Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar
ذكر أنساب فارس وما قاله الناس في ذلك
Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 15 of 107
** اختلاف العلماء في أنسابهم **
تنازع الناس في الفرس وأنسابهم: فمنهم من رأى أن فارس ابن ياسوربن سام بن نوح، وكذلك النبط من ولد نبيط بن ياسوربن سام بن نوح، وهذا قول هشام بن محمد فيما حكاه عن أبيه وغيره من علماء العرب ة ففارس ونبيط أخوان وهما ابنا ياسور، ومنهم من زعم أنه من ولد يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل صلوات الله عليهم، ومنهم من ذكر أنه من ولد إرم بن إرفخشذ بن سام بن نوح، وأنه ولد له بضعة عشر رجلا كلهم كان فارسا شجاعا فسموا الفرس بالفروسية، وفي ذلك يقول حطان بن المعلى الفارسي:
وبنا سمي الفوارس فرسا ... نا، ومنا مناجب الفرسان
وكهول طواهم الركفق والكر ... كمثل الكرات يوم الطعان وقد زعم قوم أن الفرس من ولد لوط من ابنتيه، زهى ورعوى، ولأصحاب التوراة في هذا خبر طويل، وذكر آخرون أنهم من ولد بوان بن إيران بن الأسود بن سام بن نوح، وبوان هذا هو الذي ينسب إليه شعب بوان من بلاد فارس، وهو أحد المواضع المشهورة في العالم بالحسن، وكثرة الأشجار، وتدفق المياه، وكثرة أنواع الأشجار، وقد ذكره بعض الشعراء فقال:
فشعب بوان فوادي الراهب ... فثم نلقي أرحل النجائب
ومنهم من رأى أن الفرس من ولد إيران بن أفريدون، وقد قدمنا في صدر هذا الكتاب أخبار ولد أفريدون حين قسم الأرض بينهم، وما قاله الشاعر في ذلك من قوله:
ولإيران جعلنا عنوة ... فارس الملك وفزنابالنعم
فأضيف الفرس إلى ذلك، وإيران تسمية الفرس أيرج إذا عرفوا اسمه، ولا تناكر بين الفرس جميعا في أنها من ولد أيرج جميعا، وأيرج هو إيران بن أفريدون هذاهو المستفيض بينهم، والأغلب عليهم: أنهم من آلي أيرج، ومن الناس من ذهب إلى أن سائر أجناس الفرس وأهل كور الأهواز من ولد عيلام، ولا خلاف بين الفرس في أن الجميع منهم من ولد كيومرث وهذا هو الأشهر، وكيومرث هو قبل أيرج بن أفريدون، وأيرج بن أفريدون هو الذي ترجع إليه فارس من ولد كيومرث ومن الناس من ذهب إلى أن الفرس الثانية وهم الساسانية دون من سلف من الفرس الأولى هم من ولد منوشهربن أيرج بن أفريدون، ومنهم من ذهب إلى أن منوشهر هو ابن مشجر بن ويرك، وويرك هو إسحاق بن إبراهيم الخليل، وسار مشجر إلى أرض فارس، وكان بها امرأة متملكة يقال لها كورك ابنة أيرج، فتزوجها، فولدت له منوشهر الملك، وكثر ولده، فملكوا الأرض، وغلبوا عليها، وهابتهم الملوك لما هم عليه من الشجاعة والفروسية، ودثرت الفرس الأولى كدثور الأمم الماضية والعرب العاربة.
قال المسعودي: وأكثر حكماء العرب من نزار بن معد يقول هذا، ويعمل عليه في بدء النسب، وينقاد إليه كثيرمن الفرس، ولا ينكرونه، وقد ذكرته شعراء العرب من نزار بن معد، وافتخرت على اليمن من قحطان بالفرس، وأنها من ولد إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهما السلام، فقال في ذلك إسحاق بن سويد العدوي عدي قريش:
إذا افتخرت قحطان يوما بسؤدد ... أتى فخرنا أعلى عليها وأسودا
ملكناهم بلدا بإسحاق عمنا ... وصاروا لنا غرما على الدهرأعبدا
فإن كان منهم تبع وابن تبع ... فأملاكهم كانوا لأملاكنا يدا
ويجمعنا والغرأبناء سارة ... أب لا يبالي بعده من تفردا
هم ملكوا شرقا وغربا ملوكهم ... وهم منحوهم بعد ذلك سؤددا
وفي ذلك أيضا يقول جريربن الخطفي التميمي يفخر على قحطان بأن الفرس والروم من أولاد إسحاق، والأنبياء من ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، من كلمة طويلة يقول فيها:
وأبناء إسحاق الليوث إذا ارتدوا ... حمائل موت لابسين السنورا
إذا افتخروا عحوا الصبهبذ منهم ... وكسرى وعدوا الهرمزان وقيصرا
وكان كتاب الله فيهم ونوره ... وكانوا بإصطخر الملوك وتسترا
ومنهم سليمان النبي الذي دعا ... فأعطي بنيانا وملكا مقدرا
أبونا أبوإسحاق، يجمع بيننا ... أب كان مهديا نبيا مطهرا
بني قبلة الله التي يهتدى بها ... فأورثنا عزا وملكا معمرا
وموسى وعيسى والني خرساجدا ... وأنبت زرعا دمع عينيه أخضرا
ويعقوب منهم، زاده الله حكمة ... وكان ابن يعقوب نبيامطهرا
ويجمعنا والغرأبناء فارس ... أب لا يبالي بعده من تأخرا
أبونا خليل الله، والله ربنا ... رضينا بما أعطى الإله وقدرا
وفي ذلك يقول بشار بن برد:
نمتني الكرام بنوفارس ... قريش وقومي قريش العجم
وقال أحد شعراء الفرس يذكر أنه من ولد إسحاق، وأن إسحاق هو المسمى ويرك، على حسب ما قدمنا قبل، من كلمة له: أبونا ويرك، وبه أسامي ... إذا فخر المفاخر بالولاده
أبونا ويرك عبد رسول ... له شرف الرسالة والزهاده
فمن مثلي إذا افتخرت قرون ... وبيتي مثل واسطة القلاده ؟
ومن الفرس من يزعم أن ويرك هو ابن أيرك بن بورك بن سبع نسوة تولدن من غير ذكر إلى أن يلحقن في نسبهن بأيرج بن أفريدون، وهذا مما يدفعه العقل، ويأباه الحس، ويخرج عن العادة، وتنبو عنه المشاهدة، إلا ما خص الله تعالى به السيد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام ليرى آياته ودلائله الخارجة عن العادة، وعما ذكرنا من المشاهدات. وللفرس ههنا منازعات في نسب منوشهر، واضطراب في كيفية إلحاقه بأفريمون وفي وطء أفريدون لبنت أيرج، ووطئه بنت البنت إلى السبع منهن وقد كان بين ملك منوشهر على ما ذكرنا وبين ملك أفريدون مدةخلت من الدهر، وعدة من الملوك؛ لتخرب كان بإقليم بابل، وعدم ذي همة تنقاد إليه المملكة ويستقيم له الملك، وتجتمع عليه الكلمة، فانتقل الملك من ولد أفريدون إلى ولد إسحاق.فإن كان كل ما ذكرنا هو المعول عليه من قول هذه الطائفة فيجب على ما يوجبه الحساب أن من كيومرث إلى انتقال الملك إلى ولد إسحاق ألفا وتسعمائة واثنتين وعشرين سنة، كذلك وجدت في كتب تواريخ هذه الطائفة بأرض فارس وبلاد كرمان.
قال المسعودي: وقد افتخر بعض أبناء الفرس بعد التسعين والمائتين بجده إسحاق بن إبراهيم الخليل، على ولد إسماعيل، بأن الذبيح كان إسحاق دون إسماعيل، فقال من كلمة له:
قل لبني هاجرأبنت لكم ... ما هذه الكبرياء والعظمة ؟
ألم تكن في القديم أمكم ... لأمنا سارة الجمال أمه
والملك فينا والأنبياء لنا ... إن تنكروا ذاك توجدوا ظلمه
إسحاق كان الذبيح، قد أجمع الناس عليه إلا ادعاء لمه حتى إذا ما محمد أظهر الدين وجلى بنوره الظلمه قلتم:
قريش الأحساب مفخرة ... أصل لنا، إن كنتم بنيه فمه
أمابنويعرب فليسواكمن ... أسكنه الله آمتاحرمه
ولا كأبناء فارس، وهم ... في الأرض مثل الأسودفي الأجمه
وهي قصيدة طويلة، ذكر فيها كلاما كثيرا لم يسعنا ذكره، وقد أجابه عبد الله بن المعتز. وكان قائل هذه القصيدة في عصره، وعمر إلى أن مضت الثلثمائة، يناقضه في أبيات منها؛ فمن ذلك قوله:
أسمع صوتا ولا أرى أحدا ... من ذا الشقي الذي أباح دمه
حاشا لإسحاق أن يكون لكم ... أبا، وإن كنتم بنيه فمه
قولالكلب يرى لبطشته ... قدفغرالليث للفراس فمه
والفرس لا تنقاد إلى القوك بأن الملك كان فيها لأحد غير ولد أفريدون في عصر من الأعصار فيما سلف وخلف إلى أن زال عنهم الملك، إلا أن يكون دخل عليهم داخل على طريق الغصب بغير حق.
** الفرس يحجون البيت **
وقد كانت أسلاف الفرس تقصد البيت الحرام، وتطوف به، تعظيماله، ولجدها إبراهيم عليه السلام، وتمسكا بهديه، وحفظا لأنسابها، وكان آخر من حج منهم ساسان بن بابك وهو جد أردشير بن بابك، وهو أول ملوك ساسان وأبوهم الذي يرجعون إليه كرجوع المروانية إلى مروان بن الحكم، وخلفاء العباسيين إلى العباس بن عبد المطلب، ولم يل الفرس الثانية أحد إلا من ولد أردشير بن بابك هذا، فكان ساسان إذا أتى البيت طاف به وزمزم على بئر إسماعيل، فقيل: إنما سميت زمزم لزمزمته عليها، هو وغيره من فارس، وهذا يدل على ترادف كثرة هذا الفعل منهم على هذه البئر، وفي ذلك يقول الشاعر في قديم الزمان:
زمزمت الفرس على زمزم ... وذاك من سالفها الأقدم
وقد أفتخر بعض شعراء الفرس يعد ظهور الإسلام بذلك، فقال من كلمة:
ومازلنانحج البيت قدما ... ونلقي بالأباطح آمنينا
وساسان بن بابك سارحتى ... أتى البيت العتيق يطوف دينا
فطاف به، وزمزم عند بئر ... لإسماعيل تروي الشاربينا وكانت الفرس تهدي إلى الكعبة أموالا في صدر الزمان، وجواهر،وقد كان ساسان بن بابك هذا أهدى غزالين من ذهب وجوهرا وسيوفا وذهبا كثيرا فقذفه في زمزم وقد ذهب قوم من مصنفي الكتب في التواريخ وغيرها من السير أن ذلك كان لجرهم حين كانت بمكة، وجرهم لم تكن ذات مال فيضاف ذلك إليها، ويحتمل أن يكون لغيرها، والله أعلم.وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب ما كان من فعل عبد المطلب بهذه الأسياف وغيرها مما أودع في زمزم.
وللناس في هذه الأنساب تنازع في بدئها وتشعبها، وقد ذكرنا من ذلك جملا، وأوردنا منه جوامع يكتفي ذوالمعرفة بالإشراف عليها عن كثير من مبسوطها.