الحيطان الأشكال المجسمة من الجص يخمر بالماء ثم يرجع جسدا [4] وفيه بقية البلل، فيشكل على التناسب تخريما بمثاقب الحديد إلى أن يبقى له رونق ورواء. وربما عولي على الحيطان أيضا بقطع الرخام أو الآجر أو الخزف أو بالصدف أو السبج يفصل أجزاء متجانسة أو مختلفة وتوضع في الكلس على نسب وأوضاع مقدرة عندهم يبدو به الحائط للعيان، كأنه قطع الرياض المنمنمة. إلى غير ذلك من بناء الجباب والصهاريج لسفح [5] الماء بعد أن تعد في البيوت قصاع الرخام القوراء المحكمة الخرط بالفوهات في وسطها لنبع الماء الجاري إلى الصهريج يجلب إليه من خارج القنوات المفضية إلى البيوت وأمثال ذلك من أنواع البناء. وتختلف الصناع في جميع ذلك باختلاف الحذق والبصر ويعظم عمران
المدينة ويتسع فيكثرون. وربما يرجع الحكام إلى نظر هؤلاء فيما هم أبصر به من أحوال البناء. وذلك أن الناس في المدن لكثرة [1] الازدحام والعمران يتشاحون حتى في الفضاء والهواء الأعلى والأسفل ومن الانتفاع بظاهر البناء مما يتوقع معه حصول الضرر في الحيطان. فيمنع جاره من ذلك إلا ما كان له فيه حق. ويختلفون أيضا في استحقاق الطرق والمنافذ للمياه الجارية والفضلات المسربة في القنوات وربما يدعي بعضهم حق بعض في حائطه أو علوه أو قناته لتضايق الجوار أو يدعي بعضهم على جاره اختلال [2] حائطه خشية سقوطه ويحتاج إلى الحكم عليه بهدمه ودفع ضرره عن جاره عند من يراه أو يحتاج إلى قسمة دار أو عرضة بين شريكين بحيث لا يقع معها فساد في الدار ولا إهمال لمنفعتها. وأمثال ذلك. ويخفى جميع ذلك إلا على أهل البصر العارفين بالبناء وأحواله المستدلين عليها بالمعاقد والقمط ومراكز الخشب وميل الحيطان واعتدالها وقسم المساكن على نسبة أوضاعها ومنافعها وتسريب المياه في القنوات مجلوبة ومرفوعة بحيث لا تضر بما مرت عليه من البيوت والحيطان وغير ذلك. فلهم بهذا كله البصر والخبرة التي ليست لغيرهم. وهم مع ذلك يختلفون بالجودة والقصور في الأجيال باعتبار الدول وقوتها. فإنا قدمنا أن الصنائع وكمالها، إنما هو بكمال الحضارة وكثرتها بكثرة الطالب لها. فلذلك عند ما تكون الدولة بدوية في أول أمرها تفتقر في أمر البناء إلى غير قطرها. كما وقع للوليد بن عبد الملك حين أجمع على بناء مسجد المدينة والقدس ومسجده بالشام. فبعث إلى ملك الروم بالقسطنطينية في الفعلة المهرة في البناء فبعث إليه منهم من حصل [3] له غرضه من تلك المساجد وقد يعرف صاحب هذه الصناعة أشياء من الهندسة مثل تسوية الحيطان بالوزن وإجراء المياه بأخذ الارتفاع
وأمثال ذلك فيحتاج إلى البصر بشيء من مسائله. وكذلك في جر الأثقال بالهندام فإن الأجرام العظيمة إذا شيدت بالحجارة الكبيرة يعجز قدر الفعلة عن رفعها إلى مكانها من الحائط فيتحيل لذلك بمضاعفة قوة الحبل بإدخاله في المعالق من أثقاب مقدرة على نسب هندسية تصير الثقيل عند معاناة الرفع خفيفا فيتم المراد من ذلك بغير كلفة وهذا إنما يتم بأصول هندسية معروفة متداولة بين البشر وبمثلها كان بناء الهياكل الماثلة لهذا العهد التي يحسب أنها من بناء الجاهلية.
وأن أبدانهم كانت على نسبتها في العظم الجسماني وليس كذلك وإنما تم لهم ذلك بالحيل الهندسية كما ذكرناه. فتفهم ذلك. والله يخلق ما يشاء سبحانه.
** الفصل السادس والعشرون في صناعة النجارة **
هذه الصناعة من ضروريات العمران ومادتها الخشب وذلك أن الله سبحانه وتعالى جعل للآدمي في كل مكون من المكونات منافع تكمل بها ضروراته وكان منها الشجر فإن له فيه من المنافع ما لا ينحصر مما هو معروف لكل أحد. ومن منافعها اتخاذها خشبا إذا يبست وأول منافعه أن يكون وقودا للنيران في معاشهم وعصيا للاتكاء والذود وغيرهما من ضرورياتهم ودعائم لما يخشى ميله من أثقالهم. ثم بعد ذلك منافع أخرى لأهل البدو والحضر فأما أهل البدو فيتخذون منها العمد والأوتاد لخيامهم والحدوج لظعائنهم والرماح والقسي والسهام لسلاحهم وأما أهل الحضر فالسقف لبيوتهم والأغلاق لأبوابهم والكراسي لجلوسهم. وكل واحدة من هذه فالخشبة مادة لها ولا تصير إلى الصورة الخاصة بها إلا بالصناعة.
والصناعة المتكفلة بذلك المحصلة لكل واحد من صورها هي النجارة على اختلاف رتبها. فيحتاج صاحبها إلى تفصيل الخشب أولا: إما بخشب أصغر منه أو ألواح.
ثم تركب تلك الفضائل بحسب الصور المطلوبة. وهو في كل ذلك يحاول بصنعته إعداد تلك الفصائل بالانتظام إلى أن تصير أعضاء لذلك الشكل المخصوص. والقائم على هذه الصناعة هو النجار وهو ضروري في العمران. ثم إذا عظمت الحضارة وجاء الترف وتأنق الناس فيما يتخذونه من كل صنف من سقف أو باب أو كرسي أو ماعون، حدث التأنق في صناعة ذلك واستجادته بغرائب من الصناعة كمالية ليست من الضروري في شيء مثل التخطيط في الأبواب والكراسي ومثل تهيئة القطع من الخشب بصناعة الخرط يحكم بريها وتشكيلها ثم تؤلف على نسب مقدرة وتلحم بالدسائر فتبدو لرأي [1] العين ملتحمة وقد أخذ منها اختلاف الأشكال على تناسب. يصنع هذا في كل شيء يتخذ من الخشب فيجيء آنق ما يكون. وكذلك في جميع ما يحتاج إليه من الآلات المتخذة من الخشب من أي نوع كان. وكذلك قد يحتاج إلى هذه الصناعة في إنشاء المراكب البحرية ذات الألواح والدسر وهي أجرام هندسية صنعت على قالب الحوت واعتبار سبحه في الماء بقوادمه وكلكله ليكون ذلك الشكل أعون لها في مصادمة الماء وجعل لها عوض الحركة الحيوانية التي للسمك تحريك الرياح. وربما أعينت بحركة المقاذيف كما في الأساطيل. وهذه الصناعة من أصلها محتاجة إلى أصل [2] كبير من الهندسة في جميع أصنافها لأن إخراج الصور من القوة إلى الفعل على وجه الإحكام محتاج إلى معرفة التناسب في المقادير إما عموما أو خصوصا وتناسب المقادير لا بد فيه من الرجوع إلى المهندس. ولهذا كانت أئمة الهندسة اليونانيون كلهم أئمة في هذه الصناعة فكان أوقليدوس صاحب كتاب الأصول في الهندسة نجارا وبها كان يعرف. وكذلك أبلونيوس صاحب كتاب المخروطات وميلاوش وغيرهم. وفيما يقال: أن معلم هذه الصناعة في الخليقة هو نوح عليه السلام وبها أنشأ سفينة النجاة التي كانت بها معجزته عند الطوفان. وهذا الخبر وإن كان
ممكنا أعني كونه نجارا إلا أن كونه أول من علمها أو تعلمها لا يقوم دليل من النقل عليه لبعد الآماد. وإنما معناه والله أعلم الإشارة إلى قدم النجارة لأنه لم يصح حكاية عنها قبل خبر نوح عليه السلام فجعل كأنه أول من تعلمها. فتفهم أسرار الصنائع في الخليقة. والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق.
** الفصل السابع والعشرون في صناعة الحياكة والخياطة **
اعلم أن المعتدلين من البشر في معنى الإنسانية لا بد لهم من الفكر في الدفء كالفكر في الكن. ويحصل الدفء باشتمال المنسوج للوقاية من الحر والبرد. ولا بد لذلك من إلحام الغزل حتى يصير ثوبا واحدا، وهو النسج والحياكة. فإن كانوا بادية اقتصروا عليه، وإن قالوا إلى الحضارة فصلوا تلك المنسوجة قطعا يقدرون منها ثوبا على البدن بشكله وتعدد أعضائه واختلاف نواحيها. ثم يلائمون بين تلك القطع بالوصائل حتى تصير ثوبا واحدا على البدن ويلبسونها.
والصناعة المحصلة لهذه الملاءمة هي الخياطة.
هاتان الصناعتان ضروريتان في العمران لما يحتاج إليه البشر من الرفه [1] فالأولى لنسج الغزل من الصوف والكتان والقطن إسداء في الطول وإلحاما في العرض وإحكاما لذلك النسج بالالتحام الشديد، فيتم منها قطع مقدرة: فمنها الأكسية من الصوف للاشتمال، ومنها الثياب من القطن والكتان للباس.
والصناعة الثانية لتقدير المنسوجات على اختلاف الأشكال والعوائد، تفصل بالمقراض قطعا مناسبة للأعضاء البدنية ثم تلحم تلك القطع بالخياطة المحكمة وصلا أو تنبيتا أو تفسحا [2] على حسب نوع الصناعة. وهذه الصناعة مختصة
بالعمران الحضري لما أن أهل البدو يستغنون عنها وإنما يشتملون الأثواب اشتمالا. وإنما تفصيل الثياب وتقديرها وإلحامها بالخياطة للباس من مذاهب الحضارة وفنونها. وتفهم هذه في سر تحريم المخيط في الحج لما أن مشروعية الحج مشتملة على نبذ العلائق الدنيوية كلها والرجوع إلى الله تعالى «كما خلقنا أول مرة، حتى لا يعلق العبد قلبه بشيء من عوائد ترفه، لا طيبا ولا نساء ولا مخيطا ولا خفا، ولا يتعرض لصيد ولا لشيء من عوائده التي تلونت [1] بها نفسه وخلقه، مع أنه يفقدها بالموت ضرورة. وإنما يجيء كأنه وارد إلى المحشر ضارعا بقلبه مخلصا لربه. وكان جزاؤه إن تم له إخلاصه في ذلك أن يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. سبحانك ما أرفقك بعبادك وأرحمك بهم في طلب هدايتهم إليك. وهاتان الصنعتان قديمتان في الخليقة لما أن الدفء ضروري للبشر في العمران المعتدل. وأما المنحرف إلى الحر فلا يحتاج أهله إلى دفء.
ولهذا يبلغنا عن أهل الإقليم الأول من السودان أنهم عراة في الغالب. ولقدم هذه الصنائع ينسبها العامة إلى إدريس عليه السلام وهو أقدم الأنبياء. وربما ينسبونها إلى هرمس وقد يقال إن هرمس هو إدريس. والله سبحانه وتعالى هو الخلاق العليم.
** الفصل الثامن والعشرون في صناعة التوليد **
وهي صناعة يعرف بها العمل في استخراج المولود الآدمي من بطن أمه من الرفق في إخراجه من رحمها وتهيئة أسباب ذلك. ثم ما يصلحه بعد الخروج على ما نذكر. وهي مختصة بالنساء في غالب الأمر لما أنهن الظاهرات بعضهن على عورات بعض. وتسمى القائمة على ذلك منهن القابلة. استعير فيها معنى الإعطاء
والقبول كأن النفساء تعطيها الجنين وكأنها تقبله. وذلك أن الجنين إذا استكمل خلقه في الرحم وأطواره وبلغ إلى غايته والمدة التي قدرها الله لمكثه هي تسعة أشهر في الغالب فيطلب الخروج بما جعل الله في المولود من النزوع لذلك ويضيق عليه المنفذ فيعسر. وربما مزق بعض جوانب الفرج بالضغط وربما انقطع بعض ما كان من الأغشية من الالتصاق والالتحام بالرحم. وهذه كلها آلام يشتد لها الوجع وهو معنى الطلق فتكون القابلة معينة في ذلك بعض الشيء بغمز الظهر والوركين وما يحاذي الرحم من الأسافل تساوق بذلك فعل الدافعة في إخراج الجنين وتسهيل ما يصعب منه بما يمكنها وعلى ما تهتدي إلى معرفة عسرة. ثم إن أخرج الجنين بقيت بينه وبين الرحم الوصلة حيث كان يتغذى منها متصلة من سرته بمعاه. وتلك الوصلة عضو فضلي لتغذية المولود خاصة فتقطعها القابلة من حيث لا تتعدى مكان الفضلة ولا تضر بمعاه ولا برحم أمه ثم تدمل مكان الجراحة منه بالكي أو بما تراه من وجوه الاندمال. ثم إن الجنين عند خروجه من ذلك المنفذ الضيق وهو رطب العظام سهل الانعطاف والانثناء فربما تتغير أشكال أعضائه وأوضاعها لقرب التكوين ورطوبة المواد فتتناوله القابلة بالغمز والإصلاح حتى يرجع كل عضو إلى شكله الطبيعي ووضعه المقدر له ويرتد خلقه سويا. ثم بعد ذلك تراجع النفساء وتحاذيها بالغمز والملاينة لخروج أغشية الجنين لأنها ربما تتأخر عن خروجه قليلا. ويخشى عند ذلك أن تراجع الماسكة حالها الطبيعية قبل استكمال خروج الأغشية وهي فضلات فتتعفن ويسري عفنها إلى الرحم فيقع الهلاك فتحاذر القابلة هذا وتحاول في إعانة الدفع إلى أن تخرج تلك الأغشية التي كانت قد تأخرت ثم ترجع إلى المولود فتمرخ [1] أعضاءه بالأدهان والذرورات [2] القابضة لتشده وتجفف رطوبات الرحم وتحنكه لرفع لهاته وتسعطه لاستفراغ نطوف دماغه وتغرغره باللعوق لدفع السدد من معاه وتجويفها عن
الالتصاق. ثم تداوي النفساء بعد ذلك من الوهن الذي أصابها بالطلق وما لحق رحمها من ألم الانفصال، إذ المولود إن لم يكن عضوا طبيعيا فحالة التكوين في الرحم صيرته بالالتحام كالعضو المتصل فلذلك كان في انفصاله ألم يقرب من ألم القطع. وتداوي مع ذلك ما يلحق الفرج من ألم من جراحة التمزيق عند الضغط في الخروج. وهذه كلها أدواء نجد هؤلاء القوابل أبصر بدوائها. وكذلك ما يعرض للمولود مدة الرضاع من أدواء في بدنه إلى حين الفصال نجدهن أبصر بها من الطبيب الماهر. وما ذاك إلا لأن بدن الإنسان في تلك الحالة إنما هو بدن إنساني بالقوة فقط. فإذا جاوز الفصال صار بدنا إنسانيا بالفعل فكانت حاجته حينئذ إلى الطبيب أشد. فهذه الصناعة كما تراه ضرورية في العمران للنوع الإنساني، لا يتم كون أشخاصه في الغالب دونها. وقد يعرض لبعض أشخاص النوع الاستغناء عن هذه الصناعة، إما بخلق الله ذلك لهم معجزة وخرقا للعادة كما في حق الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أو بإلهام وهداية يلهم لها المولود ويفطر عليها فيتم وجودهم من دون هذه الصناعة. فأما شأن المعجزة من ذلك فقد وقع كثيرا. ومنه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد مسرورا مختونا واضعا يديه على الأرض شاخصا ببصره إلى السماء. وكذلك شأن عيسى في المهد وغير ذلك. وأما شأن الإلهام فلا ينكر. وإذا كانت الحيوانات العجم تختص بغرائب الإلهامات كالنحل وغيرها فما ظنك بالإنسان المفضل عليها. وخصوصا بمن اختص بكرامة الله. ثم الإلهام العام للمولودين في الإقبال على الثدي أوضح شاهد على وجود الإلهام العام لهم. فشأن العناية الإلهية أعظم من أن يحاط به. ومن هنا يفهم بطلان رأي الفارابي وحكماء الأندلس فيما احتجوا به لعدم انقراض الأنواع واستحالة انقطاع المكونات. وخصوصا في النوع الإنساني، وقالوا: لو انقطعت أشخاصه لاستحال وجودها بعد ذلك لتوقفه على وجود هذه الصناعة التي لا يتم كون الإنسان إلا بها. إذ لو قدرنا مولودا دون هذه الصناعة وكفالتها إلى حين
الفصال [1] لم يتم بقاؤه أصلا. ووجود الصنائع دون الفكر ممتنع لأنها ثمرته وتابعة له. وتكلف ابن سينا في الرد على هذا الرأي لمخالفته إياه وذهابه إلى إمكان انقطاع الأنواع وخراب عالم التكوين ثم عوده ثانيا لاقتضاءات فلكية وأوضاع غريبة تنذر في الأحقاب بزعمه فتقتضي تخمير طينة مناسبة لمزاجه بحرارة مناسبة فيتم كونه إنسانا ثم يقيض له حيوان يخلق فيه إلهاما لتربيته والحنو عليه إلى أن يتم وجوده وفصاله. وأطنب في بيان ذلك في الرسالة التي سماها رسالة حي بن يقظان. وهذا الاستدلال غير صحيح وإن كنا نوافقه على انقطاع الأنواع لكن من غير ما استدل به. فإن دليله مبني على إسناد الأفعال إلى العلة الموجبة. ودليل القول بالفاعل المختار يرد عليه ولا واسطة على القول بالفاعل المختار بين الأفعال والقدرة القديمة ولا حاجة إلى هذا التكلف. ثم لو سلمناه جدلا فغاية ما يبنى عليه اطراد وجود هذا الشخص بخلق الإلهام لترتيبه في الحيوان الأعجم. وما الضرورة الداعية لذلك؟ وإذا كان الإلهام يخلق في الحيوان الأعجم فما المانع من خلقه للمولود نفسه كما قررناه أولا. وخلق الإلهام في شخص لمصالح نفسه أقرب من خلقه فيه لمصالح غيره فكلا المذهبين شاهدان على أنفسهما بالبطلان في مناحيهما لما قررته لك والله تعالى أعلم.
** الفصل التاسع والعشرون في صناعة الطب وانها محتاج إليها في الحواضر والأمصار دون البادية **
هذه الصناعة ضرورية في المدن والأمصار لما عرف من فائدتها فإن ثمرتها حفظ الصحة للأصحاء ودفع المرض عن المرضى بالمداواة حتى يحصل لهم البرء من أمراضهم. واعلم أن أصل الأمراض كلها إنما هو من الأغذية كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الجامع للطب وهو قوله: «المعدة بيت الداء والحمية
رأس الدواء وأصل كل داء البردة» فأما قوله المعدة بيت الداء فهو ظاهر وأما قوله الحمية راس الدواء فالحمية الجوع وهو الاحتماء من الطعام. والمعنى أن الجوع هو الدواء العظيم الذي هو أصل الأدوية وأما قوله أصل كل داء البردة [1] » فمعنى البردة إدخال الطعام على الطعام في المعدة قبل أن يتم هضم الأول. وشرح هذا أن الله سبحانه خلق الإنسان وحفظ حياته بالغذاء يستعمله بالأكل وينفذ فيه القوى الهاضمة والغاذية إلى أن يصير دما ملائما لأجزاء البدن من اللحم والعظم، ثم تأخذه النامية فينقلب لحما وعظما. ومعنى الهضم طبخ الغذاء بالحرارة الغريزية طورا بعد طور حتى يصير جزءا بالفعل من البدن وتفسيره أن الغذاء إذا حصل في الفم ولاكته الأشداق أثرت فيه حرارة الفم طبخا يسيرا وقلبت مزاجه بعض الشيء، كما تراه في اللقمة إذا تناولتها طعاما ثم أجدتها مضغا فترى مزاجها غير مزاج الطعام ثم يحصل في المعدة فتطبخه حرارة المعدة إلى أن يصير كيموسا وهو صفو ذلك المطبوخ وترسله إلى الكبد وترسل ما رسب منه في المعى ثقلا ينفذ إلى المخرجين. ثم تطبخ حرارة الكبد ذلك الكيموس إلى أن يصير دما عبيطا [2] وتطفو عليه رغوة من الطبخ هي الصفراء. وترسب منه أجزاء يابسة هي السوداء ويقصر الحار الغريزي بعض الشيء عن طبخ الغليظ منه فهو البلغم. ثم ترسلها الكبد كلها في العروق والجداول، ويأخذها طبخ الحال [3] الغريزي هناك فيكون عن الدم الخالص بخار حار رطب يمد الروح الحيواني وتأخذ النامية مأخذها في الدم فيكون لحما ثم غليظة عظاما. ثم يرسل البدن ما يفضل عن حاجاته من ذلك فضلات مختلفة من العرق واللعاب والمخاط والدمع. هذه صورة الغذاء وخروجه من القوة إلى الفعل لحما. ثم إن أصل الأمراض ومعظمها هي الحميات.
وسببها أن الحار الغريزي قد يضعف عن تمام [4] النضج في طبخه في كل طور من
هذه، فيبقى ذلك الغذاء دون نضج، وسببه غالبا كثرة الغذاء في المعدة حتى يكون أغلب على الحار الغريزي أو إدخال الطعام إلى المعدة قبل أن تستوفي طبخ الأول فيستقل [1] به الحار الغريزي ويترك الأول بحالة أو يتوزع عليهما فيقصر عن تمام الطبخ والنضج. وترسله المعدة كذلك إلى الكبد فلا تقوى حرارة الكبد أيضا على إنضاجه. وربما بقي في الكبد من الغذاء الأول فضلة غير ناضجة.
وترسل الكبد جميع ذلك إلى العروق غير ناضج كما هو. فإذا أخذ البدن حاجته الملائمة أرسله مع الفضلات الأخرى من العرق والدمع واللعاب إن اقتدر على ذلك. وربما يعجز عن الكثير منه فيبقى في العروق والكبد والمعدة وتتزايد مع الأيام. وكل ذي رطوبة من الممتزجات إذا لم يأخذه الطبخ والنضج يعفن فيتعفن ذلك الغذاء غير الناضج وهو المسمى بالخلط. وكل متعفن ففيه حرارة غريبة وتلك هي المسماة في بدن الإنسان بالحمى. واختبر [2] ذلك بالطعام إذا ترك حتى يتعفن وفي الزبل إذا تعفن أيضا، كيف تنبعث فيه الحرارة وتأخذ مأخذها. فهذا معنى الحميات في الأبدان وهي رأس الأمراض وأصلها كما وقع في الحديث. وهذه الحميات علاجها [3] بقطع الغذاء عن المريض أسابيع معلومة ثم يتناول [4] الأغذية الملائمة حتى يتم برؤه. وذلك في حال الصحة له علاج في التحفظ من هذا المرض وغيره وأصله كما وقع في الحديث وقد يكون ذلك العفن في عضو مخصوص، فيتولد عنه مرض في ذلك العضو ويحدث جراحات في البدن:
إما في الأعضاء الرئيسية أو في غيرها. وقد يمرض العضو ويحدث عنه مرض القوى الموجودة له. هذه كلها جماع الأمراض، وأصلها في الغالب من الأغذية وهذا كله مرفوع إلى الطبيب. ووقوع هذه الأمراض في أهل الحضر والأمصار أكثر، لخصب عيشهم وكثرة مأكلهم وقلة اقتصارهم على نوع واحد من الأغذية وعدم توقيتهم
لتناولها. وكثيرا ما يخلطون بالأغذية من التوابل والبقول والفواكه، رطبا ويابسا في سبيل العلاج بالطبخ ولا يقتصرون في ذلك على نوع أو أنواع. فربما عددنا في اليوم [1] الواحد من ألوان الطبخ أربعين نوعا من النبات والحيوان فيصير للغذاء مزاج غريب. وربما يكون غريبا [2] عن ملاءمة البدن وأجزائه. ثم إن الأهوية في الأمصار تفسد بمخالطة الأبخرة العفنة من كثرة الفضلات. والأهوية منشطة للأرواح ومقوية بنشاطها الأثر الحار الغريزي في الهضم. ثم الرياضة مفقودة لأهل الأمصار إذ هم في الغالب وادعون ساكنون لا تأخذ منهم الرياضة شيئا ولا تؤثر فيهم أثرا، فكان وقوع الأمراض كثيرا في المدن والأمصار وعلى قدر وقوعه كانت حاجتهم إلى هذه الصناعة. وأما أهل البدو فمأكولهم قليل في الغالب والجوع أغلب عليهم لقلة الحبوب حتى صار لهم ذلك عادة. وربما يظن أنها جبلة لاستمرارها. ثم الأدم قليلة لديهم أو مفقودة بالجملة. وعلاج الطبخ بالتوابل والفواكه إنما يدعو إلى ترف الحضارة الذين هم بمعزل عنه فيتناولون أغذيتهم بسيطة بعيدة عما يخالطها ويقرب مزاجها من ملاءمة البدن. وأما أهويتهم فقليلة العفن لقلة الرطوبات والعفونات إن كانوا آهلين، أو لاختلاف الأهوية إن كانوا ظواعن. ثم إن الرياضة موجودة فيهم لكثرة الحركة في ركض الخيل أو الصيد أو طلب الحاجات لمهنة أنفسهم في حاجاتهم فيحسن بذلك كله الهضم ويجود ويفقد إدخال الطعام على الطعام فتكون أمزجتهم أصلح وأبعد من الأمراض فتقل حاجتهم إلى الطب. ولهذا لا يوجد الطبيب في البادية بوجه. وما ذاك إلا للاستغناء عنه إذ لو احتيج إليه لوجد، لأنه يكون له بذلك في البدو معاش يدعوه إلى سكناه «سنة الله في عباده ولن تجد لسنة الله تبديلا 33: 62» .
** الفصل الثلاثون في أن الخط والكتابة من عداد الصنائع الإنسانية **
وهو رسوم وأشكال حرفية تدل على الكلمات المسموعة الدالة على ما في النفس. فهو ثاني رتبة من الدلالة اللغوية وهو صناعة شريفة إذ الكتابة من خواص الإنسان التي يميز بها عن الحيوان. وأيضا فهي تطلع على ما في الضمائر وتتأدى بها الأغراض إلى البلاد [1] البعيدة فتقضي الحاجات وقد دفعت مؤنة المباشرة لها ويطلع بها على العلوم والمعارف وصحف الأولين وما كتبوه من علومهم وأخبارهم فهي شريفة بهذه الوجوه والمنافع. وخروجها في الإنسان من القوة إلى الفعل إنما يكون بالتعليم وعلى قدر الاجتماع والعمران والتناغي في الكمالات والطلب لذلك تكون جودة الخط في المدينة إذ هو من جملة الصنائع.
وقد قدمنا أن هذا شأنها وأنها تابعة للعمران ولهذا نجد أكثر البدو أميين لا يكتبون ولا يقرءون ومن قرأ منهم أو كتب فيكون خطه قاصرا أو قراءته غير نافذة. ونجد تعليم الخط في الأمصار الخارج عمرانها عن الحد أبلغ وأحسن وأسهل طريقا لاستحكام الصنعة فيها. كما يحكى لنا عن مصر لهذا العهد وأن بها معلمين منتصبين لتعليم الخط يلقون على المتعلم قوانين وأحكاما في وضع كل حرف ويزيدون إلى ذلك المباشرة بتعليم وضعه فتعتضد لديه رتبة العلم والحس في التعليم وتأتي ملكته على أتم الوجوه. وإنما أتى هذا من كمال الصنائع ووفورها بكثرة العمران وانفساح الأعمال وقد كان الخط العربي بالغا مبالغه من الإحكام والإتقان والجودة في دولة التبابعة لما بلغت من الحضارة والترف وهو المسمى بالخط الحميري. وانتقل منها إلى الحيرة لما كان بها من دولة آل المنذر نسباء التبابعة في العصبية والمجددين لملك العرب بأرض العراق. ولم يكن الخط
عندهم من الإجادة كما كان عند التبابعة لقصور ما بين الدولتين. وكانت الحضارة وتوابعها من الصنائع وغيرها قاصرة عن ذلك. ومن الحيرة لقنه أهل الطائف وقريش فيما ذكر. ويقال إن الذي تعلم الكتابة من الحيرة هو سفيان بن أمية ويقال حرب بن أمية وأخذها من أسلم بن سدرة. وهو قول ممكن وأقرب ممن ذهب إلى أنهم تعلموها من إياد أهل العراق لقول شاعرهم:
قوم لهم ساحة العراق إذا ... ساروا جميعا والخط والقلم
وهو قول بعيد لأن إيادا وإن نزلوا ساحة العراق فلم يزالوا على شأنهم من البداوة. والخط من الصنائع الحضرية. وإنما معنى قول الشاعر أنهم أقرب إلى الخط والقلم من غيرهم من العرب لقربهم من ساحة الأمصار وضواحيها فالقول بأن أهل الحجاز إنما لقنوها من الحيرة ولقنها أهل الحيرة من التبابعة وحمير هو الأليق من الأقوال ورأيت في كتاب التكملة لابن الأبار عند التعريف بابن فروخ الفيرواني القاسي الأندلسي من أصحاب مالك رضي الله عنه واسمه عبد الله بن فروخ بن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم. عن أبيه قال: قلت لعبد الله بن عباس: يا معشر قريش، خبروني عن هذا الكتاب العربي، هل كنتم تكتبونه قبل أن يبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم تجمعون منه ما أجتمع وتفرقون منه ما افترق مثل الألف واللام والميم والنون؟ قال: نعم. قلت: وممن أخذتموه؟ قال: من حرب بن أمية. قلت! وممن أخذه حرب؟ قال: من عبد الله بن جدعان.
قلت: وممن أخذه عبد الله بن جدعان؟ قال: من أهل الأنبار. قلت: وممن أخذه أهل الأنبار؟ قال: من طارئ طرأ عليه من أهل اليمن. قلت وممن أخذه ذلك لطارئ؟ قال: من الخلجان بن القسم كاتب الوحي لهود النبي عليه السلام. وهو الذي يقول:
أفي كل عام سنة تحدثونها ... ورأي على غير الطريق يعبر
والموت خير من حياة تسبنا ... بها جرهم فيمن يسب وحمير
انتهى ما نقله ابن الأبار في كتاب التكملة. وزاد في آخره: حدثني بذلك أبو بكر بن أبي حميره في كتابه عن أبي بحر بن العاص عن أبي الوليد الوقشي عن أبي عمر الطلعنكي بن أبي عبد الله بن مفرح. ومن خطه نقلته عن أبي سعيد بن يونس عن محمد بن موسى بن النعمان عن يحيى بن محمد بن حشيش بن عمر بن أيوب المغافري التونسي عن بهلول بن عبيدة الحمي عن عبد الله بن فروخ. انتهى.
وكان لحمير كتابة تسمى المسند حروفها منفصلة وكانوا يمنعون من تعلمها إلا بإذنهم. ومن حمير تعلمت مضر الكتابة العربية إلا أنهم لم يكونوا مجيدين لها شأن الصنائع إذا وقعت بالبدو فلا تكون محكمة المذاهب ولا مائلة إلى الإتقان والتنميق لبون ما بين البدو والصناعة واستغناء البدو عنها في الأكثر. وكانت كتابة العرب بدوية مثل كتابتهم أو قريبا من كتابتهم لهذا العهد أو نقول إن كتابتهم لهذا العهد أحسن صناعة لأن هؤلاء أقرب إلى الحضارة ومخالطة الأمصار والدول. وأما مضر فكانوا أعرق في البدو وأبعد عن الحضر من أهل اليمن وأهل العراق وأهل الشام ومصر فكان الخط العربي لأول الإسلام غير بالغ إلى الغاية من الإحكام والإتقان والإجادة ولا إلى التوسط لمكان العرب من البداوة والتوحش وبعدهم عن الصنائع، وانظر ما وقع لأجل ذلك في رسمهم المصحف حيث رسمه الصحابة بخطوطهم وكانت غير مستحكمة في الإجادة فخالف الكثير من رسومهم ما اقتضته أقيسة رسوم صناعة الخط عند أهلها. ثم اقتفى التابعون من السلف رسمهم فيها تبركا بما رسمه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وخير الخلق من بعده المتلقون لوحيه من كتاب الله وكلامه. كما يقتفي لهذا العهد خط ولي أو عالم تبركا ويتبع رسمه خطأ أو صوابا. وأين نسبة ذلك من الصحابة فيما كتبوه فاتبع ذلك وأثبت رسما ونبه العلماء بالرسم على مواضعه. ولا تلتفتن في ذلك إلى ما يزعمه بعض المغفلين من أنهم كانوا محكمين لصناعة الخط وأن ما يتخيل
من مخالفة خطوطهم لأصول الرسم ليس كما يتخيل بل لكلها وجه. يقولون في مثل زيادة الألف في لا أذبحنه: إنه تنبيه على أن الذبح لم يقع وفي زيادة الياء في بأييد إنه تنبيه على كمال القدرة الربانية وأمثال ذلك مما لا أصل له إلا التحكم المحض. وما حملهم على ذلك إلا اعتقادهم أن في ذلك تنزيها للصحابة عن توهم النقص في قلة إجادة الخط. وحسبوا أن الخط كمال فنزهوهم عن نقصه ونسبوا إليهم الكمال بإجادته وطلبوا تعليل ما خالف الإجادة من رسمه وذلك ليس بصحيح. واعلم أن الخط ليس بكمال في حقهم إذ الخط من جملة الصنائع المدنية المعاشية كما رأيته فيما مر. والكمال في الصنائع إضافي وليس بكمال مطلق إذ لا يعود نقصه على الذات في الدين ولا في الخلال وإنما يعود على أسباب المعاش وبحسب العمران والتعاون عليه لأجل دلالته على ما في النفوس. وقد كان صلى الله عليه وسلم أميا وكان ذلك كمالا في حقه وبالنسبة إلى مقامه لشرفه وتنزهه عن الصنائع العملية التي هي أسباب المعاش والعمران كلها. وليست الأمية كمالا في حقنا نحن إذ هو منقطع إلى ربه ونحن متعاونون على الحياة الدنيا شأن الصنائع كلها حتى العلوم الاصطلاحية فإن الكمال في حقه هو تنزهه عنها جملة بخلافنا.
ثم لما جاء الملك للعرب وفتحوا الأمصار وملكوا الممالك ونزلوا البصرة والكوفة واحتاجت الدولة إلى الكتابة استعملوا الخط وطلبوا صناعته وتعلموه وتداولوه فترقت الإجادة فيه واستحكم وبلغ في الكوفة والبصرة رتبة من الإتقان إلا أنها كانت دون الغاية. والخط الكوفي معروف الرسم لهذا العهد. ثم انتشر العرب في الأقطار والممالك وافتتحوا إفريقية والأندلس واختط بنو العباس بغداد وترقت الخطوط فيها إلى الغاية لما استبحرت في العمران وكانت دار الإسلام ومركز الدولة العربية وخالفت أوضاع الخط ببغداد أوضاعه بالكوفة، في الميل إلى إجادة الرسوم وجمال الرونق وحسن الرواء. واستحكمت هذه المخالفة في الأمصار إلى أن رفع رايتها ببغداد علي بن مقلة الوزير. ثم تلاه في ذلك علي بن هلال، الكاتب
الشهير بابن البواب. ووقف سند تعليمها عليه في المائة الثالثة وما بعدها.
وبعدت رسوم الخط البغدادي وأوضاعه عن الكوفة، حتى انتهى إلى المباينة. ثم ازدادت المخالفة بعد تلك القصور بتفنن الجهابذة في إحكام رسومه وأوضاعه، حتى انتهت إلى المتأخرين مثل ياقوت والولي علي العجمي. ووقف سند تعليم الخط عليهم وانتقل ذلك إلى مصر، وخالفت طريقة العراق بعض الشيء ولقنها العجم لك، وظهرت مخالفة لخط أهل مصر أو مباينة.
وكان الخط البغدادي معروف الرسم وتبعه الإفريقي المعروف رسمه القديم لهذا العهد. ويقرب من أوضاع الخط المشرقي وتحيز [1] ملك الأندلس بالأمويين فتميزوا بأحوالهم من الحضارة والصنائع والخطوط فتميز صنف خطهم الأندلسي كما هو معروف الرسم لهذا العهد. وطما بحر العمران والحضارة في الدول الإسلامية في كل قطر. وعظم الملك ونفقت أسواق العلوم وانتسخت الكتب وأجيد كتبها وتجليدها [2] وملئت بها القصور والخزائن الملوكية بما لا كفاء له وتنافس أهل الأقطار في ذلك وتناغوا فيه. ثم لما انحل نظام الدولة الإسلامية وتناقص ذلك أجمع ودرست معالم بغداد بدروس الخلافة فانتقل شأنها من الخط والكتابة بل والعلم إلى مصر والقاهرة فلم تزل أسواقه بها نافقة لهذا العهد وله [3] بها معلمون يرسمون لتعليم [4] الحروف بقوانين في وضعها وأشكالها متعارفة بينهم فلا يلبث المتعلم أن يحكم أشكال تلك الحروف على تلك الأوضاع وقد لقنها حسنا وحذق فيها دربة وكتابا وأخذها قوانين علمية [5] فتجيء أحسن ما يكون. وأما أهل الأندلس فافترقوا في الأقطار عند تلاشي ملك العرب بها ومن خلفهم من البربر، وتغلبت عليهم أمم النصرانية فانتشروا في عدوة المغرب
وإفريقية من لدن الدولة اللمتونية إلى هذا العهد. وشاركوا أهل العمران بما لديهم من الصنائع وتعلقوا بأذيال الدولة فغلب خطهم على الخط الإفريقي وعفى عليه ونسي خط القيروان والمهدية بنسيان عوائدهما وصنائعهما. وصارت خطوط أهل إفريقية كلها على الرسم الأندلسي بتونس وما إليها لتوفر أهل الأندلس بها عند الحالية من شرق الأندلس. وبقي منه رسم ببلاد الجريد الذين لم يخالطوا كتاب الأندلس ولا تمرسوا بجوارهم. إنما كانوا يغدون على دار الملك بتونس فصار خط أهل إفريقية من أحسن خطوط أهل الأندلس حتى إذا تقلص ظل الدولة الموحدية بعض الشيء وتراجع أمر الحضارة والترف بتراجع العمران نقص حينئذ حال الخط وفسدت رسومه وجهل فيه وجه التعليم بفساد الحضارة وتناقص العمران. وبقيت فيه آثار الخط الأندلسي تشهد بما كان لهم من ذلك لما قدمناه من أن الصنائع إذا رسخت بالحضارة فيعسر محوها وحصل في دولة بني مرين من بعد ذلك بالمغرب الأقصى لون من الخط الأندلسي لقرب جرارهم وسقوط من خرج منهم إلى فاس قريبا واستعمالهم إياهم سائر الدولة. ونسي عهد الخط فيما بعد عن سدة الملك وداره. كأنه لم يعرف. فصارت الخطوط بإفريقية والمغربيين مائلة إلى الرداءة بعيدة عن الجودة وصارت الكتب إذا انتسخت فلا فائدة تحصل لمتصفحها منها إلا العناء والمشقة لكثرة ما يقع فيها من الفساد والتصحيف وتغيير الأشكال الخطية عن الجودة حتى لا تكاد تقرأ إلا بعد عسر ووقع فيه ما وقع في سائر الصنائع بنقص الحضارة وفساد الدول والله يحكم لا معقب لحكمه.
وللأستاذ أبي الحسن علي بن هلال الكاتب البغدادي الشهير بابن البواب قصيدة من بحر البسيط [1] على روي الراء يذكر فيها صناعة الخط وقواعدها من أحسن ما كتب في ذلك. رأيت إثباتها في هذا الكتاب من هذا الباب لينتفع بها من يريد تعلم هذه الصناعة. وأولها:
يا من يريد إجادة التحرير ... ويروم حسن الخط والتصوير
إن كان عزمك في الكتابة صادقا ... فارغب إلى مولاك في التيسير
أعدد من الأقلام كل مثقف ... صلب يصوغ صناعة التحبير
وإذا عمدت لبرية فتوخه ... عند القياس بأوسط التقدير
انظر إلى طرفيه فاجعل بريه ... من جانب التدقيق والتحضير
واجعل لجلفته قواما عادلا ... خلوا عن التطويل والتقصير
والشق وسطه ليبقى بريه ... من جانبيه مشاكل التقدير
حتى إذا أيقنت ذلك كله ... فالقط فيه جملة التدبير
لا تطمعن في أن أبوح بسره ... إني أضن بسره المستور
لكن جملة ما أقول بأنه ... ما بين تحريف إلى تدوير
وألق دواتك بالدخان مدبرا ... بالخل أو بالحصرم المعصور
وأضف إليه قفرة قد صولت ... مع أصغر الزرنيخ والكافور
حتى إذا ما خمرت فاعمد إلى ... الورق النقي الناعم المخبور
فاكسبه بعد القطع بالمعصار كي ... ينأى عن التشعيث والتغيير
ثم اجعل التمثيل دأبك صابرا ... ما أدرك المأمول مثل صبور
ابدأ به في اللوح منتفيا له ... غرما تجرده عن التشمير
لا تخجلن من الردى تختطه ... في أول التمثيل والشطير
فالأمر يصعب ثم يرجع هينا ... ولرب سهل جاء بعد عسير
حتى إذا أدركت ما أملته ... أضحيت رب مسرة وحبور
فاشكر إلهك واتبع رضوانه ... إن الإله يجيب كل شكور
وارغب لكفك أن تخط بنانها ... خيرا يخلفه بدار غرور
فجميع فعل المرء يلقاه غدا ... عند الشقاء كتابه المنشور
واعلم بأن الخط بيان عن القول والكلام، كما أن القول والكلام بيان عما في
النفس والضمير من المعاني، فلا بد لكل منهما أن يكون واضح الدلالة.
قال الله تعالى: «خلق الإنسان، علمه البيان 55: 3- 4» [1] وهو يشتمل بيان الأدلة كلها. فالخط المجود كماله أن تكون دلالته واضحة، بإبانة حروفه المتواضعة وإجادة وضعها ورسمها كل واحد على حدة متميز عن الآخر. إلا ما اصطلح عليه الكتاب من إيصال حرف الكلمة الواحدة بعضها ببعض. سوى حروف اصطلحوا على قطعها، مثل الألف المتقدمة في الكلمة، وكذا الراء والزاي والدال والذال وغيرها، بخلاف ما إذا كانت متأخرة، وهكذا إلى آخرها. ثم إن المتأخرين من الكتاب اصطلحوا على وصل كلمات، بعضها ببعض، وحذف حروف معروفة عندهم، لا يعرفها إلا أهل مصطلحهم فتستعجم على غيرهم وهؤلاء كتاب دواوين السلطان وسجلات القضاة، كأنهم انفردوا بهذا الاصطلاح عن غيرهم، لكثرة موارد الكتابة عليهم، وشهرة كتابتهم وإحاطة كثير من دونهم بمصطلحهم فإن كتبوا ذلك لمن لا خبرة له بمصطلحهم فينبغي أن يعدلوا عن ذلك إلى البيان ما استطاعوه، وإلا كان بمثابة الخط الأعجمي، لأنهما بمنزلة واحدة من عدم التواضع عليه. وليس بعذر في هذا القدر، إلا كتاب الأعمال السلطانية في الأموال والجيوش، لأنهم مطلوبون بكتمان ذلك عن الناس فإنه من الأسرار السلطانية التي يجب إخفاؤها، فيبالغون في رسم اصطلاح خاص بهم، ويصير بمثابة المعمى. وهو الاصطلاح على العبارة عن الحروف بكلمات من أسماء الطيب والفواكه والطيور والأزاهير، ووضع أشكال أخرى غير أشكال الحروف المتعارفة يصطلح عليها المتخاطبون لتأدية ما في ضمائرهم بالكتابة. وربما وضع الكتاب للعثور على ذلك، وإن لم يضعوه أولا، قوانين بمقاييس استخرجوها لذلك بمداركهم يسمونها فك المعمى. وللناس في ذلك دواوين مشهورة. والله العليم الحكيم.
** الفصل الحادي والثلاثون في صناعة الوراقة **
كانت العناية قديما بالدواوين العلمية والسجلات في نسخها وتجليدها وتصحيحها بالرواية والضبط. وكان سبب ذلك ما وقع من ضخامة الدولة وتوابع الحضارة. وقد ذهب ذلك لهذا العهد بذهاب الدولة وتناقص العمران بعد أن كان منه في الملة الإسلامية بحر زاخر بالعراق والأندلس إذ هو كله من توابع العمران واتساع نطاق الدولة ونفاق أسواق ذلك لديهما. فكثرت التآليف العلمية والدواوين وحرص الناس على تناقلهما في الآفاق والأعصار فانتسخت وجلدت.
وجاءت صناعة الوراقين المعانين للانتساخ والتصحيح والتجليد وسائر الأمور الكتبية والدواوين واختصت بالأمصار العظيمة العمران. وكانت السجلات أولا:
لانتساخ العلوم وكتب الرسائل السلطانية والإقطاعات، والصكوك في الرقوق المهيأة بالصناعة من الجلد لكثرة الرفه وقلة التآليف صدر الملة كما نذكره، وقلة الرسائل السلطانية والصكوك مع ذلك فاقتصروا على الكتاب في الرق تشريفا للمكتوبات وميلا بها إلى الصحة والإتقان. ثم طما بحر التآليف والتدوين وكثر ترسيل السلطان وصكوكه وضاق الرق عن ذلك. فأشار الفضل بن يحيى بصناعة الكاغد وصنعه وكتب فيه رسائل السلطان وصكوكه. واتخذه الناس من بعده صحفا لمكتوباتهم السلطانية والعلمية. وبلغت الإجادة في صناعته ما شاءت. ثم وقفت عناية أهل العلوم وهمم أهل الدول على ضبط الدواوين العلمية وتصحيحها بالرواية المسندة إلى مؤلفيها وواضعيها لأنه الشأن الأهم من التصحيح والضبط فبذلك تسند الأقوال إلى قائلها والفتيا إلى الحاكم بها المجتهد في طريق استنباطها. وما لم يكن تصحيح المتون بإسنادها إلى مدونها فلا يصح إسناد قول لهم ولا فتيا. وهكذا كان شأن أهل العلم وحملته في العصور والأجيال والآفاق.
حتى لقد قصرت فائدة الصناعة الحديثية في الرواية على هذه فقط إذ ثمرتها الكبرى من معرفة صحيح الأحاديث وحسنها ومسندها ومرسلها ومقطوعها وموقوفها من موضوعها قد ذهبت وتمخضت زبدة في ذلك [1] الأمهات المتلقاة بالقبول عند الأمة. وصار القصد إلى ذلك لغوا من العمل. ولم تبق ثمرة الرواية والاشتغال بها إلا في تصحيح تلك الأمهات الحديثية وسواها من كتب الفقه للفتيا، وغير ذلك من الدواوين والتآليف العلمية، واتصال سندها بمؤلفيها ليصح النقل عنهم، والإسناد إليهم. وكانت هذه الرسوم بالمشرق والأندلس معبدة الطرق واضحة المسالك. ولهذا نجد الدواوين المنتسخة لذلك العهد في أقطارهم على غاية من الإتقان والإحكام والصحة. ومنها لهذا العهد بأيدي الناس في العالم أصول عتيقة تشهد ببلوغ الغاية لهم في ذلك. وأهل الآفاق يتناقلونها إلى الآن ويشدون عليها يد الضنانة ولقد ذهبت هذه الرسوم لهذا العهد جملة بالمغرب وأهله لانقطاع صناعة الخط والضبط والرواية منه بانتقاص عمرانه وبداوة أهله وصارت الأمهات والدواوين تنسخ بالخطوط اليدوية تنسخها طلبة البربر صحائف مستعجمة برداءة الخط وكثرة الفساد والتصحيف فتستغلق على متصفحها ولا يحصل منها فائدة إلا في الأقل النادر. وأيضا فقد دخل الخلل من ذلك في الفتيا فإن غالب الأقوال المعزوة غير مروية عن أئمة المذهب وإنما تتلقى من تلك الدواوين على ما هي عليه. وتبع ذلك أيضا ما يتصدى إليه بعض أئمتهم من التآليف لقلة بصرهم بصناعته وعدم الصنائع الوافية بمقاصده. ولم يبق من هذا الرسم بالأندلس إلا إثارة خفية بالامحاء [2] وهي الاضمحلال فقد كاد العلم ينقطع بالكلية من المغرب. والله غالب على أمره. ويبلغنا لهذا العهد أن صناعة الرواية قائمة بالمشرق وتصحيح الدواوين لمن يرومه بذلك سهل على مبتغيه لنفاق أسواق العلوم والصنائع كما نذكره بعد. إلا أن الخط الذي بقي من الإجادة
في الانتساخ هنالك إنما هو للعجم وفي خطوطهم. وأما النسخ بمصر ففسد كما فسد بالمغرب وأشد. والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق.
** الفصل الثاني والثلاثون في صناعة الغناء **
هذه الصناعة هي تلحين الأشعار الموزونة بتقطيع الأصوات على نسب منتظمة معروفة يوقع كل صوت منها توقيعا عند قطعه فيكون نغمة. ثم تؤلف تلك النغم بعضها إلى بعض على نسب متعارفة فيلذ سماعها لأجل ذلك التناسب وما يحدث عنه من الكيفية في تلك الأصوات. وذلك أنه تبين في علم الموسيقى أن الأصوات تتناسب، فيكون صوت نصف صوت وربع آخر وخمس آخر وجزء من أحد عشر من آخر واختلاف هذه النسب عند تأديتها إلى السمع بخروجها [1] من البساطة إلى التركيب وليس كل تركيب منها ملذوذا عند السماع بل للملذوذ تراكيب خاصة وهي التي حصرها أهل علم الموسيقى وتكلموا عليها كما هو مذكور في موضعه وقد يساوق ذلك التلحين في النغمات الغنائية بتقطيع أصوات أخرى من الجمادات إما بالقرع أو بالنفخ في الآلات تتخذ لذلك فترى لها [2] لذة عند السماع. فمنها لهذا العهد بالمغرب أصناف منها المزمار ويسمونه الشبابة وهي قصبة جوفاء بأبخاش في جوانبها معدودة ينفخ فيها فتصوت. فيخرج الصوت من جوفها على سداده من تلك الأبخاش ويقطع الصوت بوضع الأصابع من اليدين جميعا على تلك الأبخاش وضعا متعارفا حتى تحدث النسب بين الأصوات فيه وتتصل كذلك متناسبة فيلتذ السمع بإدراكها للتناسب الذي
ذكرناه. ومن جنس هذه الآلة المزمار الذي يسمى الزلامي وهو شكل القصبة منحوتة الجانبين من الخشب جوفاء من غير تدوير لأجل ائتلافها من قطعتين منفردتين [1] كذلك بأبخاش معدودة ينفخ فيها بقصبة صغيرة توصل فينفذ النفخ بواسطتها إليها وتصوت بنغمة حادة يجرى فيها من تقطيع الأصوات من تلك الأبخاش بالأصابع مثل ما يجري في الشبابة. ومن أحسن آلات الزمر لهذا العهد البوق وهو بوق من نحاس أجوف في مقدار الذراع يتسع إلى أن يكون انفراج مخرجه في مقدار دون الكف في شكل بري القلم. وينفخ فيه بقصبة صغيرة تؤدي الريح من الفم إليه فيخرج الصوت ثخينا دويا وفيه أبخاش أيضا معدودة. وتقطع نغمة منها كذلك بالأصابع على التناسب فيكون ملذوذا. ومنها آلات الأوتار وهي جوفاء كلها إما على شكل قطعة من الكرة مثل المربط [2] والرباب أو على شكل مربع كالقانون توضع الأوتار على بسائطها مشدودة في رأسها إلى دسر جائلة ليأتي شد الأوتار ورخوها عند الحاجة إليه بإدارتها. ثم تقرع الأوتار إما بعود آخر أو بوتر مشدود بين طرفي قوس يمر عليها بعد أن يطلى بالشمع والكندر. ويقطع الصوت فيه بتخفيف اليد في إمراره أو نقله من وتر إلى وتر. واليد اليسرى مع ذلك في جميع آلات الأوتار توقع بأصابعها على أطراف الأوتار فيما يقرع أو يحك بالوتر فتحدث الأصوات متناسبة ملذوذة. وقد يكون القرع في الطسوت بالقضبان أو في الأعواد بعضها ببعض على توقيع مناسب يحدث عنه التذاذ بالمسموع. ولنبين لك السبب في اللذة الناشئة عن الغناء. وذلك أن اللذة كما تقرر في موضعه هي إدراك الملائم والمحسوس إنما تدرك منه كيفية. فإذا كانت مناسبة للمدرك وملاءمة كانت ملذوذة، وإذا كانت منافية له منافرة كانت مؤلمة. فالملائم من الطعوم ما ناسبت كيفيته حاسة الذوق في مزاجها وكذا الملائم من الملموسات وفي الروائح ما ناسب مزاج الروح القلبي البخاري لأنه
المدرك وإليه تؤديه الحاسة. ولهذا كانت الرياحين والأزهار العطريات أحسن رائحة وأشد ملاءمة للروح لغلبة الحرارة فيها التي هي مزاج الروح القلبي. وأما المرئيات والمسموعات فالملائم فيها تناسب الأوضاع في أشكالها وكيفياتها فهو أنسب عند النفس وأشد ملاءمة لها. فإذا كان المرئي متناسبا في أشكاله وتخاطيطه التي له بحسب مادته بحيث لا يخرج عما تقتضيه مادته الخاصة من كمال المناسبة والوضع وذلك هو معنى الجمال والحسن في كل مدرك، كان ذلك حينئذ مناسبا للنفس المدركة فتلتذ بإدراك ملائمها، ولهذا تجد العاشقين المستهترين [1] في المحبة يعبرون عن غاية محبتهم وعشقهم بامتزاج أرواحهم بروح المحبوب. وفي هذا شر تفهمه إن كنت من أهله وهو اتحاد المبدإ وإن كان ما سواك إذا نظرته وتأملته رأيت بينك وبينه اتحادا في البداءة. يشهد لك به اتحاد كما في الكون ومعناه من وجه آخر أن الوجود يشرك بين الموجودات كما تقوله الحكماء. فتود أن يمتزج بمشاهدات [2] فيه الكمال لتتحد به، بل تروم النفس حينئذ الخروج عن الوهم إلى الحقيقة التي هي اتحاد المبدإ والكون. ولما كان أنسب الأشياء إلى الإنسان وأقربها إلى أن يدرك [3] الكمال في تناسب موضوعها هو شكله الإنساني فكان إدراكه للجمال والحسن في تخاطيطه وأصواته من المدارك التي هي أقرب إلى فطرته، فيلهج كل إنسان بالحسن من المرئي أو المسموع بمقتضى الفطرة. والحسن في المسموع أن تكون الأصوات متناسبة لا متنافرة. وذلك أن الأصوات لها كيفيات من الهمس والجهر والرخاوة والشدة والقلقلة والضغط وغير ذلك. والتناسب فيها هو الذي يوجب لها الحسن.
فأولا: أن لا يخرج من الصوت إلى مده دفعة بل بتدريج، ثم يرجع كذلك، وهكذا إلى المثل، بل لا بد من توسط المغاير بين الصوتين. وتأمل هذا من
افتتاح [1] أهل اللسان التراكيب من الحروف المتنافرة أو المتقاربة المخارج فإنه من بابه. وثانيا: تناسبها في الأجزاء كما مر أول الباب فيخرج من الصوت إلى نصفه أو ثلثه أو جزء من كذا منه، على حسب ما يكون التنقل متناسبا على ما حصره أهل الصناعة [2] . فإذا كانت الأصوات على تناسب في الكيفيات كما ذكره أهل تلك الصناعة كانت ملاءمة ملذوذة. ومن هذا التناسب ما يكون بسيطا ويكون الكثير من الناس مطبوعا عليه لا يحتاجون فيه إلى تعليم ولا صناعة كما نجد المطبوعين على الموازين الشعرية وتوقيع الرقص وأمثال ذلك.
وتسمي العامة هذه القابلية بالمضمار. وكثير من القراء بهذه المثابة يقرءون القرآن فيجيدون في تلاحين أصواتهم كأنها المزامير فيطربون بحسن مساقهم وتناسب نغماتهم. ومن هذا التناسب ما يحدث بالتركيب وليس كل الناس يستوي في معرفته ولا كل الطباع [3] توافق صاحبها في العمل به إذا علم. وهذا هو التلحين الذي يتكفل به علم الموسيقى كما نشرحه بعد عند ذكر العلوم. وقد أنكر مالك رحمه الله تعالى القراءة بالتلحين وأجازها الشافعي رضي الله تعالى عنه. وليس المراد تلحين الموسيقى الصناعي فإنه لا ينبغي أن يختلف في حظره إذ صناعة الغناء مباينة للقرآن بكل وجه لأن القراءة والأداء تحتاج إلى مقدار من الصوت لتعين أداء الحروف لا من حيث اتباع الحركات في مواضعها ومقدار المد عند من يطلقه أو يقصره، وأمثال ذلك. والتلحين أيضا يتعين له مقدار من الصوت لا تتم إلا به من أجل التناسب الذي قلناه في حقيقة التلحين. واعتبار أحدهما قد يخل بالآخر إذا تعارضا. وتقديم الرواية [4] متعين فرارا من تغيير الرواية المنقولة في القرآن، فلا يمكن اجتماع التلحين والأداء المعتبر في القرآن
بوجه وإنما مرادهم التلحين البسيط الذي يهتدي إليه صاحب المضمار بطبعه كما قدمناه فيردد أصواته ترديدا على نسب يدركها العالم بالغناء وغيره ولا ينبغي ذلك بوجه وإنما المراد من اختلافهم التلحين البسيط الذي يهتدي إليه صاحب المضمار بطبعه كما قدمناه، فيردد أصواته ترديدا على نسب يدركها العالم بالغناء وغيره، ولا ينبغي ذلك بوجه كما قاله مالك. هذا هو محل الخلاف. والظاهر تنزيه القرآن عن هذا كله كما ذهب إليه الإمام رحمه الله تعالى لأن القرآن محل خشوع بذكر الموت وما بعده وليس مقام التذاذ بإدراك الحسن من الأصوات. وهكذا كانت قراءة الصحابة رضي الله عنهم كما في أخبارهم. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود» فليس المراد به الترديد والتلحين إنما معناه حسن الصوت وأداء القراءة والإبانة في مخارج الحروف والنطق بها. وإذ قد ذكرنا معنى الغناء فاعلم أنه يحدث في العمران إذا توفر وتجاوز حد الضروري إلى الحاجي، ثم إلى الكمالي، وتفننوا فيه، فتحدث هذه الصناعة، لأنه لا يستدعيها إلا من فرغ من جميع حاجاته الضرورية والمهمة من المعاش والمنزل وغيره فلا يطلبها إلا الفارغون عن سائر أحوالهم تفننا في مذاهب الملذوذات. وكان في سلطان العجم قبل الملة منها بحر زاخر في أمصارهم ومدنهم. وكان ملوكهم يتخذون ذلك ويولعون به، حتى لقد كان لملوك الفرس اهتمام بأهل هذه الصناعة، ولهم مكان في دولتهم، وكانوا يحضرون مشاهدهم ومجامعهم ويغنون فيها. وهذا شأن العجم لهذا العهد في كل أفق من آفاقهم، ومملكة من ممالكهم. وأما العرب فكان لهم أولا فن الشعر يؤلفون فيه الكلام أجزاء متساوية على تناسب بينها في عدة حروفها المتحركة والساكنة. ويفصلون الكلام في تلك الأجزاء تفصيلا يكون كل جزء منها مستقلا بالإفادة، لا ينعطف على الآخر. ويسمونه البيت. فتلائم الطبع بالتجزئة أولا، ثم يتناسب الأجزاء في المقاطع والمبادئ، ثم بتأدية المعنى المقصود وتطبيق الكلام عليها. فلهجوا
به فامتاز من بين كلامهم بخط من الشرف ليس لغيره لأجل اختصاصه. بهذا التناسب. وجعلوه ديوانا لأخبارهم وحكمهم وشرفهم ومحكا لقرائحهم في إصابة المعاني وإجادة الأساليب. واستمروا على ذلك. وهذا التناسب الذي من أجل الأجزاء والمتحرك والساكن من الحروف قطرة من بحر من تناسب الأصوات كما هو معروف في كتب الموسيقى. إلا أنهم لم يشعروا بما سواه لأنهم حينئذ لم ينتحلوا علما ولا عرفوا صناعة. وكانت البداوة أغلب نحلهم. ثم تغنى الحداة منهم في حداء إبلهم والفتيان في فضاء خلواتهم فرجعوا الأصوات وترنموا. وكانوا يسمون الترنم إذا كان بالشعر غناء وإذا كان بالتهليل أو نوع القراءة تغييرا بالغين المعجمة والباء الموحدة. وعللها أبو إسحاق الزجاج بأنها تذكر بالغابر وهو الباقي أي بأحوال الآخرة. وربما ناسبوا في غنائهم بين النغمات مناسبة بسيطة كما ذكره ابن رشيق آخر كتاب العمدة وغيره. وكانوا يسمونه السناد. وكان أكثر ما يكون منهم في الخفيف الذي يرقص عليه ويمشى بالدف والمزمار فيضطرب ويستخف الحلوم. وكانوا يسمون هذا الهزج وهذا البسيط كله من التلاحين هو من أوائلها ولا يبعد أن تتفطن له الطباع من غير تعليم شأن البسائط كلها من الصنائع. ولم يزل هذا شأن العرب في بداوتهم وجاهليتهم. فلما جاء الإسلام واستولوا على ممالك الدنيا وحازوا سلطان العجم وغلبوهم عليه وكانوا من البداوة والغضاضة على الحال التي عرفت لهم مع غضارة الدين وشدته في ترك أحوال الفراغ وما ليس بنافع في دين ولا معاش فهجروا ذلك شيئا ما. ولم يكن الملذوذ عندهم إلا ترجيع القراءة [1] والترنم بالشعر الذي هو ديدنهم ومذهبهم.
فلما جاءهم الترف وغلب عليهم الرفه بما حصل لهم من غنائم الأمم صاروا إلى نضارة العيش ورقة الحاشية واستحلاء الفراغ. وافترق المغنون من الفرس والروم فوقعوا إلى الحجاز وصاروا موالي للعرب وغنوا جميعا بالعيدان والطنابير
والمعازف والمزامير وسمع العرب تلحينهم للأصوات فلحنوا عليها أشعارهم. وظهر بالمدينة نشيط الفارسي وطويس وسائب بن جابر [1] مولى عبيد الله بن جعفر فسمعوا شعر العرب ولحنوه وأجادوا فيه وطار لهم ذكر. ثم أخذ عنهم معبد وطبقته وابن شريح [2] وأنظاره. وما زالت صناعة الغناء تتدرج إلى أن كملت أيام بني العباس عند إبراهيم بن المهدي وإبراهيم الموصلي وابنه إسحاق وابنه حماد.
وكان من ذلك في دولتهم ببغداد ما تبعه الحديث بعده به وبمجالسه لهذا العهد وأمعنوا في اللهو واللعب واتخذت آلات الرقص في الملبس والقضبان والأشعار التي يترنم بها عليه. وجعل صنفا وحده واتخذت آلات أخرى للرقص تسمى بالكرج [3] وهي تماثيل خيل مسرجة من الخشب معلقة بأطراف أقبية يلبسها النسوان ويحاكين بها امتطاء الخيل فيكرون ويفرون ويتثاقفون [4] وأمثال ذلك من اللعب المعد للولائم والأعراس وأيام الأعياد ومجالس الفراغ واللهو. وكثر ذلك ببغداد وأمصار العراق وانتشر منها إلى غيرها. وكان للموصليين غلام اسمه زرياب أخذ عنهم الغناء فأجاد فصرفوه إلى المغرب غيرة منه فلحق بالحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل أمير الأندلس. فبالغ في تكرمته وركب للقائه وأسنى له الجوائز والإقطاعات والجرايات وأحله من دولته وندمائه بمكان.
فأورث بالأندلس من صناعة الغناء ما تناقلوه إلى أزمان الطوائف. وطما منها بأشبيلية بحر زاخر وتناقل منها بعد ذهاب غضارتها إلى بلاد العدوة بإفريقية والمغرب. وانقسم على أمصارها وبها الآن منها صبابة على تراجع عمرانها وتناقص دولها. وهذه الصناعة آخر ما يحصل في العمران من الصنائع لأنها كمالية في غير وظيفة من الوظائف إلا وظيفة الفراغ والفرح. وهو أيضا أول ما ينقطع من العمران عند اختلاله وتراجعه. والله أعلم.
** الفصل الثالث والثلاثون في أن الصنائع تكسب صاحبها عقلا وخصوصا الكتابة والحساب **
قد ذكرنا في الكتاب أن النفس الناطقة للإنسان إنما توجد فيه بالقوة. وأن خروجها من القوة إلى الفعل إنما هو بتجدد العلوم والإدراكات عن المحسوسات أولا، ثم ما يكتسب بعدها بالقوة النظرية إلى أن يصير إدراكا بالفعل وعقلا محضا فتكون ذاتا روحانية ويستكمل حينئذ وجودها. فوجب لذلك أن يكون كل نوع من العلم والنظر يفيدها عقلا فريدا [1] والصنائع أبدا يحصل عنها وعن ملكتها قانون علمي مستفاد من تلك الملكة. فلهذا كانت الحنكة في التجربة تفيد عقلا والحضارة الكاملة تفيد عقلا لأنها مجتمعة من صنائع في شأن تدبير المنزل ومعاشرة أبناء الجنس وتحصيل الآداب في مخالطتهم ثم القيام بأمور الدين واعتبار آدابها وشرائطها. وهذه كلها قوانين تنتظم علوما فيحصل منها زيادة عقل. والكتابة من بين الصنائع أكثر إفادة لذلك لأنها تشتمل على العلوم والأنظار بخلاف الصنائع. وبيانه أن في الكتابة انتقالا من الحروف الخطية إلى الكلمات اللفظية في الخيال ومن الكلمات اللفظية في الخيال إلى المعاني التي في النفس فهو ينتقل أبدا من دليل إلى دليل، ما دام ملتبسا بالكتابة وتتعود النفس ذلك دائما. فيحصل لها ملكة الانتقال من الأدلة إلى المدلولات وهو معنى النظر العقلي الذي يكسب [2] العلوم المجهولة فيكسب بذلك ملكة من التعقل تكون زيادة عقل ويحصل به قوة [3] فطنة وكيس في الأمور لما تعودوه من ذلك الانتقال. ولذلك قال كسرى في كتابه لما رآهم بتلك الفطنة والكيس فقال:
«ديوانه أي شياطين وجنون. قالوا: وذلك أصل اشتقاق الديوان لأهل الكتابة
ويلحق بذلك الحساب فإن في صناعة الحساب نوع تصرف في العدد بالضم والتفريق يحتاج فيه إلى استدلال كثير فيبقى متعودا للاستدلال والنظر وهو معنى العقل. والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، لعلكم تشكرون 16: 78.
** الباب السادس من الكتاب الأول في العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه وما يعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه مقدمة ولواحق **
فالمقدمة في الفكر الإنساني، الذي تميز به البشر عن الحيوانات واهتدى به لتحصيل معاشه والتعاون عليه بأبناء جنسه والنظر في معبوده، وما جاءت به الرسل من عنده، فصار جميع الحيوانات في طاعته وملك قدرته وفضله به على كثير خلقه.
** الفصل الأول في أن العلم والتعليم طبيعي في العمران البشري **
وذلك أن الإنسان قد شاركته جميع الحيوانات في حيوانيته من الحس والحركة والغذاء والكن وغير ذلك. وإنما تميز عنها بالفكر الذي يهتدي به لتحصيل معاشه والتعاون عليه بأبناء جنسه والاجتماع المهيء لذلك التعاون
وقبول ما جاءت به الأنبياء عن الله تعالى والعمل به واتباع صلاح أخراه. فهو منكر في ذلك كله دائما لا يفتر عن الفكر فيه طرفة عين بل اختلاج الفكر أسرع من لمح البصر. وعن هذا الفكر تنشأ العلوم وما قدمناه من الصنائع. ثم لأجل هذا الفكر وما جبل عليه الإنسان بل الحيوان من تحصيل ما تستدعيه الطباع فيكون الفكر راغبا في تحصيل ما ليس عنده من الإدراكات فيرجع إلى من سبقه بعلم أو زاد عليه بمعرفة أو إدراك أو أخذه ممن تقدمه من الأنبياء الذين يبلغونه لمن تلقاه فيلقن ذلك عنهم ويحرص على أخذه وعلمه. ثم إن فكره ونظره يتوجه إلى واحد واحد من الحقائق وينظر ما يعرض له لذاته واحدا بعد آخر ويتمرن على ذلك حتى يصير إلحاق العوارض بتلك الحقيقة ملكة له فيكون حينئذ علمه بما يعرض لتلك الحقيقة علما مخصوصا. وتتشوف نفوس أهل الجيل الناشئ إلى تحصيل ذلك فيفزعون إلى أهل معرفته ويجيء التعليم من هذا. فقد تبين بذلك أن العلم والتعليم طبيعي في البشر. والله أعلم.
** الفصل الثاني في أن التعليم للعلم من جملة الصنائع **
وذلك أن الحذق في العلم والتفنن فيه والاستيلاء عليه إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله.
وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق في ذلك الفن المتناول حاصلا. وهذه الملكة هي في غير الفهم والوعي. لأنا نجد فهم المسألة الواحدة من الفن الواحد ووعيها مشتركا بين من شدا في ذلك الفن وبين من هو مبتدئ فيه وبين العامي الذي لم يعرف [1] علما وبين العالم النحرير. والملكة إنما هي للعالم أو الشادي في الفنون دون من سواهما فدل على أن هذه الملكة غير الفهم والوعي. والملكات
كلها جسمانية سواء كانت في البدن أو في الدماغ من الفكر وغيره كالحساب.
والجسمانيات كلها محسوسة فتفتقر إلى التعليم. ولهذا كان السند في التعليم في كل علم أو صناعة يفتقر إلى مشاهير المعلمين فيها معتبرا عند كل أهل أفق وجيل.
ويدل أيضا على أن تعليم العلم صناعة اختلاف الاصطلاحات فيه. فلكل إمام من الأئمة المشاهير اصطلاح في التعليم يختص به شأن الصنائع كلها فدل على أن ذلك الاصطلاح ليس من العلم، وإذ لو كان من العلم لكان واحدا عند جميعهم. ألا ترى إلى علم الكلام كيف تخالف في تعليمه اصطلاح المتقدمين والمتأخرين وكذا أصول الفقه وكذا العربية وكذا كل علم يتوجه [1] إلى مطالعته تجد الاصطلاحات في تعليمه متخالفة فدل على أنها صناعات في التعليم. والعلم واحد في نفسه. وإذا تقرر ذلك فاعلم أن سند تعليم العلم لهذا العهد قد كاد ينقطع عن أهل المغرب باختلال عمرانه وتناقص الدول فيه. وما يحدث عن ذلك من نقص الصنائع وفقدانها كما مر. وذلك أن القيروان وقرطبة كانتا حاضرتي المغرب والأندلس واستبحر عمرانهما وكان فيهما للعلوم والصنائع أسواق نافقة وبحور زاخرة. ورسخ فيهما التعليم لامتداد عصورهما وما كان فيهما من الحضارة. فلما خربتا انقطع التعليم من [2] المغرب إلا قليلا كان في دولة الموحدين بمراكش مستفادا منها.
ولم ترسخ الحضارة بمراكش لبداوة الدولة الموحدية في أولها وقرب عهد انقراضها بمبدئها فلم تتصل أحوال الحضارة فيها إلا في الأقل. وبعد انقراض الدولة بمراكش ارتحل إلى المشرق من إفريقية القاضي أبو القاسم بن زيتون لعهد أواسط المائة السابعة فأدرك تلميذ الإمام ابن الخطيب فأخذ عنهم ولقن تعليمهم.
وحذق في العقليات والنقليات ورجع إلى تونس بعلم كثير وتعليم حسن. وجاء على أثره من المشرق أبو عبد الله بن شعيب الدكالي. كان ارتحل إليه من المغرب فأخذ عن مشيخة مصر ورجع إلى تونس واستقر بها وكان تعليمه مفيدا فأخذ عنهما