John Shaqi

Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar

ذكر أخبار الإسكندرية وبنائها وملوكها وعجائبها وما ألحق بهذا الباب

Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 20 of 107

** اختيار الموضع **

ذكر جماعة من أهل العلم أن الإسكندر المقدوني لما استقام ملكه في بلاده سار يختار أرضا صحيحة الهواء والتربة والماء، حتى انتهى إلى موضع الإسكندرية فأصاب في موضعها آثار بنيان عظيم وعمدأ كثيرة من الرخام، وفي وسطها عمود عظيم عليه مكتوب بالقلم المسند - وهو القلم الأول من أقلام حمير وملوك عاد - أنا شداد بن عاد بن شداد بن عاد، شددت بساعدى البلاد، وقطعت عظيم العماد، من الجبال والأطواد، وأنا بنيت إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، وأردت أن أبني ههنا كإرم، وأنقل إليها كل في إقدام وكرم، من جميع العشائر والأمم، وذلك إذ لا خوف ولا هرم، ولا اهتمام ولا سقم، فأصابني ما أعجلني، وعما أردت قطعني مع وقوع ما أطال همي وشجني، وقل نومي وسكني، فارتحلت بالأمس عن داري لا لقهر ملك جبار، ولا لخوف جيش جرار، ولا عن رهبة ولا عن صغار، ولكن لتمام المقدار، وانقطاع الأثار، وسلطان العزيز الجبار، فمن رأى أثري، وعرف خبري، وطول عمري، ونفاذ بصري، وشدة حفري، فلا يغتر بالدنيا بعدي، فإنها غرارة تأخذ منك ما تعطي، وتسترجع ما تولي. وكلام كثير يري فناء الدنيا ويمنع من الاغترار بها والسكون إليها.

ونزل الإسكندر متفكرا يتدبر هذا الكلام ويعتبره، ثم بعث فحشر الصناع من البلاد،. وخط الأساس، وجعل طولها وعرضها أميالا، وحشد إليها العمد والرخام، وأتته المراكب فيها أنواع الرخام. وأنواع المرمر والأحجار، من جزيرة صقلية، وبلاد إفريقية، وإقريطش، وأقاصي بحر الروم مما يلي مصبه من بحر أوقيانوس، وحمل إليه أيضا من جزيرة روعس وهي جزيرة مقابلة للإسكندرية على ليلة منها في البحر، وهي أول بلاد الإفرنجة، وهذه الجزيرة في وقتنا هذا، وهو صنة اثنتين وثلانين وثلثمائة، دار صناعة لم لروم، وبها تنشأ المراكب الحربية، وفيها خلق كثير من الروم، ومراكبهم تطرق بلاد الإسكندرية وغيرها من بلاد مصر فتغير وتأسر وتسبي. وأمر الإسكندر الفعلة والصناع أن يدوروا بما رسم لهم من أساس سور المدينة، وجعل على كل قطعة من الأرض خشبة قائمة، وجعل من الخشبة إلى الخشبة حبالا منوطة بعضها ببعض، وأوصل جميع ذلك بعمود من الرخام، وكان أمام مضربه، وعلق على العمود جرسا عظيما مصوتا، وأمر الناس والقؤام على البنائين والفعلة والصناع أنهم إذا سمعوا صوت ذلك الجرس وتحركت الحبال وقد علق على كل قطعة منها جرسا صغيرا حرصوا على أن يضعوا أساس المدينة دفعة واحدة من سائر أقطارها، وأحب الإسكندر أن يجعل ذلك في وقت يختاره في طالع سعيد، فخفق الإسكندر برأسه وأخذته سنة في حال ارتقابه الوقت المحمود المأخوذ فيه الطالع، فجاء غراب فجلس على حبل الجرس الكبير الذي فوق العمود فحركه، وخرج صوت الجرس وتحركت الحبال، وخفقت ما عليها من الأجراس الصغار، وكان ذلك معمولا بحركات فلسفية، وحيل حكمية، فلما رأى الصناع تحرك تلك الحبال وسمعوا تلك الأصوات وضعوا الأساس دفعة واحدة، وارتفع الضجيج بالتحميد والتقديس، فاستيقظ الإسكندر من رقدته وسأل عن الخبر، فأخبر بذلك، فعجب وقال: أردت امرأ وأراد الله غيره، ويأبى الله إلا ما يريد، أردت طول بقائها، وأراد الله سرعة فنائها وخرابها وتداول الملوك إياها.

وإن الإسكندرية لما أحكم بنيانها وأثبت أساسها وجن الليل عليهم خرجت دواب من البحر فأتت على جميع ذلك البنيان، فقال الإسكندر حين أصبح: هذا بدء الخراب في عمارتها، وتحقق مراد الباري في زوالها، وتطير من فعل الدواب، فلم يزل البناء يثنى في كل يوم ويحكم، :يوكل به من يمنع الدواب إذا خرجت من البحر، فيصبحون وقد أخرب البنيان، فقلق الإسكندر لذلك، وراعه ما رأى، فأقبل يفكر ما الذي يصنع، وأي حيلة تنفع في دفع الأذية عن المدينة، فسنحت له الحيلة في ليلته عند خلوته بنفسه وإيراده الأمور وإصدارها، فلما أصبح دعا بالصناع فاتخذوا له تابوتا من الخشب طوله عشرة أذرع في عرض خمس،، وجعلت فيه جامات من الزجاج قد أحاط بها خشب التابوت باستدارتها، وقد أمسك ذلك بالقار والزفت وغيره من الأطلية الدافعة للماء، حذرا من دخول الماء إلى التابوت، وقد جعل فيها مواضع للحبال، ودخل الإسكندر في التابوت هو ورجلان معه من كتابه ممن له علم باتقان التصوير ومبالغة فيه وأمر أن تسد عليهم الأبواب، وأن تطلى بما ذكرنا من الأطلية، وأمر فأتي بمركبين عظيمين، فأخرجا إلى لجة البحر، وعلق على التابوت من أسفل مثقلات الرصاص والحديد والحجارة لتهوي بالتابوت سفلا إذ كان من شأنه لما فيه من الهواء أن يطفو فوق الماء ولا يرسب في أسفله، وجعل التابوت بين المركبين، فألصقهما بخشب بينهما لئلا يفترقا، وشد حبال التابوت إلى المركبين وطؤل حباله، فغاص التابوت حتى انتهى إلى قرار البحر، فنظروا إلى دواب البحر وحيوانه من ذلك الزجاج الشفاف في صفاء ماء البحر؟ فإذا هم بشياطين على مثال الناس ورؤوسهم على مثال رؤوس السباع، وفي أيدي بعضهم الفؤوس، وفي أيدي بعض المناشير والمقاطع، يحاكون بذلك صناع المدينة والفعلة وما في أيديهم من آلات البناء، فأثبت الإسكندر ومن معه تلك الصور وأحكموها بالتصوير في القراطيس، على اختلاف أنواعها وتشوه خلقتهم وقدودهم وأشكالهم، ثم حرك الحبال، فلما أحس بذلك من في المركبين جذبوا الحبال وأخرجوا التابوت، فلما خرج الإسكندر من التابوت وسار إلى مدينة الإسكندرية أمر صناع الحديد والنحاس والحجارة فصنعوا تماثيل تلك الدواب على ما كان صؤره الإسكندر وصاحباء، فلما فرغوا منها وضعت الصور على العمد بشاطئ البحر، ثم أمرهم فبنوا، فلما جن الليل ظهرت تلك الدوالب والآفات من البحر، فنظرت إلى صورها على العمد مقابلة إلى البحر، فرجعت إلى البحر ولم تعد بعد ذلك.

ثم لما بنيت الإسكندرية وشيدت أمر الإسكندر أن يكتب على أبوابها هذه الإسكندرية، أردت أن أبنيها على الفلاح والنجاح واليمن والسعادة والسرور والثبات في الدهور، فلما يرد الباري عز وجل ملك السموات والأرض ومفني الأمم أن نبنيها كذلك، فبنيتها وأحكمت بنيانها، وشيدت سورها، وآتاني الله من كل شيء علما وحكما، وسهل لي وجوه الأسباب، فلم يتعذر علي شيء في العالم مما أردته، ولا امتنع عني شرء مما طلبته، لطفأ من الله عز وجل، وصنعا بي، وصلاحا لي ولعبادي من أهل عصري، والحمد لله رب العالمين، لا إله إلا الله رب كل شيء.

ورسم الإسكندر بعد هذه الكتابة كل ما يحدث ببلده من الأحداث بعده في مستقبل الزمان: من الآفات، والعمران، والخراب، وما يؤول إليه إلى وقت دثور العالم.

وكان بناء الإسكندرية طبقات، وتحتها قناطر مقنطرة، عليها دور المدينة، يسير تحتها الفارس وبيده رمح لا يضيق به حتى يدور جميع تلك الأزاج والقناطر التي تحت المدينة، وقد عمل لتلك العقود والازاج مخاريق، وتنفسات للضياء، ومنافذ للهواء.

وقد كانت الإسكندرية تضيء بالليل بغير مصباح، لشدة بياض الرخام و المرمر، وأسواقها وشوارعها وأزقتها مقنطرة بها لئلا يصيب أهلها شيء من لمطر، وقد كان عليها سبعة أسوار من أنواع الحجارة المختلفة ألوانها، بينها خنادق، وبين كل خندق وسور فصلان، وربما علق على المدينة شقاق الحرير الأخضر؟ لاختطاف بياض الرخام أبصار الناس لشدة بياضه.

فلما أحكم بناؤها، وسكنها أهلها، كانت آفات البحر وسكانه - على، زعم الإخباريون من المصريين والاسكندريين - تختطف بالليل أهل هذه لمدينة، فيصبحون وقد فقد منهم العدد الكثير.

** المال **

ولما علم الإسكندر بذلك اتخذ الطلسمات على أعمدة هناك تدعى المسال، وهي باقية إلى هذه الغاية، وكل واحد من هذه الأعمدة على هيئة السروة وطول كل واحد منها ثمانون ذراعا، على عمد من نحاس وجعل تحتها صورأ وأشكالا وكتابة، وذلك عند انخفاض درجة من درجات الفلك وقربها من هذا العالم، وعند أصحاب الطلسمات من المنجمين والفلكيين أنه إذا ارتفع من الفلك درجة وانخفض أخرى في مدة يذكرونها من السنين نحو ستمائة سنة نأتي في هذا العالم فعل الطلسمات النافعة المانعة والدافعة، وقد ذكر هذا جماعة من أصحاب الزيجات والنجوم وغيرهم من مصنفي الكتب في هذا المعنى، ولهم في ذلك سر من أسرار الفلك ليسى كتابنا هذا موضعا له، ولغيرهم ممن ذهب إلى أن ذلك للطف قوى الطبائع التام وغير ذلك مما قاله الناس، وما ذكرنا من عرج الفلك فموجود في كتب من تأخر من - علماء المنجمين والفلكيين، كأب معشر البلخي، والخوارزمي، ومحمد بن كثير الفرغاني، وما شاء الله، وحبش، واليزيدي، ومحمد بن جابر البتاني في زيجه الكبير، وثابت بن قرة، وغير هؤلاء ممن تكلم في علوم هيأت الفلك والنجوم.

** منارة الإسكندرية **

قاله المسعودي: فأما منارة الإسكندرية فذهب الأكثر من المصريين والاسكندرانيين - ممن عني بأخبار بلدهم - إلى أن الإسكندر بن فيلبس المقدوني هو الذي بناها على حسب ما قدمنا في بناء المدينة، ومنهم من رأى أن دلوكة الملكة هي التي بنتها، وجعلتها مرقبا لمن يرد من العدو إلى بلدهم، ومنهم من رأى أن العاشر من فراعنة مصر هو الذي بناها، وقد قدمنا ذكر هذا الملك فيما سلف من هذا الكتاب، ومنهم من رأى أن الذي بنى مدينة رومية هو الذي بنى مدينة الإسكندرية ومنارتها والأهرام بمصر، و - إنما أضيفت الإسكندرية إلى الإسكندر لشهرته بالاستيلاء على الأكثر من ممالك العالم فشهرت به، وذكروا في ذلك أخبارا كثيرة، يدلون بها على ما قالوا، والإسكندر لم يطرقه في هذا البحر عدو، ولا هاب ملكا يرد إليه في بلده ويغزوه في داره، فيكون هو الذي جعلها مرقبا، وإن الذي بناها جعلها على كرسي من الزجاج على هيئة السرطان في جوف البحر وعلى طرف اللسان الذي هو داخل في البحر من البر، وجعل على أعلاها تماثيل من النحاس وغيره، وفيها تمثال قد أشار بسبابته من يده اليمنى نحو الشمس أينما كانت من الفلك، وإذا علت في الفلك فإصبعه مشيرة نحوها فإذا انخفضت يده سفلا، يدور معها حيث دارت، ومنها تمثال يشير بيده إلى البحر إذا صار العدو منه على نحو من ليلة، فإذا دنا وجاز أن يرى بالبصر لقرب المسافة سمع لذلك التمثال صوت هائل يسمع من ميلين أو ثلاثة، فيعلم أهل المدينة أن العدو قد دنا منهم، فيرمقونه بأبصارهم، ومنها تمثال كلما مضى من الليل والنهار ساعة سمعوا له صوتا بخلاف ما صوت في الساعة التي قبلها، وصوته مطرب.

** حيلة لهدم المنارة **

وقد كان ملك الروم في مدة الوليد بن عبد الملك بن مروان أنفذ خادما من خواص خدمه ذا رأي ودهاء سرا، ؤجاء مستأمنا إلى بعض الثغور، فورد بآلة حسنة، ومعه جماعة، فجاء إلى الوليد فأخبره أنه من خواص الملك، وأنه أراد قتله لموجدة وحال بلغته عنه لم يكن لها أصل، وأنه استوحش منه، ورغب في الإسلام، فأسلم على يدي الوليد، وتقرب من قلبه، وتنصح إليه في دفائن استخرجها له من بلاد دمشق وغيرها من الشام بكتب كانت معه فيها صفات تلك الدفائن، فلما رأى الوليد تلك الأموال والجواهر شرهت نفسه، واستحكم طمعه، فقال له الخادم: يا أمير المؤمنين، إن ههنا أموالا وجواهر ودفائن للملوك، فسأله الوليد عن الخبر، فقال: تحت منارة الإسكندرية أموال الأرض، وذلك أن الإسكندر احتوى على الأموال والجواهر التي كانت لشداد بن عاد وملوك العرب بمصر والشام، فبنى لها الأزاج تحت الأرض، وقنطر لها الأقباء والقناطر والسراديب، وأودعها تلك الذخائر من العين والورق والجواهر وبنى فوق ذلك هذه المنارة، وكان طولها في الهواء ألف ذراع، والمرآة على علوها والدبادبة جلوس حولها، فإذا نظروا إلى العدو في البحر في ضؤ تلك المرآة صوتوا بمن قرب منهم، ونصبوا ونشروا أعلاما فيراها من بعد منهم فيحذر الناس وينفر البلد، فلا يكون للعدو عليهم سبيل، فبعث الوليد مع الخادم بجيش واناس من ثقاته وخواصه فهدم نصف المنارة من أعلاها، وأزيلت المرآة؟ فضج الناس من أهل الإسكندرية وغيرها، وعلموا أنها مكيدة وحيلة في أمرها، ولما علم الخادم استفاضة ذلك، وأنه سينمى إلى الوليد، وأنه قد بلغ ما يحتاج إليه هرب في الليل في مركب كان قد أعده، وواطأ قومأ على ذلك من أمره، فتمت حيلته، وبقيت المنارة على ما ذكرنا إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - وكان حوالي منارة الإسكندرية في البحر مغاص يخرج منه قطع من الجواهر تتخذ منه فصوص للخواتم يشبه أنواعا من الجواهر: منه السكركهن والأدرك وأشباد جشم، ويقال: إن ذلك من الألات التي كان اتخذها الإسكندر للشراب، فلما مات كسرتها أمه صرمت بها في تلك المواضع من البحر، ومنهم من رأى أن الإسكندر اتخذ ذلك النوع من الجوهر وغرقه حول المنارة لكيلا يخلو من الناس حولها، لأن من شأن الجوهر أن يكون مطلوبا أبدا في كل عصر في معدنه برا أو بحرا، فيكون الموضع على عوام الأوقات بالناس معمورا، والأكثر مما يستخرج من الجوهر حول منارة الإسكندرية الأشباد جشم، وقد رأيت كثيرا من أصحاب التلويحات وممن عني بأعمال الجواهر المنسوبة بالمغرب يعمل هذه الجواهر المعروفة بالأشباد جشم، ويتخذ منه الفصوص وغيرها، وكذلك الفصوص المعروفة بالباقلمون وهي ترى ألوانا مختلفة من حمرة وخضرة وصفرة تتلون في المنظر ألوانا مختلفة على حسب ما قدمنا، والتلون من ذلك على حسب الجرهر في صفائه واختلاف نظر البصر في إدراكه، وتلون هذا النوع من الجوهر - أعني الباقلمون - نحو تلون ريش صدر الطواوشى ؟ فإنها تلون ألوانا مختلفة بأذنابها وأجنحتها - أعني الذكور دون الإناث - وقد رأيت منها بأرض الهند ألوانا تظهر لحس البصر عند تأملها، لا تدرك ولا تحصى، ولا تشبه بلوق من الألوان؟ لما يتراثف من تموج الألوان في ريشها، ويتأتى ذلك منها لعظم خلقها وكبر أجسامها وسعة ريشها؟ لأن للطواوس بأرض الهند شأنا عجيبا، والذي يحمل منها إلى أرض الإسلام ويخرج عن أرض الهند فيبيض ويفرخ تكون صغيرة الأجسام، كدرة الألوان، لا تخطف أنوار الأبصار بإدراكها، وأنما تشبه بالهندية بالشبه اليسير، هذا في الذكور منها دون الإناث.

وكذلك شجر النارنج والأترج المدور، حمل من أرض الهند إلى أرض غيرها بعد الثلثماثة، فزرع بعمان ثم نقل إلى البصرة والعراق والشام، حتى كثر في دور الناس بطرسوس وغيرها من الثغور الشامية وإنطاكية وسواحل الشام وفلسطين ومصر، وما كان يعهد ولا يعرف، فعدمت منه الروائح الخمرية الطيبة، واللون الحسن الذي يوجد فيه بأرض الهند؟ لعدم ذلك الهواء والتربة والماء وخاصية البلد.

** سر بناء المنارة **

ويقال: إن المنارة إنما جعلت المرآة في أعلاها؟ لأن ملوك الروم بعد الإسكندر كانت تحارب ملوك مصر والإسكندرية، فجعل من كان بالإسكندرية من الملوك تلك المرآة تري من يرد في البحر من عدوهم، إلا أن من يدخلها يتيه فيها إلا أن يكون عارفا بالدخول والخروج فيها لكثرة بيوتها وطبقاتها وممارقها، وقد ذكر أن المغاربة حين وافوا في خلافة المقتدر في جيش صاحب المغرب دخل جماعة منهم على خيولهم إلى المنارة فتاهوا فيها، وفيها طرق تؤول إلى مهاو تهوي إلى سرطان الزجاج، وفيها مخارق إلى البحر فتهؤروا بدوابهم، وفقد منهم عدد كثير، وعلم بهم بعد ذلك، وقيل: إن تهورهم كان في كرسي بها قدامها، وفيها مسجد في هذا الوقت يرابط فيه في الصيف متطوعة المصريين وغيرهم.

ولبلاد مصر والإسكندرية والمغرب وبلاد الأندلس ورومية وما في الشرق واليمن والمغرب أخبار كثيرة في عجائب البلدان والأبنية والآثار وخواص البقاع وما يؤثر في ساكنيها وقطانها أعرضنا عن ذكرها؟ إذ كنا قد أتينا على الأخبار عنها فيما سلف من كتبنا من عجائب العالم وحيوانه وبره وبحره، فأغنى ذلك عن إعادة ذكره.

ولم نتعرض فيما سلف من هذا الكتاب لذكر بيوت النيران والهياكل المعظمة والبيوت المشرفة وغير ذلك مما يليق بمعناها، بل نذكرها في الموضع المستحق لها من هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى.

/بسم الله الرحمن الرحيم

Source. Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar (مروج الذهب ومعادن الجوهر), Al-Mas'udi (d. 956) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0346Mascudi.MurujDhahab.JK010344-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com