Islam · Chronicles · Kitab al-Tabaqat al-Kabir
- ذكر عبد المطلب بن هاشم
Kitab al-Tabaqat al-Kabir · Ibn Sa'd (d. 845) · chapter 18 of 237
157- أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال: كان المطلب بن عبد مناف بن قصي أكبر من هاشم ومن عبد شمس وهو الذي عقد الحلف لقريش من النجاشي في متجرها، وكان شريفا في قومه مطاعا سيدا، وكانت قريش تسميه الفيض لسماحته فولي بعد هاشم السقاية والرفادة، وقال في ذلك:
أبلغ لديك بني هاشم ... بما قد فعلنا ولم نؤمر
أقمنا لنسقي حجيج الحرام ... إذ ترك المجد لم يؤثر
نسوق الحجيج لأبياتنا ... كأنهم بقر تحشر قال: وقدم ثابت بن المنذر بن حرام وهو أبو حسان بن ثابت الشاعر مكة معتمرا فلقي المطلب وكان له خليلا، فقال له: لو رأيت ابن أخيك شيبة فينا لرأيت جمالا وهيبة وشرفا لقد نظرت إليه وهو يناضل فتيانا من أخواله فيدخل مرماتيه جميعا في مثل راحتي هذه، ويقول كلما خسق: أنا ابن عمرو العلى فقال المطلب: لا أمسي حتى أخرج إليه فأقدم به، فقال ثابت: ما أرى سلمى تدفعه إليك، ولا أخواله هم أضن به من ذلك، وما عليك أن تدعه فيكون في أخواله حتى يكون هو الذي يقدم عليك إلى ما ههنا راغبا فيك، فقال المطلب: يا أبا أوس ما كنت لأدعه هناك، ويترك مآثر قومه وسطته ونسبه وشرفه في قومه ما قد علمت، فخرج المطلب فورد المدينة فنزل في ناحية، وجعل يسأل عنه حتى وجده يرمي في فتيان من أخواله، فلما رآه عرف شبه أبيه فيه ففاضت عيناه وضمه إليه وكساه حلة يمانية، وأنشأ يقول:
عرفت شيبة والنجار قد حفلت ... أبناؤها حوله بالنبل تنتضل.
عرفت أجلاده منا وشيمته ... ففاض مني عليه وابل سبل
فأرسلت سلمى إلى المطلب فدعته إلى النزول عليها، فقال: شأني أخف من ذلك ما أريد أن أحل عقدة حتى أقبض ابن أخي وألحقه ببلده وقومه، فقالت: لست بمرسلته معك وغلظت عليه، فقال المطلب: لا تفعلي فإني غير منصرف حتى أخرج به معي، ابن أخي قد بلغ وهو غريب في غير قومه، ونحن أهل بيت شرف قومنا، والمقام ببلده خير له من المقام ههنا، وهو ابنك حيث كان، فلما رأت أنه غير مقصر حتى يخرج به استنظرته ثلاثة أيام، وتحول إليهم فنزل عندهم فأقام ثلاثا، ثم احتمله وانطلقا جميعا فأنشأ المطلب يقول كما أنشدني هشام بن محمد عن أبيه:
أبلغ بني النجار إن جئتهم ... أني منهم وابنهم والخميس
رأيتهم قوما إذا جئتهم ... هووا لقائي وأحبوا حسيس
ثم رجع الحديث إلى حديث محمد بن عمر قال: ودخل به المطلب مكة ظهرا، فقالت قريش: هذا عبد المطلب فقال: ويحكم إنما هو ابن أخي شيبة بن عمرو فلما رأوه، قالوا: ابنه لعمري، فلم يزل عبد المطلب مقيما بمكة حتى أدرك وخرج المطلب بن عبد مناف تاجرا إلى أرض اليمن فهلك بردمان من أرض اليمن فولي عبد المطلب بن هاشم بعده الرفادة والسقاية فلم يزل ذلك بيده يطعم الحاج ويسقيهم في حياض من أدم بمكة فلما سقي زمزم ترك السقي في الحياض بمكة وسقاهم من زمزم حين حفرها، وكان يحمل الماء من زمزم إلى عرفة فيسقيهم.
وكانت زمزم سقيا من الله أتي في المنام مرات فأمر بحفرها، ووصف له موضعها، فقيل له: احفر طيبة, قال: وما طيبة؟ فلما كان الغد أتاه، فقال: احفر برة, قال: وما برة؟ فلما كان الغد أتاه وهو نائم في مضجعه ذلك، فقال: احفر المضنونة، قال: وما المضنونة؟ أبن لي ما تقول، قال: فلما كان الغد أتاه، فقال: احفر زمزم, قال: وما زمزم؟ قال: لا تنزف ولا تذم, تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم عند نقرة الغراب الأعصم، قال: وكان غراب أعصم لا يبرح عند الذبائح مكان الفرث والدم، وهي شرب لك ولولدك من بعدك قال: فغدا عبد المطلب بمعوله ومسحاته معه ابنه الحارث بن عبد المطلب وليس له يومئذ ولد غيره فجعل عبد المطلب يحفر بالمعول ويغرف بالمسحاة في المكتل فيحمله الحارث فيلقيه خارجا، فحفر ثلاثة أيام، ثم بدا له الطوي فكبر وقال: هذا طوي إسماعيل فعرفت قريش أنه قد أدرك الماء فأتوه، فقالوا: أشركنا فيه، فقال: ما أنا بفاعل، هذا أمر خصصت به دونكم، فاجعلوا بيننا وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا: كاهنة بني سعد هذيم وكانت بمعان من أشراف الشام فخرجوا إليها، وخرج مع عبد المطلب عشرون رجلا من بني عبد مناف، وخرجت قريش بعشرين رجلا من قبائلها، فلما كانوا بالفقير من طريق الشام أو حذوه، فني ماء القوم جميعا فعطشوا، فقالوا لعبد المطلب: ما ترى، فقال: هو الموت فليحفر كل رجل منكم حفرة لنفسه، فكلما مات رجل دفنه أصحابه حتى يكون آخرهم رجلا واحدا فيموت ضيعة أيسر من أن تموتوا جميعا، فحفروا، ثم قعدوا ينتظرون الموت، فقال عبد المطلب: والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا لعجز، ألا نضرب في الأرض فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض هذه البلاد، فارتحلوا، وقام عبد المطلب إلى راحلته فركبها، فلما انبعثت به انفجر تحت خفها عين ماء عذب، فكبر عبد المطلب وكبر أصحابه وشربوا جميعا، ثم دعا القبائل من قريش، فقال: هلموا إلى الماء الرواء فقد سقانا الله فشربوا واستقوا، وقالوا: قد قضي لك علينا، الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة هو الذي سقاك زمزم فوالله لا نخاصمك فيها أبدا، فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا إلى الكاهنة وخلوا بينه وبين زمزم.
158- أخبرنا خالد بن خداش، أخبرنا معتمر بن سليمان التيمي قال: سمعت أبي يحدث عن أبي مجلز؛ أن عبد المطلب أتي في المنام فقيل له: احتفر، فقال: أين؟ فقيل له: مكان كذا وكذا فلم يحتفر، فأتي فقيل له: احتفر عند الفرث عند النمل عند مجلس خزاعة ونحوه، فاحتفر فوجد غزالا وسلاحا وأظفارا، فقال قومه لما رأوا الغنيمة كأنهم يريدون أن يغازوه قال: فعند ذلك نذر لئن ولد له عشرة لينحرن أحدهم، فلما ولد له عشرة وأراد ذبح عبد الله منعته بنو زهرة، وقالوا: أقرع بينه وبين كذا وكذا من الإبل وإنه أقرع فوقعت عليه سبع مرات، وعلى الإبل مرة قال: لا أدري السبع عن أبي مجلز أم لا؟ ثم صار من أمره أن ترك ابنه ونحر الإبل.
ثم رجع الحديث إلى حديث محمد بن عمر قال: وكانت جرهم حين أحسوا بالخروج من مكة دفنوا غزالين وسبعة أسياف قلعية وخمسة أدراع سوابغ فاستخرجها عبد المطلب، وكان يتأله ويعظم الظلم والفجور فضرب الغزالين صفائح في وجه الكعبة، وكانا من ذهب، وعلق الأسياف على البابين يريد أن يحرز به خزانة الكعبة وجعل المفتاح والقفل من ذهب.
159- وأخبرنا هشام بن محمد، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: كان الغزال لجرهم فلما حفر عبد المطلب زمزم استخرج الغزال وسيوفا قلعية فضرب عليها بالقداح، فخرجت للكعبة فجعل صفائح الذهب على باب الكعبة، فغدا عليه ثلاثة نفر من قريش فسرقوه.
160- وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي، عن أبيه (ح) وعن عبد المجيد بن أبي عبس، وأبي المقوم وغيرهم، قالوا: وكان عبد المطلب أحسن قريش وجها وأمده جسما وأحلمه حلما وأجوده كفا وأبعد الناس من كل موبقة تفسد الرجال، ولم يره ملك قط إلا أكرمه وشفعه، وكان سيد قريش حتى هلك، فأتاه نفر من خزاعة فقالوا: نحن قوم متجاورون في الدار هلم فلنحالفك فأجابهم إلى ذلك، وأقبل عبد المطلب في سبعة نفر من بني عبد المطلب والأرقم بن نضلة بن هاشم والضحاك وعمرو ابني أبي صيفي بن هاشم ولم يحضره أحد من بني عبد شمس ولا نوفل فدخلوا دار الندوة فتحالفوا فيها على التناصر والمواساة، وكتبوا بينهم كتابا وعلقوه في الكعبة، وقال عبد المطلب في ذلك:
سأوصي زبيرا إن توافت منيتي ... بإمساك ما بيني وبين بني عمرو
وأن يحفظ الحلف الذي سن شيخه ... ولا يلحدن فيه بظلم ولا غدر
هم حفظوا الإل القديم وحالفوا ... أباك فكانوا دون قومك من فهر
قال: فأوصى عبد المطلب إلى ابنه الزبير بن عبد المطلب وأوصى الزبير إلى أبي طالب وأوصى أبو طالب إلى العباس بن عبد المطلب
161- أخبرنا هشام بن محمد بن السائب, قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، عن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة الزهري، عن أبيه، عن جده قال: كان عبد المطلب إذا ورد اليمن نزل على عظيم من عظماء حمير، فنزل عليه مرة من المر فوجد عنده رجلا من أهل اليمن قد أمهل له في العمر وقد قرأ الكتب، فقال له يا عبد المطلب: تأذن لي أن أفتش مكانا منك؟ قال: ليس كل مكان مني آذن لك في تفتيشه قال: إنما هو منخراك، قال: فدونك، قال: فنظر إلى يار وهو الشعر في منخريه، فقال: أرى نبوة وأرى ملكا وأرى أحدهما في بني زهرة فرجع عبد المطلب فتزوج هالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة وزوج ابنه عبد الله آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فولدت محمدا صلى الله عليه وسلم، فجعل الله في بني عبد المطلب النبوة والخلافة، والله أعلم حيث وضع ذلك.
162- أخبرنا هشام بن محمد, قال: حدثني أبي قال هشام: (ح) وأخبرني رجل من أهل المدينة، عن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، عن أبيه, قالا: كان أول من خضب بالوسمة من قريش بمكة عبد المطلب بن هاشم فكان إذا ورد اليمن نزل على عظيم من عظماء حمير فقال له: يا عبد المطلب هل لك أن تغير هذا البياض فتعود شابا؟ قال: ذاك إليك، قال: فأمر به فخضب بحناء ثم علي بالوسمة فقال له عبد المطلب: زودنا من هذا فزودوه فأكثر فدخل مكة ليلا، ثم خرج عليهم بالغداة كأن شعره حلك الغراب، فقالت له نتيلة بنت جناب بن كليب أم العباس بن عبد المطلب: يا شيبة الحمد لو دام هذا لك كان حسنا، فقال عبد المطلب:
لو دام لي هذا السواد حمدته ... فكان بديلا من شباب قد انصرم
تمتعت منه والحياة قصيرة ... ولا بد من موت نتيلة أو هرم
وماذا الذي يجدي على المرء خفضه ... ونعمته يوما إذا عرشه انهدم
فموت جهيز عاجل لا شوى له ... أحب إلي من مقالهم حكم
قال: فخضب أهل مكة بالسواد.
163- وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي، عن أبيه، قال: أخبرني رجل من بني كنانة يقال له: ابن أبي صالح ورجل من أهل الرقة مولى لبني أسد وكان عالما, قالا: تنافر عبد المطلب بن هاشم وحرب بن أمية إلى النجاشي الحبشي فأبى أن ينفر بينهما فجعلا بينهما نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب فقال لحرب: يا أبا عمرو أتنافر رجلا هو أطول منك قامة وأعظم منك هامة وأوسم منك وسامة وأقل منك لامة وأكثر منك ولدا وأجزل منك صفدا وأطول منك مذودا؟ فنفره عليه، فقال حرب: إن من انتكاث الزمان أن جعلناك حكما.
164- وأخبرنا هشام بن محمد، عن أبيه، قال: كان عبد المطلب نديما لحرب بن أمية حتى تنافرا إلى نفيل بن عبد العزى جد عمر بن الخطاب فلما نفر نفيل عبد المطلب تفرقا فصار حرب نديما لعبد الله بن جدعان.
165- أخبرنا هشام بن محمد، عن أبي مسكين قال: كان لعبد المطلب بن هشام ماء بالطائف يقال له: ذو الهرم وكان في يدي ثقيف دهرا، ثم طلبه عبد المطلب منهم فأبوا عليه، وكان صاحب أمر ثقيف جندب بن الحارث بن حبيب بن الحارث بن مالك بن حطيط بن جشم بن ثقيف فأبى عليه وخاصمه فيه، فدعاهما ذلك إلى المنافرة إلى الكاهن العذري، وكان يقال له: عزى سلمة, وكان بالشام فتنافرا على إبل سموها، فخرج عبد المطلب في نفر من قريش، ومعه ابنه الحارث. ولا ولد له يومئذ غيره، وخرج جندب في نفر من ثقيف, فنفد ماء عبد المطلب وأصحابه, فطلبوا إلى الثقفيين أن يسقوهم, فأبوا, ففجر الله لهم عينا من تحت جران بعير عبد المطلب, فحمد الله عز وجل، وعلم أن ذلك منة، فشربوا ريهم، وحملوا حاجتهم ونفد ماء الثقفيين فبعثوا إلى عبد المطلب يستسقونه فسقاهم، وأتوا الكاهن فنفر عبد المطلب عليهم فأخذ عبد المطلب الإبل فنحرها، وأخذ ذا الهرم ورجع وقد فضله عليه، وفضل قومه على قومه.
** - ذكر نذر عبد المطلب أن ينحر ابنه **
166- أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، أخبرنا محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، عن ابن عباس، قال الواقدي: (ح) وحدثنا أبو بكر بن أبي سبرة، عن شيبة بن نصاح، عن الأعرج، عن محمد بن ربيعة بن الحارث، وغيرهم، قالوا: لما رأى عبد المطلب قلة أعوانه في حفر زمزم وإنما كان يحفر وحده، وابنه الحارث هو بكره نذر لئن أكمل الله له عشرة ذكور حتى يراهم أن يذبح أحدهم فلما تكاملوا عشرة، فهم الحارث والزبير وأبو طالب وعبد الله وحمزة وأبو لهب والغيداق والمقوم وضرار والعباس، جمعهم ثم أخبرهم بنذره ودعاهم إلى الوفاء لله به فما اختلف عليه منهم أحد وقالوا: أوف بنذرك وافعل ما شئت فقال: ليكتب كل رجل منكم اسمه في قدحه ففعلوا فدخل عبد المطلب في جوف الكعبة وقال للسادن: اضرب بقداحهم فضرب فخرج قدح عبد الله أولها, وكان عبد المطلب يحبه فأخذ بيده يقوده إلى المذبح ومعه المدية فبكى بنات عبد المطلب وكن قياما، وقالت إحداهن لأبيها: أعذر فيه بأن تضرب في إبلك السوائم التي في الحرم, فقال للسادن: اضرب عليه بالقداح وعلى عشر من الإبل, وكانت الدية يومئذ عشرا من الإبل فضرب فخرج القدح على عبد الله. فجعل يزيد عشرا عشرا، كل ذلك يخرج القدح على عبد الله حتى كملت المائة، فضرب بالقداح فخرج على الإبل فكبر عبد المطلب والناس معه، واحتمل بنات عبد المطلب أخاهن عبد الله وقدم عبد المطلب الإبل فنحرها بين الصفا والمروة.
167- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني سعيد بن مسلم، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نحرها عبد المطلب خلى بينها وبين كل من وردها من إنسي أو سبع أو طائر لا يذب عنها أحدا ولم يأكل منها هو ولا أحد من ولده شيئا.
168- أخبرنا محمد بن عمر, قال: حدثني عبد الرحمن بن الحارث، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت الدية يومئذ عشرا من الإبل وعبد المطلب أول من سن دية النفس مائة من الإبل فجرت في قريش والعرب مائة من الإبل وأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما كانت عليه.
169- أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي, قال: حدثني الوليد بن عبد الله بن جميع الزهري، عن ابن لعبد الرحمن بن موهب بن رباح الأشعري حليف بني زهرة، عن أبيه، قال: حدثني مخرمة بن نوفل الزهري قال: سمعت أمي رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم بن عبد مناف تحدث وكانت لدة عبد المطلب قالت: تتايعت على قريش سنون ذهبن بالأموال وأشفين على الأنفس، قالت: فسمعت قائلا يقول في المنام: يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث منكم، وهذا إبان خروجه وبه يأتيكم الحيا والخصب فانظروا رجلا من أوسطكم نسبا طوالا عظاما أبيض مقرون الحاجبين أهدب الأشفار جعدا سهل الخدين رقيق العرنين فليخرج هو وجميع ولده، وليخرج منكم من كل بطن رجل، فتطهروا وتطيبوا ثم استلموا الركن، ثم ارقوا رأس أبي قبيس، ثم يتقدم هذا الرجل فيستقي وتؤمنون، فإنكم ستسقون، فأصبحت فقصت رؤياها عليهم، فنظروا فوجدوا هذه الصفة صفة عبد المطلب، فاجتمعوا إليه وخرج من كل بطن منهم رجل، ففعلوا ما أمرتهم به، ثم علوا على أبي قبيس ومعهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو غلام، فتقدم عبد المطلب وقال: لاهم هؤلاء عبيدك وبنو عبيدك، وإماؤك وبنات إمائك، وقد نزل بنا ما ترى وتتايعت علينا هذه السنون، فذهبت بالظلف والخف، وأشفت على الأنفس، فأذهب عنا الجدب، وائتنا بالحيا والخصب، فما برحوا حتى سالت الأودية، وبرسول الله صلى الله عليه وسلم سقوا، فقالت رقيقة بنت أبي صيفي بن هشام بن عبد مناف:
بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا ... وقد فقدنا الحيا واجلوذ المطر
فجاد بالماء جوني له سبل ... دان فعاشت به الأنعام والشجر
منا من الله بالميمون طائره ... وخير من بشرت يوما به مضر
مبارك الأمر يستسقى الغمام به ... ما في الأنام له عدل ولا خطر
170- أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، أخبرنا عبد الله بن عثمان بن أبي سليمان، عن أبيه، قال (ح) وحدثنا محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، عن أبيه، قال (ح) وحدثنا عبد الله بن عمرو بن زهير الكعبي، عن أبي مالك الحميري، عن عطاء بن يسار قال (ح) وحدثنا محمد بن سعيد الثقفي، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عدس، عن عمه أبي رزين العقيلي قال (ح) وحدثنا سعيد بن مسلم، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد، عن ابن عباس، دخل حديث بعضهم في حديث بعض قالوا: كان النجاشي قد وجه أرياط أبا أصحم في أربعة آلاف إلى اليمن فأداخها وغلب عليها فأعطى الملوك واستذل الفقراء، فقام رجل من الحبشة يقال له: أبرهة الأشرم أبو يكسوم فدعا إلى طاعته فأجابوه فقتل أرياط وغلب على اليمن، فرأى الناس يتجهزون أيام الموسم للحج إلى بيت الله الحرام فسأل أين يذهب الناس؟
فقال: يحجون إلى بيت الله بمكة, قال: مم هو؟ قالوا: من حجارة، قال: وما كسوته؟ قالوا: ما يأتي من ههنا، الوصائل، قال: والمسيح لأبنين لكم خيرا منه، فبنى لهم بيتا عمله بالرخام الأبيض والأحمر والأصفر والأسود، وحلاه بالذهب والفضة وحفه بالجوهر، وجعل له أبوابا عليها صفائح الذهب ومسامير الذهب وفصل بينها بالجوهر، وجعل فيها ياقوتة حمراء عظيمة، وجعل له حجابا، وكان يوقد فيه بالمندلي ويلطخ جدره بالمسك فيسود حتى يغيب الجوهر، وأمر الناس فحجوه فحجه كثير من قبائل العرب سنين، ومكث فيه رجال يتعبدون ويتألهون ونسكوا له، وكان نفيل الخثعمي يؤرض له ما يكره، فأمهل، فلما كان ليلة من الليالي لم ير أحدا يتحرك، فقام فجاء بعذرة فلطخ بها قبلته، وجمع جيفا فألقاها فيه، فأخبر أبرهة بذلك فغضب غضبا شديدا، وقال: إنما فعلت هذا العرب غضبا لبيتهم، لأنقضنه حجرا حجرا، وكتب إلى النجاشي يخبره بذلك، ويسأله أن يبعث إليه بفيله محمود، وكان فيلا لم ير مثله في الأرض عظما وجسما وقوة، فبعث به إليه، فلما قدم عليه الفيل سار أبرهة بالناس ومعه ملك حمير ونفيل بن حبيب الخثعمي، فلما دنا من الحرم أمر أصحابه بالغارة على نعم الناس فأصابوا إبلا لعبد المطلب وكان نفيل صديقا لعبد المطلب فكلمه في إبله، فكلم نفيل أبرهة، فقال: أيها الملك قد أتاك سيد العرب وأفضلهم وأعظمهم شرفا يحمل على الجياد ويعطي الأموال ويطعم ما هبت الريح، فأدخله على أبرهة فقال له: حاجتك؟ قال: ترد علي إبلي، قال: ما أرى ما بلغني عنك إلا الغرور، وقد ظننت أنك تكلمني في بيتكم هذا الذي هو شرفكم، قال عبد المطلب: اردد علي إبلي ودونك والبيت، فإن له ربا سيمنعه، فأمر برد إبله عليه، فلما قبضها قلدها النعال وأشعرها وجعلها هديا وبثها في الحرم لكي يصاب منها شيء فيغضب رب الحرم، وأوفى عبد المطلب على حراء ومعه عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، ومطعم بن عدي وأبو مسعود الثقفي، فقال عبد المطلب:
لا هم إن المرء يم ... نع رحله فامنع حلالك
لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم غدوا محالك
إن كنت تاركهم وقب ... لتنا فأمر ما بدا لك قال: فأقبلت الطير من البحر أبابيل مع كل طائر ثلاثة أحجار: حجران في رجليه وحجر في منقاره، فقذفت الحجارة عليهم لا تصيب شيئا إلا هشمته، وإلا نفط ذلك الموضع، فكان ذلك أول ما كان الجدري والحصبة والأشجار المرة فأهمدتهم الحجارة، وبعث الله سيلا أتيا, فذهب بهم فألقاهم في البحر، قال: وولى أبرهة ومن بقي معه هرابا، فجعل أبرهة يسقط عضوا عضوا، وأما محمود الفيل- فيل النجاشي- فربض ولم يشجع على الحرم فنجا، وأما الفيل الآخر فشجع، فحصب، ويقال: كانت ثلاثة عشر فيلا، ونزل عبد المطلب من حراء فأقبل عليه رجلان من الحبشة فقبلا رأسه، وقالا له: أنت كنت أعلم.
171- أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي، عن أبيه، قال: ولد عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف اثني عشر رجلا وست نسوة: الحارث وهو أكبر ولده, وبه كان يكنى ومات في حياة أبيه.
وأمه صفية بنت جنيدب بن حجير بن زباب بن حبيب بن سواءة بن عامر بن صعصعة، وعبد الله أبا رسول الله صلى الله عليه وسلم والزبير وكان شاعرا شريفا وإليه أوصى عبد المطلب، وأبا طالب واسمه عبد مناف، وعبد الكعبة مات ولم يعقب وأم حكيم وهي البيضاء، وعاتكة، وبرة، وأميمة، وأروى، وأمهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي، وحمزة وهو أسد الله وأسد رسوله شهد بدرا واستشهد يوم أحد والمقوم، وحجلا واسمه المغيرة وصفية، وأمهم هالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب.
وأمها العيلة بنت المطلب بن عبد مناف بن قصي والعباس وكان شريفا عاقلا مهيبا، وضرارا وكان من فتيان قريش جمالا وسخاء ومات أيام أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا عقب له، وقثم بن عبد المطلب لا عقب له، وأمهم نتيلة بنت جناب بن كليب بن مالك بن عمرو بن عامر بن زيد مناة بن عامر.
وهو الضحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وأبا لهب بن عبد المطلب، واسمه عبد العزى ويكنى أبا عتبة كناه عبد المطلب أبا لهب لحسنه وجماله وكان جوادا.
وأمه لبنى بنت هاجر بن عبد مناف بن ضاطر بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو من خزاعة. وأمها هند بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة. وأمها السوداء بنت زهرة بن كلاب والغيداق بن عبد المطلب واسمه مصعب.
وأمه ممنعة بنت عمرو بن مالك بن مؤمل بن سويد بن أسعد بن مشنوء بن عبد بن حبتر بن عدي بن سلول بن كعب بن عمرو من خزاعة، وأخوه لأمه عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة أبو عبد الرحمن بن عوف.
قال الكلبي: فلم يكن في العرب بنو أب مثل بني عبد المطلب أشرف منهم ولا أجسم شم العرانين تشرب أنوفهم قبل شفاههم. وقال فيهم قرة بن حجل بن عبد المطلب:
اعدد ضرارا إن عددت فتى ندى ... والليث حمزة واعدد العباسا
واعدد زبيرا والمقوم بعده ... والصتم حجلا والفتى الرءاسا
وأبا عتيبة فاعددنه ثامنا ... والقرم عبد مناف والجساسا
والقرم غيداقا تعد جحاجحا ... سادوا على رغم العدو الناسا
والحارث الفياض ولى ماجدا ... أيام نازعه الهمام الكاسا
ما في الأنام عمومة كعمومتي ... خيرا ولا كأناسنا أناسا
قال: فالعقب من بني عبد المطلب للعباس وأبي طالب والحارث وأبي لهب وقد كان لحمزة والمقوم والزبير وحجل بني عبد المطلب أولاد لأصلابهم فهلكوا والباقون لم يعقبوا، وكان العدد من بني هاشم في بني الحارث ثم تحول إلى بني أبي طالب ثم صار في بني العباس.