Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar
ذكر خلافة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه
Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 60 of 107
بويع عثمان يوم الجمعة غرة المحرم لليلة بقيت من في الحجة سنة ثلاث وعشرين وقتل لاثنتي عشرة ليلة مضت من في الحجة سنة خمس وثلاثين، وقيل غير ذلك مما سنورده بعد هذا الموضع إلا أنه في في الحجة؛فجميع ما ولي اثنتا عشرة سنة إلا ثمانية أيام، وقتل وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، ودفن بالمدينة بموضع يعرف بحش كوكب وكانت خلافته رضي الله تعالى عنه اثنتي عشرة سنة إلا ثمانية أيام.
** ذكر نسبه ولمع من أخباره وسيره **
** نسبه وأولاده **
هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ويكنى بأبي عبد الله وأبي عمرو، والأغلب منهما أبو عبد الله، و أمه أروى بنت كريز بن جابر بن حبيب بن عبد شمس، وكان له من الولد: عبد الله الأكبر، وعبد الله الأصغر، أمه ما رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبان، وخالد، وسعيد، والوليد، والمغيرة، وعبد الملك، وأم أبان، وأم سعيد، وأم عمرو، وعائشة، وكان عبد الله الأكبر يلقب بالمطرف لجماله وحسنه. وكان كثير التزوج، كثير الطلاق، وكان أبان أبرص أحول، قد حمل عنه أصحاب الحديث عدة من السنن، وولي لبني مروان مكة وغيرها. وكان سعيد أحول بخيلا. وقتل في زمن معاوية وكان الوليد صاحب شراب وفتوة ومجون. وقتل أبوه وهو مخلق الوجه سكران عليه مصبغات واسعة. وبلغ عبد الله الأصغر من السن ستا وسبعين عاما. فنقره ديك في عينه، فكان ذلك سبب موته، وعبد الملك مات صغيرا ولا عقب له.
** صفاته **
وكان عثمان في نهاية الجود والكرم والسماحة والبذل في القريب والبعيد. فسلك عماله وكثير من أهل عصره طريقته، وتأسوا به في فعله. وبنى فيداره في المدينة وشيدها بالحجر والكلس، وجعل أبوابها من الساج والعرعر واقتنى أموالا وجنانا وعيونا بالمدينة.
** ثروته **
وذكر عبد الله بن عتبة أن عثمان يوم قتل كان له عند خازنه من المال خمسون ومائة ألف دينار وألف ألف درهم، وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما مائة ألف دينار، وخلف خيلا كثيرا وإبلا.
** ثروة الزبير بن العوام **
وفي أيام عثمان اقتنى جماعة من الصحابة الضياع والحور: منهم الزبير بن العوام، بنى داره بالبصرة، وهي الكوفة في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - نزلها التجار وأرباب الأموال وأصحاب الجهاز من البحريين وغيرهم، وابتنى أيضا دورا بمصر والكوفة والإسكندرية، وما ذكرنا من دوره وضياعه فمعلوم غير مجهول إلى هذه الغاية.
وبلغ مال الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار، وخلف الزبير ألف فرس، وألف عبد وأمة، وخططا بحيث ذكرنا من الأمصار.
** ثروة طلحة بن عبيد الله **
وكذلك طلحة بن عبيد الله التيمي: ابتنى داره بالكوفة المشهورة به هذا الوقت، المعروفة بالكناسة بدار الطلحيين، وكان غلته من العراق كل يوم ألف دينار، وقيل أكثر من ذلك، وبناحية الشراة أكثر مما ذكرنا، وشيد داره بالمدينة وبناها بالآجر والجص والساج.
** ثروة عبد الرحمن بن عوف **
وكذلك عبد الرحمن بن عوف الزهري: ابتنى داره ووسعها، وكان على مربطه مائة فرس، وله ألف بعير، وعشرة آلاف شاة من الغنم، وبلغ بعد وفاته ربع ثمن ماله أربعة وثمانين ألفا.
** ثروة قوم من الصحابة **
وابتنى سعد بن أبي وقاص داره بالعقيق، فرفع سمكها، ووسع فضاءها، وجعل أعلاها شرفات.
وقد ذكر سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت حين مات خلف الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس، غير ما خلف من الأموال والضياع بقيمة مائة ألف دينار.
وابتنى المقداد داره بالمدينة في الموضع المعروف بالجرف على أميال من المدينة وجعل أعلاها شرفات، وجعلها مجصصة الظاهر والباطن.
ومات يعلى بن منية، وخلف خمسمائة ألف دينار، وديونا علم الناس، وعقارات، وغير ذلك من التركة ما قيمته ثلاثمائة ألف دينار.
وهذا باب يتسع ذكره ويكثر وصفه، فيمن تملك من الأموال في أيأمه ، ولم يكن مثل ذلك في عصر عمر بن الخطاب، بل كانت جادة واضحة وطريقة بينة.
وحج عمر فأنفق في ذهابه ومجيئه إلى المدينة ستة عشر دينارا، وقال لولده عبد الله: لقد أسرفنا في نفقتنا في سفرنا هذا.
ولقد شكا الناس أميرهم بالكوفة سعد بن أبي وقاص - وذلك في سنة إحدى وعشرين - فبعث عمر محمد بن مسلمة الأنصاري حليف بني عبد الأشهل، فحرق عليه باب قصر الكوفة، وعرضه في مساجد الكوفة يسألهم عنه؛فحمده بعضهم، وشكاه بعض، فعزله وبعث إلى الكوفة عمار بن ياسر على الثغر، وعثمان بن حنيف على الخراج، وعبد الله بن مسعود على بيت المال، وأمره أن يعلم الناس القرآن ويفقههم في الدين وفرض لهم في كل يوم شاة، فجعل شطرها وسواقطها لعمار بن ياسر والشطر الأخر بين عبد الله بن مسعود وعثمان بن حنيف، فأين عمر ممم ذكرنا؛ وأين هو عما وصفنا؟.
** عمال عثمان **
وقدم على عثمان عمه الحكم بن أبي العاص وابنه مروان وغيرهما من بني أمية - والحكم هو طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي غربه عن المدينة، ونفاه عن جواره - وكان عماله جماعة منهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط على الكوفة، وهو ممن أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه من أهل النار، وعبد الله بن أبي سرح على مصر، ومعاوية بن أبي سفيان على الشام، وعبد الله بن عامر على البصرة، وصرف عن الكوفة الوليد بن عقبة، وولاها سعيد بن العاص.
** الوليد بن عقبة **
وكان السبب في صرف الوليد بن عقبة وولاية سعيد - على ما روي - أن الوليد بن عقبة كان يشرب مع ندمائه ومغنيه من أول الليل إلى الصباح، فلما آذنه المؤذنون بالصلاة خرج متفضلا في غلائله، فتقدم إلى المحراب في صلاة الصبح، فصلى بهم أربعا، وقال: أتريحون أن أزيدكم؟ وقيل: إنه قال في سجوده وقد أطال: أشرب واسقني، فقال له بعض من كان خلفه في الصف الأول: ما تزيد لازادك الله من الخير. والله لا اعجب إلا ممن بعثك إلينا واليا وعلينا أميرا، وكان هذا القائل عتاب بن غيلان الثقفي.
وخطب الناس الوليد فحصبه الناس بحصباء المسجد، فدخل قصره يترنح، ويتمثل بأبيات لتأبط شرا:
ولست بعيدا عن مدام وقينة ... ولا بصفا صلد عن الخير معزل
ولكنني أروي من الخمر هامتي ... وأمشي الملا بالساحب المتسلسل
وفي ذلك يقول الحطيئة:
شهد الحطيئة يوم يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر
نادى وقد تفت صلاتهم ... أ أزيدكم؟ ثملا وما يدري
ليزيدهم أخرى، ولو قبلوا ... لقرنت بين الشفع والوتر
حبسوا عنانك في الصلاة، ولو ... خلوا عنانك لم تزل تجري
وأشاعوا بالكوفة فعله، وظهر فسقه ومداومته على شرب الخمر، فهجم عليه جماعة من المسجد منهم أبو زينب بن عوف الأزدى وجندب زهير الأزدي وغيرهما، فوجدوه سكران مضطجعا على سريره لا يعقل، فأيقظوه من رقدته، فلم يستيقظ، ثم تقايأ عليهم ما شرب من الخمر، فانتزعوا خاتمه من يده وخرجوا من فورهم إلى المدينة، فأتوا عثمان بن عفان، فشهدوا عنده على الوليد أنه شرب الخمر، فاقال عثمان: وما يريكما أنه شرب خمرا؟ فقالا: هي الخمر التي كنا نشربها في الجاهلية، وأخرجا خاتمه فدفعاه إليه، فزجرهما ودفع في صدروهما، وقال: تنحيا عني، فخرجا من عنده وأتيا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأخبراه بالقصة، فأتى عثمان وهو يقول: دفعت الشهود، وأبطلت الحدود، فقال له عثمان: فما ترى؟ قال: أرى أن تبعث إلى صاحبك فتحضره فإن أقاما الشهادة عليه في وجهه ولم يدرأ عن نفسا بحجة أقمت عليه الحد، فلما حضر الوليد دعاهما عثمان: فأقاما الشهادة عليه ولم يدل بحجة فألقى عثمان السوط إلى علي، فقال علي لابنه الحسن: قم يا بني فأقم عليه ما أوجب الله عليه، فقال: يكفينيه بعض من ترى، فلما نظر إلى امتناع الجماعة عن إقامة الحد عليه توقيا لغضب عثمان لقرابته منه أخذ علي السوط ودنا منه، فلما أقبل نحوه سبه الوليد، وقال: يا صاحب مكس، فقال عقيل بن أبي طالب وكان ممن حضر: إنك لتتكلم يا ابن أبي معيط كأنك لا تحري من أنت، وأنت علج من أهل صفورية - وهي قرية بين عكاء واللجون، من أعمال الأردن، من بلاد طبرية، وكان ذكر أن أباه كان يهوديا منها - فأقبل الوليد يروغ من علي، فاجتذبه علي فضرب به الأرض، وعلاه بالسوط، فقال عثمان: ليس لك أن تفعل به هذا، قال: بل وشرا من هذا إذا فسق ومنع حق الله تعالى أن يؤخذ منه.
** سعيد بن العاص **
وولي الكوفة بعده سعيد بن العاص، فلما دخل سعيد الكوفة واليا أبى أن يصعد المنبر حتى يغسل، وأمر بغسله، وقال: إن الوليد كان نجسأ رجسا، فلما أتصلت أيام سعيد بالكوفة ظهرت منه أمور منكرة، فاستبد بالأموال، وقال في بعض الأيام أو كتب به عثمان: إنما هذا السواد قطين لقريش، فقال له الأشتر، وهو مالك بن الحارث النخعي: أتجعل ما أفاء الله علينا بظلال سيوفنا ومراكز رماحنا بستانا لك ولقومك؟ ثم خرج إلى عثمان في سبعين راكبا من أهل الكوفة فذكروا سوء سيرة سعيد بن العاص، وسألوا عزله عنهم، فمكث الأشتر وأصحابه أياما لا يخرج لهم من عثمان في سعيد شيء، وامتدت أي أمه م بالمدينة، وقدم على عثمان أمراؤه من الأمصار منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح من مصر ومعاوية من الشام وعبد الله بن عامر من البصرة وسعيد بن العاص من الكوفة، فأقاموا بالمدينة أياما لا يردهم إلى أمصارهم، وكراهة أن يرد سعيدا إلى الكوفة، وكره أن يعزله، حتى كتب إليه من بأمصارهم يشكون كرة الخراج وتعطيل الثغور، فجمعهم عثمان وقال: ما ترون؟ فقال معاوية: أما أنا فراض بي جندي، وقال عبد الله بن عامر بن كريز: ليكفك امرؤ ما قبله أكفك ما قبلي، وقال عبد الله بن سعد بن أبي سرح: ليس بكثير عزل عامل للعامة وتولية غيره، وقال سعيد بن العاص: إنك إن فعلت هذا كان أهل الكوفة هم الذين يولون ويعزلون، وقد صاروا حلقا في المسجد ليس لهم غير الأحاديث والخوض، فجهزهم في البعوث حتى يكون هم أحدهم أن يموت على ظهر دابته، قال: فسمع مقالته عمرو بن العاص فخرج إلى المسجد، فإذا طلحة والزبير جالسان في ناحية منه، فقالا له: تعالى إلينا، فصار إليهما، فقالا: ما وراءك؟ قال: الشر، ما ترك شيئا من المنكر إلا أتى به وأمره به، وجاء الأشتر فقالا له: إن عاملكم الذي قمتم فيه خطباء قد رد عليكم وأمر بتجهيزكم في البعوث وبكذا وبكذا، فقال الأشتر: والله لقد كنا نشكو سوء سيرته وما قمنا فيه خطباء، فكيف وقد قمنا؟! وايم الله على ذلك لولا أني أنفدت النفقة وأنضيت الظهر لسبقته إلى الكوفة حتى أمنعه دخولها، فقالا له: فعندنا حاجتك التي تقوم بك في سفرك قال: فأسلفاني إذا مائة ألف درهم، قال: فأسلفه كل واحد منهما خمسين ألف درهم، فقسمها بين أصحابه، وخرج إلى الكوفة فسبق سعيدا، وصعد المنبر وسيفه في عنقه ما وضعه بعد، ثم قال: أما بعد، فإن عاملكم الذي أنكرتم تعدية وسوء سيرته قد رد عليكم، وأمر بتجهيزكم في البعوث، فبايعوني على أن لا يدخلها، فبايعه عشرة آلاف من أهل الكوفة وخرج راكبا متخفيا يريد المدينة أو مكة، فلقي سعيدا بواقصة فأخبره بالخبر، فانصرف إلى المدينة، وكتب الأشتر إلى عثمان: أنا والله ما منعنا عاملك الدخول لنفسد عليك عملك، ولكن لسوء سيرته فينا وشدة عذابه، فابعث إلى عملك من أحببت، فكتب إليهم: انظروا من كان عاملكم أيام عمر بن الخطاب فولوه، فنظروا فإذا هو أبو موسى الأشعري، فولوه.
** بدء الطعن على عثمان وسببه **
وفي سنة خمس وثلاثين كثر الطعن على عثمان رضي الله عنه، وظهر عليه التنكير لأشياء ذكروها من فعله: منها ما كان بينه وبين عبد الله بن مسعود، وانحراف هذيل عن عثمان من أجله.
ومن ذلك ما نال عمار بن ياسر من الفتن والضرب، وانحراف بني مخزوم عن عثمان من أجله.
** الوليد بن عقبة يهودى مشعوذ **
ومن ذلك فعل الوليد بن عقبة في مسجد الكوفة، وذلك أنه بلغه عن رجل من اليهود من ساكني قرية من قرى الكوفة مما يلي جسر بابل يقال لها زرارة يعمل أنواعا من الشعبذة والسحر يعرف ببطروني فأحضره فأراه في المسجد ضربا من التخييل، وهو أن أظهر له في الليل قيلا عظيما على فرس يركض في صحن المسجد، ثم صار اليهودي ناقة يمشي على حبل، ثم أراه صورة حمار دخل من فيه ثم خرج من دبره، ثم ضرب عنق رجل ففرق بين جسمه و رأسه، ثم أمر السيف عليه فقام الرجل، وكان جماعة من أهل الكوفة حضورا منهم جندب بن كعب الأزدي، فجعل يستعيذ بالله من فعل الشيطان، ومن عمل يبعد من الرحمن، وعلم أن ذلك هو ضرب من التخييل والسحر، فاخترط سيفه وضرب به اليهودي ضربة أدار رأسه ناحية من بدنه، وقال " جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا " ، وقد قيل: إن ذلك كان نهارا، وإن جندبا خرج إلى السوق ودنا من بعض الصياقلة وأخذ سيفا ودخل فضرب به عنق اليهودي، وقال: إن كنت صادقأ فأحي نفسك، فأنكر عليه الوليد ذلك، وأراد أن يقيده به، فمنعته الأزد، فحبسه، وأراد قتله غيلة، ونظر السجان إلى قيامة ليله إلى الصبح، فقال له: انج بنفسك، فقال له جندب: تقتل بي، قال: ليس ذلك بكثير في مرضاة الله والدفع عن ولي من أولياء الله فلما أصبح الوليد دعا به وقد استعد لقتله فلم يجده، فسأل السجان، فأخبره بهربه، فضرب عنق السجان، وصلبه بالكناسة.
** بين عثمان وأبي ذر **
ومن ذلك ما فعل بأبي ذر ، وهو أنه حضر مجلسه ذات يوم فقال عثمان: رأيتم من زكى ماله هل فيه حق لغيره؟ فقال كعب: لا يا أمير المؤمنين، فدفع أبو ذر في صد كعب، وقال له: كذبت يا ابن اليهودي، ثم تلا: " ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب " الآية - فقال عثمان: أترون بأسا أن نأخذ مالا من بيت مال المسلمين فننفقه فيما ينو بنا من أمورنا ونعطيكموه؟ فقال كعب: لا بأس بذلك، فرفع أبو ذر العصا فدفع بها في صدر كعب وقال: يا ابن اليهودي ما أجراك على القول في ديننا! فقال له عثمان: ما أكثر أذاك لي! غيب وجهك عني فقد آذيتنا، فخرج أبو ذر إلى الشام، فكتب معاوية إلى عثمان: إن أبا ذر تجتمع إليه الجموع، ولا آمن أن يفسدهم عليك، فإن كان لك في القوم حاجة فاحمله إليك، فكتب إليه عثمان بحمله، فحمله على بعير عليه قتب يابس معه خمسة من الصقالبة يطيرون به، حتى أتوا به المدينة وقد تسلخت بواطن أفخاذه وكاد أن يتلف، فقيل له: إنك تموت من ذلك، فقال: هيهات لن أموت حتى أنفى، وذكر جوامع ما ينزل به بعد، ومن يتولى دفنه، فأحسن إليه عثمان في داره أياما، ثم دخل إليه فجلس على ركبتيه وتكلم بأشياء، وذكر الخبر في ولد أبي العاص إذا بلغوا ثلاثين رجلا اتخذوا عباد الله خولا، ومر في الخبر بطوله وتكلم بكلام كثير، وكان في ذلك اليوم قد أتى عثمان بتركة عبد الرحمن بن عوف الزهري من المال، فنثرت البدر حتى حالت بين عثمان وبين الرجل القائم، فقال عثمان: إني لأرجو لعبد الرحمن خيرا؛ لأنه كان يتصدق، ويقري الضيف، وترك ما ترون، فقال كعب الأحبار، صدقت يا أمير المؤمنين، فشال أبوذر العصا، فضرب بها رأس كعب، ولم يشغله ما كان فيه الألم وقال: يا ابن اليهودي تقول لرجل مات وترك هذا المال: إن الله أعطاه خير الدنيا وخير الأخرة، وتقطع على الله بذلك، وأنا سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " ما يسرني أن أموت وأدع ما يزن قيراطا " فقال له عثمان: وارعني وجهك، فقال: أسير إلى مكة، قال: لا والله، قال: فتمنعني من بيت ربي أعبده فيه حتى أموت؟ قال: أي والله، قال: فإلى الشام، قال: لا والله قال البصرة؟ قال: لا والله، فاختر غير هذه البلدان، قال: لا والله ما أختار غير ما ذكرت لك، ولو تركتني في دار هجرتي ما أردت شيئا من البلدان، فسيرني حيث شئت من البلاد، قال: فإني مسيرك إلى الربذة، قال: الله كبر، صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبرني بكل ما أنا لاق، قال! عثمان: وما قال لك. قال: أخبرني بأني أمنع عن مكة والمدينة وأموت بالربذة، ويتولى مواراتي نفر ممن يردون من العراق نحو الحجاز، وبعث أبو ذر إلى جمل له فحمل عليه امرأته - وقيل: ابنته - وآمر عثمان أن يتجافاه الناس حتى يسير إلى الربذة، فلما طلع عن المدينة ومروان يسير عنها طلع عليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعه ابناه الحسن والحسين وعقيل أخوه وعبد الله بن جعفر وعمار بن ياسر، فاعترض مروان فقال: يا على إن أمير المؤمنين قد نهى الناس أن يصحبوا أبا ذر في مسيره ويشيعوه، فإن كنت لم تدر بذلك فقد أعلمتك، فحمل عليه علي بن أبي طالب بالسوط وضرب بين أذني راحلته، وقال: تنح نحاك الله إلى النار، ومضى مع أبي ذر فشيعه ثم ودعه وانصرف، فلما أراد علي الانصراف بكى أبو ذر، وقال: رحمكم الله أهل البيت، إذا رأيتك يا أبا الحسن وولدك ذكرت بكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكا مروان إلى عثمان ما فعل به علي بن أبي طالب، فقال عثمان: يا معشر المسلمين من يعذرني من علي؟: رد رسولي عما وجهته له، وفعل كذا، والله لنعطينه حقه، فلما رجع علي استقبله الناس، فقالوا له: إن أمير المؤمنين عليك غضبان لتشييعك أبا ذر، فقال علي: غضب الخيل على اللجم. فلما كان بالعشي جاء إلى عثمان، فقال له: ما حملك على ما صنعت بمروأن ولم اجترأت علي ورددت رسولي وأمري؟ قال: أما مروان فإنه استقبلني يردني فرددته عن ردي، وأما أمرك فلم أرده، قال عثمان: ألم يبلغك أني قد نهيت الناس من أبي نر وعن تشييعه؟ فقال علي: أوكل ما أمرتنا به من شيء نرى طاعة الله والحق في خلافه أتبعنا فيه أمرك؟ بالله لا نفعل، قال عثمان: أقد مروان، قال: ومم أقيده؟ قال: ضربت بين أذني راحلته وشتمته، فهو شاتمك وضارب بين أذني راحلتك قال علي: أما راحلتي فهي تلك فإن أراد أن يضربها كما ضربت راحلته فليفعل. وأما أنا فوالله لئن شتمني لاشتمنك أنت مثلها بما لا أكذب فيه ولا أقول إلا حقا. قال عثمان: ولم لا يشتمك إذا شتمته، لله ما أنت عندى بأفضل منه؛! فغضب علي بن أبي طالب وقال: ألي تقول هذا القول؟ وبمروان تعدلني؟ فأنا والله أفضل منك، وأبى أفضل من أبيك، وامي أفضل من أمك، وهذه نبلي قد نثلتها، وهلم فانثل بنبلك، فغضب عثمان واحمر وجهه، فقام ودخل داره، وانصرف علي، فاجتمع إليه أهل بيته،ورجال من المهاجرين والأنصار.
فلما كان من الغد واجتمع الناس إلى عثمان شكا إليهم عليا وقال: إنه يعيبني ويظاهر من يعيبني، يريد بذلك أبا ذر وعمار بن ياسر وغيرهما، فدخل الناس بينهما حتى اصطلحا وقال له علي: والله ما أردت بتشييع أبي ذر إلا الله تعالى.
** عمار بن ياسر **
وقد كان عمار حين بويع عثمان بلغه قول أبي سفيان صخر بن حرب في دار عثمان عقيب الوقت الذي بويع فيه عثمان ودخل داره ومعه بنو أمية فقال أبى سفيان: أفيكم أحد من غيركم؟ وقد كان عدي، قالوا: لا، قال يا بني أمية، تلقفوها تلقف الكرة، فوا لذي يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم ولتصيرن إلى صبيانكم وراثة، فانتهره عثمان، وساءه ما قال، ونمي هذا القول إلى المهاجرين والأنصار وغير ذلك الكلام فقام عمار في المسجد فقال: يا معشر قريش، أما إذ صرفتم هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم ههنا مرة وهنا مرة فما أنا بآمن من أن ينزعه الله منكم فيضعه في غيركم كما نزعتموه من أهله ووضعتموه في غير أهله وقام المقداد فقال: ما رأيت مثل ما أودى به أهل هذا البيت بعد نبيهم، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وما أنت وذاك يا مقداد بن عمرو؟ فقال: إني والله لأحبهم لحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم، وإن الحق معهم وفيهم، يا عبد الرحمن أعجب من قريش - وإنما تطولهم على الناس بفضل أهل هذا البيت - قد اجتمعوا على نزع سلطان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده من أيديهم أما ولايم الله يا عبد الرحمن لو أجد على قريش أنصارا لقاتلتهم كقتالي إياهم مع النبي عليه الصلاة والسلام يوم بدر، وجرى بينهم من الكلام خطب طويل قد أتينا على ذكره في كتابنا أخبار الزمان في أخبار الشورى والدار.
** الثورة على عثمان **
ولما كان سنة خمس وثلانين سار مالك بن الحارث النخعي من الكوفة في مائتي رجل، وحكيم بن جبلة العبدي في مائة رجل من أهل البصرة، ومن أهل مصر ستمائة رجل عليهم عبد الرحمن بن عديس البلوي، وقد ذكر الواقدي وغيره من أصحاب السير أنه ممن بايع تحت الشجرة، إلى آخرين ممن كان بمصر مثل عمرو بن الحمق الخزاعي وسعد بن حمران التجيبي، ومعهم محمد أبي بكر الصديق، وقد كان تكلم بمصر، وحرض الناس على عثمان لأمر يطول ذكره كان السبب فيه مروان بن الحكم، فنزلوا في الموضع المعروف بذي الخشب فلما علم عثمان بنزولهم بعث إلى علي بن أبي طالب فأحضره، وسأله أن يخرج إليهم ويضمن لهم عنه كل ما يريدون من العدل وحسن السيرة، فسار علي إليهم، فكان بينهم خطب طويل، فأجابوه إلى ما أراد وانصرفوا، فلما صاروا إلى الموضع المعروف بحسمى إذا هم بغلام على بعير وهو مقبل من المدينة، فتأملوه فماذا هو ورش غلام عثمان، فقرروه، فأقر وأظهر كتابأ إلى ابن أبي سرح صاحب مصر وفيه إذا قدم عليك الجيش فاقطع يد فلان، واقتل فلانا، وافعل بفلان كذا، واحصى كثر من في الجيش، وأمر فيهم بما أمر وعلم القوم أن الكتاب بخط مروان، فرجعوا إلى المدينة، واتفق رأيهم ورأي من قدم من العراق، ونزلوا المسجد وتكلموا، وذكروا ما نزل بهم من عمالهم، ورجعوا إلى عثمان فحاصروه في داره، ومنعوه الماء، فأشرف على الناس وقال: ألا أحد يسقينا؟ وقال: بم تستحلون قتلي وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحل دم آمري مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس " ؟ والله ما فعلت ذلك في جاهلية أو إسلام، فبلغ عليا طلبه للماء، فبعث إليه بثلاث قرب ماء، فما وصل إليه ذلك حتى خرج جماعة من موالي بني هاشم وبني أمية، وارتفع الصوت، وكثر الضجيج، وأحدقوا بداره بالسلاح وطالبوه بمروان، فأبى أن يخلي عنه، وفي الناس بنو زهرة لأجل عبد الله بن مسعود لأنه كان من أحلافها، وهذيل لأنه كان منها، وبنو مخزوم وأحلافها لعمار، وغفار وأحلافها لأجل أبي ذر، وتيم بن مرة مع محمد بن أبي بكر، وغير هؤلاء ممن لا يحمل كتابنا ذكره، فلما بلغ عليا أنهم يريدون قتله بعث بابنيه الحسن والحسين مع مواليه بالسلاح إلى بابه لنصرته، وأمرهم أن يمنعوه منهم، وبعث الزبير ابنه عبد الله، وبعث طلحة ابنه محمدا، وأكثر أبناء الصحابة أرسلهم آباؤهم إقتداء بمن ذكرنا، فصدوهم عن الدار، فرمى من وصفنا بالسهام، واشتبك القوم، وجرح الحسن، وشبئ قنبر، وجرح محمد بن طلحة، فخشي القوم أن يتعصب بنو هاشم وبنو أمية، فتركوا القوم في القتال على الباب، ومضى نفر منهم إلى دار قوم من الأنصار فتسوروا عليها، وكان ممن وصل إليه محمد بن أبي بكر ورجلان آخران، وعند عثمان زوجته، وأهله؛ ومواليه مشاغيل بالقتال، فأخذ محمد بن أبي بكر بلحيته، فقال: يا محمد، والله لو رآك أبوك لساءه مكانك فتراخت يده، وخرج عنه إلى الدار، ودخل رجلان فوجداه فقتلاه، وكان المصحف بين يديه يقرأ فيه، فصعدت امرأته فصرخت وقالت: قد قتل أمير المؤمنين، فدخل الحسن والحسين ومن كان معهما من بني أمية، فوجده قد فاضت نفسه رضي الله عنه، فبكوا، فبلغ ذلك عليا وطلحة والزبير وسعدا وغيرهم من المهاجرين والأنصار، فاسترجع القوم، ودخل علي الدار، وهو كالواله الحزين، وقال لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب. ولطم الحسن وضرب صدر الحسين، وشتم محمد بن طلحة، ولعن عبد الله بن الزبير، فقال له طلحة: لا تضرب أبا الحسن، ولا تشتم، ولا تلعن، لو دفع إليهم مروان ما قتل، وهرب مروان وغيره من بني أمية، وطلبوا ليقتلوا فلم يوجدوا، وقال على لزوجته نائلة بنت الفراقصة: من قتله وأنت كنت معه؟ قالت: دخل إليه رجلان وقصت خبر محمد بن أبي بكر، فلم ينكر ما قالت، وقال: والله لقد دخلت عليه وأنا أريد قتله، فلما خاطبني بما قال خرجت، ولا أعلم بتخلف الرجلين عني، والله ما كان لي في قتله من سبب، ولقد قتل وأنا لا أعلم بقتله.
وكانت مدة ما حوصر عثمان في داره تسعا وأربعين يوما، وقيل: أكثر من ذلك.
** مقتله، وقتلته **
وقتل في ليلة الجمعة لثلاث بقين من في الحجة، وذكر أن أحد الرجلين كنانة بن بشر التجيبي، ضربه بعمود على جبهته، والأخر منهما سعد بن حمران المرادى، ضربه بالسيف على حبل عاتقه فحله.
وقد قيل: إن عمرو بن الحمق طعنه بسهام تسع طعنات، وكان فيمن مال عليه عمير بن ضابىء البرجمي التميمي، وخضخض سيفه في يطنه.
مدفنه
ودفن على ما وصفنا في الموضع المعروف بحش كوكب، وهذا الموضع فيه مقابر بني أمية، ويعرف أيضا بحلة، وصلى عليه جبير بن مطعم وحكيم بن حزام وأبو جهم بن حذيفة.
ولما حوصر عثمان كان أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه يصلي بالناس، ثم امتنع، فصلى بهم سهل بن حنيف، فلما كان يوم النحر صلى بهم علي، وقيل: إن عثمان قتل ومعه في الدار من بني أمية ثمانية عشر رجلا منهم مروان بن الحكيم.
** ما قيل فيه من الرثاء **
وفي مقتله تقول زوجته نائلة بنت الفرافصة:
ألا إن خير الناس بعد ثلاثة ... قتيل التجيبي الذي جاء من مصر
ومالي لا أبكي وتبكي قرابتي ... وقد غيبوا عني فضول أبي عمرو
وقال حسان بن ثابت فيمن تخلف عنه وخذله من الأنصار وغيرهم، وأعان عليه وعلى قتله، والله أعلم بما قاله، من أبيات:
خذلته الأنصار إذ حضر المو ... ت وكانت ولاية الأنصار
من عذيري من الزبير ومن طلحة إذ جاء أمر له مقدار
فتولى محمد بن أبي بكر عيانا، وخلفه عمارأ
في شعر له طويل يذكر فيه غير من ذكرنا، وينسبهم إلى التمالؤعلى قتله، والرضا بما فعل به، والله أعلم، وكان حسان عثمانيا منحرفا عن غيره، وكان عثمان إليه محسنا، وهو المتوعد للأنصار في قوله في شعره:
يا ليت شعري وليت الطير تخبرني ... ما كان شأن علي وابن عفانا
لتسمعن وشيكا في ديارهم ... الله أكبر، يا ثارات عثمانا
وكان عثمان رضي الله عنه كثيرا ما ينشد أبياتا قالها ويطيل ذكرها لا تعرف لغيره، منها:
تفنى اللذافة ممن نال صفوتها ... من الحرام ويبقى الإثم والعار
يلقى عواقب سوء من مغبتها ... لاخير في لذة من بعدها النار
وكان الوليد بن عقبة بن أبي معيط أخا عثمان ل أمه ، فسمع في الليلة الثانية من مقتل عثمان يندبه، وهو يقول:
بني هاشم، إنا وما كان بيننا ... كصدع الصفا ما يومض الدهر شاعبه
بني هاشم، كيف الهوادة بيننا ... وسيف ابن أروى عندكم وحرائبه
بني هاشم، ردوا سلاح ابن أختكم ... ولاتنهبوه، لاتحل مناهبه
غدرتم به كيما تكونوا مكانه ... كما غدرت يوما بكسرى مرازبه
وهي أبيات: فأجابه عن هذا الشعر، وفيما رمى به بني هاشم ونسبه إليهم، الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب فقال:
فلا تسألونا سيفكم؛ إن سيفكم ... أضيع، وألقاه لور الروع صاحبه
سلوا أهل مصر عن سلاح ابن أختنا ... فهم سلبوه سيفه وحرائبه
وكان ولي الأمر بعد محمد ... علي، وفي كل المواطن صاحبه
علي ولي الله أظهردينه ... وأنت مع الأشقين فيما تحاربه
وأنت امرؤ من أهل صفواء نازح ... فمالك فينا ممت حميم تعاتبه
وقد أنزل الرحمت أنك فاسق ... فمالك في الإسلام سهم تطالبه
قال المسعودي رحمه الله: ولعثمان أخبار وسير ومآثر حسان، قد أتينا على ذكرها في كتابنا أخبار الزمان والكتاب الأوسط، وكذلك ما كان في أي أمه من الكوائن والأحداث والفتوح والحروب مثل الروم وغيرهم والله ولي التوفيق، وصلى الله علي سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.