Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar
ذكر القول في تأثير النيرين في هذا العالم وجمل مما قيل في ذلك وغير ذلك مما لحق بهذا الباب
Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 49 of 107
قال المسعودي: ذهب الحكماء جميعا من اليونانيين وغيرهم إلى أن أفعال القمر في الجواهر التي قلنا عظيمة، إلا أنها أقصر من أفعال الشمس، وهو الثاني بعدها، وذلك أن الشهور به تكون، وعلى حسب حركته يجري أمرها، وأفعاله لرى أعظم وآبين في حيوان البحر خاصة، وهو ينمى النبات وغيره، ويعظم البحار، ويسمن الحيوان، ويلزم النساء الطمث أزمانا محدودة.
** تصور الجنين في الرحم **
قال المسعودي رحمه الله: وقد تنازع الناس في كيفية تصور الجنين في الرحم.
فذهب قوم من أهل القدم إلى أن في المني قوة تصور الجنين إما منة،. وما من دم الطمث.
وذهب قوم إلى أن في الرحم قالبا يتصور فيه الجنين، وقد ذكر جالينوس في كتابه عن بقراط أن مقام المني مقام الفاعل والمفعول في تصور الجنين.
وقال صاحب المنطق: إن ذلك بمنزلة الفاعل، وإن الجنين يتصور في دم الطمث من المني، قال: والمني يعطي الدم مثل الحركة، ثم يستحيل ريحا فيخرج من الرحم، وزعم جالينوس أن الجنين يكون من المني، وقد يجذب إليه الدم الذي هو الطمث، والروح من العروق والشريانات فيكون من المني، ومن ذلك الدم الذي يجذبه، ومن الريح الذي تصير إليه من الشريانات. قال: وكون الجنين بمنزلة كون النبات، والطبيعة تصوره من المني والدم، وتفعل الطبيعة في الجنين ما تفعله في النبات. لأن بزر النبات يحتاج إلى أرض لينال منها ما يتغذى به، فالجنين إلى الرحم، والنبات يرسل عروقه من الأصول ليجذب بها من الأرض غداه،وللجنين في المشيمة شريانات، والعروق نظير لذلك وهي أصول الجنين، وبزر النبات ينبت منه سوق، ومن السوق أغصان كبار، ثم من هذه الأغصان أغصان أخرى تتفرع أولا حتى تنتهي إلى الأقاصي، ونظير ذلك يوجد في الجنين؛ فتجد السوق في بدئه ثلاثة من كل واحد كل الأغصان الأصول وهي؛الشريان الأعظم، والعرق الأجوف، والنخاع ثم تجد كل واحد من هذه تتشعب منه شعب كالأغصان المنقسمة ألم أغصان آخر حتى ينتهي إلى الأطراف، ثم قال بعد ذلك: إن المني و المحرك لنفسه، وإن الجنين يكون من الرجل والمرأة الطمث.
وحكى جالينوس عن أنبدقلس أن أجزاء الولد منقسمة فيمنى الذكر والأنثى وأن شهوة الجماع تسوق هذه الأجزاء إلا الالتئام، وهذا موجود في كتاب أنبدقلس الكبير وفيما ذكره من مذهبه في كيفية تركيب العالم واتصال النفس بعالمها وغير ذلك.
وقد ذهب قوم من، أهل القدم إلى أن ذلك هو أجزاء تخرج من أعضاء الإنسان لطيفة من جنس سائر أعضاء الإنسان، فتنصب في الرحم، فيتغذى منه وينمو، فيكون من ذلك الجنين.
** يشبه الولد أباه وأهل بيت أبيه **
ومنهم من رأى أن هذه الأجزاء الواردة من سائر أعضاء الذكر تقاربها مواد من الرحم ومن ماء المرأة عند اجتماعهما فيكون الجنين من ذلك، فمن ذلك صار الولد يشبه أباه في الأغلب من سائر الأعضاء ويشاكله وأهل بيت أبيه، ولهذا وقع الشبه بين البنين والآباء في الأغلب من تشهابه الأعضاء، ومن ههنا أدركت القافة إلحاق النسب عند الشبه والشك في لنسب، وذلك على قول من رأى إلحاق النسب بالقيافة من الفقهاء، وقد تقدم الكلام في هذا المعنى فيما سلف من هذا الكتاب في باب القيافة.
وللناس في كيفية تصور الجنين في الرحم وما بدؤه وما عنصره وكيفية تقلبه من النطفة إلى العلقة ومن العلقة إلى المضغة إلى استكمال شكله كلام كثير: منهم أصحاب الاثنين وغيرهم ممن تقدم وتأخر، أعرضنا عن ذكر ذلك؛ إذ كان فيه خروج عما إليه قصدنا في هذا الباب.
قال المسعودي رحمه الله: والذي يقضي على سائر ما تقدم وصفه نقطع علم العقول عنده، وهو ما أخبر به الباري عز وجل في كتابه بقوله: " هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء، لا إله إلا هو العزيز حكيم " ولم يخبر عن كيفية وقوع ذلك وما سبب مواده، بل استأثر بعلمه، وأبدى الدلالة بظهور حكمته دالة على توحيده وإتقانه لما أظهر لعباده من حكمته ثم أخبر عن المبدأ الذي خلقهم منه فقال: " يا أيها الناس أنا خلقنكم من ذكر وأنثى " وقال عز وجل: يا أيها الناس إن كنتم ريب من البعث فأنا خلقنكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مغة مخلقة وغير مخلقة؛ لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى، ثم نخرجكم طفلا، ثم لتبلغوا أشدكم، ومنكم من يتوفى، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر " الآية.
** ختلاف في تأثير النيرين **
قال المسعودي: وللناس ممن سلف من الأوائل وخلف من الشرعيين،م كثير في كيفية أفعال النيرين وتأثيرهما في هذا العالم، وما قالوه في ذلك، وما خصوا به كل واحد منهما وأفرده، وما ذهبوا إليه من فعل الثاني منهما وهو القمر وما يظهر من تأثيره في الجزر والمد في بحر الصين الهند والحبش واليمن على حسب ما قدمنا في هذا الكتاب، وكذلك فعله المعادن وأدمغة الحيوان والبيض وسائر النبات، وما يظهر من الزيادات فيه عند امتلائه، والنقص عند نقصانه، وما يكون من بحرانات المرضى ؤ اليوم السابع من العلة، - والرابع عشر وإلحادي والعشرين والثامن والعشرين لأن القمر أربعة أشكال هي أثبت صوره، فيه شكل التنضيف، وشكل التمام، وشكل التنصيف عن التمام، وشكل المحاق، ولكل شكل هذه سبعة أيام؛لأنه في سبع ليالي يتنصف، وفي الرابعة عشرة يتم، وب الحادية والعشرين يتنصف، وفي الثامنة والعشرين ينمحق، كذلك البحرانات، وعند هذه الطائفة يصح في السابع والرابع عشر وإلحادي والعشرين والثامن والعشرين ويصح أيضا في تنصيفات هذه،إذ كانت هذه الأشكال أثبت أشكال الشيء المنقسم، وقد خالف هؤلاء خلق كثير من ذهب إلى غير هذا القول، وأن ذلك من قبل الأخلاط، وغير ذلك كل الطبائع الأربع، وغيرها مما قد أتينا على إيضاحه في كتابنا المترجم بكتاب الزلف وفي كتاب المبادي والتراكيب وغير ذلك في كيفية تأثير الشمس والقمر.
** كروية السماء والأرض **
وأما الدلائل على أن السماء على مثال الكرة وتدويرها بجميع ما فيما من الكواكب كدورة الكرة، وأن الأرض بجميع أجزائها من البر والبحر علم مثال الكرة، وأن كرة الأرض مثبتة في وسط السماء كالمركز، وقدرها عند قمر السماء قدر النقطة في الدائرة صغرا، ووصف الرابع المسكون من الأرض، وما يعرض فيه من دور الفلك، واختلاف الليل والنهار ووصف خواص هذا الربع المسكون من الأرض ووصف المواضع التي تطاع الشمس فيها شهور ألا تغرب، وتغرب شهورا لا لطلع، فقد أتينا علم وصف جميع ذلك، وما اتضح عليه وانتصب من البراهين، وما قاله الناس في ذلك في كتابنا المترجم بكتاب أخبار الزمان وما أوضحنا فيه من هيث الأفلاك والكواكب، وأن الأرض مع ما وصفنا تدويرها موضوعة فيجوف الفلك. كالمحة في البيضة، والنسيم جاذب أيضا لما في أبدان الخلق من الخفه والأرض جاذبة لما في أبدانه من الثقل؛ إذ كانت الأرض بمنزلة حجر المعناطيس الذي يجذب بطبعه الحديد، وأن الأرض مقسومة نصفين وربينهما خط الاستواء، وهو بين المشرق إلى المغرب وهذا عندهم هو طول الأرض؛لأنه أكبر خطفي كرة الأرض كما أن منطقة البرج أكبر يخط في الفلك، وعرض الأرض من القطب الجنوبي إلى القطب الشمالى، الذي تدور حوله بنات نعش؛ وأن استدارة الأرض فيخط الاستواء ست وثلاثون درجة، والدرجة خمسة وعشرون فرسخا، والفرسخ اثنا ألف ذراع، والذراع اثنان وأربعون إصبعا، والإصبع ست حبات، وتسعا مصفوفة بعضها إلى بعض، يكون ذلك تسعة آلاف فرسخ.
وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب في باب ذكر الأرض والبحار ومبادئ الأنهار مقدار الميل والذراع الأسود، وإنما نذكر في كل موضع من هذا الكتاب ما يسنح لنا ونجده في كتب الناس؛ فننقل ذلك عنهم على ما وجدناه في كتبهم، لا أنا نقطع على صحته؛إذ كان ما يذهب إليه في مقدار الميل من الأذرع، والذراع من الأصابع، هو ما بيناه آنفا في باب ذكر الأرض والبحار.
وبين خط الاستواء وكل واحد من القطبين تسعون درجة، واستدارتها - عرضا مثل ذلك، وزعم هؤلاء أن العمارة في الأرض بعد خط الاستواء أربع وعشرون درجة، وأن الباقي قد عمه البحر الكبير، وأن الخلق على الرابع الشمالي من الأرض، والربع الجنوبي لشدة الحر فيه، والنصف البإقى من الأرض لا ساكن فيه، وكل ربع من الشمال والجنوب سبعة أقاليم، وقد ذكرناها فيما سلف من هذا الكتاب عند ذكرنا الأرض والأقاليم السبعة، وأن عدد المدن عند صاحب كتاب الجغرافيا أربعة آلاف مدينة ومائتا مدينة، فأما قبله أهل المشرق والمغرب والتيمن والجنوبي، فقد ذكرنا جملا من ذلك في كتابنا أخبار الزمان. وقد حرر ذلك في كتابه أبو حنيفة الدينوري، وقد سلب ذلك ابن قتيبة ونقله إلى كتبه نقلا، وجعله عن نفسه، وقد فعل ذلك في كثير من كتب أبي حنيفة الدينوري. هذا، وكان أبو حنيفة هذا ذا محل من العلم كبير، ولبطليموس في كتاب المجسطي، وغيره ممن تقدم،، ثم لمن طرأ بعد ظهور الإسلام - مثل الكندي، وابن المنجم، وأحمد بن الطيب - ، وما شاء الله، وأبى معشر، والخوارزمي، ومحمد بن كثير الفرغاني، فيما ذكره في كتابه الفصول الثلاثين، وثابت بن قرة، والتبريزي، ومحمد د بن جابر البتاني، وغير هؤلاء ممن قد عنى بعلوم الهيئة - علوم كثيرة في هذا المعنى، وإنما ننقل من ذلك إلى هذا الكتاب لمعا، طلبا للاختصار والإيجاز، وبالله التوفيق.