Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar
باب ذكر جوامع أغراض هذا الكتاب
Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 1 of 107
أما بعد، فإنا صنفنا كتابنا في أخبار الزمان، وقذمنا القول فيه في هيئة الأرض، ومدنها، وعجائبها، وبحارها، وأغوارها، وجبالها، وأنهارها، وبد ائع معادنها، وأصناف مناهلها، وأخبار غياضها، وجزائر البحار، والبحيرات الصغار، وأخبار الأبنية المعظمة، والمساكن المشرفة، وذكر شأن المبدأ، وأصل النسل، وتباين الأوطان، وما كان نهرا فصار بحرا، وما كان بحرا فصار برا، وما كان برا فصار بحرا، على مرور الأيام، ومرور الدهور، وعلة ذلك، وسببه الفلكي والطبيعي، وانقسام الأقاليم بخواص الكواكب، ومعاطف الأوتاد، ومقادير النواحي والافاق، وتباين الناس في التاريخ القديم، واختلافهم في بدئه وأوليته، من الهند.
وأصناف الملحدين، وما ورد في ذلك عن الشرعيين، وما نطقت به الكتب وورد على الديانيين. ثم أتبعنا ذلك بأخبار الملوك الغابرة، والأمم الداثرة، والقرون الخالية، والظوائف البائحة على مر سيرهم، في تغير أوقاتهم وتضيف أعصارهم، من الملوك والفراعنة العادية والأكاسرة واليونانية، وما ظهر من حكمهم ومقائل فلاسفتهم وأخبار ملوكهم، وأخبار العناصر، إلى ما في تضاعيف ذلك من أخبار الأنبياء والرسل والأتقياء، إلى أن أفضى الله بكرامته وشرف برسالته محمدا نبيه صلى الله عليه وسلم، فذكرنا مولده، ومنشأه، وبعثه، وهجرته، ومغازيه، وسراياه، إلى أوان وفاته، واتصال الخلافة، واتساق المملكة بزمن زمن، ومقاتل من ظهر من الطالبيين، إلى الوقت الذي شرعنا فيه في تصنيف كتابنا هذا من خلافة المتقي لله أمير المؤمنين، وهي سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة.
للمؤلف كتابان اختصرهما في هذا الكتاب
ثم أتبعناه بكتابنا الأوسط في الأخبار على التاريخ وما اندرج في السنين الماضية، من لدن البدء إلى الوقت الذي عنده انتهى كتابنا الأعظم وما تلاه من الكتاب الأوسط. ورأينا إيجاز ما بسطناه واختصار ما وسطناه، في كتاب لطيف نودعه لمع ما في ذينك الكتابين مما ضمناهما، وغير ذلك من أنواع العلوم، وأخبار الأمم الماضية، والأعصار الخالية، مما لم يتقدم ذكره فيهما.
على أنا نعتنر من تقصير إن كان، ونتنصل من إغفال إن عرض لم! قد شاب خواطرنا، وغمر قلوبنا، من تقاذف الأسفار، وقطع القفار، تارة على متن البحر، وتارة على ظهر البر، مستعملين بدائع الأمم بالمشاهدة، عارفين خواص الأقاليم بالمعاينة، كقطعنا بلاد السند والزنج والصنف والصين والزابج، وتقحمنا الشرق والغرب، فتارة بأقصى خراسان، وتارة بوسائط إرمينية وأذربيجان والران والبيلقان، وطورا بالعراق، وطورا بالشام؟ فسيري في الآفاق، سرى الشمس في الإشراق؟ كما قال بعضهم:
تيمم أقطار البلادة فتارةلدى شرقها الأقصى وطورا إلى الغرب
سرى الشمس، لا ينفك تقذفه النوى ... إلى افق ناء يقصر بالركب
قال المصنف: ثم مفاوضتنا أصناف الملوك على تغاير أخلاقهم وتباين هممهم، وتباعد ديارهم، وأخذنا بمسلك مسلك من مواقفهم، على أن العلم قد بادت آثاره، وطمس مناره، وكثر فيه العناء، وقل الفهماء ة فلا تعاين إلا مموها جاهلا، ومتعاطيا ناقصا، قد قنع بالظنون، وعمي عن اليقين، لم نر الاشتغال بهذا الضرب من العلوم والتفرغ لهذا الفن من الآداب، حتى صنفنا كتبنا من ضروب المقالات، وأنواع الديانات، ككتاب الإبانة عن أصول الديانة وكتاب المقالات في أصول الديانات وكتاب سر الحياة وكتاب نظم الأدلة، في أصول الملة وما اشتمل عليه من أصول الفتوى وقوانين الأحكام: كتيقن القياس، والاجتهاد في الأحكام، وقع الرأي والاستحسان، ومعرفة الناسخ من المنسوخ، وكيفية الإجماع و ماهيته، ومعرفة الخاص والعام، والأوامر والنوا هي، والحظر والإباحة، وما أتت به الأخبار من الاستفاضة والآحاد، وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم، وما ألحق بذلك من أصول الفتوى، ومناظرة أنباء الخصوم فيما نازعونا فيه، موافقتهم في شيء منه، وكتاب الاستبصار في الإمامة ووصف قاويل الناس في ذلك من أصحاب النص والاختيار، وحجاج كل فريق منهم، وكتاب الصفوة في الإمامة وما احتواه ذلك، مع سائر نتبنا في ضروب علم الظواهر والبواطن والجلي والخفي والدائر الوافر، وإيقاظنا على ما يرتقبه المرتقبون، ويتوقعه المحدثون، وما ذكروه من نور يلمع في الأرض وينبسط في الجدب والخصب، وما في عقب الملاحم الكائنة، الظاهر أنباؤها المتجلي أوائلها، إلى سائر كتبنا في السياسة، كالسياسة المدنية وأجزاء المدينة، ومثلها الطبيعية، انقسام أجزاء الملة، والإبانة عن المواد، وكيفية تركيب العوالم، الأجسام السماوية، وما هو محسوس وغير محسوس، من الكثيف اللطيف، وما قال أهل النحلة في ذلك.
** الباعث له على التأليف **
وكان ما دعاني إلى تأليف كتابي هذا في التاريخ، وأخبار العالم، ما مضى في أكناف الزمان من أخبار الأنبياء والملوك وسيرها والأمم مساكنها محبة احتذاء الشاكلة التي قصدها العلماء، وقفاها الحكماء، أن يبقى للعالم ذكرا محمودا، وعلما منظوما عتيدا؛ فإنا وجدنا مصنفي كتب في ذلك مجيدا ومقصرا، ومسهبا ومختصرا ووجدنا الأخبار زائدة مع زيادة الأيام، حادثة مع حدوث الأزمان، وربما غاب البارع منها على فطن الذكي، ولكل واحد قسط يخصه بمقدار عنايته، ولكل إقليم عجائب يقتصر على علمها أهله، وليس من لزم جهة وطنه وقنع بما نمي إليه من الأخبار عن إقليمه كمن قسم عمره على قطع الأقطار، ووزع أيامه بين تقاذف الأسفار، واستخراج كل دقيق من معدنه، وإثارة كل نفيس من مكمنه. وقد ألف الناس كتبا في التاريخ والأخبار ممن شلف وخلف، فأصاب البعض وأخطأ البعض، وكل قد اجتهد بغاية إمكانه، وأظهر مكنون جوهر فطنته: كوهب بن منبه، وأبي مخنف لوط بن يحمى العامري، ومحمد بن إسحاق، والواقدي، وابن الكلبي، وأبي عبيدة معمر بن المثنى، وأبي العباس الهمداني، والهيثم بن عدي الطائي، والشرقي بن القطامي، وحماد الراوية، والأصمعي، وسهل بن هارون، وعبد الله بن المقفع، واليزيدي، ومحمد بن عبد الله العتبي، والأموي، وأبي زيد سعيد بن أوس الأنصاري، والنضر بن شميل، وعبد الله بن عائشة، وأبي عبيد القاسم بن مسلأم، وعلي بن محمد المدائني، ودماذ بن رفيع بن سلمة، ومحمد بن سلام الجمحي، وأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، وأبي زيد عمر بن شبة النميري، والزرقيئ الأنصاري، وأبي السائب المخزومي، وعلي بن محمد بن سليمان النوفلي، والزبير بن بكار، الإنجيلي، والرياشي، وابن عابد، وعمارة بن وسيمة المصري، وأبي حسان الزيادي، ومحمد بن موسى الخوارزمي، وأبي جعفر محمد بن أبي لسري، ومحمد بن الهيثم بن شبابة الخراساني صاحب كتاب الدولة، إسحاق بن إبراهيم الموصلي صاحب كتاب الأغاني وغيره من الكتب، والخليل بن الهيثم الهرتمي صاحب كتاب الحيل والمكايد في الحروب غيره، ومحمد بن يزيد المبرد الأزدي، ومحمد بن سليمان المنقري الجوهري، ومحمد، بن زكريا الغلابي المصري المصنف للكتاب المترجم كتاب الأجواد وغيره، وابن أبي الدنيا مؤدب المكتفي بالله، وأحمد بن محمد الخزاعي المعروف بالخاقاني الأنطاكي، وعبد الله بن محمد بن حفوظ البلوي الأنصاري صاحب أبي يزيد عمارة بن زيد المديني، أحمد بن محمد بن خالد البرقي الكاتب صاحب التبيان، وأحمد بن أبي طاهر صأحب الكتاب المعروف بأخبار بغداد وغيره، وابن الوشاء، علي بن مجاهد صاحب الكتاب المعروف بأخبار الأمويين وغيره، ومحمد بن صالح بن النطاح صاحب كتاب الدولة العباسية وغيره، ويوسف بن إبراهيم صاحب أخبار إبراهيم بن المهدي وغيرها، ومحمد بن الحارث الثعلبي صاحب الكتاب المعروف بأخلاق الملوك المؤلف للفتح بن خاقان وغيره، وأبي سعيد السكري صاحب كتاب أبيات العرب، وعبيد الله بن عبد الله بن خرداذبة؛ فإنه كان إماما في التأليف متبرعا في ملاحة التصنيف، أتبعه من يعتمد، وأخذ منه، ووطىء على عقبه، وقفا أثره، وإذا أردت أن تعلم صحة ذلك فانظر إلى كتابه الكبير في التاريخ فإنه اجمع هذه الكتب جدا، وأبرعها نظما، وأكثرها علما، وأحوى لأخبار الأمم وملوكهم وسيرها من الأعاجم وغيرها، ومن كتبه النفيسة كتابه في المسالك والممالك وغير ذلك مما إذا طلبته وجدته، وإذا تفقدته حمدته، وكتاب التاريخ من المولد إلى الوفاة، ومن كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم من الخلفاء والملوك إلى خلافة المعتضد بالله، وما كان من الأجداث والكوائن في أيامهم وأخبارهم، تأليف محمد بن علي الحسيني العلوي الدينوري، وكتاب التاريخ لأحمد بن يحمى البلاذري، وكتابه أيضا في البلدان وفتوحها صلحا وعنوة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وما فتح في أيامه وعلى يد الخلفاء بعده، وما كان من الأخبار في ذلك، ووصف البلدان في الشرق والغرب والشمال والجنوب، ولا نعلم في فتوح البلدان أحسن منه، وكتاب داود بن الجراح في التاريخ الجامع لكثير من أخبار الفرس وغيرها من الأمم، وهو جد الوزير علي بن عيسى بن داود بن الجراح، وكتاب التاريخ الجامع لفنون من الأخبار والكوائن في الأعصار قبل الإسلام وبعده، تأليف أبي عبد الله محمد بن الحسين ابن سوار المعروف بابن أخت عيسى بن المنجم على ما أنبأت به التوراة وغير ذلك من أخبار الأنبياء والملوك وكتاب التاريخ، وأخبار الأمويين ومناقبهم، وذكر فضائلهم، وما أتوا به عن غيرهم، وما أحدثوه من السير في أيامهم، تأليف أبي عبد الرحمن خالد بن هشام الأموي، وكتاب القاضي أبي بشر الدولابي في التاريخ، والكتاب الشريف تأليف أبي بكر محمد بن خلف بن وكيع القاضي في التاريخ وغيره من الأخبار، وكتاب السير والأخبار لمحمد بن خالد الهاشمي، وكتاب التاريخ والسير " لأبي إسحاق بن سليمان الهاشمي، وكتاب سير الخلفاء لأبي بكر محمد بن زكريا الرازي صاحب كتاب المنصوري في الطب وغيره، فأما عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري فممن كثرت كتبه واتسع تصنيفه، ككتابه المترجم بكتاب المعارف وغيره من مصنفاته.د بن زكريا الرازي صاحب كتاب المنصوري في الطب وغيره، فأما عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري فممن كثرت كتبه واتسع تصنيفه، ككتابه المترجم بكتاب المعارف وغيره من مصنفاته.
** ثناؤه على ابن جرير الطبري **
وأما تاريخ أبي جعفر محمد بن جرير الطبري الزاهي على المؤلفات، والزائد على الكتب المصنفات، فقد جمع أنواع الأخبار، وحوى فنون الآثار، واشتمل على صنوف العلم، وهو كتاب تكثر فائدته، وتنفع عائدته، وكيف لا يكون كذلك.! ومؤلفه فقيه عصره، وناسك دهره، إليه انتهت علوم فقهاء الأمصار، وحملة السنن والآثار، وكذلك تاريخ أبي عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة الواسطي النحوي الملقب بنفطويه فمحشؤ من ملاحة كتب الخاصة، مملوء من فوائد السادة، وكان، أحسن أهل عصره تأليفا، وأملحهم تصنيفا، وكذلك سلك محمد بن يحمى الصولي في كتابه المترجم بكتاب الأوراق في أخبار الخلفاء من بني العباس وبني أمية، وشعرائهم، ووزرائهم، فإنه ذكر غرائب لم تقع لغيره، وأشياء تفرد بها لأنه شاهدها بنفسه، وكان محظوظا من العلم، ممحودا من المعرفة مرزوقا من التصنيف وحسن التأليف، وكذلك كتاب الوزراء وأخبارهم لأبي الحسن علي بن الحسن المعروف بابن الماشطة، فإنه بلغ في تصنيفه إلى آخر أيام الراضى بالله.
** ثناؤه على قدامة بن جعفر **
وكذلك أبو الفرج قدأمة بن جعفر الكاتب؛ فإنه كان حسن التأليف، بارع التصنيف، موجزا للألفاظ، مقربا للمعاني، وإذا أردت علم ذلك فانظر في كتابه في الأخبار المعروف بكتاب زهر الربيع، وأشرف على كتابه المترجم بكتاب الخراج؛ فإنك تشاهد بهما حقيقة ما قد ذكرنا، وصدق ما وصفنا، وما صنفه أبو القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي الفقيه في كتابه في الأخبار الذي يعارض فيه كتاب الروضة للمبرد ولقبه بالباهر، وكتاب إبراهيم بن ماهويه الفارسي الذي عارض فيه المبرد في كتابه الملقب بالكامل، وكتاب إبراهيم بن موسى الواسطي الكاتب في أخبار الوزراء الذي عارض فيه كتاب محمد بن داود بن الجراح في الوزراء، وكتاب علي بن الفتح الكاتب المعروف بالمطوق في أخبار عدة من وزراء المقتدر بالله، وكتاب زهرة العيون وجلاء القلوب تأليف المصري، وكتاب التاريخ تأليف عبد الرحمن بن عبد الرازق المعروف بالجوزجاني السعدي، وكتاب التاريخ وأخبار الموصل تأليف أبي ذكره الموصلي، وكتاب التاريخ تأليف أحمد بن يعقوب المصري في أخبار العباسيين وغيرهم، وكتاب التاريخ في أخبار الخلفاء من بني العباس وغيرهم لعبد الله بن الحسين بن سعد الكاتب، وكتاب محمد بن مزيد بن أبي الأزهر في التاريخ وغيره، وكتابه المترجم بكتاب الهرج والأحداث.
** نقد المؤلف لثابت بن قرة **
ورأيت سنان بن ثابت بن قرة الحراني حين انتحل ما ليس من صناعته، واستنهج ما ليس من طريقته قد ألف كتابا جعله رسالة إلى بعض إخوانه من الكتاب، واستفتحه بجوامع من الكلام في أخلاق النفس وأقسامها من الناطقة والغضبية والشهوانية، وذكر لمعا من السياسات المدنية مما ذكره أفلاطون في كتابه في السياسة المدنية، وهو عشر مقالات، ولمعا مما يجب على الملوك والوزراء، ثم خرج إلى أخبار يزعم أنها صحت عنده ولم يشاهدها، ووصل ذلك بأخبار المعتضد بالله، وذكر صحبته إياه، وأيامه السالفة معه ثم ترقى إلى خليفة خليفة في التصنيف، مضادة لرسم الإخبار والتواريخ وخروجا عن جملة أهل التأليف، وهو وإن أحسن فيه، ولم يخرجه عن معانيه، فإنما عيبه أنه خرج عن مركز صناعته، وتكلف ما ليس من مهنته، ولو أقبل على علمه الذي انفرد به من علم إقليدس والمقطعات والمجسطى والمحورات، ولو استفتح آراء سقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس، فأخبر عن الأشياء الفلكية، والآثار العلوية، والمزاجات الطبيعية، والنسب والتأليفات، والنتائج والمقدمات، والصنائع المركبات، ومعرفة الطبيعيات: من الإلهيات، والجواهر والهيآت، ومقادير الأشكال، وغير ذلك من أنواع الفلسفة لكان قد سلم مما تكلفه، وأتى بما هو أليق بصنعته، ولكن العارف بقدره معوز، والعالم بمواضع الخلة مفقود، وقد قال عبد الله بن المقفع: من وضع كتابا فقد استهدف، فإن أجاد فقد استشرف، وإن أساء فقد استقذف .قال أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعوعي: ولم نذكر من كتب التواريخ والأخبار والسير والآثار إلا ما اشتهر مصنفوها، وعرف مؤلفوها ولم نتعرض لذكر كتب تواريخ أصحاب الأحاديث في معرفة أسماء الرجال وأعصارهم وطبقاتهم ؛ إذ كان ذلك كله أكثر من أن نأتي على ذكره في هذا الكتاب، إذ كنا قد أتينا على جميع تسمية أهل الأعصار من حمله الآثار، ونقلة السير والأخبار، وطبقات أهل العلم من عصر الصحابة، ثم من تلاهم من التابعين، وأهل كل عصر على اختلاف أنواعهم، وتنازعهم في آرائهم: من فقهاء الأمصار وغيرهم من أهل الآراء والنحل والمذاهب والجدل، إلى سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، في كتابنا المترجم بكتاب أخبار الزمان، وفي الكتاب الأوسط.
** المؤلف يذكر أنه أودع كتابه أجزل الفوائد **
وقد وسمت كتابي هذا بكتاب مروج الذهب، ومعادن الجوهر؟ لنفاسة ما حواه، وعظم خطر ما استولى عليه: من طوالع بوارع ما تضمنته كتبنا السالفة في معناه، وغرر مؤلفاتنا في مغزاه، وجعلته تحفة للأشراف من الملوك وأهل الدرايات لما قد ضمنته من جمل ما تدعو الحاجة إليه، وتنازع النفوس إلى علمه من دراية ما سلف وغبر في الزمان، وجعلته منبها على أغراض ما سلف من كتبنا، ومشتملا على جوامع يحسن بالأديب العاقل معرفتها، ولا يعذر في التغافل عنها، ولم نترك نوعا من العلوم، ولا فنا من الأخبار، ولا طريقة من الآثار، إلا أوردناه في هذا الكتاب مفصلا، أو ذكرناه مجملا، أو أشرنا إليه بضرب من الإشارات، أو لوحنا إليه بفحوى من العبارات.
** المؤلف ينهي عن التصرف في الكتاب ويخوف من ذلك **
فمن حرف شيئا من معناه، أو أزال ركنا من مبناه، أو طمس واضحة من معالمه، أو لبس شاهدة من تراجمه، أو غيره، أو بدله، أو بشأنه، أو اختصره، أو نسبه إلى غيرنا، أو أضافه إلى سوانا، فوافاه من غضب الله وسرعة نقمه وفوادح بلاياه ما يعجز عنه صبره، ويحار له فكره، وجعله الله مثلة للعالمين، وعبرة للمعتبرين، واية للمتوسمين، وسلبه الله ما أعطاه، وحال بينه وبين ما أنعم به عليه: من قوة ونعمة مبدع السماوات والأرض، من أي الملك كان والآراء، إنه على كل شيء قدير. وقد جعلت هذا التخويف في أول كتابي هذا وآخره، ليكون رادع المن ميله هوى، أو غلبه شقاء، فليراقب الله ربه، وليحافر منقلبه، فالمدة يسيرة، والمسافة قصيرة، وإلى الله المصير. وهذا حين نبدأ بجمل ما استودعناه هذا الكتاب من الأبواب، وماحوى كل باب منها من أنواع الأخبار، وبالله التوفيق.