Islam · Chronicles · Kitab al-Tabaqat al-Kabir
- ذكر عدد مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه وأسمائها وتواريخها، وجمل ما كان في كل غزاة وسرية منها
Kitab al-Tabaqat al-Kabir · Ibn Sa'd (d. 845) · chapter 123 of 237
1560- أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، أخبرنا عمر بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي، وموسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، ومحمد بن عبد الله بن مسلم ابن أخي الزهري، وموسى بن يعقوب بن عبد الله بن وهب بن ربيعة بن الأسود، وعبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة الزهري، ويحيى بن عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري، وربيعة بن عثمان بن عبد الله بن الهدير التيمي، وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهلي، وعبد الحميد بن جعفر الحكمي، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، ومحمد بن صالح التمار. قال محمد بن سعد (ح) وأخبرني رويم بن يزيد المقرئ، قال: أخبرنا هارون بن أبي عيسى، عن محمد بن إسحاق (ح) وأخبرني حسين بن محمد، عن أبي معشر (ح) وأخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس المدني، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: كان عدد مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم التي غزا بنفسه سبعا وعشرين غزوة، وكانت سراياه التي بعث بها سبعا وأربعين سرية، وكان ما قاتل فيه من المغازي تسع غزوات: بدر القتال، وأحد، والمريسع، والخندق، وقريظة، وخيبر، وفتح مكة، وحنين، والطائف، فهذا ما اجتمع لنا عليه.
1561- وفي بعض روايتهم؛ أنه قاتل في بني النضير، لكن الله جعلها له نفلا خاصة، وقاتل في غزوة وادي القرى منصرفه من خيبر، وقتل بعض أصحابه، وقاتل في الغابة.
1562- قالوا: وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، حين هاجر من مكة يوم الاثنين، لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول، وهو المجتمع عليه. وقد روى بعضهم: أنه قدم لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، فكان أول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم لحمزة بن عبد المطلب بن هاشم في شهر رمضان، على رأس سبعة أشهر من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء أبيض، فكان الذي حمله أبو مرثد كناز بن الحصين الغنوي، حليف حمزة بن عبد المطلب، وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثين رجلا من المهاجرين.
1563- قال بعضهم: كانوا شطرين من المهاجرين والأنصار، والمجتمع عليه أنهم كانوا جميعا من المهاجرين، ولم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا من الأنصار مبعثا حتى غزا بهم بدرا، وذلك أنهم شرطوا له أنهم يمنعونه في دارهم، وهذا الثبت عندنا.
1564- وخرج حمزة يعترض لعير قريش قد جاءت من الشام تريد مكة, وفيها أبو جهل بن هشام, في ثلاثمائة رجل، فبلغوا سيف البحر, يعني ساحله من ناحية العيص, فالتقوا حتى اصطفوا للقتال، فمشى مجدي بن عمرو الجهني، وكان حليفا للفريقين جميعا, إلى هؤلاء مرة, وإلى هؤلاء مرة, حتى حجز بينهم, ولم يقتتلوا (1), فتوجه أبو جهل في أصحابه وعيره إلى مكة, وانصرف حمزة بن عبد المطلب في أصحابه إلى المدينة.
** - سرية عبيدة بن الحارث **
1565- ثم سرية عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف إلى بطن رابغ في شوال, على رأس ثمانية أشهر من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم, عقد له لواء أبيض, كان الذي حمله مسطح بن أثاثة بن المطلب بن عبد مناف, بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ستين رجلا من المهاجرين, ليس فيهم أنصاري, فلقي أبا سفيان بن حرب وهو في مئتين من أصحابه, وهو على ماء يقال له: أحياء من بطن رابغ, على عشرة أميال من الجحفة، وأنت تريد قديدا عن يسار الطريق، وإنما نكبوا عن الطريق ليرعوا ركابهم.
فكان بينهم الرمي ولم يسلوا السيوف، ولم يصطفوا للقتال، وإنما كانت بينهم المناوشة إلا أن سعد بن أبي وقاص قد رمي يومئذ بسهم, فكان أول سهم رمي به في الإسلام، ثم انصرف الفريقان على حاميتهم.
وفي رواية ابن إسحاق: أنه كان على القوم عكرمة بن أبي جهل.
** - سرية سعد بن أبي وقاص **
1566- ثم سرية سعد بن أبي وقاص إلى الخرار في ذي القعدة, على رأس تسعة أشهر من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم, عقد له لواء أبيض حمله المقداد بن عمرو البهراني, وبعثه في عشرين رجلا من المهاجرين, يعترض لعير قريش تمر به، وعهد إليه أن لا يجاوز الخرار، والخرار حين تروح من الجحفة إلى مكة آبار عن يسار المحجة قريب من خم، قال سعد: فخرجنا على أقدامنا, فكنا نكمن النهار ونسير الليل, حتى صبحناها صبح خمس، فنجد العير قد مرت بالأمس, فانصرفنا إلى المدينة.
** - غزوة الأبواء **
1567- ثم غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأبواء في صفر على رأس اثني عشر شهرا من مهاجره, وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب, وكان لواء أبيض واستخلف على المدينة سعد بن عبادة، وخرج في المهاجرين ليس فيهم أنصاري, حتى بلغ الأبواء يعترض لعير قريش, فلم يلق كيدا وهي غزوة ودان، وكلاهما قد ورد، وبينهما ستة أميال وهي أول غزوة غزاها بنفسه.
وفي هذه الغزوة وادع مخشي بن عمرو الضمري، وكان سيدهم في زمانه على أن لا يغزو بني ضمرة ولا يغزوه ولا يكثروا عليه جمعا, ولا يعينوا عدوا, وكتب بينه وبينهم كتابا، وضمرة من بني كنانة، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وكانت غيبته خمس عشرة ليلة.
1568- أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس، أخبرنا كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جده, قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أول غزوة غزاها الأبواء.
** - غزوة بواط **
1569- ثم غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بواط في شهر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا من مهاجره, وحمل لواءه سعد بن أبي وقاص, وكان لواء أبيض, واستخلف على المدينة سعد بن معاذ, وخرج في مئتين من أصحابه يعترض لعير قريش فيها أمية بن خلف الجمحي, ومائة رجل من قريش, وألفان وخمسمائة بعير, فبلغ بواط وهي جبال من جبال جهينة, من ناحية رضوى, وهي قريب من ذي خشب مما يلي طريق الشام، وبين بواط والمدينة نحو من أربعة برد، فلم يلق رسول الله صلى الله عليه وسلم كيدا، فرجع إلى المدينة.
** - غزوة طلب كرز بن جابر الفهري **
1570- ثم غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لطلب كرز بن جابر الفهري في شهر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا من مهاجره, وحمل لواءه علي بن أبي طالب, وكان لواء أبيض، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة، وكان كرز بن جابر قد أغار على سرح المدينة فاستاقه، وكان يرعى بالجماء، والسرح: ما رعوا من نعمهم، والجماء: جبل ناحية العقيق إلى الجرف, بينه وبين المدينة ثلاثة أميال، فطلبه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ واديا يقال له: سفوان من ناحية بدر وفاته كرز بن جابر فلم يلحقه، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.
** - غزوة ذي العشيرة **
1571- ثم غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا العشيرة في جمادى الآخرة على رأس ستة عشر شهرا من مهاجره، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب، وكان لواء أبيض، واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي, وخرج في خمسين ومائة، ويقال: في مئتين من المهاجرين ممن انتدب، ولم يكره أحدا على الخروج، وخرجوا على ثلاثين بعيرا يعتقبونها، خرج يعترض لعير قريش حين أبدأت إلى الشام, وكان قد جاءه الخبر بفصولها من مكة فيها أموال قريش, فبلغ ذا العشيرة, وهي لبني مدلج بناحية ينبع, وبين ينبع والمدينة تسعة برد، فوجد العير التي خرج لها قد مضت قبل ذلك بأيام, وهي العير التي خرج لها أيضا يريدها حين رجعت من الشام, فساحلت على البحر، وبلغ قريشا خبرها فخرجوا يمنعونها، فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر, فواقعهم وقتل منهم من قتل، وبذي العشيرة كنى رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أبا تراب، وذلك أنه رآه نائما متمرغا في البوغاء, فقال: اجلس أبا تراب, فجلس، وفي هذه الغزوة وادع بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة, ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا.
** - سرية عبد الله بن جحش الأسدي **
1572- ثم سرية عبد الله بن جحش الأسدي إلى نخلة في رجب, على رأس سبعة عشر شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعثه في اثني عشر رجلا من المهاجرين, كل اثنين يعتقبان بعيرا إلى بطن نخلة، وهو بستان ابن عامر الذي قرب مكة, وأمره أن يرصد بها عير قريش, فوردت عليه فهابهم أهل العير، وأنكروا أمرهم، فحلق عكاشة بن محصن الأسدي رأسه, حلقه عامر بن ربيعة ليطمئن القوم، فأمنوا وقالوا: هم عمار, لا بأس عليكم منهم, فسرحوا ركابهم وصنعوا طعاما, وشكوا في ذلك اليوم أهو من الشهر الحرام أم لا؟ ثم تشجعوا عليهم، فقاتلوهم، فخرج واقد بن عبد الله التميمي يقدم المسلمين، فرمى عمرو بن الحضرمي، فقتله وشد المسلمون عليهم, فاستأسر عثمان بن عبد الله بن المغيرة والحكم بن كيسان, وأعجزهم نوفل بن عبد الله بن المغيرة، واستاقوا العير، وكان فيها خمر وأدم وزبيب جاءوا به من الطائف, فقدموا بذلك كله على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوقفه وحبس الأسيرين، وكان الذي أسر الحكم بن كيسان المقداد بن عمرو, فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فأسلم, وقتل ببئر معونة شهيدا.
1573- وكان سعد بن أبي وقاص زميل عتبة بن غزوان على بعير لعتبة في هذه السرية، فضل البعير بحران, وهي ناحية معدن بني سليم، فأقاما عليه يومين يبغيانه، ومضى أصحابهم إلى نخلة, فلم يشهدها سعد وعتبة، وقدما المدينة بعدهم بأيام، ويقال: إن عبد الله بن جحش لما رجع من نخلة خمس ما غنم, وقسم بين أصحابه سائر الغنائم، فكان أول خمس خمس في الإسلام.
1574- ويقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف غنائم نخلة حتى رجع من بدر، فقسمها مع غنائم بدر، وأعطى كل قوم حقهم، وفي هذه السرية سمي عبد الله بن جحش أمير المؤمنين.
** - غزوة بدر **
1575- ثم غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر القتال، ويقال: بدر الكبرى، قالوا: لما تحين رسول الله صلى الله عليه وسلم انصراف العير من الشام التي كان خرج لها يريدها حتى بلغ ذا العشيرة, بعث طلحة بن عبيد الله التيمي، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل يتحسسان خبر العير، فبلغا النخبار من أرض الحوراء، فنزلا على كشد الجهني، فأجارهما وأنزلهما، وكتم عليهما حتى مرت العير، ثم خرجا وخرج معهما كشد خفيرا حتى أوردهما ذا المروة، وساحلت العير وأسرعت, فساروا بالليل والنهار فرقا من الطلب، فقدم طلحة، وسعيد المدينة ليخبرا رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر العير, فوجداه قد خرج، وكان قد ندب المسلمين للخروج معه وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم لعل الله أن يغنمكموها، فأسرع من أسرع إلى ذلك, وأبطأ عنه بشر كثير. وكان من تخلف لم يلم، لأنهم لم يخرجوا على قتال، إنما خرجوا للعير.
فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، على رأس تسعة عشر شهرا من مهاجره، وذلك بعد ما وجه طلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد بعشر ليال، وخرج من خرج معه من المهاجرين، وخرجت معه الأنصار في هذه الغزاة، ولم يكن غزا بأحد منهم قبل ذلك.
وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عسكره ببئر أبي عنبة، وهي على ميل من المدينة, فعرض أصحابه ورد من استصغر, وخرج في ثلاثمائة رجل وخمسة نفر، كان المهاجرون منهم أربعة وسبعين رجلا، وسائرهم من الأنصار, وثمانية تخلفوا لعلة ضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهامهم وأجورهم, ثلاثة من المهاجرين: عثمان بن عفان خلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكانت مريضة, فأقام عليها حتى ماتت، وطلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد, بعثهما يتحسسان خبر العير، وخمسة من الأنصار: أبو لبابة بن عبد المنذر خلفه على المدينة، وعاصم بن عدي العجلاني خلفه على أهل العالية، والحارث بن حاطب العمري رده من الروحاء إلى بني عمرو بن عوف لشيء بلغه عنهم، والحارث بن الصمة كسر بالروحاء، وخوات بن جبير كسر أيضا، فهؤلاء ثمانية لا اختلاف فيهم عندنا, وكلهم مستوجب, وكانت الإبل سبعين بعيرا يتعاقب النفر البعير, وكانت الخيل فرسين: فرس للمقداد بن عمرو, وفرس لمرثد بن أبي مرثد الغنوي.
وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمامه عينين له إلى المشركين, يأتيانه بخبر عدوه, وهما: بسبس بن عمرو، وعدي بن أبي الزغباء, وهما من جهينة, حليفان للأنصار, فانتهيا إلى ماء بدر, فعلما الخبر، ورجعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان بلغ المشركين بالشام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرصد انصرافهم, فبعثوا ضمضم بن عمرو حين فصلوا من الشام إلى قريش بمكة يخبرونهم بما بلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ويأمرونهم أن يخرجوا فيمنعوا عيرهم.
فخرج المشركون من أهل مكة سراعا ومعهم القيان، والدفوف, وأقبل أبو سفيان بن حرب بالعير, وقد خافوا خوفا شديدا حين دنوا من المدينة, واستبطئوا ضمضما والنفير, حتى ورد بدرا وهو خائف من الرصد، فقال لمجدي بن عمرو: هل أحسست أحدا من عيون محمد؟ فإنه والله ما بمكة من قرشي ولا قرشية له نش فصاعدا إلا قد بعث به معنا، فقال مجدي: والله ما رأيت أحدا أنكره إلا راكبين أتيا إلى هذا المكان وأشار له إلى مناخ عدي, وبسبس، فجاء أبو سفيان فأخذ أبعارا من بعيريهما, ففته فإذا فيه نوى، فقال: علائف يثرب، هذه عيون محمد، فضرب وجوه العير, فساحل بها وترك بدرا يسارا، وانطلق سريعا.
وأقبلت قريش من مكة، فأرسل إليهم أبو سفيان بن حرب قيس بن امرىء القيس يخبرهم أنه قد أحرز العير ويأمرهم بالرجوع، فأبت قريش أن ترجع, وردوا القيان من الجحفة، ولحق الرسول أبا سفيان بالهدة, وهي على سبعة أميال من عسفان إذا رحت من مكة عن يسار الطريق, وسكانها بنو ضمرة, وناس من خزاعة، فأخبره بمضي قريش، فقال: واقوماه هذا عمل عمرو بن هشام, يعني أبا جهل بن هشام وقال: والله لا نبرح حتى نرد بدرا.
وكانت بدر موسما من مواسم الجاهلية يجتمع بها العرب بها سوق، وبين بدر والمدينة ثمانية برد وميلان وكان الطريق الذي سلكه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر على الروحاء, وبين الروحاء والمدينة أربعة أيام, ثم بريد بالمنصرف، ثم بريد بذات أجدال، ثم بريد بالمعلاة, وهي خيف السلم، ثم بريد بالأثيل، ثم ميلان إلى بدر، وكانت قريش قد أرسلت فرات بن حيان العجلي، وكان مقيما بمكة حين فصلت قريش من مكة إلى أبي سفيان يخبره بمسيرها وفصولها, فخالف أبا سفيان في الطريق، فوافى المشركين بالجحفة, فمضى معهم, فجرح يوم بدر جراحات وهرب على قدميه, ورجعت بنو زهرة من الجحفة، أشار عليهم بذلك الأخنس بن شريق الثقفي, وكان حليفا لهم, وكان فيهم مطاعا, وكان اسمه أبي, فلما رجع ببني زهرة قيل: خنس بهم, فسمي الأخنس.
وكان بنو زهرة يومئذ مائة رجل، وقال بعضهم: بل كانوا ثلاثمائة رجل.
وكانت بنو عدي بن كعب مع النفير، فلما بلغوا ثنية لفت عدلوا في السحر إلى الساحل منصرفين إلى مكة، فصادفهم أبو سفيان بن حرب، فقال: يا بني عدي، كيف رجعتم لا في العير ولا في النفير؟ فقالوا: أنت أرسلت إلى قريش أن ترجع، ويقال: بل لقيهم بمر الظهران, فلم يشهد بدرا من المشركين أحد من بني زهرة, ولا من بني عدي، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم, حتى إذا كان دون بدر أتاه الخبر بمسير قريش, فأخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه واستشارهم، فقال المقداد بن عمرو البهراني: والذي بعثك بالحق، لو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك حتى ننتهي إليه, ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشيروا علي, وإنما يريد الأنصار، فقام سعد بن معاذ، فقال: أنا أجيب عن الأنصار، كأنك يا رسول الله تريدنا؟ قال: أجل، قال: فامض يا نبي الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما بقي منا رجل واحد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيروا على بركة الله، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، فوالله لكأني أنظر إلى مصارع القوم، وعقد رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ الألوية, وكان لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ الأعظم لواء المهاجرين مع مصعب بن عمير، ولواء الخزرج مع الحباب بن المنذر، ولواء الأوس مع سعد بن معاذ، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شعار المهاجرين: يا بني عبد الرحمن، وشعار الخزرج: يا بني عبد الله، وشعار الأوس يا بني عبيد الله، ويقال: بل كان شعار المسلمين جميعا يومئذ: يا منصور أمت.
وكان مع المشركين ثلاثة ألوية: لواء مع أبي عزيز بن عمير، ولواء مع النضر بن الحارث، ولواء مع طلحة بن أبي طلحة، وكلهم من بني عبد الدار. ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم أدنى بدر عشاء ليلة جمعة, لسبع عشرة مضت من شهر رمضان, فبعث عليا, والزبير, وسعد بن أبي وقاص, وبسبس بن عمرو يتحسسون خبر المشركين على الماء، فوجدوا روايا قريش فيها سقاؤهم فأخذوهم. وبلغ قريشا خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه قد أخذ سقاءهم، فماج العسكر وأتي بالسقاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: أين قريش؟ فقالوا: خلف هذا الكثيب الذي ترى، قال: كم هم؟ قالوا: كثير، قال: كم عددهم؟ قالوا: لا ندري، قال: كم ينحرون؟ قالوا: يوما عشرا، ويوما تسعا، فقال صلى الله عليه وسلم: القوم ما بين الألف والتسعمائة، فكانوا تسعمائة وخمسين إنسانا، وكانت خيلهم مائة فرس. وقال الحباب بن المنذر: يا رسول الله, إن هذا المكان الذي أنت به ليس بمنزل، انطلق بنا إلى أدنى ماء إلى القوم, فإني عالم بها وبقلبها، بها قليب قد عرفت عذوبة مائه لا ينزح، ثم نبني عليه حوضا فنشرب ونقاتل ونعور ما سواه من القلب. فنزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: الرأي ما أشار به الحباب، فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم, ففعل ذلك فكان الوادي دهسا, فبعث الله تبارك وتعالى السماء، فلبدت الوادي, ولم يمنع المسلمين من المسير، وأصاب المشركين من المطر ما لم يقدروا أن يرتحلوا معه, وإنما بينهم قوز من الرمل, وأصاب المسلمين تلك الليلة النعاس، وبني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش من جريد, فدخله النبي صلى الله عليه وسلم, وأبو بكر الصديق، وقام سعد بن معاذ على باب العريش متوشحا بالسيف، فلما أصبح صف أصحابه قبل أن تنزل قريش, وطلعت قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصفف أصحابه، ويعدلهم, كأنما يقوم بهم القدح، ومعه يومئذ قدح يشير به إلى هذا تقدم وإلى هذا تأخر, حتى استووا، وجاءت ريح لم يروا مثلها شدة ثم ذهبت، فجاءت ريح أخرى ثم ذهبت، فجاءت ريح أخرى، فكانت الأولى جبريل عليه السلام في ألف من الملائكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثانية ميكائيل عليه السلام في ألف من الملائكة عن ميمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثالثة إسرافيل في ألف من الملائكة عن ميسرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان سيماء الملائكة عمائم قد أرخوها بين أكتافهم خضر، وصفر، وحمر من نور, والصوف في نواصي خيلهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: إن الملائكة قد سومت، فسوموا، فأعلموا بالصوف في مغافرهم وقلانسهم، وكانت الملائكة يوم بدر على خيل بلق.
قال: فلما اطمأن القوم بعث المشركون عمير بن وهب الجمحي, وكان صاحب قداح، فقالوا: احزر لنا محمدا وأصحابه، فصوب في الوادي وصعد ثم رجع, فقال: لا مدد لهم ولا كمين، القوم ثلاثمائة، إن زادوا زادوا قليلا، ومعهم سبعون بعيرا وفرسان، يا معشر قريش, البلايا تحمل المنايا, نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليست لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، أما ترونهم خرسا لا يتكلمون، يتلمظون تلمظ الأفاعي؟ والله ما أرى أن نقتل منهم رجلا حتى يقتل منا رجل, فإذا أصابوا منكم عددهم فما خير في العيش بعد ذلك, فروا رأيكم، فتكلم حكيم بن حزام ومشى في الناس، وأتى شيبة, وعتبة, وكانا ذوي تقية في قومهما, فأشاروا على الناس بالانصراف، وقال عتبة: لا تردوا نصيحتي, ولا تسفهوا رأيي، فحسده أبو جهل حين سمع كلامه, فأفسد الرأي وحرش بين الناس, وأمر عامر بن الحضرمي أن ينشد أخاه عمرا, وكان قتل بنخلة, فكشف عامر وحثا على استه التراب, وصاح: واعمراه, يخزي بذلك عتبة, لأنه حليفه من بين قريش، وجاء عمير بن وهب فناوش المسلمين, فثبت المسلمون على صفهم, ولم يزولوا, وشد عليهم عامر بن الحضرمي ونشبت الحرب, فكان أول من خرج من المسلمين مهجع مولى عمر بن الخطاب, فقتله عامر بن الحضرمي.
وكان أول قتيل قتل من الأنصار حارثة بن سراقة, ويقال: قتله حبان بن العرقة، ويقال: عمير بن الحمام قتله خالد بن الأعلم العقيلي, ثم خرج شيبة, وعتبة ابنا ربيعة, والوليد بن عتبة, فدعوا إلى البراز, فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار بنو عفراء معاذ ومعوذ, وعوف بنو الحارث، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون أول قتال لقي فيه المسلمون المشركين في الأنصار, وأحب أن تكون الشوكة ببني عمه وقومه، فأمرهم, فرجعوا إلى مصافهم وقال لهم خيرا.
ثم نادى المشركون: يا محمد، أخرج إلينا الأكفاء من قومنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بني هاشم، قوموا قاتلوا بحقكم الذي بعث الله به نبيكم, إذ جاؤوا بباطلهم ليطفئوا نور الله، فقام حمزة بن عبد المطلب, وعلي بن أبي طالب, وعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف, فمشوا إليه، فقال عتبة: تكلموا نعرفكم، وكان عليهم البيض، فقال حمزة: أنا حمزة بن عبد المطلب أسد الله، وأسد رسوله، فقال عتبة: كفء كريم، وأنا أسد الحلفاء، من هذان معك؟ قال: علي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث قال: كفآن كريمان، ثم قال لابنه: قم يا وليد، فقام إليه علي بن أبي طالب, فاختلفا ضربتين فقتله علي، ثم قام عتبة, وقام إليه حمزة فاختلفا ضربتين فقتله حمزة، ثم قام شيبة وقام إليه عبيدة بن الحارث وهو يومئذ أسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب شيبة رجل عبيدة بذباب السيف, يعني طرفه, فأصاب عضلة ساقه، فقطعها فكر حمزة وعلي على شيبة فقتلاه، وفيهم نزلت: {هذان خصمان اختصموا في ربهم}، ونزلت فيهم سورة الأنفال، أو عامتها: {يوم نبطش البطشة الكبرى}, يعني يوم بدر، {عذاب يوم عقيم}، {سيهزم الجمع ويولون الدبر}، قال: فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثرهم مصلتا للسيف يتلو هذه الآية، وأجاز على جريحهم وطلب مدبرهم.
واستشهد يومئذ من المسلمين أربعة عشر رجلا, ستة من المهاجرين, وثمانية من الأنصار، فيهم عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف, وعمير بن أبي وقاص, وعاقل بن أبي البكير, ومهجع مولى عمر بن الخطاب, وصفوان ابن بيضاء, وسعد بن خيثمة, ومبشر بن عبد المنذر, وحارثة بن سراقة, وعوف, ومعوذ ابنا عفراء، وعمير بن الحمام، ورافع بن معلى, ويزيد بن الحارث بن فسحم.
وقتل من المشركين يومئذ سبعون رجلا, وأسر منهم سبعون رجلا, وكان فيمن قتل منهم شيبة وعتبة ابنا ربيعة بن عبد شمس، والوليد بن عتبة، والعاص بن سعيد بن العاص، وأبو جهل بن هشام، وأبو البختري، وحنظلة بن أبي سفيان بن حرب، والحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف, وطعيمة بن عدي, وزمعة بن الأسود (1) بن المطلب, ونوفل بن خويلد, وهو ابن العدوية, والنضر بن الحارث قتله صبرا بالأثيل، وعقبة بن أبي معيط, قتله صبرا بالصفراء، والعاص بن هشام بن المغيرة خال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب, وأمية بن خلف, وعلي بن أمية بن خلف, ومنبه بن الحجاج، ومعبد بن وهب، وكان في الأسارى نوفل بن الحارث بن عبد المطلب, وعقيل بن أبي طالب، وأبو العاص بن الربيع، وعدي بن الخيار، وأبو عزيز بن عمير، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وعبد الله بن أبي بن خلف، وأبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحي الشاعر، ووهب بن عمير بن وهب الجمحي، وأبو وداعة بن ضبيرة السهمي، وسهيل بن عمرو العامري.
وكان فداء الأسارى كل رجل منهم أربعة آلاف إلى ثلاثة آلاف إلى ألفين إلى ألف, إلا قوما لا مال لهم، من عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو عزة الجمحي، وغنم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب منهم, واستعمل على الغنائم عبد الله بن كعب المازني من الأنصار، وقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسير شعب بالصفراء, وهي من المدينة على ثلاث ليال قواصد, وتنفل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفا ذا الفقار, وكان لمنبه بن الحجاج, فكان صفيه يومئذ، وسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنيمة كلها للمسلمين الذين حضروا بدرا، وللثمانية النفر الذين تخلفوا بإذنه، فضرب لهم بسهامهم وأجورهم، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمه مع المسلمين, وفيه جمل أبي جهل وكان مهريا, فكان يغزو عليه ويضرب في لقاحه, وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة بشيرا إلى المدينة يخبرهم بسلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين وخبر بدر وما أظفر الله به رسوله وغنمه منهم, وبعث إلى أهل العالية عبد الله بن رواحة بمثل ذلك، والعالية: قباء، وخطمة، ووائل، وواقف، وبنو أمية بن زيد، وقريظة، والنضير، فقدم زيد بن حارثة المدينة حين سوي على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب بالبقيع, وكان أول الناس إلى أهل مكة بمصاب أهل بدر، وبهزيمتهم الحيسمان بن حابس الخزاعي، وكانت وقعة بدر صبيحة يوم الجمعة لسبع عشرة مضت من شهر رمضان, على رأس تسعة عشر شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
1576- أخبرنا وكيع، عن سفيان، وإسرائيل، وأبيه، يعني أبا وكيع، عن أبي إسحاق، عن البراء (ح) وأخبرنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: كانت عدة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر، وكانوا يرون أنهم على عدة أصحاب طالوت يوم جالوت الذين جازوا النهر، قال: وما جاز معه النهر يومئذ إلا مؤمن.
1577- أخبرنا وكيع بن الجراح، عن ثابت بن عمارة، عن غنيم بن قيس، عن أبي موسى، قال: كان عدة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر على عدة أصحاب طالوت يوم جالوت.
1578- أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي، أخبرنا مسعر، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: كان عدة أهل بدر عدة أصحاب طالوت.
1579- أخبرنا عفان بن مسلم، وأبو الوليد الطيالسي، ووهب بن جرير بن حازم، قالوا: أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: كان المهاجرون يوم بدر نيفا على ستين، وكانت الأنصار نيفا على أربعين ومئتين.
1580- أخبرنا الحسن بن موسى الأشيب، أخبرنا زهير، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: حدثني أصحاب محمد، من شهد بدرا؛ أنهم كانوا عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر بضعة عشر وثلاثمائة، قال البراء: ولا والله، ما جاز معه النهر إلا مؤمن.
1581- أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا هشام بن حسان، حدثني محمد بن سيرين، حدثني عبيدة، قال: كان عدة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر، أو أربعة عشر، سبعون ومائتان من الأنصار, وبقيتهم من سائر الناس.
1582- أخبرنا نصر بن باب الخراساني، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، أنه قال: كان أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر، كان المهاجرون منهم ستة وسبعين، وكانت هزيمة أهل بدر يوم الجمعة, لسبع عشرة مضت من رمضان.
1583- أخبرنا خالد بن خداش، أخبرنا عبد الله بن وهب، حدثني حيي، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر بثلاثمائة وخمسة عشر من المقاتلة, كما خرج طالوت, فدعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجوا, فقال: اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إنهم جياع فأشبعهم، ففتح الله يوم بدر، فانقلبوا حين انقلبوا وما فيهم رجل إلا قد رجع بحمل أو حملين, واكتسوا وشبعوا.
1584- أخبرنا الحكم بن موسى، أخبرنا ضمرة، عن ابن شوذب، عن مطر، قال: شهد بدرا من الموالي بضعة عشر رجلا, فقال مطر: لقد ضربوا فيهم بضربة صالحة.
1585- أخبرنا عفان بن مسلم، وسعيد بن سليمان، قالا: أخبرنا خالد بن عبد الله، أخبرني عمرو بن يحيى، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة البدري، قال: كان يوم بدر يوم الاثنين لسبع عشرة من رمضان.
1586- أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا عمر بن شبة، عن الزهري، قال: سألت أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن ليلة بدر؟ فقال: ليلة الجمعة, لسبع عشرة مضت من رمضان.
1587- أخبرنا خالد بن خداش، أخبرنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: كانت بدر لسبع عشرة من رمضان, يوم الجمعة.
قال محمد بن سعد: وهذا الثبت أنه يوم الجمعة، وحديث يوم الاثنين شاذ.
1588- أخبرنا قتيبة بن سعيد، أخبرنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حبيبة، عن ابن المسيب؛ أنه سأله عن الصوم في السفر؟ فحدثه أن عمر بن الخطاب قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان غزوتين؛ يوم بدر، ويوم الفتح, فأفطرنا فيهما.
1589- أخبرنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن عبيدة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا غزوة بدر في شهر رمضان، فلم يصم يوما حتى رجع إلى أهله.
1590- أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا عمرو بن عثمان بن عبد الله بن موهب، سمعت موسى بن طلحة، يقول: سئل أبو أيوب عن يوم بدر؟ فقال: إما لسبع عشرة خلت، أو لثلاث عشرة بقيت، أو لإحدى عشرة بقيت، أو لتسع عشرة خلت.
1591- أخبرنا يونس بن محمد المؤدب، أخبرنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود، قال: كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير: وكان أبو لبابة وعلي زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم, فكان إذا كانت عقبة النبي صلى الله عليه وسلم, قالا: اركب حتى نمشي عنك, فيقول: ما أنتما بأقوى على المشي مني، وما أنا أغنى عن الأجر منكما.
1592- أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة بن عبد الله، عن أبيه، قال: لما أسرنا القوم يوم بدر قلنا: كم كنتم؟ قالوا: كنا ألفا.
1593- أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن أبيه، قال: أخذنا رجلا منهم, يعني من المشركين، يوم بدر, فسألناه عن عدتهم؟ فقال: كنا ألفا.
1594- أخبرنا هشيم بن بشير، أخبرنا مجالد، عن الشعبي، قال: كان فداء أسارى بدر أربعة آلاف إلى ما دون ذلك, فمن لم يكن عنده شيء أمر أن يعلم غلمان الأنصار الكتابة.
1595- أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا إسرائيل، عن جابر، عن عامر، قال: أسر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر سبعين أسيرا، وكان يفادي بهم على قدر أموالهم، وكان أهل مكة يكتبون، وأهل المدينة لا يكتبون، فمن لم يكن له فداء دفع إليه عشرة غلمان من غلمان المدينة فعلمهم، فإذا حذقوا فهو فداؤه.
1596- أخبرنا محمد بن الصباح، أخبرنا شريك، عن قريش، عن عامر، قال: كان فداء أهل بدر أربعين أوقية، أربعين أوقية، فمن لم يكن عنده, علم عشرة من المسلمين الكتابة، فكان زيد بن ثابت ممن علم.
1597- أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا هشام بن حسان، أخبرنا محمد بن سيرين، عن عبيدة؛ أن جبريل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر، فقال: إن شئتم قتلتموهم, وإن شئتم أخذتم منهم الفداء، واستشهد قابل منكم سبعون؛ قال: فنادى النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه فجاءوا، أو من جاء منهم, فقال: هذا جبريل يخيركم بين أن تقدموهم فتقتلوهم, وبين أن تفادوهم, واستشهد قابل منكم بعدتهم، فقالوا: بل نفاديهم فنتقوى به عليهم، ويدخل قابل منا الجنة سبعون، ففادوهم.
1598- أخبرنا الحسن بن موسى، أخبرنا زهير، أخبرنا سماك بن حرب، قال: سمعت عكرمة، يقول: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من أهل بدر: عليك بالعير ليس دونها شيء، قال: فناداه العباس: أنه لا يصلح ذلك لك، قال: لم؟ قال: لأن الله تعالى وعدك إحدى الطائفتين، فقد أعطاك ما وعدك.
1599- أخبرنا محمد بن عبد الله، أخبرنا يونس بن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنادى يوم بدر: ألا إنه ليس لأحد من القوم عندي منة, إلا لأبي البختري، فمن كان أخذه فليخل سبيله، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد آمنه، قال: فوجد قد قتل.
1600- أخبرنا الحسن بن موسى، أخبرنا زهير، أخبرنا أبو إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود، قال: استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت, فدعا على نفر من قريش سبعة، فيهم أبو جهل, وأمية بن خلف, وعتبة بن ربيعة, وشيبة بن ربيعة, وعقبة بن أبي معيط، فأقسم بالله لقد رأيتهم صرعى على بدر، قد غيرتهم الشمس، وكان يوما حارا.
1601- أخبرنا خلف بن الوليد الأزدي، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة، عن علي، قال: لما كان يوم بدر وحضر البأس, اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من أشد الناس بأسا يومئذ, وما كان أحد أقرب إلى المشركين منه.
1602- أخبرنا خلف بن الوليد الأزدي، أخبرنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، حدثني إسماعيل بن أبي خالد، عن البهي، قال: لما كان يوم بدر برز عتبة, وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة, فخرج إليهم حمزة بن عبد المطلب, وعلي بن أبي طالب, وعبيدة بن الحارث، فبرز شيبة لحمزة فقال له شيبة: من أنت؟ فقال: أنا أسد الله, وأسد رسوله، قال: كفء كريم، فاختلفا ضربتين، فقتله حمزة، ثم برز الوليد لعلي, فقال: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله وأخو رسوله؛ فقتله علي، ثم برز عتبة لعبيدة بن الحارث, فقال عتبة: من أنت؟ قال: أنا الذي في الحلف، قال: كفء كريم، فاختلفا ضربتين أوهن كل منهما صاحبه، فأجاز حمزة, وعلي على عتبة.
قال أبو عبد الله محمد بن سعد: والثبت على الحديث الأول؛ أن حمزة قتل عتبة، وأن عليا قتل الوليد، وأن عبيدة بارز شيبة.
1603- أخبرنا حجين بن المثنى، وقتيبة بن سعيد، قالا: أخبرنا الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن يزيد بن رومان؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن معه يوم بدر إلا فرسان: فرس عليه المقداد بن عمرو, حليف الأسود, خال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرس لمرثد بن أبي مرثد الغنوي, حليف حمزة بن عبد المطلب، وكان مع المشركين يومئذ مائة فرس. قال قتيبة في حديثه: كانت ثلاثة أفراس، فرس عليه الزبير بن العوام.
1604- أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عدي بن أبي الزغباء, وبسبس بن عمرو طليعة يوم بدر، فأتيا الماء، فسألا عن أبي سفيان, فأخبرا بمكانه، فرجعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالا: يا رسول الله، نزل ماء كذا يوم كذا، وننزل نحن ماء كذا يوم كذا، وينزل هو ماء كذا يوم كذا، وننزل نحن ماء كذا يوم كذا, حتى نلتقي نحن وهو على الماء، قال: فجاء أبو سفيان، حتى نزل ذلك الماء, فسأل القوم: هل رأيتم من أحد؟ قالوا: لا، إلا رجلين, قال: أروني مناخ ركابهما, قال: فأروه، قال: فأخذ البعر ففته، فإذا فيه النوى، فقال: نواضح يثرب والله، قال: فأخذ ساحل البحر, وكتب إلى أهل مكة يخبرهم بمسير النبي صلى الله عليه وسلم.
1605- أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، قال: استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ الناس، فقال سعد بن عبادة، أو سعد بن معاذ: يا رسول الله، سر إذا شئت، وانزل حيث شئت، وحارب من شئت، وسالم من شئت، فوالذي بعثك بالحق، لو ضربت أكبادها, حتى تبلغ برك الغماد من ذي يمن تبعناك، ما تخلف عنك منا أحد، قال: وقال لهم يومئذ عتبة بن ربيعة: ارجعوا بوجوهكم هذه التي كأنها المصابيح عن هؤلاء الذين كأن وجوههم الحيات، فوالله لا تقتلونهم حتى يقتلوا منكم مثلهم، فما خيركم بعد هذا؟ قال: وكانوا يأكلون يومئذ تمرا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابتدروا جنة عرضها السموات والأرض، قال: وعمير بن الحمام في ناحية بيده تمر يأكله، فقال: بخ بخ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: مه، قال: لن تعجز عني، ثم قال: لا أزيد عليكن, حتى ألحق بالله، فجعل يأكل, ثم قال: هيه، حبستني، ثم قذف ما في يده, وقام إلى سيفه، وهو معلق ملفوف بخرق، فأخذه, ثم تقدم فقاتل حتى قتل، وكانوا يومئذ يميدون من النعاس, ونزلوا على كثيب أهيل، قال: فمطرت السماء, فصار مثل الصفا يسعون عليه سعيا، وأنزل الله جل ثناؤه: {إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام}
قال: وقال عمر لما نزلت: {سيهزم الجمع ويولون الدبر}، قال: قلت: وأي جمع يهزم، ومن يغلب؟ فلما كان يوم بدر نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع وثبا، وهو يقول: {سيهزم الجمع ويولون الدبر} فعلمت أن الله تبارك وتعالى سيهزمهم.
1606- أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، قال: ونزلت هذه الآية: {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض} قال: نزلت في يوم بدر. قال: ونزلت هذه الآية: {إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار} قال: نزلت في يوم بدر، قال: ونزلت هذه الآية: {يسألونك عن الأنفال} يوم بدر.
1607- أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حماد بن زيد، أخبرنا أيوب، ويزيد بن حازم، أنهما سمعا عكرمة، يقرأ: {فثبتوا الذين آمنوا} قال حماد: وزاد أيوب, قال: قال عكرمة: {فاضربوا فوق الأعناق} قال: كان يومئذ يندر رأس الرجل لا يدرى من ضربه, وتندر يد الرجل لا يدرى من ضربه.
1608- أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: اطلبوا أبا جهل، فطلبوه, فلم يوجد، فقال: اطلبوه، فإن عهدي به وركبته محوزة، فطلبوه, فوجدوه وركبته محوزة. قال: وبلغ فداء أهل بدر يومئذ أربعة آلاف فما دون ذلك، حتى إن كان الرجل يحسن الخط, ففودي على أن يعلم الخط.
1609- أخبرنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، قال: أخبرنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، حدثني إسماعيل بن عون بن عبيد الله بن أبي رافع، عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه محمد بن عمر، عن علي بن أبي طالب، قال: لما كان يوم بدر, قاتلت شيئا من قتال, ثم جئت مسرعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنظر ما فعل، فإذا هو ساجد يقول: يا حي يا قيوم، يا حي يا قيوم، لا يزيد عليهما, ثم رجعت إلى القتال, ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك، ثم ذهبت إلى القتال، ثم رجعت وهو ساجد يقول ذلك، ففتح الله عليه.
1610- أخبرنا سعيد بن منصور، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: تنفل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه ذا الفقار يوم بدر.
1611- أخبرنا عتاب بن زياد، أخبرنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا هشام بن عروة، عن عباد بن حمزة بن الزبير، قال: نزلت الملائكة يوم بدر عليهم عمائم صفر، وكان على الزبير يوم بدر ريطة صفراء قد اعتجر بها.
1612- أخبرنا عتاب بن زياد، عن (1) ابن المبارك، أخبرنا أبو بكر بن أبي مريم الغساني، عن عطية بن قيس، قال: لما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من قتال أهل بدر, أتاه جبريل على فرس أنثى حمراء, عاقدا ناصيته, يعني جبريل، عليه درعه ومعه رمحه، قد عصم ثنيته الغبار, فقال: يا محمد، إن الله تبارك وتعالى بعثني إليك وأمرني أن لا أفارقك حتى ترضى، هل رضيت؟ قال: نعم رضيت، فانصرف.
1613- أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن زيد، قال: سمعت أيوب، عن عكرمة، {إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى} قال: وكان هؤلاء على شفير الوادي، وهؤلاء على الشفير الآخر، قال: وهكذا قرأه عفان: بالعدوة.
1614- أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، أخبرنا زهير، أخبرنا جابر، عن عامر، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر, فاستخلف على المدينة عمرو ابن أم مكتوم.
1615- أخبرنا أبو المنذر البزاز، أخبرنا سفيان، عن الزبير بن عدي، عن عطاء بن أبي رباح؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى بدر.
1616- أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا زكرياء بن أبي زائدة، عن عامر، قال: سمعته يقول: إن بدرا إنما كانت لرجل يدعى بدرا, قال: يعني ميرا.
قال محمد بن سعد: قال محمد بن عمر: وأصحابنا من أهل المدينة، ومن روى السيرة يقولون: اسم الموضع بدر.
** - سرية عمير بن عدي **
1617- ثم سرية عمير بن عدي بن خرشة الخطمي إلى عصماء بنت مروان من بني أمية بن زيد، لخمس ليال بقين من شهر رمضان على رأس تسعة عشر شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكانت عصماء عند يزيد بن زيد بن حصن الخطمي، وكانت تعيب الإسلام، وتؤذي النبي صلى الله عليه وسلم, وتحرض عليه, وتقول الشعر، فجاءها عمير بن عدي في جوف الليل, حتى دخل عليها بيتها، وحولها نفر من ولدها نيام, منهم من ترضعه في صدرها، فجسها بيده، وكان ضرير البصر، ونحى الصبي عنها, ووضع سيفه على صدرها حتى أنفذه من ظهرها, ثم صلى الصبح مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقتلت ابنة مروان؟ قال: نعم، فهل علي في ذلك من شيء؟ فقال: لا ينتطح فيها عنزان. فكانت هذه الكلمة أول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عميرا البصير.
** - سرية سالم بن عمير **
1618- ثم سرية سالم بن عمير العمري إلى أبي عفك اليهودي, في شوال على رأس عشرين شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو عفك من بني عمرو بن عوف شيخا كبيرا قد بلغ عشرين ومائة سنة, وكان يهوديا، وكان يحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم, ويقول الشعر، فقال سالم بن عمير، وهو أحد البكائين, وقد شهد بدرا: علي نذر أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه، فأمهل يطلب له غرة, حتى كانت ليلة صائفة، فنام أبو عفك بالفناء، وعلم به سالم بن عمير، فأقبل, فوضع السيف على كبده ثم اعتمد عليه, حتى خش في الفراش، وصاح عدو الله، فثاب إليه ناس ممن هم على قوله, فأدخلوه منزله وقبروه.
** - غزوة بني قينقاع **
1619- ثم غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قينقاع يوم السبت, للنصف من شوال, على رأس عشرين شهرا من مهاجره، وكانوا قوما من يهود حلفاء لعبد الله بن أبي ابن سلول، وكانوا أشجع يهود، وكانوا صاغة، فوادعوا النبي صلى الله عليه وسلم, فلما كانت وقعة بدر, أظهروا البغي والحسد، ونبذوا العهد والمدة، فأنزل الله تبارك وتعالى على نبيه: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين}، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أخاف بني قينقاع، فسار إليهم بهذه الآية. وكان الذي حمل لواءه يومئذ حمزة بن عبد المطلب، وكان لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض، ولم تكن الرايات يومئذ، واستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر العمري، ثم سار إليهم فحاصرهم خمس عشرة ليلة إلى هلال ذي القعدة، فكانوا أول من غدر من اليهود وحاربوا وتحصنوا في حصنهم، فحاصرهم أشد الحصار, حتى قذف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم أموالهم، وأن لهم النساء والذرية، فأمر بهم فكتفوا، واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على كتافهم المنذر بن قدامة السلمي من بني السلم, رهط سعد بن خيثمة، فكلم فيهم عبد الله بن أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألح عليه, فقال: خلوهم، لعنهم الله، ولعنه معهم، وتركهم من القتل, وأمر بهم أن يجلوا من المدينة، وولى إخراجهم منها عبادة بن الصامت، فلحقوا بأذرعات, فما كان أقل بقاءهم بها، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلاحهم ثلاث قسي: قوسا تدعى الكتوم كسرت بأحد، وقوسا تدعى الروحاء، وقوسا تدعى البيضاء، وأخذ درعين من سلاحهم: درعا يقال لها: الصغدية، وأخرى فضة، وثلاثة أسياف: سيف قلعي، وسيف يقال له بتار، وسيف آخر، وثلاثة أرماح، ووجدوا في حصنهم سلاحا كثيرا وآلة الصياغة، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم صفيه والخمس, وفض أربعة أخماس على أصحابه، فكان أول خمس خمس بعد بدر، وكان الذي ولي قبض أموالهم محمد بن مسلمة.
** - غزوة السويق **
1620- ثم غزوة النبي صلى الله عليه وسلم التي تدعى غزوة السويق. خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحد, لخمس خلون من ذي الحجة, على رأس اثنين وعشرين شهرا من مهاجره, واستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر العمري، وذلك أن أبا سفيان بن حرب لما رجع المشركون من بدر إلى مكة حرم الدهن, حتى يثأر من محمد وأصحابه، فخرج في مئتي راكب في حديث الزهري، وفي حديث ابن كعب، في أربعين راكبا, فسلكوا النجدية، فجاءوا بني النضير ليلا, فطرقوا حيي بن أخطب ليستخبروه من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه, فأبى أن يفتح لهم، وطرقوا سلام بن مشكم, ففتح لهم وقراهم وسقاهم خمرا, وأخبرهم من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلما كان بالسحر, خرج أبو سفيان بن حرب, فمر بالعريض وبينه وبين المدينة نحو من ثلاثة أميال, فقتل به رجلا من الأنصار وأجيرا له, وحرق أبياتا هناك وتبنا، ورأى أن يمينه قد حلت ثم ولى هاربا, فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فندب أصحابه، وخرج في مئتي رجل من المهاجرين والأنصار في أثرهم يطلبهم، وجعل أبو سفيان وأصحابه يتخففون فيلقون جرب السويق, وهي عامة أزوادهم، فجعل المسلمون يأخذونها, فسميت غزوة السويق, ولم يلحقوهم وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة, وكان غاب خمسة أيام.
** - غزوة قرقرة الكدر، ويقال: قرارة الكدر **
1621- ثم غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قرقرة الكدر, ويقال: قرارة الكدر، للنصف من المحرم, على رأس ثلاثة وعشرين شهرا من مهاجره, وهي بناحية معدن بني سليم, قريب من الأرحضية, وراء سد معونة، وبين المعدن وبين المدينة ثمانية برد، وكان الذي حمل لواءه، صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب, واستخلف على المدينة عبد الله ابن أم مكتوم، فكان بلغه أن بهذا الموضع جمعا من سليم وغطفان، فسار إليهم, فلم يجد في المجال أحدا, وأرسل نفرا من أصحابه في أعلى الوادي, واستقبلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في بطن الوادي, فوجد رعاء فيهم غلام يقال له: يسار، فسأله عن الناس؟ فقال: لا علم لي بهم، إنما أورد لخمس, وهذا يوم ربعي, والناس قد ارتفعوا إلى المياه, ونحن عزاب في النعم, فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ظفر بالنعم, فانحدر به إلى المدينة فاقتسموا غنائمهم بصرار، على ثلاثة أميال من المدينة، وكانت النعم خمسمائة بعير، فأخرج خمسه, وقسم أربعة أخماس على المسلمين, فأصاب كل رجل منهم بعيران, وكانوا مئتي رجل, وصار يسار في سهم النبي صلى الله عليه وسلم, فأعتقه, وذلك أنه رآه يصلي. وغاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة.
** - سرية قتل كعب بن الأشرف **
1622- ثم سرية قتل كعب بن الأشرف اليهودي, وذلك لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول، على رأس خمسة وعشرين شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكان سبب قتله, أنه كان رجلا شاعرا يهجو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه, ويحرض عليهم ويؤذيهم، فلما كانت وقعة بدر, كبت وذل, وقال: بطن الأرض خير من ظهرها اليوم، فخرج حتى قدم مكة, فبكى قتلى قريش, وحرضهم بالشعر, ثم قدم المدينة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اكفني ابن الأشرف بما شئت في إعلانه الشر وقوله الأشعار، وقال أيضا: من لي بابن الأشرف فقد آذاني؟ فقال محمد بن مسلمة: أنا به يا رسول الله, وأنا أقتله، فقال: افعل وشاور سعد بن معاذ في أمره, واجتمع محمد بن مسلمة ونفر من الأوس, منهم عباد بن بشر وأبو نائلة سلكان بن سلامة, والحارث بن أوس بن معاذ, وأبو عبس بن جبر، فقالوا: يا رسول الله, نحن نقتله, فأذن لنا فلنقل، فقال: قولوا, وكان أبو نائلة أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة, فخرج إليه، فأنكره كعب وذعر منه، فقال: أنا أبو نائلة, إنما جئت أخبرك أن قدوم هذا الرجل كان علينا من البلاء، حاربتنا العرب, ورمتنا عن قوس واحدة, ونحن نريد التنحي منه، ومعي رجال من قومي على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم فنبتاع منك طعاما وتمرا, ونرهنك ما يكون لك فيه ثقة، فسكن إلى قوله, وقال: جئ بهم متى شئت، فخرج من عنده على ميعاد، فأتى أصحابه, فأخبرهم, فأجمعوا أمرهم على أن يأتوه إذا أمسى، ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه, فمشى معهم حتى أتى البقيع, ثم وجههم، وقال: امضوا على بركة الله وعونه، قال: وفي ليلة مقمرة, فمضوا حتى انتهوا إلى حصنه, فهتف له أبو نائلة, فوثب, فأخذت امرأته بملحفته, وقالت: أين تذهب؟ إنك رجل محارب, وكان حديث عهد بعرس، قال: ميعاد علي, وإنما هو أخي أبو نائلة, وضرب بيده الملحفة، وقال: لو دعي الفتى لطعنة أجاب، ثم نزل إليهم فحادثوه ساعة, حتى انبسط إليهم وأنس بهم, ثم أدخل أبو نائلة يده في شعره, وأخذ بقرون رأسه، وقال لأصحابه: اقتلوا عدو الله، فضربوه بأسيافهم، فالتفت عليه, فلم تغن شيئا, ورد بعضها بعضا, ولصق بأبي نائلة.
قال محمد بن مسلمة: فذكرت مغولا كان في سيفي, فانتزعته فوضعته في سرته، ثم تحاملت عليه فقططته, حتى انتهى إلى عانته, فصاح عدو الله صيحة ما بقي أطم من آطام يهود إلا أوقدت عليه نار, ثم حزوا رأسه وحملوه معهم, فلما بلغوا بقيع الغرقد كبروا, وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة يصلي, فلما سمع تكبيرهم كبر وعرف أن قد قتلوه، ثم انتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أفلحت الوجوه, فقالوا: ووجهك يا رسول الله، ورموا برأسه بين يديه, فحمد الله على قتله، فلما أصبح قال: من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه، فخافت اليهود, فلم يطلع منهم أحد ولم ينطقوا، وخافوا أن يبيتوا كما بيت ابن الأشرف.
1623- أخبرنا محمد بن حميد العبدي، عن معمر بن راشد، عن الزهري؛ في قوله تعالى: {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا}، قال: هو كعب بن الأشرف, وكان يحرض المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه, يعني في شعره, يهجو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فانطلق إليه خمسة نفر من الأنصار, فيهم محمد بن مسلمة, ورجل آخر يقال له: أبو عبس، فأتوه، وهو في مجلس قومه بالعوالي, فلما رآهم ذعر منهم وأنكر شأنهم، قالوا: جئناك في حاجة, قال: فليدن إلي بعضكم, فليخبرني بحاجته، فجاءه رجل منهم فقالوا: جئناك لنبيعك أدراعا عندنا لنستنفق بها، فقال: والله لئن فعلتم لقد جهدتم مذ نزل بكم هذا الرجل. فواعدوه أن يأتوه عشاء حين تهدأ عنهم الناس، فنادوه, فقالت امرأته: ما طرقك هؤلاء ساعتهم هذه لشيء مما تحب, قال: إنهم حدثوني بحديثهم وشأنهم.
1624- أخبرنا محمد بن حميد، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة، أنه أشرف عليهم فكلموه وقال: ما ترهنون عندي؟ أترهنوني أبناءكم؟ وأراد أن يسلفهم تمرا, قالوا: إنا نستحي أن يعير أبناؤنا, فيقال: هذا رهينة وسق, وهذا رهينة وسقين, قال: فترهنوني نساءكم؟ قالوا: أنت أجمل الناس ولا نأمنك, وأي امرأة تمتنع منك لجمالك؟ ولكنا نرهنك سلاحنا, وقد علمت حاجتنا إلى السلاح اليوم, قال: نعم، ائتوني بسلاحكم, واحتملوا ما شئتم, قالوا: فانزل إلينا نأخذ عليك، وتأخذ علينا، فذهب ينزل، فتعلقت به امرأته, وقالت: أرسل إلى أمثالهم من قومك يكونوا معك, قال: لو وجدني هؤلاء نائما ما أيقظوني، قالت: فكلمهم من فوق البيت، فأبى عليها, فنزل إليهم تفوح ريحه، فقالوا: ما هذه الريح يا فلان؟ قال: عطر أم فلان لامرأته، فدنا بعضهم يشم رأسه, ثم اعتنقه، وقال: اقتلوا عدو الله, فطعنه أبو عبس في خاصرته، وعلاه محمد بن مسلمة بالسيف فقتلوه, ثم رجعوا فأصبحت اليهود مذعورين، فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: قتل سيدنا غيلة، فذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم صنيعه, وما كان يحض عليهم ويحرض في قتالهم ويؤذيهم، ثم دعاهم إلى أن يكتبوا بينه وبينهم صلحا, أحسبه قال: وكان ذلك الكتاب مع علي رضي الله عنه بعد.
** - غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم غطفان **
1625- ثم غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم غطفان إلى نجد, وهي ذو أمر, ناحية النخيل, في شهر ربيع الأول, على رأس خمسة وعشرين شهرا من مهاجره, وذلك أنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جمعا من بني ثعلبة ومحارب بذي أمر قد تجمعوا يريدون أن يصيبوا من أطراف رسول الله صلى الله عليه وسلم، جمعهم رجل منهم, يقال له: دعثور بن الحارث من بني محارب، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين, وخرج لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول, في أربعمائة وخمسين رجلا ومعهم أفراس, واستخلف على المدينة عثمان بن عفان, فأصابوا رجلا منهم بذي القصة, يقال له: جبار من بني ثعلبة، فأدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره من خبرهم, وقال: لن يلاقوك لو سمعوا بمسيرك هربوا في رؤوس الجبال, وأنا سائر معك, فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام. فأسلم وضمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بلال, ولم يلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا إلا أنه ينظر إليهم في رؤوس الجبال, وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مطر، فنزع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبيه، ونشرهما ليجفا, وألقاهما على شجرة واضطجع، فجاء رجل من العدو يقال له: دعثور بن الحارث, ومعه سيف, حتى قام على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم قال: من يمنعك مني اليوم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله، ودفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده, فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقال له: من يمنعك مني؟ قال: لا أحد, أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم أتى قومه, فجعل يدعوهم إلى الإسلام, ونزلت هذه الآية فيه: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم} الآية، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولم يلق كيدا, وكانت غيبته إحدى عشرة ليلة.
** - غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بني سليم **
1626- ثم غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بني سليم ببحران, لست خلون من جمادى الأولى, على رأس سبعة وعشرين شهرا من مهاجره, وبحران بناحية الفرع, وبين الفرع والمدينة ثمانية برد، وذلك أنه بلغه أن بها جمعا من بني سليم كثيرا, فخرج في ثلاثمائة رجل من أصحابه, واستخلف على المدينة ابن أم المكتوم، وأغذ السير حتى ورد بحران, فوجدهم قد تفرقوا في مياههم, فرجع ولم يلق كيدا، وكانت غيبته عشر ليال.
** - سرية زيد بن حارثة **
1627- ثم سرية زيد بن حارثة إلى القردة، وكانت لهلال جمادى الآخرة, على رأس ثمانية وعشرين شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أول سرية خرج فيها زيد أميرا، والقردة من أرض نجد, بين الربذة والغمرة, ناحية ذات عرق، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعترض لعير قريش, فيها صفوان بن أمية, وحويطب بن عبد العزى, وعبد الله بن أبي ربيعة، ومعه مال كثير نقر، وآنية فضة وزن ثلاثين ألف درهم. وكان دليلهم فرات بن حيان العجلي، فخرج بهم على ذات عرق طريق العراق، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم, فوجه زيد بن حارثة في مائة راكب, فاعترضوا لها، فأصابوا العير, وأفلت أعيان القوم, وقدموا بالعير على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخمسها, فبلغ الخمس فيه عشرين ألف درهم, وقسم ما بقي على أهل السرية، وأسر فرات بن حيان, فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم, فقيل له: إن تسلم تترك فأسلم, فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم من القتل.
** - غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا **
1628- ثم غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا يوم السبت, لسبع ليال خلون من شوال, على رأس اثنين وثلاثين شهرا من مهاجره. قالوا: لما رجع من حضر بدرا من المشركين إلى مكة, وجدوا العير التي قدم بها أبو سفيان بن حرب موقوفة في دار الندوة، فمشت أشراف قريش إلى أبي سفيان، فقالوا: نحن طيبو أنفس إن تجهزوا بربح هذه العير جيشا إلى محمد, فقال أبو سفيان: وأنا أول من أجاب إلى ذلك وبنو عبد مناف معي؛ فباعوها, فصارت ذهبا, فكانت ألف بعير, والمال خمسين ألف دينار، فسلم إلى أهل العير رؤوس أموالهم, وأخرجوا أرباحهم, وكانوا يربحون في تجارتهم للدينار دينارا, وفيهم نزلت: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله}، وبعثوا رسلهم يسيرون في العرب, يدعونهم إلى نصرهم، فأوعبوا, وتألب من كان معهم من العرب وحضروا، فأجمعوا على إخراج الظعن, يعني النساء، معهم, ليذكرنهم قتلى بدر, فيحفزنهم فيكون أحد لهم في القتال.
وكتب العباس بن عبد المطلب بخبرهم كله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن الربيع بكتاب العباس, وأرجف المنافقون واليهود بالمدينة، وخرجت قريش من مكة, ومعهم أبو عامر الفاسق، وكان يسمى قبل ذلك الراهب، في خمسين رجلا من قومه، وكان عددهم ثلاثة آلاف رجل، فيهم سبعمائة دارع، ومعهم مائتا فرس وثلاثة آلاف بعير، والظعن خمس عشرة امرأة.
وشاع خبرهم ومسيرهم في الناس, حتى نزلوا ذا الحليفة, فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عينين له: أنسا, ومؤنسا ابني فضالة الظفريين، ليلة الخميس, لخمس ليال مضين من شوال، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبرهم, وأنهم قد خلوا إبلهم وخيلهم في الزرع الذي بالعريض, حتى تركوه ليس به خضراء.
ثم بعث الحباب بن المنذر بن الجموح إليهم أيضا, فدخل فيهم, فحزرهم وجاءه بعلمهم، وبات سعد بن معاذ, وأسيد بن حضير, وسعد بن عبادة في عدة ليلة الجمعة, عليهم السلاح في المسجد بباب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وحرست المدينة حتى أصبحوا, ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة كأنه في درع حصينة, وكأن سيفه ذا الفقار قد انفصم من عند ظبته، وكأن بقرا تذبح, وكأنه مردف كبشا, فأخبر بها أصحابه، وأولها, فقال: أما الدرع الحصينة فالمدينة، وأما انفصام سيفي فمصيبة في نفسي، وأما البقر المذبح فقتل في أصحابي، وأما مردف كبشا فكبش الكتيبة, يقتله الله إن شاء الله.
فكان رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يخرج من المدينة لهذه الرؤيا، فأحب أن يوافق على مثل رأيه, فاستشار أصحابه في الخروج, فأشار عليه عبد الله بن أبي ابن سلول أن لا يخرج, وكان ذلك رأي الأكابر من المهاجرين والأنصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: امكثوا في المدينة, واجعلوا النساء والذراري في الآطام.
فقال فتيان أحداث لم يشهدوا بدرا, فطلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج إلى عدوهم ورغبوا في الشهادة: اخرج بنا إلى عدونا، فغلب على الأمر الذين يريدون الخروج، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة بالناس, ثم وعظهم وأمرهم بالجد والجهاد, وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم, ففرح الناس بالشخوص، ثم صلى بالناس العصر وقد حشدوا وحضر أهل العوالي، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته ومعه أبو بكر وعمر, فعمماه وألبساه، وصف الناس له ينتظرون خروجه، فقال لهم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير: استكرهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج، والأمر ينزل عليه من السماء, فردوا الأمر إليه. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قد لبس لأمته وأظهر الدرع, وحزم وسطها بمنطقة من أدم من حمائل السيف، واعتم وتقلد السيف, وألقى الترس في ظهره, فندموا جميعا على ما صنعوا، وقالوا: ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما بدا لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه, فانظروا ما أمرتكم به فافعلوه، وامضوا على اسم الله, فلكم النصر ما صبرتم. ثم دعا بثلاثة أرماح، فعقد ثلاثة ألوية, فدفع لواء الأوس إلى أسيد بن حضير، ودفع لواء الخزرج إلى الحباب بن المنذر, ويقال: إلى سعد بن عبادة، ودفع لواءه لواء المهاجرين إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه, ويقال: إلى مصعب بن عمير, واستخلف على المدينة عبد الله ابن أم مكتوم، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسه, وتنكب القوس, وأخذ قناة بيده, والمسلمون عليهم السلاح قد أظهروا الدروع فيهم مائة دارع، وخرج السعدان أمامه يعدوان: سعد بن معاذ, وسعد بن عبادة, وكل واحد منهما دارع, والناس عن يمينه وشماله. فمضى حتى إذا كان بالشيخين، وهما أطمان كان يهودي ويهودية يقومان عليه يتحدثان، فلذلك سمي بالشيخين، وهما في طرف المدينة، التفت فنظر إلى كتيبة خشناء لها زجل، فقال: ما هذه؟ قالوا: حلفاء ابن أبي من يهود؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تستنصروا بأهل الشرك على أهل الشرك. وعرض من عرض بالشيخين, فرد من رد, وأجاز من أجاز.
وغابت الشمس وأذن بلال المغرب, فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه، وبات بالشيخين, وكان نازلا في بني النجار, واستعمل على الحرس تلك الليلة محمد بن مسلمة في خمسين رجلا يطيفون بالعسكر. وكان المشركون قد رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث راح ونزل, فاجتمعوا واستعملوا على حرسهم عكرمة بن أبي جهل في خيل من المشركين، وأدلج رسول الله صلى الله عليه وسلم في السحر ودليله أبو حثمة الحارثي، فانتهى إلى أحد إلى موضع القنطرة اليوم, فحانت الصلاة، وهو يرى المشركين, فأمر بلالا وأذن وأقام فصلى بأصحابه الصبح صفوفا.
وانخزل ابن أبي من ذلك المكان في كتيبة كأنه هيق يقدمهم، وهو يقول: عصاني وأطاع الولدان ومن لا رأي له، وانخزل معه ثلاثمائة, فبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعمائة ومعه فرسه, وفرس لأبي بردة بن نيار، وأقبل يصف أصحابه ويسوي الصفوف على رجليه, وجعل ميمنة وميسرة, وعليه درعان ومغفر وبيضة, وجعل أحدا خلف ظهره واستقبل المدينة, وجعل عينين جبلا بقناة عن يساره, وجعل عليه خمسين من الرماة واستعمل عليهم عبد الله بن جبير, وأوعز إليهم، فقال: قوموا على مصافكم هذه فاحموا ظهورنا، فإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا, وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا. وأقبل المشركون قد صفوا صفوفهم واستعملوا على الميمنة خالد بن الوليد, وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل, ولهم مجنبتان مائتا فرس, وجعلوا على الخيل صفوان بن أمية, ويقال: عمرو بن العاص, وعلى الرماة عبد الله بن أبي ربيعة وكانوا مائة رام، ودفعوا اللواء إلى طلحة بن أبي طلحة، واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي. وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يحمل لواء المشركين؟ قيل: عبد الدار، قال: نحن أحق بالوفاء منهم، أين مصعب بن عمير؟ قال: هأنذا، قال: خذ اللواء، فأخذه مصعب بن عمير, فتقدم به بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فكان أول من أنشب الحرب بينهم أبو عامر الفاسق، طلع في خمسين من قومه فنادى: أنا أبو عامر، فقال المسلمون: لا مرحبا بك ولا أهلا يا فاسق، قال: لقد أصاب قومي بعدي شر, ومعه عبيد قريش، فتراموا بالحجارة هم والمسلمون, حتى ولى أبو عامر وأصحابه، وجعل نساء المشركين يضربن بالأكبار والدفوف والغرابيل ويحرضن, ويذكرنهم قتلى بدر ويقلن:
نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق
إن تقبلوا نعانق ... أو تدبروا نفارق
فراق غير وامق
قال: ودنا القوم بعضهم من بعض, والرماة يرشقون خيل المشركين بالنبل, فتولى هوارب، فصاح طلحة بن أبي طلحة صاحب اللواء: من يبارز؟ فبرز له علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فالتقيا بين الصفين, فبدره علي فضربه على رأسه حتى فلق هامته فوقع، وهو كبش الكتيبة, فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك, وأظهر التكبير, وكبر المسلمون وشدوا على كتائب المشركين يضربونهم, حتى نغضت صفوفهم, ثم حمل لواءهم عثمان بن أبي طلحة أبو شيبة، وهو أمام النسوة يرتجز، ويقول:
إن على أهل اللواء حقا ... أن تخضب الصعدة أو تندقا
وحمل عليه حمزة بن عبد المطلب فضربه بالسيف على كاهله فقطع يده وكتفه, حتى انتهى إلى مؤتزره, وبدا سحره, ثم رجع وهو يقول: أنا ابن ساقي الحجيج، ثم حمله أبو سعد بن أبي طلحة فرماه سعد بن أبي وقاص فأصاب حنجرته, فأدلع لسانه إدلاع الكلب فقتله، ثم حمله مسافع بن طلحة بن أبي طلحة، فرماه عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح فقتله، ثم حمله الحارث بن طلحة بن أبي طلحة فرماه عاصم بن ثابت, فقتله, ثم حمله كلاب بن طلحة بن أبي طلحة, فقتله الزبير بن العوام، ثم حمله الجلاس بن طلحة بن أبي طلحة, فقتله طلحة بن عبيد الله، ثم حمله أرطاة بن شرحبيل, فقتله علي بن أبي طالب، ثم حمله شريح بن قارظ, فلسنا ندري من قتله، ثم حمله صؤاب غلامهم, وقال قائل: قتله سعد بن أبي وقاص, وقال قائل: قتله علي بن أبي طالب, وقال قائل: قتله قزمان، وهو أثبت القول.
فلما قتل أصحاب اللواء انكشف المشركون منهزمين لا يلوون على شيء, ونساؤهم يدعون بالويل، وتبعهم المسلمون يضعون السلاح فيهم حيث شاءوا, حتى أجهضوهم عن العسكر، ووقعوا ينتهبون العسكر ويأخذون ما فيه من الغنائم، وتكلم الرماة الذين على عينين واختلفوا بينهم وثبت أميرهم عبد الله بن جبير في نفر يسير دون العشرة مكانهم، وقال: لا أجاوز أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووعظ أصحابه, وذكرهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالوا: لم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا، قد انهزم المشركون, فما مقامنا هاهنا، فانطلقوا يتبعون العسكر ينتهبون معهم, وخلوا الجبل، ونظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل وقلة أهله فكر بالخيل, وتبعه عكرمة بن أبي جهل, فحملوا على من بقي من الرماة فقتلوهم، وقتل أميرهم عبد الله بن جبير رحمه الله، وانتقضت صفوف المسلمين, واستدارت رحاهم, وحالت الريح فصارت دبورا، وكانت قبل ذلك صبا. ونادى إبليس لعنه الله: إن محمدا قد قتل. واختلط المسلمون, فصاروا يقتتلون على غير شعار, ويضرب بعضهم بعضا ما يشعرون به من العجلة والدهش، وقتل مصعب بن عمير، فأخذ اللواء ملك في صورة مصعب وحضرت الملائكة يومئذ ولم تقاتل, ونادى المشركون بشعارهم: يا للعزى، يا لهبل، وأوجعوا في المسلمين قتلا ذريعا, وولى من ولى منهم يومئذ, وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزول يرمي عن قوسه حتى صارت شظايا، ويرمي بالحجر, وثبت معه عصابة من أصحابه أربعة عشر رجلا: سبعة من المهاجرين, فيهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه, وسبعة من الأنصار, حتى تحاجزوا, ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه ما نالوا، أصيبت رباعيته, وكلم في وجنتيه وجبهته, وعلاه ابن قميئة بالسيف فضربه على شقه الأيمن, واتقاه طلحة بن عبيد الله بيده فشلت إصبعه, وادعى ابن قميئة أنه قد قتله, وكان ذلك مما رعب المسلمين وكسرهم.
** - من قتل من المسلمين يوم أحد **
1629- وقتل يومئذ حمزة بن عبد المطلب، رحمه الله، قتله وحشي، وعبد الله بن جحش, قتله أبو الحكم بن الأخنس بن شريق، ومصعب بن عمير, قتله ابن قميئة، وشماس بن عثمان بن الشريد المخزومي, قتله أبي بن خلف الجمحي، وعبد الله, وعبد الرحمن ابنا الهبيب بن سعد بن ليث، ووهب بن قابوس المزني, وابن أخيه الحارث بن عقبة بن قابوس.
1630- وقتل من الأنصار سبعون رجلا، فيهم عمرو بن معاذ, أخو سعد بن معاذ، واليمان أبو حذيفة, قتله المسلمون خطأ, وحنظلة بن أبي عامر الراهب، وخيثمة أبو سعد بن خيثمة, وخارجة بن زيد بن أبي زهير, صهر أبي بكر، وسعد بن الربيع, ومالك بن سنان, أبو أبي سعيد الخدري، والعباس بن عبادة بن نضلة, والمجذر بن ذياد, وعبد الله بن عمرو بن حرام, وعمرو بن الجموح في ناس كثير من أشرافهم.
1631- وقتل من المشركين ثلاثة وعشرون رجلا فيهم حملة اللواء, وعبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى، وأبو عزيز بن عمير، وأبو الحكم بن الأخنس بن شريق الثقفي, قتله علي بن أبي طالب، وسباع بن عبد العزى الخزاعي، وهو ابن أم أنمار, قتله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه.
وهشام بن أبي أمية بن المغيرة, والوليد بن العاص بن هشام, وأمية بن أبي حذيفة بن المغيرة, وخالد بن الأعلم العقيلي, وأبي بن خلف الجمحي, قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، وأبو عزة الجمحي, واسمه عمرو بن عبد الله بن عمير بن وهب بن حذافة بن جمح, وقد كان أسر يوم بدر, فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: لا أكثر عليك جمعا, ثم خرج مع المشركين يوم أحد, فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم أسيرا, ولم يأخذ أسيرا غيره، فقال: من علي يا محمد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، لا ترجع إلى مكة تمسح عارضيك, تقول: سخرت بمحمد مرتين، ثم أمر به عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح, فضرب عنقه.
1632- فلما انصرف المشركون عن أحد, أقبل المسلمون على أمواتهم, وأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمزة بن عبد المطلب, فلم يغسله, ولم يغسل الشهداء, وقال: لفوهم بدمائهم وجراحهم، أنا الشهيد على هؤلاء، ضعوهم، فكان حمزة أول من كبر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعا, ثم جمع إليه الشهداء، فكان كلما أتي بشهيد, وضع إلى جنب حمزة, فصلى عليه وعلى الشهيد, حتى صلى عليه سبعين مرة، وقد سمعنا من يقول: لم يصل رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احفروا وأعمقوا وأوسعوا, وقدموا أكثرهم قرآنا. فكان ممن نعرف أنه دفن في قبر واحد: عبد الله بن عمرو بن حرام، وعمرو بن الجموح في قبر، وخارجة بن زيد, وسعد بن الربيع في قبر، والنعمان بن مالك, وعبدة بن الحسحاس في قبر واحد، فكان الناس, أو عامتهم قد حملوا قتلاهم إلى المدينة, فدفنوهم في نواحيها, فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ردوا القتلى إلى مضاجعهم, فأدرك المنادي رجلا واحدا لم يكن دفن فرد، وهو شماس بن عثمان المخزومي.
1633- ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ فصلى المغرب بالمدينة، وشمت ابن أبي والمنافقون بما نيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه وأصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لن ينالوا منا مثل هذا اليوم حتى نستلم الركن، وبكت الأنصار على قتلاهم، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: لكن حمزة لا بواكي له، فجاء نساء الأنصار إلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فبكين على حمزة، فدعا لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرهن بالانصراف, فهن إلى اليوم إذا مات الميت من الأنصار بدأ النساء فبكين على حمزة, ثم بكين على ميتهن.
1634- أخبرنا جرير بن عبد الحميد، عن عطاء بن السائب، عن الشعبي، قال: مكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد بالمشركين, وكان ذلك أول يوم مكر فيه.
1635- أخبرنا هشيم بن بشير، قال: أخبرنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك, أن النبي صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد, وشج في جبهته, حتى سال الدم على وجهه صلوات الله عليه ورضوانه ورحمته وبركاته، فقال: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم؟ فنزلت هذه الآية: {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون}.
1636- أخبرنا أبو أسامة حماد بن أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: لما كان يوم أحد, هزم المشركون, فصاح إبليس: أي عباد الله أخراكم. قال: فرجعت أولاهم, فاجتلدت هي وأخراهم, فنظر حذيفة, فإذا هو بأبيه اليمان, فقال: عباد الله، أبي أبي، قالت: والله ما احتجزوا حتى قتلوه، فقال حذيفة: غفر الله لكم. قال عروة: فوالله ما زال في حذيفة منه بقية خير, حتى لحق بالله.
1637- أخبرنا عفان بن مسلم، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رأيت كأني في درع حصينة, ورأيت بقرا منحرة, فأولت أن الدرع المدينة, والبقر نفر، فإن شئتم أقمنا بالمدينة, فإن دخلوا علينا قاتلناهم فيها. فقالوا: والله ما دخلت علينا في الجاهلية, فتدخل علينا في الإسلام, قال: فشأنكم إذا، فذهبوا, فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته. فقالوا: ما صنعنا؟ رددنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيه. فجاءوا فقالوا: شأنك يا رسول الله, فقال: الآن، ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل.
1638- حدثنا محمد بن حميد العبدي، عن معمر، عن قتادة، أن رباعية النبي صلى الله عليه وسلم أصيبت يوم أحد أصابها عتبة بن أبي وقاص, وشجه في جبهته, فكان سالم مولى أبي حذيفة يغسل عن النبي صلى الله عليه وسلم الدم, والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: كيف يفلح قوم صنعوا هذا بنبيهم؟ فأنزل الله تبارك وتعالى: {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون}.
1639- أخبرنا محمد بن حميد، عن معمر، عن الزهري، أن الشيطان صاح يوم أحد: إن محمدا قد قتل, قال كعب بن مالك: فكنت أنا أول من عرف النبي صلى الله عليه وسلم، عرفت عينيه تحت المغفر, فناديت بصوتي الأعلى: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إلي أن اسكت، فأنزل الله تعالى جده: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل}.
1640- أخبرنا قتيبة بن سعيد البلخي، أخبرنا ليث بن سعد، عن عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن أبي بن خلف الجمحي أسر يوم بدر، فلما افتدي من رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن عندي فرسا أعلفها كل يوم فرق ذرة, لعلي أقتلك عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أنا أقتلك عليها إن شاء الله, فلما كان يوم أحد, أقبل أبي بن خلف يركض فرسه تلك, حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم, فاعترض رجال من المسلمين له ليقتلوه, فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: استأخروا استأخروا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بحربة في يده, فرمى بها أبي بن خلف, فكسرت الحربة ضلعا من أضلاعه، فرجع إلى أصحابه ثقيلا, فاحتملوه حتى ولوا به, وطفقوا يقولون له: لا بأس بك، فقال لهم أبي: ألم يقل لي: بل أنا أقتلك إن شاء الله، فانطلق به أصحابه, فمات ببعض الطريق فدفنوه. قال سعيد بن المسيب: وفيه أنزل الله تبارك وتعالى: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}.
1641- أخبرنا عتاب بن زياد، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن سفيان بن عيينة، عن يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد، أو غيره، قال: كانت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد درعان.
1642- أخبرنا عتاب بن زياد، أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، قال: لقد أصيب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد نحو من ثلاثين، كلهم يجيء حتى يجثو بين يديه، أو قال: يتقدم بين يديه، ثم يقول: وجهي لوجهك الوفاء، ونفسي لنفسك الفداء، وعليك سلام الله غير مودع.
1643- أخبرنا الحسن بن موسى الأشيب، وعمرو بن خالد المصري، قالا: أخبرنا زهير بن معاوية، أخبرنا أبو إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: لما كان يوم أحد, جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة، وكانوا خمسين رجلا، عبد الله بن جبير الأنصاري، ووضعهم موضعا، وقال: إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا قد هزمنا القوم وظهرنا عليهم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، قال: فهزمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأنا والله رأيت النساء يشتددن على الجبل قد بدت أسؤقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن, فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة، أي قوم الغنيمة، قد ظهر أصحابكم، فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: إنا والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، قال: فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين, فذلك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم, فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلا, فأصابوا منا سبعين رجلا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة: سبعين أسيرا وسبعين قتيلا، فأقبل أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ ثلاث مرات، قال: فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ قال أبو إسحاق: أيهم، قال الحسن بن موسى: أي ليس فوقهم أحد، ثم أقبل أبو سفيان على أصحابه, فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا، وقد كفيتموهم، فما ملك عمر نفسه أن قال: كذبت والله يا عدو الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوءك, قال: فقال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، ثم إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني، ثم جعل يرتجز ويقول: أعل هبل، أعل هبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبونه؟ قالوا: يا رسول الله، بماذا نجيبه؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل، قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبونه؟ قالوا: وبماذا نجيبه يا رسول الله؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم.
1644- أخبرنا خالد بن خداش، أخبرنا عبد العزيز بن أبي حازم، حدثني أبي، عن سهل بن سعد، قال: كسرت رباعية رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد, وجرح وجهه، وكسرت البيضة على رأسه، فكانت فاطمة عليها السلام تغسل جرحه, وعلي يسكب الماء عليها بالمجن, يعني الترس, فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة, أخذت فاطمة قطعة حصير فأحرقته, فألصقته عليه، فاستمسك الدم.
1645- أخبرنا خالد بن خداش، أخبرنا الفضل بن موسى السيناني، عن محمد بن عمرو، عن سعد بن المنذر، عن أبي حميد الساعدي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوم أحد, حتى إذا جاوز ثنية الوداع إذا هو بكتيبة خشناء, فقال: من هؤلاء؟ قالوا: هذا عبد الله بن أبي بن سلول في ستمائة من مواليه من اليهود من أهل قينقاع، وهم رهط عبد الله بن سلام، قال: وقد أسلموا؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: قولوا لهم فليرجعوا، فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين.
1646- أخبرنا أبو المنذر البزاز، أخبرنا سفيان الثوري، عن حصين، عن أبي مالك؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد.
** - غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم حمراء الأسد **
1647- ثم غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم حمراء الأسد يوم الأحد لثماني ليال خلون من شوال على رأس اثنتين وثلاثين شهرا من مهاجره، قالوا: لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد مساء يوم السبت بات تلك الليلة على بابه ناس من وجوه الأنصار وبات المسلمون يداوون جراحاتهم، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح يوم الأحد, أمر بلالا أن ينادي أن رسول الله يأمركم بطلب عدوكم ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس, فقال جابر بن عبد الله: إن أبي خلفني يوم أحد على أخوات لي, فلم أشهد الحرب, فأذن لي أن أسير معك، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلم يخرج معه أحد لم يشهد القتال غيره.
ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلوائه، وهو معقود لم يحل, فدفعه إلى علي بن أبي طالب, ويقال: إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنهما, وخرج وهو مجروح في وجهه، ومشجوج في جبهته، ورباعيته قد شظيت، وشفته السفلى قد كلمت في باطنها، وهو متوهن منكبه الأيمن من ضربة ابن قميئة, وركبتاه مجحوشتان، وحشد أهل العوالي ونزلوا حيث أتاهم الصريخ, وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسه، وخرج الناس معه, فبعث ثلاثة نفر من أسلم طليعة في آثار القوم, فلحق اثنان منهم القوم بحمراء الأسد, وهي من المدينة على عشرة أميال طريق العقيق متياسرة عن ذي الحليفة إذا أخذتها في الوادي وللقوم زجل وهم يأتمرون بالرجوع وصفوان بن أمية ينهاهم عن ذلك، فبصروا بالرجلين, فعطفوا عليهما فعلوهما ومضوا ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه حتى عسكروا بحمراء الأسد، فدفن الرجلين في قبر واحد, وهما القرينان, وكان المسلمون يوقدون تلك الليالي خمسمائة نار حتى ترى من المكان البعيد، وذهب صوت معسكرهم ونيرانهم في كل وجه, فكبت الله تبارك وتعالى بذلك عدوهم, فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فدخلها يوم الجمعة وقد غاب خمس ليال, وكان استخلف على المدينة عبد الله ابن أم مكتوم.
** - سرية أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي **
1648- ثم سرية أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي إلى قطن، وهو جبل بناحية فيد, به ماء لبني أسد بن خزيمة, في هلال المحرم, على رأس خمسة وثلاثين شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن طليحة, وسلمة ابني خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعوانهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سلمة وعقد له لواء, وبعث معه مائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار، وقال: سر حتى تنزل أرض بني أسد، فأغر عليهم قبل أن تلاقى عليك جموعهم، فخرج فأغذ السير, ونكب عن سنن الطريق, وسبق الأخبار, وانتهى إلى أدنى قطن، فأغار على سرح لهم فضموه وأخذوا رعاء لهم مماليك ثلاثة، وأفلت سائرهم, فجاءوا جمعهم فحذروهم فتفرقوا في كل ناحية، ففرق أبو سلمة أصحابه ثلاث فرق في طلب النعم والشاء, فآبوا إليه سالمين قد أصابوا إبلا وشاء ولم يلقوا أحدا، فانحدر أبو سلمة بذلك كله إلى المدينة.
** - سرية عبد الله بن أنيس **
1649- ثم سرية عبد الله بن أنيس إلى سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي بعرنة، خرج من المدينة يوم الاثنين لخمس خلون من المحرم, على رأس خمسة وثلاثين شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم, وذلك أنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سفيان بن خالد الهذلي ثم اللحياني, وكان ينزل عرنة وما والاها في ناس من قومه وغيرهم قد جمع الجموع لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أنيس ليقتله, فقال: صفه لي يا رسول الله، قال: إذا رأيته هبته, وفرقت منه, وذكرت الشيطان، قال: وكنت لا أهاب الرجال, واستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقول، فأذن لي, فأخذت سيفي وخرجت أعتزي إلى خزاعة, حتى إذا كنت ببطن عرنة, لقيته يمشي ووراءه الأحابيش ومن ضوي إليه، فعرفته بنعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهبته، فرأيتني أقطر، فقلت: صدق الله ورسوله، فقال: من الرجل؟ فقلت: رجل من خزاعة سمعت بجمعك لمحمد, فجئتك لأكون معك، قال: أجل إني لأجمع له، فمشيت معه وحدثته واستحلى حديثي, حتى انتهى إلى خبائه، وتفرق عنه أصحابه, حتى إذا هدأ الناس وناموا اغتررته فقتلته وأخذت رأسه، ثم دخلت غارا في الجبل, وضربت العنكبوت علي، وجاء الطلب فلم يجدوا شيئا, فانصرفوا راجعين. ثم خرجت فكنت أسير الليل وأتوارى بالنهار, حتى قدمت المدينة, فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فلما رآني قال: أفلح الوجه، قلت: أفلح وجهك يا رسول الله، فوضعت رأسه بين يديه وأخبرته خبري فدفع إلي عصا، وقال: تخصر بهذه في الجنة، فكانت عنده, فلما حضرته الوفاة أوصى أهله أن يدرجوها في كفنه، ففعلوا, وكانت غيبته ثماني عشرة ليلة, وقدم يوم السبت لسبع بقين من المحرم.
** - سرية المنذر بن عمرو **
1650- ثم سرية المنذر بن عمرو الساعدي إلى بئر معونة في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: وقدم عامر بن مالك بن جعفر أبو براء ملاعب الأسنة الكلابي على رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأهدى له, فلم يقبل منه وعرض عليه الإسلام فلم يسلم ولم يبعد، وقال: لو بعثت معي نفرا من أصحابك إلى قومي لرجوت أن يجيبوا دعوتك ويتبعوا أمرك، فقال: إني أخاف عليهم أهل نجد، فقال: أنا لهم جار إن يعرض لهم أحد. فبعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين رجلا من الأنصار شببة يسمون القراء، وأمر عليهم المنذر بن عمرو الساعدي، فلما نزلوا ببئر معونة، وهو ماء من مياه بني سليم، وهو بين أرض بني عامر وأرض بني سليم، كلا البلدين يعد منه، وهو بناحية المعدن، نزلوا عليها وعسكروا بها, وسرحوا ظهرهم، وقدموا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل، فوثب على حرام فقتله واستصرخ عليهم بني عامر فأبوا، وقالوا: لا يخفر جوار أبي براء، فاستصرخ عليهم قبائل من سليم عصية, ورعلا, وذكوان، فنفروا معه ورأسوه.
واستبطأ المسلمون حراما، فأقبلوا في أثره، فلقيهم القوم فأحاطوا بهم فكاثروهم، فتقاتلوا, فقتل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم سليم بن ملحان, والحكم بن كيسان, في سبعين رجلا, فلما أحيط بهم، قالوا: اللهم إنا لا نجد من يبلغ رسولك منا السلام غيرك، فأقرئه منا السلام. فأخبره جبرائيل صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: وعليهم السلام.
وبقي المنذر بن عمرو، فقالوا: إن شئت آمناك، فأبى وأتى مصرع حرام فقاتلهم حتى قتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعنق ليموت, يعني أنه تقدم على الموت، وهو يعرفه، وكان معهم عمرو بن أمية الضمري فقتلوا جميعا غيره، فقال عامر بن الطفيل: قد كان على أمي نسمة, فأنت حر عنها, وجز ناصيته, وفقد عمرو بن أمية عامر بن فهيرة من بين القتلى, فسأل عنه عامر بن الطفيل، فقال: قتله رجل من بني كلاب, يقال له: جبار بن سلمى لما طعنه, قال: فزت والله، ورفع إلى السماء علوا. فأسلم جبار بن سلمى لما رأى من قتل عامر بن فهيرة ورفعه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الملائكة وارت جثته وأنزل عليين.
وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر أهل بئر معونة, وجاءه تلك الليلة أيضا مصاب خبيب بن عدي, ومرثد بن أبي مرثد وبعث محمد بن مسلمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارها، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلتهم بعد الركعة من الصبح، فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم سنين كسني يوسف، اللهم عليك ببني لحيان وعضل والقارة وزعب ورعل وذكوان وعصية, فإنهم عصوا الله ورسوله.
ولم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى ما وجد على قتلى بئر معونة، وأنزل الله فيهم قرآنا حتى نسخ بعد: بلغوا قومنا عنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اهد بني عامر واطلب خفرتي من عامر بن الطفيل. وأقبل عمرو بن أمية سار أربعا على رجليه، فلما كان بصدور قناة لقي رجلين من بني كلاب قد كان لهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم أمان فقتلهما، وهو لا يعلم ذلك، ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بمقتل أصحاب بئر معونة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبت من بينهم. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل العامريين، فقال: بئس ما صنعت, قد كان لهما مني أمان وجوار، لأدينهما, فبعث بديتهما إلى قومهما.
1651- أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن رعلا، وذكوان، وعصية، وبني لحيان أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستمدوه على قومهم، فأمدهم سبعين رجلا من الأنصار, وكانوا يدعون فينا القراء، كانوا يحطبون بالنهار, ويصلون بالليل، فلما بلغوا بئر معونة غدروا بهم فقتلوهم، فبلغ ذلك نبي الله صلى الله عليه وسلم, فقنت شهرا في صلاة الصبح يدعو على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان. قال: فقرأنا بهم قرآنا زمانا, ثم إن ذلك رفع أو نسي: بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا.
1652- أخبرنا يحيى بن عباد، أخبرنا عمارة بن زاذان، حدثني مكحول، قال: قلت لأنس بن مالك: أبا حمزة، القراء، قال: ويحك، قتلوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا قوما يستعذبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويحطبون, حتى إذا كان الليل قاموا إلى السواري للصلاة.
1653- أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، ورجال من أهل العلم: أن المنذر بن عمرو الساعدي قتل يوم بئر معونة، وهو الذي يقال له: أعنق ليموت، وكان عامر بن الطفيل استنصر لهم بني سليم, فنفروا معه, فقتلوهم غير عمرو بن أمية الضمري, أخذه عامر بن الطفيل فأرسله، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبت من بينهم، وكان من أولئك الرهط عامر بن فهيرة، قال ابن شهاب: فزعم عروة بن الزبير أنه قتل يومئذ, فلم يوجد جسده حين دفنوا، قال عروة: كانوا يرون أن الملائكة هي دفنته.
1654- أخبرنا عتاب بن زياد، أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا مالك بن أنس، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، قال: أنزل في الذين قتلوا ببئر معونة قرآن حتى نسخ بعد: بلغوا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه. ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الذين قتلوهم ثلاثين غداة، يدعو على رعل وذكوان, وعصية عصت الله ورسوله.
1655- أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عاصم، قال: سمعت أنس بن مالك، قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد على أحد ما وجد على أصحاب بئر معونة.
** - سرية مرثد بن أبي مرثد **
1656- ثم سرية مرثد بن أبي مرثد الغنوي إلى الرجيع, في صفر, على رأس ستة وثلاثين شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
1657- أخبرنا عبد الله بن إدريس الأودي، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الظفري (ح) وأخبرنا معن بن عيسى الأشجعي، أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عمر بن أسيد بن العلاء بن جارية، وكان من جلساء أبي هريرة, قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رهط من عضل والقارة, وهم إلى الهون بن خزيمة, فقالوا: يا رسول الله، إن فينا إسلاما, فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهونا ويقرئونا القرآن ويعلمونا شرائع الإسلام، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم عشرة رهط عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح, ومرثد بن أبي مرثد، وعبد الله بن طارق, وخبيب بن عدي, وزيد بن الدثنة, وخالد بن البكير, ومعتب بن عبيد، وهو أخو عبد الله بن طارق لأمه، وهما من بلي حليفان في بني ظفر، وأمر عليهم عاصم بن ثابت، وقال قائل: مرثد بن أبي مرثد، فخرجوا, حتى إذا كانوا على الرجيع، وهو ماء لهذيل بصدور الهدة، والهدة على سبعة أميال منها، والهدة على سبعة أميال من عسفان، فغدروا بالقوم واستصرخوا عليهم هذيلا، فخرج إليهم بنو لحيان, فلم يرع القوم إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم، فأخذ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سيوفهم, فقالوا لهم: إنا والله ما نريد قتالكم، إنما نريد أن نصيب بكم ثمنا من أهل مكة, ولكم العهد والميثاق ألا نقتلكم.
فأما عاصم بن ثابت, ومرثد بن أبي مرثد, وخالد بن أبي البكير, ومعتب بن عبيد, فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا، فقاتلوهم حتى قتلوا، وأما زيد بن الدثنة, وخبيب بن عدي, وعبد الله بن طارق, فاستأسروا وأعطوا بأيديهم، وأرادوا رأس عاصم ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد, وكانت نذرت لتشربن في قحف عاصم الخمر, وكان قتل ابنيها (1) مسافعا وجلاسا يوم أحد, فحمته الدبر فقالوا: أمهلوه حتى تمسي، فإنها لو قد أمست ذهبت عنه. فبعث الله الوادي فاحتمله، وخرجوا بالنفر الثلاثة حتى إذا كانوا بمر الظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القران وأخذ سيفه واستأخر عنه القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره بمر الظهران، وقدموا بخبيب, وزيد مكة. فأما زيد فابتاعه صفوان بن أمية فقتله بأبيه, وابتاع حجير بن أبي إهاب خبيب بن عدي لابن أخته عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل ليقتله بأبيه, فحبسوهما حتى خرجت الأشهر الحرم, ثم أخرجوهما إلى التنعيم, فقتلوهما, وكانا صليا ركعتين ركعتين قبل أن يقتلا، فخبيب أول من سن ركعتين عند القتل.
1658- أخبرنا عبد الله بن إدريس، حدثني عمرو بن عثمان بن عبد الله بن موهب, مولى الحارث بن عامر, قال: قال موهب: قال لي خبيب, وكانوا جعلوه عندي: يا موهب، أطلب إليك ثلاثا: أن تسقيني العذب، وأن تجنبني ما ذبح على النصب، وأن تؤذني إذا أرادوا قتلي.
1659- أخبرنا عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة: أن نفرا من قريش فيهم أبو سفيان حضروا قتل زيد, فقال قائل منهم: يا زيد، أنشدك الله، أتحب أنك الآن في أهلك وأن محمدا عندنا مكانك نضرب عنقه؟ قال: لا والله، ما أحب أن محمدا يشاك في مكانه بشوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي، قال: يقول أبو سفيان: والله ما رأيت من قوم قط أشد حبا لصاحبهم من أصحاب محمد له.
** - غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير **
1660- ثم غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير, في شهر ربيع الأول, سنة أربع على رأس سبعة وثلاثين شهرا من مهاجره, وكانت منازل بني النضير بناحية الغرس وما والاها مقبرة بني خطمة اليوم, فكانوا حلفاء لبني عامر.
قالوا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السبت, فصلى في مسجد قباء, ومعه نفر من أصحابه من المهاجرين والأنصار, ثم أتى بني النضير, فكلمهم أن يعينوه في دية الكلابيين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، فقالوا: نفعل يا أبا القاسم ما أحببت، وخلا بعضهم ببعض, وهموا بالغدر به. وقال عمرو بن جحاش بن كعب بن بسيل النضري: أنا أظهر على البيت فأطرح عليه صخرة، فقال سلام بن مشكم: لا تفعلوا والله ليخبرن بما هممتم به, وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر بما هموا, فنهض سريعا كأنه يريد حاجة، فتوجه إلى المدينة, ولحقه أصحابه، فقالوا: أقمت ولم نشعر؟ قال: همت يهود بالغدر, فأخبرني الله بذلك فقمت.
وبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة أن اخرجوا من بلدي فلا تساكنوني بها، وقد هممتم بما هممتم به من الغدر, وقد أجلتكم عشرا، فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه، فمكثوا على ذلك أياما يتجهزون, وأرسلوا إلى ظهر لهم بذي الجدر وتكاروا من ناس من أشجع إبلا، فأرسل إليهم ابن أبي: لا تخرجوا من دياركم وأقيموا في حصنكم، فإن معي ألفين من قومي وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصنكم فيموتون عن آخرهم، وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان.
فطمع حيي فيما قال ابن أبي, فأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لا نخرج من ديارنا, فاصنع ما بدا لك. فأظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم التكبير, وكبر المسلمون لتكبيره، وقال: حاربت يهود، فصار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه, فصلى العصر بفضاء بني النضير، وعلي رضي الله عنه يحمل رايته, واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاموا على حصونهم معهم النبل والحجارة, واعتزلتهم قريظة فلم تعنهم، وخذلهم ابن أبي وحلفاؤهم من غطفان فأيسوا من نصرهم، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطع نخلهم، فقالوا: نحن نخرج عن بلادك، فقال: لا أقبله اليوم، ولكن اخرجوا منها ولكم دماؤكم وما حملت الإبل إلا الحلقة، فنزلوا يهود على ذلك.
وكان حاصرهم خمسة عشر يوما، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم, ثم أجلاهم عن المدينة, وولى إخراجهم محمد بن مسلمة، وحملوا النساء والصبيان, وتحملوا على ستمائة بعير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هؤلاء في قومهم بمنزلة بني المغيرة في قريش، فلحقوا بخيبر, وحزن المنافقون عليهم حزنا شديدا، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم الأموال والحلقة, فوجد من الحلقة خمسين درعا, وخمسين بيضة, وثلاثمائة سيف, وأربعين سيفا. وكانت بنو النضير صفيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة له، حبسا لنوائبه, ولم يخمسها ولم يسهم منها لأحد، وقد أعطى ناسا من أصحابه, ووسع في الناس منها، فكان ممن أعطي ممن سمي لنا من المهاجرين أبو بكر الصديق بئر حجر، وعمر بن الخطاب بئر جرم، وعبد الرحمن بن عوف سوالة، وصهيب بن سنان الضراطة، والزبير بن العوام, وأبو سلمة بن عبد الأسد البويلة، وسهل بن حنيف, وأبو دجانة مالا يقال له: مال ابن خرشة.
1661- أخبرنا محمد بن حرب المكي، وهاشم بن القاسم الكناني، قالا: أخبرنا الليث بن سعد، عن نافع، عن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل النضير وهي البويرة، فأنزل الله تعالى: {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها}.
1662- أخبرنا هوذة بن خليفة، أخبرنا عوف، عن الحسن؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أجلى بني النضير قال: امضوا، فإن هذا أول الحشر وأنا على الأثر.
** - غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر الموعد **
1663- ثم غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر الموعد وهي غير بدر القتال، وكانت لهلال ذي القعدة, على رأس خمسة وأربعين شهرا من مهاجره، قالوا: لما أراد أبو سفيان بن حرب أن ينصرف يوم أحد نادى: الموعد بيننا وبينكم بدر الصفراء رأس الحول نلتقي بها فنقتتل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب: قل: نعم إن شاء الله. فافترق الناس على ذلك، ثم رجعت قريش فخبروا من قبلهم بالموعد وتهيئوا للخروج.
فلما دنا الموعد كره أبو سفيان الخروج وقدم نعيم بن مسعود الأشجعي مكة، فقال له أبو سفيان: إني قد واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي ببدر, وقد جاء ذلك الوقت، وهذا عام جدب, وإنما يصلحنا عام خصب غيداق، وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج فيجترئ علينا, فنجعل لك عشرين فريضة يضمنها لك سهيل بن عمرو على أن تقدم المدينة فتخذل أصحاب محمد، قال: نعم. ففعلوا وحملوه على بعير، فأسرع السير، فقدم المدينة، فأخبرهم بجمع أبي سفيان لهم، وما معه من العدة والسلاح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لأخرجن وإن لم يخرج معي أحد. فنصر الله المسلمين, وأذهب عنهم الرعب, فاستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة عبد الله بن رواحة, وحمل لواءه علي بن أبي طالب, وسار في المسلمين وهم ألف وخمسمائة، وكانت الخيل عشرة أفراس، وخرجوا ببضائع لهم وتجارات، وكانت بدر الصفراء مجتمعا يجتمع فيه العرب وسوقا تقوم لهلال ذي القعدة إلى ثمان تخلو منه ثم يتفرق الناس إلى بلادهم. فانتهوا إلى بدر ليلة هلال ذي القعدة, وقامت السوق صبيحة الهلال، فأقاموا بها ثمانية أيام وباعوا ما خرجوا به من التجارات فربحوا للدرهم درهما وانصرفوا، وقد سمع الناس بسيرهم، وخرج أبو سفيان بن حرب من مكة في قريش وهم ألفان ومعهم خمسون فرسا حتى انتهوا إلى مجنة، وهي مر الظهران, ثم قال: ارجعوا، فإنه لا يصلحنا إلا عام خصب غيداق نرعى فيه الشجر, ونشرب فيه اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب, فإني راجع فارجعوا، فسمى أهل مكة ذلك الجيش جيش السويق، يقولون: خرجوا يشربون السويق. وقدم معبد بن أبي معبد الخزاعي مكة بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وموافاته بدرا في أصحابه، فقال صفوان بن أمية لأبي سفيان: قد نهيتك يومئذ أن تعد القوم وقد اجترءوا علينا ورأوا أن قد أخلفناهم، ثم أخذوا في الكيد والنفقة والتهيؤ لغزوة الخندق.
1664- أخبرنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن مجاهد؛ {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم}، قال: هذا أبو سفيان قال يوم أحد: يا محمد، موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا، فقال محمد صلى الله عليه وسلم: عسى، فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم لموعده, حتى نزلوا بدرا فوافقوا السوق، فذلك قول الله تبارك وتعالى: {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء}. والفضل ما أصابوا من التجارة، وهي غزوة بدر الصغرى.
** - غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات الرقاع **
1665- ثم غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات الرقاع في المحرم على رأس سبعة وأربعين شهرا من مهاجره.
قالوا: قدم قادم المدينة بجلب له فأخبر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنمارا وثعلبة قد جمعوا لهم الجموع؛ فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستخلف على المدينة عثمان بن عفان وخرج ليلة السبت لعشر خلون من المحرم في أربعمائة من أصحابه، ويقال: سبعمائة, فمضى حتى أتى محالهم بذات الرقاع، وهو جبل فيه بقع حمرة وسواد وبياض قريب من النخيل بين السعد والشقرة, فلم يجد في محالهم أحدا إلا نسوة فأخذهن وفيهن جارية وضيئة، وهربت الأعراب إلى رؤوس الجبال، وحضرت الصلاة فخاف المسلمون أن يغيروا عليهم, فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف, فكان ذلك أول ما صلاها.
وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة, فابتاع من جابر بن عبد الله في سفره ذلك جمله بأوقية, وشرط له ظهره إلى المدينة, وسأله عن دين أبيه وأخبره به، فاستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة خمسا وعشرين مرة, وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جعال بن سراقة بشيرا إلى المدينة بسلامته وسلامة المسلمين، وقدم صرارا يوم الأحد لخمس ليال بقين من المحرم، وصرار على ثلاثة أميال من المدينة, وهي بئر جاهلية على طريق العراق, وغاب خمس عشرة ليلة.
1666- أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا أبان بن يزيد، (ح) وحدثني يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله، قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, حتى إذا كنا بذات الرقاع, كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم معلق بشجرة, فأخذه فاخترطه, وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتخافني؟ قال: لا، قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله يمنعني منك، قال: فتهدده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأغمد السيف وعلقه، قال: فنودي بالصلاة، قال: فصلى بطائفة ركعتين, ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات, وللقوم ركعتان.
** - غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم دومة الجندل **
1667- ثم غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم دومة الجندل في شهر ربيع الأول على رأس تسعة وأربعين شهرا من مهاجره، قالوا: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بدومة الجندل جمعا كثيرا, وأنهم يظلمون من مر بهم من الضافطة, وأنهم يريدون أن يدنوا من المدينة، وهي طرف من أفواه الشام, بينها وبين دمشق خمس ليال، وبينها وبين المدينة خمس عشرة أو ست عشرة ليلة، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري, وخرج لخمس ليال بقين من شهر ربيع الأول, في ألف من المسلمين, فكان يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل له من بني عذرة, يقال له: مذكور، فلما دنا منهم إذا هم مغربون، وإذا آثار النعم والشاء, فهجم على ماشيتهم ورعاتهم, فأصاب من أصاب, وهرب من هرب في كل وجه، وجاء الخبر أهل دومة, فتفرقوا, ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بساحتهم, فلم يجد بها أحدا, فأقام بها أياما وبث السرايا وفرقها, فرجعت ولم تصب منهم أحدا، وأخذ منهم رجل, فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، فقال: هربوا حيث سمعوا أنك أخذت نعمهم، فعرض عليه الإسلام فأسلم ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ولم يلق كيدا، لعشر ليال بقين من شهر ربيع الآخر، وفي هذه الغزاة وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن أن يرعى بتغلمين وما والاه إلى المراض, وكان ما هناك قد أخصب وبلاد عيينة قد أجدبت، وتغلمين من المراض على ميلين، والمراض على ستة وثلاثين ميلا من المدينة, على طريق الربذة.
** - غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم المريسيع **
1668- ثم غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم المريسيع, في شعبان سنة خمس من مهاجره، قالوا: إن بلمصطلق من خزاعة وهم من حلفاء بني مدلج, وكانوا ينزلون على بئر لهم يقال لها: المريسيع، بينها وبين الفرع نحو من يوم، وبين الفرع والمدينة ثمانية برد، وكان رأسهم وسيدهم الحارث بن أبي ضرار, فسار في قومه ومن قدر عليه من العرب, فدعاهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجابوه وتهيئوا للمسير معه إليه، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم, فبعث بريدة بن الحصيب الأسلمي يعلم علم ذلك، فأتاهم ولقي الحارث بن أبي ضرار وكلمه, ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره خبرهم, فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إليهم، فأسرعوا الخروج وقادوا الخيول، وهي ثلاثون فرسا في المهاجرين منها عشرة، وفي الأنصار عشرون، وخرج معه بشر كثير من المنافقين لم يخرجوا في غزاة قط مثلها، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة.
وكان معه فرسان لزاز والظرب، وخرج يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان، وبلغ الحارث بن أبي ضرار ومن معه مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه قد قتل عينه الذي كان وجهه ليأتيه بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسيء بذلك الحارث ومن معه وخافوا خوفا شديدا, وتفرق عنهم من كان معهم من العرب، وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المريسيع، وهو الماء, فنزل به وضرب قبته، ومعه عائشة, وأم سلمة، فتهيئوا للقتال، وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه, ودفع راية المهاجرين إلى أبي بكر الصديق، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة فرموا بالنبل ساعة، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه فحملوا حملة رجل واحد، فما أفلت منهم إنسان، وقتل عشرة منهم, وأسر سائرهم، وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال والنساء والذرية والنعم والشاء، ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد. وكان ابن عمر يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار عليهم وهم غارون ونعمهم تسقى على الماء, فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم، والأول أثبت، وأمر بالأسارى فكتفوا واستعمل عليهم بريدة بن الحصيب، وأمر بالغنائم فجمعت واستعمل عليها شقران مولاه، وجمع الذرية ناحية, واستعمل على مقسم الخمس وسهمان المسلمين محمية بن جزء، واقتسم السبي، وفرق وصار في أيدي الرجال, وقسم النعم والشاء، فعدلت الجزور بعشر من الغنم، وبيعت الرثة من يزيد، وأسهم للفرس سهمان ولصاحبه سهم وللراجل سهم، وكانت الإبل ألفي بعير والشاء خمسة آلاف شاة، وكان السبي مئتي أهل بيت، وصارت جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار في سهم ثابت بن قيس بن شماس، وابن عم له، فكاتباها على تسع أواقي ذهب، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابتها وأداها عنها وتزوجها.
وكانت جارية حلوة، ويقال: جعل صداقها عتق كل أسير من بني المصطلق، ويقال: جعل صداقها عتق أربعين من قومها، وكان السبي منهم من من عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير فداء، ومنهم من افتدي، فافتديت المرأة والذرية بست فرائض، وقدموا المدينة ببعض السبي، فقدم عليهم أهلوهم فافتدوهم، فلم تبق امرأة من بني المصطلق إلا رجعت إلى قومها، وهو الثبت عندنا، وتنازع سنان بن وبر الجهني حليف بني سالم من الأنصار وجهجاه بن سعيد الغفاري على الماء، فضرب جهجاه سنانا بيده فنادى سنان: يا للأنصار ونادى جهجاه: يا لقريش، يا لكنانة، فأقبلت قريش سراعا, وأقبلت الأوس والخزرج وشهروا السلاح، فتكلم في ذلك ناس من المهاجرين والأنصار, حتى ترك سنان حقه وعفا عنه واصطلحوا، فقال عبد الله بن أبي: {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} ثم أقبل على من حضر من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، وسمع ذلك زيد بن أرقم فأبلغ النبي صلى الله عليه وسلم قوله فأمر بالرحيل وخرج من ساعته وتبعه الناس، فقدم عبد الله بن عبد الله بن أبي الناس حتى وقف لأبيه على الطريق، فلما رآه أناخ به وقال: لا أفارقك حتى تزعم أنك الذليل ومحمد العزيز، فمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: دعه فلعمري لنحسنن صحبته ما دام بين أظهرنا، وفي هذه الغزاة سقط عقد لعائشة فاحتبسوا على طلبه، فنزلت آية التيمم، فقال أسيد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، وفي هذه الغزاة كان حديث عائشة وقول أهل الإفك فيها. قال: وأنزل الله تبارك وتعالى براءتها، وغاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاته هذه ثمانية وعشرين يوما، وقدم المدينة لهلال شهر رمضان.
** - غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق، وهي غزاة الأحزاب **
1669- ثم غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق, وهي غزوة الأحزاب, في ذي القعدة سنة خمس من مهاجره. قالوا: لما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير ساروا إلى خيبر, فخرج نفر من أشرافهم ووجوههم إلى مكة, فألبوا قريشا ودعوهم إلى الخروج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاهدوهم وجامعوهم على قتاله, ووعدوهم لذلك موعدا، ثم خرجوا من عندهم, فأتوا غطفان وسليما ففارقوهم على مثل ذلك، وتجهزت قريش وجمعوا أحابيشهم ومن تبعهم من العرب, فكانوا أربعة آلاف، وعقدوا اللواء في دار الندوة, وحمله عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، وقادوا معهم ثلاثمائة فرس, وكان معهم ألف وخمسمائة بعير، وخرجوا يقودهم أبو سفيان بن حرب بن أمية، ووافتهم بنو سليم بمر الظهران، وهم سبعمائة يقودهم سفيان بن عبد شمس حليف حرب بن أمية، وهو أبو أبي الأعور السلمي, الذي كان مع معاوية بصفين، وخرجت معهم بنو أسد يقودهم طلحة بن خويلد الأسدي، وخرجت فزارة فأوعبت، وهم ألف بعير يقودهم عيينة بن حصن، وخرجت أشجع وهم أربعمائة يقودهم مسعود بن رخيلة، وخرجت بنو مرة وهم أربعمائة يقودهم الحارث بن عوف، وخرج معهم غيرهم.
وقد روى الزهري؛ أن الحارث بن عوف رجع ببني مرة فلم يشهد الخندق منهم أحد، وكذلك روت بنو مرة، والأول أثبت أنهم قد شهدوا الخندق مع الحارث بن عوف، وهجاه حسان بن ثابت فكان جميع القوم الذين وافوا الخندق ممن ذكر من القبائل عشرة آلاف، وهم الأحزاب وكانوا ثلاثة عساكر وعناج الأمر إلى أبي سفيان بن حرب؛ فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فصولهم من مكة ندب الناس، وأخبرهم خبر عدوهم وشاورهم في أمرهم فأشار عليه سلمان الفارسي بالخندق، فأعجب ذلك المسلمين وعسكر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سفح سلع وجعل سلعا خلف ظهره وكان المسلمون يومئذ ثلاثة آلاف، واستخلف على المدينة عبد الله ابن أم مكتوم ثم خندق على المدينة، وجعل المسلمون يعملون مستعجلين يبادرون قدوم عدوهم عليهم، وعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم بيده لينشط المسلمين، ووكل بكل جانب منه قوما فكان المهاجرون يحفرون من ناحية راتج إلى ذباب، وكانت الأنصار يحفرون من ذباب إلى جبل بني عبيد، وكان سائر المدينة مشبكا بالبنيان فهي كالحصن، وخندقت بنو عبد الأشهل عليها مما يلي راتج إلى خلفها حتى جاء الخندق من وراء المسجد، وخندقت بنو دينار من عند جربا إلى موضع دار ابن أبي, الجنوب اليوم، وفرغوا من حفره في ستة أيام، ورفع المسلمون النساء والصبيان في الآطام.
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لثماني ليال مضين من ذي القعدة، وكان يحمل لواءه، لواء المهاجرين زيد بن حارثة، وكان يحمل لواء الأنصار سعد بن عبادة، ودس أبو سفيان بن حرب حيي بن أخطب إلى بني قريظة يسألهم أن ينقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكونوا معهم عليه، فامتنعوا من ذلك ثم أجابوا إليه، وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل. قال: ونجم النفاق وفشل الناس وعظم البلاء, واشتد الخوف, وخيف على الذراري والنساء، وكانوا كما قال الله تبارك وتعالى: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر} ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون وجاه العدو لا يزولون غير أنهم يعتقبون خندقهم ويحرسونه.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث سلمة بن أسلم في مئتي رجل، وزيد بن حارثة في ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة ويظهرون التكبير، وذلك أنه كان يخاف على الذراري من بني قريظة، وكان عباد بن بشر على حرس قبة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع غيره من الأنصار يحرسونه كل ليلة، فكان المشركون يتناوبون بينهم، فيغدو أبو سفيان بن حرب في أصحابه يوما ويغدو خالد بن الوليد يوما ويغدو عمرو بن العاص يوما ويغدو هبيرة بن أبي وهب يوما ويغدو ضرار بن الخطاب الفهري يوما، فلا يزالون يجيلون خيلهم ويتفرقون مرة ويجتمعون أخرى ويناوشون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقدمون رماتهم فيرمون، فرمى حبان بن العرقة سعد بن معاذ بسهم فأصاب أكحله، فقال: خذها وأنا ابن العرقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عرق الله وجهك في النار، ويقال: الذي رماه أبو أسامة الجشمي.
ثم أجمع رؤساؤهم أن يغدوا يوما فغدوا جميعا ومعهم رؤساء سائر الأحزاب وطلبوا مضيقا من الخندق يقحمون منه خيلهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلم يجدوا ذلك، وقالوا: إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تصنعها؛ فقيل لهم: إن معه رجلا فارسيا أشار عليه بذلك. قالوا: فمن هناك إذا، فصاروا إلى مكان ضيق أغفله المسلمون فعبر عكرمة بن أبي جهل ونوفل بن عبد الله وضرار بن الخطاب وهبيرة بن أبي وهب وعمرو بن عبد ود، فجعل عمرو بن عبد ود يدعو إلى البراز ويقول:
ولقد بححت من النداء ... لجمعهم هل من مبارز؟
وهو ابن تسعين سنة، فقال علي بن أبي طالب: أنا أبارزه يا رسول الله، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه وعممه، وقال: اللهم أعنه عليه، ثم برز له، ودنا أحدهما من صاحبه وثارت بينهما غبرة وضربه علي فقتله وكبر، فعلمنا أنه قد قتله وولى أصحابه هاربين وظفرت بهم خيولهم. وحمل الزبير بن العوام على نوفل بن عبد الله بالسيف فضربه فشقه باثنين ثم اتعدوا أن يغدوا من الغد فباتوا يعبئون أصحابهم, وفرقوا كتائبهم ونحوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتيبة غليظة فيها خالد بن الوليد, فقاتلوهم يومهم ذلك إلى هوي من الليل ما يقدرون أن يزولوا من موضعهم، ولا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه ظهرا ولا عصرا ولا مغربا ولا عشاء، حتى كشفهم الله, فرجعوا متفرقين إلى منازلهم وعسكرهم، وانصرف المسلمون إلى قبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأقام أسيد بن الحضير على الخندق في مئتين من المسلمين, وكر خالد بن الوليد في خيل من المشركين يطلبون غرة من المسلمين، فناوشوهم ساعة, ومع المشركين وحشي، فزرق الطفيل بن النعمان من بني سلمة بمزراقه فقتله، وانكشفوا, وصار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبته، فأمر بلالا فأذن وأقام الظهر فصلى، ثم أقام بعد كل صلاة إقامة إقامة, وصلى هو وأصحابه ما فاتهم من الصلوات، وقال: شغلونا عن الصلاة الوسطى, يعني العصر، ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا. ولم يكن لهم بعد ذلك قتال جميعا حتى انصرفوا, إلا أنهم لا يدعون يبعثون الطلائع بالليل يطمعون في الغارة. وحصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بضع عشرة ليلة حتى خلص إلى كل امرئ منهم الكرب، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصالح غطفان على أن يعطيهم ثلث الثمرة ويخذلوا بين الناس وينصرفوا عنه, فأبت ذلك الأنصار, فترك ما كان أراد من ذلك.
وكان نعيم بن مسعود الأشجعي قد أسلم فحسن إسلامه, فمشى بين قريش وقريظة وغطفان, وأبلغ هؤلاء عن هؤلاء كلاما, وهؤلاء عن هؤلاء كلاما, يري كل حزب منهم أنه ينصح له, فقبلوا قوله, وخذله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستوحش كل حزب من صاحبه، وطلبت قريظة من قريش الرهن حتى يخرجوا فيقاتلوا معهم, فأبت ذلك قريش واتهموهم، واعتلت قريظة عليهم بالسبت, وقالوا: لا نقاتل فيه, لأن قوما منا عدوا في السبت فمسخوا قردة وخنازير. فقال أبو سفيان بن حرب: ألا أراني أستعين بإخوة القردة والخنازير. وبعث الله الريح ليلة السبت, ففعلت بالمشركين وتركت لا تقر لهم بناء ولا قدرا.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان إليهم ليأتيه بخبرهم، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تلك الليلة، فقال أبو سفيان بن حرب: يا معشر قريش, إنكم لستم بدار مقام، لقد هلك الخف والحافر, وأجدب الجناب, وأخلفتنا بنو قريظة، ولقد لقينا من الريح ما ترون فارتحلوا فإني مرتحل؛ وقام فجلس على بعيره وهو معقول، ثم ضربه فوثب على ثلاث قوائم, فما أطلق عقاله إلا بعدما قام.
وجعل الناس يرحلون, وأبو سفيان قائم حتى خف العسكر، فأقام عمرو بن العاص, وخالد بن الوليد في مئتي فارس ساقة للعسكر وردءا لهم مخافة الطلب، فرجع حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك كله. وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بحضرته أحد من العساكر قد انقشعوا إلى بلادهم، فأذن النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين في الانصراف إلى منازلهم، فخرجوا مبادرين مسرورين بذلك، وكان فيمن قتل أيضا في أيام الخندق أنس بن أوس بن عتيك من بني عبد الأشهل قتله خالد بن الوليد، وعبد الله بن سهل الأشهلي, وثعلبة بن غنمة بن عدي بن نابيء قتله هبيرة بن أبي وهب، وكعب بن زيد من بني دينار قتله ضرار بن الخطاب، وقتل أيضا من المشركين عثمان بن منبه بن عبيد بن السباق من بني عبد الدار بن قصي، وحاصرهم المشركون خمس عشرة ليلة، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأربعاء لسبع ليال بقين من ذي القعدة سنة خمس.
1670- أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: أخبرنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: خرج المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق في غداة باردة، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
اللهم إن الخير خير الآخره ... فاغفر للأنصار والمهاجره
فأجابوه:
نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا.
1671- أخبرنا عفان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا ثابت، عن أنس بن مالك؛ أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا يقولون وهم يحفرون الخندق:
نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
اللهم إن الخير خير الآخره ... فاغفر للأنصار والمهاجره
وأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبز شعير عليه إهالة سنخة، فأكلوا منها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما الخير خير الآخرة.
1672- أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، أخبرنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد، قال: جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نحفر الخندق وننقل التراب على أكتافنا, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا عيش إلا عيش الآخره، فاغفر للأنصار والمهاجره.
1673- أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق الهمداني، عن البراء بن عازب، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب ينقل معنا التراب، وقد وارى التراب بياض بطنه ويقول:
لاهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الأولى لقد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا
أبينا، يرفع بها صوته صلى الله عليه وسلم.
1674- أخبرنا أبو الوليد الطيالسي، أخبرنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: كان يوم الخندق بالمدينة قال: فجاء أبو سفيان بن حرب ومن معه من قريش ومن تبعه من كنانة، وعيينة بن حصن ومن تبعه من غطفان، وطليحة ومن تبعه من بني أسد، وأبو الأعور ومن تبعه من بني سليم، وقريظة كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد, فنقضوا ذلك وظاهروا المشركين، فأنزل الله تعالى فيهم: {وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم} فأتى جبريل عليه السلام ومعه الريح، فقال حين رأى جبريل: ألا أبشروا، ثلاثا، فأرسل الله عليهم الريح, فهتكت القباب, وكفأت القدور, ودفنت الرحال, وقطعت الأوتاد، فانطلقوا لا يلوي أحد على أحد، فأنزل الله تعالى: {إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها}، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال أبو بشر: وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع إلى منزله غسل جانب رأسه الأيمن وبقي الأيسر, قال: فقال له, يعني جبريل صلى الله عليه وسلم: ألا أراك تغسل رأسك، فوالله ما نزلنا بعد، انهض؛ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن ينهضوا إلى بني قريظة.
1675- أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثني هشام بن حسان، أخبرنا محمد بن سيرين، أخبرنا عبيدة، أخبرنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الخندق: ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا كما حبسونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس.
1676- أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي، أخبرنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي حسان، عن عبيدة، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ أنهم لم يصلوا يوم الأحزاب العصر حتى غربت الشمس، أو قال: آبت الشمس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم املأ بيوتهم نارا كما حبسونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس، أو قال: آبت الشمس. قال: فعرفنا أن صلاة الوسطى هي العصر.
1677- أخبرنا عارم بن الفضل، أخبرنا حماد بن زيد، عن عاصم، عن زر بن حبيش، عن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق: ما لهم ملأ الله قبورهم نارا كما شغلونا عن صلاة الوسطى، وهي العصر.
1678- أخبرنا محمد بن معاوية النيسابوري، أخبرنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن عبد الله بن عوف، عن أبي جمعة، وقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم عام الأحزاب صلى المغرب, فلما فرغ قال: هل علم أحد منكم أني صليت العصر؟ قالوا: يا رسول الله، صلى الله عليك، ما صليناها، فأمر المؤذن فأقام الصلاة فصلى العصر، ثم أعاد المغرب.
1679- أخبرنا الحسن بن موسى، أخبرنا زهير، أخبرنا أبو إسحاق, عن المهلب بن أبي صفرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حفر الخندق وخاف أن يبيته أبو سفيان, فقال: إن بيتم فإن دعواكم حم لا ينصرون.
1680- حدثنا الفضل بن دكين، أخبرنا شريك، عن أبي إسحاق، عن المهلب بن أبي صفرة، قال: حدثني رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الخندق: وإني لا أرى القوم إلا مبيتيكم الليلة، كان شعاركم حم لا ينصرون.
1681- أخبرنا عارم بن الفضل، أخبرنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد, قال: قال سعيد بن المسيب: حاصر النبي صلى الله عليه وسلم المشركون في الخندق أربعا وعشرين ليلة.
1682- أخبرنا محمد بن حميد العبدي, عن معمر، عن الزهري، عن أبي المسيب, قال: لما كان يوم الأحزاب حصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بضع عشرة ليلة، حتى خلص إلى كل امرئ منهم الكرب، وحتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إنك إن تشأ لا تعبد, فبينا هم على ذلك أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن بن بدر: أرأيت إن جعلت لكم ثلث ثمر الأنصار أترجع بمن معك من غطفان, وتخذل بين الأحزاب؟ فأرسل إليه عيينة: إن جعلت لي الشطر فعلت, فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة وسعد بن معاذ فأخبرهما بذلك، فقالا: إن كنت أمرت بشيء فامض لأمر الله، قال: لو كنت أمرت بشيء ما أستأمر بكما، ولكن هذا رأي أعرضه عليكما، قالا: فإنا نرى أن لا نعطيهم إلا السيف.
1683- قال محمد بن حميد: قال معمر: عن ابن أبي نجيح؛ فبينا هم على ذلك إذ جاء نعيم بن مسعود الأشجعي، وكان يأمنه الفريقان جميعا، فخذل بين الناس, فانطلق الأحزاب منهزمين من غير قتال، فذلك قوله: {وكفى الله المؤمنين القتال}.
1684- أخبرنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي البصري، أخبرنا كثير بن زيد، قال: سمعت عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال: سمعت جابر بن عبد الله، قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الأحزاب يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين الظهر والعصر، فعرفنا البشر في وجهه، قال جابر: فلم ينزل بي أمر مهم غائظ, إلا توخيت تلك الساعة من ذلك اليوم، فدعوت الله فأعرف الإجابة.
1685- أخبرنا عتاب بن زياد، أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، أنه سمع عبد الله بن أبي أوفى، يقول: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب على المشركين, فقال: اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم.
** - غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة **
1686- ثم غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة, في ذي القعدة, سنة خمس من مهاجره، قالوا: لما انصرف المشركون عن الخندق، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم, فدخل بيت عائشة، أتاه جبريل, فوقف عند موضع الجنائز، فقال: عذيرك من محارب، فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعا، فقال: إن الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة؛ فإني عامد إليهم فمزلزل بهم حصونهم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه, فدفع إليه لواءه، وبعث بلالا فنادى في الناس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم ألا تصلوا العصر إلا في بني قريظة.
واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة عبد الله ابن أم مكتوم، ثم سار إليهم في المسلمين وهم ثلاثة آلاف، والخيل ستة وثلاثون فرسا، وذلك يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة، فحاصرهم خمسة عشر يوما أشد الحصار، ورموا بالنبل فانجحروا فلم يطلع منهم أحد، فلما اشتد عليهم الحصار أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأرسله إليهم، فشاوروه في أمرهم، فأشار إليهم بيده أنه الذبح, ثم ندم فاسترجع. وقال: خنت الله ورسوله، فانصرف فارتبط في المسجد، ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنزل الله توبته.
ثم نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة, فكتفوا ونحوا ناحية، وأخرج النساء والذرية فكانوا ناحية، واستعمل عليهم عبد الله بن سلام، وجمع أمتعتهم وما وجد في حصونهم من الحلقة والأثاث والثياب، فوجد فيها ألف وخمسمائة سيف، وثلاثمائة درع، وألفا رمح، وألف وخمسمائة ترس، وحجفة, وخمر, وجرار سكر، فأهريق ذلك كله ولم يخمس، ووجدوا جمالا نواضح وماشية كثيرة.
وكلمت الأوس رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهبهم لهم، وكانوا حلفاءهم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ، فحكم فيهم أن يقتل كل من جرت عليه المواسي، وتسبى النساء والذرية، وتقسم الأموال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخميس لسبع ليال خلون من ذي الحجة, ثم أمر بهم فأدخلوا المدينة, وحفر لهم أخدودا في السوق, وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه أصحابه, وأخرجوا إليه رسلا رسلا, فضربت أعناقهم, فكانوا ما بين ستمائة إلى سبعمائة, واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ريحانة بنت عمرو لنفسه، وأمر بالغنائم فجمعت, فأخرج الخمس من المتاع والسبي، ثم أمر بالباقي فبيع في من يزيد, وقسمه بين المسلمين، فكانت السهمان على ثلاثة آلاف واثنين وسبعين سهما، للفرس سهمان ولصاحبه سهم، وصار الخمس إلى محمية بن جزء الزبيدي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتق منه، ويهب منه، ويخدم منه من أراد، وكذلك صنع بما صار إليه من الرثة.
1687- أخبرنا كثير بن هشام، أخبرنا جعفر بن برقان، أخبرنا يزيد, يعني ابن الأصم، قال: لما كشف الله الأحزاب, ورجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته, فأخذ يغسل رأسه أتاه جبريل عليه السلام فقال: عفا الله عنك، وضعت السلاح ولم تضعه ملائكة الله، ائتنا عند حصن بني قريظة؛ فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس: أن ائتوا حصن بني قريظة، ثم اغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاهم عند الحصن.
1688- أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسان النهدي، أخبرنا جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، أن الأحزاب لما انصرفوا نادى فيهم, يعني النبي صلى الله عليه وسلم: لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة؛ فتخوف ناس فوت الصلاة فصلوا، وقال آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن فات الوقت، قال: فما عنف رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا من الفريقين.
1689- أخبرنا شهاب بن عباد العبدي، أخبرنا إبراهيم بن حميد الرؤاسي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن البهي وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى قريظة, ركب على حمار عري والناس يمشون.
1690- أخبرنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا جرير بن حازم، عن حميد، عن أنس بن مالك، قال: كأني أنظر إلى الغبار ساطعا في زقاق بني غنم موكب جبريل عليه السلام حين سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة.
1691- أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا عبد العزيز بن أبي سلمة، أخبرني عمي الماجشون، قال: جاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب على فرس عليه عمامة سوداء، قد أرخاها بين كتفيه، على ثناياه الغبار، وتحته قطيفة حمراء، فقال: أوضعت السلاح قبل أن نضعه؟ إن الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة.
1692- أخبرنا عارم بن الفضل، أخبرنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: حاصر نبي الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة أربع عشرة ليلة.
1693- أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا سفيان (ح) وأخبرنا عمرو بن الهيثم، عن شعبة، جميعا عن عبد الملك بن عمير، أخبرنا عطية القرظي، قال: كنت فيمن أخذ يوم قريظة، فكانوا يقتلون من أنبت, ويتركون من لم ينبت، فكنت فيمن لم ينبت.
1694- أخبرنا عمرو بن عاصم، أخبرنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، قال: كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريظة ولث من عهد، فلما جاءت الأحزاب بما جاؤوا به من الجنود نقضوا العهد وظاهروا المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعث الله الجنود والريح, فانطلقوا هاربين, وبقي الآخرون في حصنهم، قال: فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه السلاح, فجاء جبريل صلى الله عليه وسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فخرج إليه، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متساند إلى لبان الفرس, قال: يقول جبريل: ما وضعنا السلاح بعد، وإن الغبار لعاصب على حاجبه، انهد إلى بني قريظة، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن في أصحابي جهدا، فلو أنظرتهم أياما, قال: يقول جبريل عليه السلام: انهد إليهم، لأدخلن فرسي هذا عليهم في حصونهم ثم لأضعضعنها, قال: فأدبر جبريل عليه السلام ومن معه من الملائكة, حتى سطع الغبار في زقاق بني غنم من الأنصار، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبله رجل من أصحابه, فقال: يا رسول الله, اجلس فلنكفك، قال: وما ذاك؟ قال: سمعتهم ينالون منك، قال: قد أوذي موسى بأكثر من هذا, قال: وانتهى إليهم, فقال: يا إخوة القردة والخنازير، إياي، إياي, قال: فقال بعضهم لبعض: هذا أبو القاسم ما عهدناه فحاشا, قال: وقد كان رمي أكحل سعد بن معاذ, فرقأ الجرح وأجلب, ودعا الله أن لا يميته حتى يشفي صدره من بني قريظة, قال: فأخذهم من الغم في حصنهم ما أخذهم, فنزلوا على حكم سعد بن معاذ من بين الخلق, قال: فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم, قال حميد: قال بعضهم: وتكون الديار للمهاجرين دون الأنصار, قال: فقالت الأنصار: إخوتنا كنا معهم؛ فقال: إني أحببت أن يستغنوا عنكم. قال: فلما فرغ منهم وحكم فيهم بما حكم, مرت عليه عنز، وهو مضطجع, فأصابت الجرح بظلفها، فما رقأ حتى مات.
وبعث صاحب دومة الجندل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببغلة وجبة من سندس، فجعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبون من حسن الجبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن, يعني من هذا.
** - سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء **
1695- ثم سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء، خرج لعشر ليال خلون من المحرم, على رأس تسعة وخمسين شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعثه في ثلاثين راكبا إلى القرطاء, وهم بطن من بني بكر من كلاب، وكانوا ينزلون البكرات بناحية ضرية، وبين ضرية والمدينة سبع ليال، وأمره أن يشن عليهم الغارة، فسار الليل وكمن النهار وأغار عليهم، فقتل نفرا منهم وهرب سائرهم، واستاق نعما وشاء, ولم يعرض للظعن, وانحدر إلى المدينة، فخمس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به، وفض على أصحابه ما بقي، فعدلوا الجزور بعشر من الغنم، وكانت النعم مائة وخمسين بعيرا، والغنم ثلاثة آلاف شاة، وغاب تسع عشرة ليلة، وقدم لليلة بقيت من المحرم.
** - غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بني لحيان **
1696- ثم غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بني لحيان، وكانوا بناحية عسفان, في شهر ربيع الأول, سنة ست من مهاجره، قالوا: وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاصم بن ثابت وأصحابه وجدا شديدا، فأظهر أنه يريد الشأم, وعسكر لغرة هلال شهر ربيع الأول، في مئتي رجل ومعهم عشرون فرسا، واستخلف على المدينة عبد الله ابن أم مكتوم، ثم أسرع السير, حتى انتهى إلى بطن غران، وبينها وبين عسفان خمسة أميال, حيث كان مصاب أصحابه، فترحم عليهم ودعا لهم، فسمعت بهم بنو لحيان, فهربوا في رؤوس الجبال, فلم يقدر منهم على أحد، فأقام يوما أو يومين, فبعث السرايا في كل ناحية, فلم يقدروا على أحد، ثم خرج حتى أتى عسفان, فبعث أبا بكر في عشرة فوارس لتسمع به قريش فيذعرهم، فأتوا الغميم ثم رجعوا ولم يلقوا أحدا، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وهو يقول: آئبون تائبون عابدون، لربنا حامدون، وغاب عن المدينة أربع عشرة ليلة.
1697- أخبرنا عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، حدثني عاصم بن عمر، وعبد الله بن أبي بكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة بني لحيان, وأظهر أنه يريد الشأم ليصيب منهم غرة، فخرج من المدينة, فسلك على غراب, ثم على مخيض, ثم على البتراء, ثم صفق ذات اليسار، فخرج على يين، ثم على صخيرات الثمام, ثم استقام به الطريق على السيالة، فأغذ السير سريعا, حتى نزل على غران، هكذا قال ابن إدريس، وهي منازل بني لحيان, فوجدهم قد تمنعوا في رؤوس الجبال، فلما أخطأه من عدوه ما أراد, قالوا: لو أنا هبطنا عسفان, فنري أهل مكة أنا قد جئناها، فخرج في مئتي راكب من أصحابه, حتى نزل عسفان, ثم بعث فارسين من أصحابه, حتى بلغا كراع الغميم, ثم كرا وراح قافلا؛ فكان جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تائبون آئبون، إن شاء الله حامدون، لربنا عابدون، أعوذ بالله من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال.
1698- أخبرنا روح بن عبادة، أخبرنا حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سعيد مولى المهدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا إلى بني لحيان من هذيل, وقال: لينبعث من كل رجلين أحدهما, والأجر بينهما.
1699- أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم الصنعاني، حدثني إبراهيم بن عقيل بن معقل، عن أبيه، عن وهب، قال: أخبرني جابر بن عبد الله: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أول ما غزا عسفان ثم رجع: آئبون تائبون عابدون, لربنا حامدون.
** - غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم الغابة **
1700- ثم غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم الغابة, وهي على بريد من المدينة طريق الشام, في شهر ربيع الأول, سنة ست من مهاجره.
قالوا: كانت لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي عشرون لقحة ترعى بالغابة، وكان أبو ذر فيها، فأغار عليهم عيينة بن حصن ليلة الأربعاء في أربعين فارسا فاستاقوها، وقتلوا ابن أبي ذر، وجاء الصريخ فنادى: الفزع الفزع، فنودي: يا خيل الله اركبي، وكان أول ما نودي بها, وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج غداة الأربعاء في الحديد مقنعا فوقف، فكان أول من أقبل إليه المقداد بن عمرو وعليه الدرع والمغفر شاهرا سيفه، فعقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء في رمحه، وقال: امض حتى تلحقك الخيول، إنا على أثرك.
واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة عبد الله ابن أم مكتوم, وخلف سعد بن عبادة في ثلاثمائة من قومه يحرسون المدينة, قال المقداد: فخرجت فأدركت أخريات العدو، وقد قتل أبو قتادة مسعدة, فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسه وسلاحه، وقتل عكاشة بن محصن أثار بن عمرو بن أثار، وقتل المقداد بن عمرو حبيب بن عيينة بن حصن, وقرفة بن مالك بن حذيفة بن بدر، وقتل من المسلمين محرز بن نضلة, قتله مسعدة، وأدرك سلمة بن الأكوع القوم، وهو على رجليه, فجعل يراميهم بالنبل، ويقول:
خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع
حتى انتهى بهم إلى ذي قرد, وهي ناحية خيبر مما يلي المستناخ, قال سلمة: فلحقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس والخيول عشاء, فقلت: يا رسول الله, إن القوم عطاش, فلو بعثتني في مائة رجل استنقذت ما بأيديهم من السرح, وأخذت بأعناق القوم؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ملكت فأسجح، ثم قال: إنهم الآن ليقرون في غطفان، وذهب الصريخ إلى بني عمرو بن عوف، فجاءت الأمداد، فلم تزل الخيل تأتي والرجال على أقدامهم وعلى الإبل حتى انتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي قرد، فاستنقذوا عشر لقائح، وأفلت القوم بما بقي وهي عشرة، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي قرد صلاة الخوف، وأقام به يوما وليلة يتحسس الخبر، وقسم في كل مائة من أصحابه جزورا ينحرونها، وكانوا خمسمائة، ويقال سبعمائة.
وبعث إليه سعد بن عبادة بأحمال تمر وبعشر جزائر, فوافت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي قرد, والثبت عندنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر على هذه السرية سعد بن زيد الأشهلي، ولكن الناس نسبوها إلى المقداد، لقول حسان بن ثابت:
غداة فوارس المقداد
فعاتبه سعد بن زيد فقال: اضطرني الروي إلى المقداد, ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يوم الاثنين, وقد غاب خمس ليال.
1701- أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا عكرمة بن عمار العجلي، أخبرنا إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال: خرجت أنا ورباح غلام النبي صلى الله عليه وسلم بظهر النبي صلى الله عليه وسلم، وخرجت بفرس لطلحة بن عبيد الله، كنت أريد أن أنديه مع الإبل، فلما أن كان بغلس, أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتل راعيها، وخرج يطردها هو وأناس معه في خيل، فقلت: يا رباح، اقعد على هذا الفرس فألحقه بطلحة، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد أغير على سرحه, قال: وقمت على تل, فجعلت وجهي من قبل المدينة, ثم ناديت ثلاث مرات: يا صباحاه، ثم اتبعت القوم ومعي سيفي ونبلي، فجعلت أرميهم وأعقر بهم, وذلك حين يكثر الشجر، فإذا رجع إلي فارس (1) جلست له في أصل شجرة، ثم رميت، فلا يقبل علي فارس إلا عقرت به فجعلت أرميهم وأقول:
أنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع
فألحق برجل فأرميه، وهو على رحله, فيقع سهمي في الرجل حتى انتظمت كتفه، فقلت:
خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع فإذا كنت في الشجرة أحدقتهم بالنبل, وإذا تضايقت الثنايا علوت الجبل فرميتهم بالحجارة، فما زال ذلك شأني وشأنهم أتبعهم وأرتجز، حتى ما خلق الله شيئا من ظهر النبي صلى الله عليه وسلم إلا خلفته وراء ظهري, واستنقذته من أيديهم، ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحا وأكثر من ثلاثين بردة يستخفون منها، ولا يلقون من ذلك شيئا, إلا جعلت عليه حجارة وجمعته على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا امتد الضحى، أتاهم عيينة بن بدر الفزاري مددا لهم, وهم في ثنية ضيقة، ثم علوت الجبل فأنا فوقهم, قال عيينة: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح ما فارقنا بسحر حتى الآن، وأخذ كل شيء في أيدينا وجعله وراء ظهره، فقال عيينة: لولا أن هذا يرى أن وراءه طلبا لقد ترككم، ثم قال: ليقم إليه نفر منكم؛ فقام إلي نفر منهم أربعة، فصعدوا في الجبل, فلما أسمعتهم الصوت, قلت لهم: أتعرفونني؟ قالوا: ومن أنت؟ قلت: أنا ابن الأكوع، والذي كرم وجه محمد لا يطلبني رجل منكم فيدركني، ولا أطلبه فيفوتني، فقال رجل منهم: إن ذا ظن.
قال: فما برحت مقعدي ذلك, حتى نظرت إلى فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخللون الشجر، وإذا أولهم الأخرم الأسدي, وعلى أثره أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أثر أبي قتادة المقداد، فولى المشركون مدبرين، وأنزل من الجبل فأعرض للأخرم, فآخذ عنان فرسه, قلت: يا أخرم، انذر القوم, يعني احذرهم، فإني لا آمن أن يقتطعوك، فاتئد, حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال: يا سلمة، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق, والنار حق, فلا تحل بيني وبين الشهادة، فخليت عنان فرسه فيلحق بعبد الرحمن بن عيينة ويعطف عليه عبد الرحمن، فاختلفا طعنتين فعقر الأخرم بعبد الرحمن، فطعنه عبد الرحمن فقتله، فتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم، فيلحق أبو قتادة بعبد الرحمن فاختلفا طعنتين فعقر بأبي قتادة وقتله أبو قتادة، وتحول أبو قتادة على فرس الأخرم.
ثم إني خرجت أعدو في أثر القوم, حتى ما أرى من غبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شيئا، ويعرضون إلى شعب فيه ماء, يقال له: ذو قرد، فأرادوا أن يشربوا منه, فأبصروني أعدو وراءهم, فعطفوا عنه وأسندوا في الثنية، ثنية ذي دبر, وغربت الشمس, فألحق رجلا فأرميه فقلت:
خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع
فقال: يا ثكل أمي، أأكوعي بكرة؟ قال: قلت: نعم، يا عدو نفسه، فكان الذي رميته بكرة فاتبعته بسهم آخر فعلق فيه سهمان، ويخلفون فرسين، فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على الماء الذي حلأتهم عنه ذو قرد، فإذا نبي الله في خمسمائة، وإذا بلال قد نحر جزورا مما خلفت, فهو يشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كبدها وسنامها، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، خلني فأنتخب من أصحابك مائة, فآخذ على الكفار بالعشوة، فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته؛ قال: أكنت فاعلا ذلك يا سلمة؟ قلت: نعم, والذي أكرمك، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم, حتى رأيت نواجذه في ضوء النار، ثم قال: إنهم الآن يقرون بأرض بني غطفان، فجاء رجل من غطفان, فقال: مروا على فلان الغطفاني، فنحر لهم جزورا، فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة, فتركوها وخرجوا هرابا. فلما أصبحنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا اليوم سلمة، فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم الراجل والفارس، ثم أردفني وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة، فلما كان بيننا وبينها قريبا من ضحوة، وفي القوم رجل من الأنصار كان لا يسبق جعل ينادي: هل من مسابق؟ ألا رجل يسابق إلى المدينة؟ فأعاد ذلك مرارا, وأنا وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم مردفي, فقلت له: ما تكرم كريما ولا تهاب شريفا؟ قال: لا، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي, خلني فلأسابق الرجل، فقال: إن شئت؛ فقلت: أذهب إليك, فطفر عن راحلته وثنيت رجلي, فطفرت عن الناقة, ثم إني ربطت عليه شرفا أو شرفين, يعني استبقيت نفسي, ثم إني عدوت حتى ألحقه, فأصك بين كتفيه بيدي. قلت: سبقتك والله إلى فوزه أو كلمة نحوها، قال: فضحك, وقال: أنا أظن حتى قدمنا المدينة.
** - سرية عكاشة بن محصن الأسدي إلى الغمر **
1702- ثم سرية عكاشة بن محصن الأسدي إلى الغمر، غمر مرزوق، وهو ماء لبني أسد على ليلتين من فيد طريق الأول إلى المدينة، وكانت في شهر ربيع الأول, سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عكاشة بن محصن إلى الغمر في أربعين رجلا فخرج سريعا يغذ السير ونذر به القوم فهربوا فنزلوا علياء بلادهم ووجدوا دارهم خلوفا، فبعث شجاع بن وهب طليعة فرأى أثر النعم فتحملوا فأصابوا ربيئة لهم، فأمنوه فدلهم على نعم لبني عم له، فأغاروا عليها فاستاقوا مئتي بعير فأرسلوا الرجل وحدروا النعم إلى المدينة وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يلقوا كيدا.
** - سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة **
1703- ثم سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة في شهر ربيع الآخر سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة إلى بني ثعلبة وبني عوال من ثعلبة وهم بذي القصة، وبينها وبين المدينة أربعة وعشرون ميلا طريق الربذة في عشرة نفر, فوردوا عليهم ليلا, فأحدق به القوم، وهم مائة رجل، فتراموا ساعة من الليل, ثم حملت الأعراب عليهم بالرماح، فقتلوهم, ووقع محمد بن مسلمة جريحا, فضرب كعبه فلا يتحرك, وجردوهم من الثياب، ومر بمحمد بن مسلمة رجل من المسلمين, فحمله حتى ورد به المدينة, فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلا إلى مصارع القوم فلم يجدوا أحدا, ووجدوا نعما وشاء فساقه ورجع.
** - سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة **
1704- ثم سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة في شهر ربيع الآخر, سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: أجدبت بلاد بني ثعلبة وأنمار، ووقعت سحابة بالمراض إلى تغلمين, والمراض على ستة وثلاثين ميلا من المدينة، فسارت بنو محارب, وثعلبة, وأنمار إلى تلك السحابة، وأجمعوا أن يغيروا على سرح المدينة، وهو يرعى بهيفا موضع على سبعة أميال من المدينة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلا من المسلمين حين صلوا المغرب، فمشوا إليهم حتى وافوا ذا القصة مع عماية الصبح، فأغاروا عليهم, فأعجزوهم هربا في الجبال، وأصاب رجلا واحدا, فأسلم وتركه، فأخذ نعما من نعمهم, فاستاقه ورثة من متاعهم, وقدم بذلك المدينة, فخمسه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقسم ما بقي عليهم.
** - سرية زيد بن حارثة إلى بني سليم بالجموم **
1705- ثم سرية زيد بن حارثة إلى بني سليم بالجموم في شهر ربيع الآخر سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة إلى بني سليم، فسار حتى ورد الجموم ناحية بطن نخل عن يسارها، وبطن نخل من المدينة على أربعة برد، فأصابوا عليه امرأة من مزينة, يقال لها: حليمة، فدلتهم عن محلة من محال بني سليم, فأصابوا في تلك المحلة نعما وشاء وأسرى، فكان فيهم زوج حليمة المزنية، فلما قفل زيد بن حارثة بما أصاب، وهب رسول الله صلى الله عليه وسلم للمزنية نفسها وزوجها، فقال بلال بن الحارث في ذلك شعرا:
لعمرك ما أخنى المسول ولا ونت ... حليمة حتى راح ركبهما معا
** -سرية زيد بن حارثة إلى العيص **
1706- ثم سرية زيد بن حارثة إلى العيص، وبينها وبين المدينة أربع ليال، وبينها وبين ذي المروة ليلة، في جمادى الأولى سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عيرا لقريش قد أقبلت من الشام، فبعث زيد بن حارثة في سبعين ومائة راكب يتعرض لها، فأخذوها وما فيها وأخذوا يومئذ فضة كثيرة لصفوان بن أمية وأسروا ناسا ممن كان في العير، منهم أبو العاص بن الربيع، وقدم بهم المدينة، فاستجار أبو العاص بزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجارته ونادت في الناس حين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر: إني قد أجرت أبا العاص، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما علمت بشيء من هذا، وقد أجرنا من أجرت، ورد عليه ما أخذ منه.
** - سرية زيد بن حارثة إلى الطرف **
1707- ثم سرية زيد بن حارثة إلى الطرف في جمادى الآخرة سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة إلى الطرف، وهو ماء قريب من المراض دون النخيل، على ستة وثلاثين ميلا من المدينة طريق البقرة على المحجة، فخرج إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا, فأصاب نعما وشاء، وهربت الأعراب, وصبح زيد بالنعم المدينة، وهي عشرون بعيرا, ولم يلق كيدا، وغاب أربع ليال، وكان شعارهم أمت أمت.
** - سرية زيد بن حارثة إلى حسمى **
1708- ثم سرية زيد بن حارثة إلى حسمى، وهي وراء وادي القرى في جمادى الآخرة سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: أقبل دحية بن خليفة الكلبي من عند قيصر وقد أجاره وكساه، فلقيه الهنيد بن عارض وابنه عارض بن الهنيد في ناس من جذام بحسمى، فقطعوا عليه الطريق, فلم يتركوا عليه إلا سمل ثوب، فسمع بذلك نفر من بني الضبيب, فنفروا إليهم فاستنقذوا لدحية متاعه، وقدم دحية على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فبعث زيد بن حارثة في خمسمائة رجل ورد معه دحية، فكان زيد يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل له من بني عذرة، فأقبل بهم حتى هجم بهم مع الصبح على القوم، فأغاروا عليهم فقتلوا فيهم فأوجعوا وقتلوا الهنيد وابنه، وأغاروا على ماشيتهم ونعمهم ونسائهم فأخذوا من النعم ألف بعير، ومن الشاء خمسة آلاف شاة، ومن السبي مائة من النساء والصبيان، فرحل زيد بن رفاعة الجذامي في نفر من قومه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فدفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابه الذي كان كتب له ولقومه ليالي قدم عليه، فأسلم، وقال: يا رسول الله، لا تحرم علينا حلالا, ولا تحل لنا حراما؛ فقال: كيف أصنع بالقتلى؟ قال أبو يزيد بن عمرو: أطلق لنا يا رسول الله من كان حيا، ومن قتل فهو تحت قدمي هاتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق أبو يزيد، فبعث معهم عليا رضي الله عنه إلى زيد بن حارثة يأمره أن يخلي بينهم وبين حرمهم وأموالهم، فتوجه علي, فلقي رافع بن مكيث الجهني بشير زيد بن حارثة على ناقة من إبل القوم، فردها علي على القوم، ولقي زيدا بالفحلتين، وهي بين المدينة وذي المروة، فأبلغه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرد إلى الناس كل ما كان أخذ لهم.
** - سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى **
1709- ثم سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى في رجب سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا أميرا سنة ست.
** - سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل **