Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar
ذكر الإفرنجة والجلالقة وملوكها وما يتصل بذلك
Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 23 of 107
** نسبهم وصفاتهم **
الإفرنجة والصقالبة والنوكبرد والأشبان ويأجوج ومأجوج والترك والخزر وبرجان واللان والجلالقة وغير ذلك ممن ذكرنا ممن حل الجدي، وهو الشمال، لا خلاف بين أهل البحث والنظر من الشرعيين أن جميع من ذكرنا من هؤلاء الأمم من - ولد يافث بن نوح وهو الأصغر من ولد نوح؛ فالإفرنجة أشد هؤلاء الأجناس بأسا، وأمنعهم هيبة، وأكثرهم عدة، وأوسعهم ملكا، وأكثرهم مدنا. وأحسنهم نظاما وانقيادا لملوكهم، وأكثرهم طاعة؛ إلا أن الجلالقة أشد من الإفرنجة بأسا، وأعظم منهم نكاية، والرجل من الجلالقة يقاوم عدة من الإفرنجة، وكلمة الإفرنجة متفقة على ملك واحد، لا تنازع بينهم في ذلك، ولا تحزب، واسم دار مملكتهم في وقتنا هذا بويرة، وهي مدينة عظيمة، ولهم من المدن نحو من خمسين ومائة مدينة غير العمائر والكور.
** مساكنهم **
وكان أوائل بلاد الإفرنجة قبل ظهور الإسلام في البحر جزيرة رودس، وهي الجزيرة التي ذكرنا أنها مقابلة للإسكندرية، وأن فيها دار صناعة المراكب في وقتنا هذا للروم، ثم جزيرة إقريطش، وقد كانت للإفرنجة أيضا ففتحها المسلمون ونزلوها إلى هذه الغاية، وكانت بلاد إفريقية وجزيرة صقلية للإفرنجة أيضا، وقد أتينا على أخبار هذه الجزائر وخبر الجزيرة المعروفة بالبركان، وهي الأطمة التي يخرج منها أجسام من النار كأجساد الناس بلا رؤوس فتعلو في الهواء بالليل، ثم تسقط في البحر فتطفو لحى الماء وهي الحجارة التي يحك بها الكتابة من الدفاتر، وهي خفاف بيض على هيئة الشهد وأكوار الزنابير الصغار، وهي الأطمة المعروفة بأطمة صقلية، وفيها قبر فرفوريس الحكيم الذي صنف كتاب إيساغوجي، وهو المدخل إلى علم المنطق، وهذا الكتاب بهذا الرجل يعرف،. وكذلك أتينا على ذكر آطام الأرض، كأطمة وادي برهوت من بلاد حضر موت وبلاد الشحر، وأطمة بلاد الزابج من بحر الصين، وأطمة بلاد أسك، وهي ما بين بلاد فارس وبلاد الأهواز من أعمال مدينة أرجان من بلاد فارس، وهذه النار ترى بالليل من نحو عشرين فرسخا، وهي مشهورة بأرض الإسلام، وتفسير أطمة هي عين النار التي تنبع من الأرض.
ولم نتعرض في هذا الكتاب لذكر الحمامات الكبريتية والزاجية، ولا الحمامات التي تظهر من مائها النار بالأطمة التي ببلاد ماسبدان من أرض أريوجان والسيروان يقال لها النومان وهي أطمة تظهر من وسط مائها النار وهي أطمة عجيبة تمنع ورود الماء عن إطفائها، وتدفعه بشدة قوتها وسلطان لهبها، وهي إحدى عجائب العالم؛ إذ كنا قد أتينا على علل جميع ذلك فيما سلف من كتبنا.
وقد أتينا على منافع أنواع المياه بجوامع ذكرناها، ولمع لوحنا بها، فيما سلف من هذا الكتاب عند ذكرنا لأرض الواحات من بلاد مصر، وإن كنا قد أتينا على مبسوط ذلك فيما تقدم من كتبنا.
** ملوك الإفرنجة **
قال المسعودي، ووجدت في كتاب وقع إلي بفسطاط مصر سنة ست وثلاثين وثلثمائة أهداه عرماز الأسقف بمدينة جريدة من مدن الإفرنجة في سنة ثمان وعشرين وثلثمائة إلى الحكم بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم ولي عهد أبيه عبد الرحمن صاحب الأندلس في هذا الوقت في عهده: يا أمير المؤمنين، إن أول ملوك إفرنجة قلودية، وكان مجوسيا فنصرته امرأته وكان اسمها غرطلة، ثم ملك بعده ابنه لذريق، ثم ولي بعد لذريق ابنه دقشرت، ثم ولي بعده ابنه لذريق، ثم ولي أبعده قرطان ابن دقشرت، ثم ولي بعده ابنه قارله ثم ولي بعمه ابنه تبين ثم ولي بعده قارلة بن تبين وكانت ولايته ستا وعشرين سنه، وكان في أيام الحكم صاحب الأندلس، وقد تدافع أولاده ووقع الاختلاف بينهم، حتى تفانت الإفرنجة بسببهم، وصار لفريق بن قارلة صاحب ملكهم، فملك ثمانيا وعشرين سنة وستة أشهر، وهو الذي أقبل إلى طرطوشة فحاصرها، ثم ولي بعده ابنه قارلة بن لذريق وهو الذي تهادن مع محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، وكان محمد يخاطب بالإمام، وكانت ولايته تسعا وثلاثين سنة، وستة أشهر، ولي بعده ابنه لذريق ستة أعوام، ثم وثب عليه قائد الإفرنجة المسمى نوسة، وملك إفرنجة، وأقام في ملكه ثمان سنين، وهو الذي صالح المجوس على بلده سبع سنين بستمائة رطل ذهب وستمائة رطل فضة يؤديها صاحب الإفرنجة إليهم، ثم ولي بعده قارلة بن تقويرة أربع سنين، ثم ملك بعده قارلة أخر، ومكث إحدى وثلاثين سنة وثلاثة أشهر، ثم ولي بعده لذريق ابن قارلة وهو ملك إفرنجة إلى هذا - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - وقد استوفى في مملكته عشر سنين إلى هذا التاريخ على حسب ما نمي إلينا من خبره.
** بين عبد الرحمن والجلالقة **
قال المسعودي: وأشد ما على الأندلس من الأمم المحاربة لهم الجلالقة، كما أن الإفرنجة حرب لهم، غير أن الجلالقة أشد بأسا، وقد كان لعبد الرحمن بن محمد صاحب الأندلس في هذا الوقت وزير من ولد أمية يقال له أحمد بن إسحاق فقبض عليه عبد الرحمن لأمر كان منه استحق عليه في الشريعة العقوبة، فقتله عبد الرحمن، وكان للوزير أخ يقال له أمية في مدينة من ثغور الأندلس، يقال لها شنترين، فلما نمي إليه ما فعل بأخيه عصى على عبد الرحمن؛افصار في حيزرذمير ملك الجلالقة، فأعانه على المسلمين، ودله على عوراتهم، ثم خرج أمية في بعض الأيام من المدينة يتصيد في بعض منتزهاتها، فغلب على المدينة بعض غلمانه ومنعوه من الدخول إليها، وكتبوا إلى عبد الرحمن، ومضى أمية بن إسحاق أخو الوزير المقتول إلى رذمير، فاصطفاه، واستوزره، وصيره في جملته، وغزا عبد الرحمن صاحب الأندلس سمورة مملكة الجلالقة المتقدمة صفة بنيانها وأسوارها في باب جمل الأخبار عن البحار وما فيها وما حولها من العجائب والأمم ومراتب الملوك وأخبار الأندلس وغير ذلك، وكان عبد الرحمن في مائة ألف أو يزيدون، فكانت الواقعة بينه وبين رذمير ملك الجلالقة في شوال سنة سبع وعشرين وثلثمائة بعد الكسوف الذي كان في هذا الشهر بثلائة أيام، وكانت للمسلمين عليهم، ثم أنابوا بعد أن حوصروا وأولجو إلى المدينة فقتلوا من المسلمين - بعد عبورهم الخندق - خمسين ألفا، وقيل: إن الذي منع رذمير من طلب من نجا من المسلمين أمية بن إسحاق، وخوفه الكمين، ورغبه فيما كان في معسكر المسلمين من الأموال والعدد والخزائن، ولولا ذلك لأتى على جميع المسلمين، ثم إن أمية بعد ذلك استأمن إلى عبد الرحمن، وتخلص من رذمير، فقبله عبد الرحمن أحسن قبول، وقد كان عبد الرحمن صاحب الأندلس بعد هذه الواقعة تجهز عساكر مع عدة من قواده إلى الجلالقة، وكانت لهم معهم حروب هلك فيها من الجلالقة ضعف ما قتل من المسلمين في الوقعة الأولى، وكانت للمسلمين عليهم إلى هذه الغاية، ورذمير ملك الجلالقة إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - وكان قبله على الملك أردون وكان قبل أردون أذبوشن، والجلالقة والإفرنجة تدين بدين النصرانية على رأى الملكية.