Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar
ذكر خلافة الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما
Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 62 of 107
ثم بويع الحسن بن علي بن أبي طالب بالكوفة بعد وفاة علي أبيه بيومين، في شهر رمضان من سنة أربعين، ووجه عماله إلي السواد والجبل.
وقتل الحسن عبد الرحمن بن ملجم، على حسب ما ذكرنا، ودخل معاوية الكوفة بعد صلح الحسن بن علي، لخمس بقين من شهر ربيع الأول في سنة إحدى وأربعين.
وكانت وفاة الحسن - وهو يومئذ ابن خمس وخمسين سنة - بالسم.ودفن بالبقيع مع أمه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ولي التوفيق.
** ذكر لمع من أخباره وسيره رضي الله عنه **
** سم الحسن رضي الله عنه **
حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، قال: دخل الحسين على عمي الحسن بن علي لما سقي السم، فقام لحاجة الإنسان ثم رجع، فقال: لقد سقيت السم على مرار فما سقيت مثل هذه، لقد لفظت طائفة من كبدي فرأيتني أقلبه بعود في يدي، فقال له الحسين: يا أخي، من سقاك. قال: وما تريد بذلك. فإن كان الذي أظنه فالله حسيبه وإن كان غيره فما أحب أن يؤخذ بي بريء، فلم يلبث بعد ذلك إلا ثلاثا حتى توفي، رضي الله عنه.
** ذكر الذي سمه **
وذكر أن امرأته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي سقته السم، وقد كان معاوية دس إليها: إنك إن احتلت في قتل الحسن وجهت إليك بمائة ألف درهم، وزوجتك من يزيد، فكان ذلك الذي بعثها على سمه، فلما مات وفى لها معاوية بالمال، وأرسل إليها: إنا - نحب حياة يزيد، ولولا ذلك لوفينا لك بتزويجه.
وذكر أن الحسن قال عند موته: لقد حاقت شربته، وبلغ أمنيته والله لا وفى لها بما وعد، ولا صدق فيما قال. وفي فعل جعد يقول النجاشي الشاعر، وكان من شيعة علي، في شعر له طويل:
جعد بكيه ولاتسامي ... بعد بكاء المعول الثاكل
لم يسبل الستر على مثله ... في الأرض من حاف ومن ناعل
كان إذا شبت له ناره ... يرفعها بالسند الغاتل
كيما يراها بائس مرمل ... وفرد قوم ليس بالآهل
يغلي بنيء اللحم، حتى إذا ... أنضجه لم يغل من آكل
أعني الذي أسلمنا هلكه ... للزمن المستحرج الماحل
وفي ذلك يقول اخرمن شيعة علي رضي الله عنه:
تأس فكم لك من سلوة ... تفرج عنك غليل ا لحزن
بموت النبي، وقتل ا لوصي، ... وقتل ا لحسين، وسم الحسن قال المسعودي رحمه الله: ووجدت في كتاب الأخبار لأبي الحسن علي بن محمد بن سليمان النوفلي عن صالح بن علي بن عطية الأصم قال: حدثنا عبد الرحمن بن العباس الهاشمي، عن أبي عون صاحب الدولة، عن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، عن أبيه، عن جده، عن العباس بن عبد المطلب، قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل علي بن أبي طالب، فلما رآه أسفر في وجهه، فقلت: يا رسول الله، إنك لتسفر في وجه هذا الغلام، فقال: ياعم رسول الله، والله الله أشد حبا له مني، إنه لم يكن نبي إلا وذريته الباقية بعدي من صلبه، وإن ذريتي بعدي من صلب هذا، إنه إذا كان يوم القيامة دعي الناس بأسمائهم واسماء أمهاتهم سترا من الله عليهم، إلا هذا وشيعته فإنهم يدعون بأسمائهم السماء آبائهم لصحة ولادتهم.
** رثاء ابن الحنفية للحسن: **
ولما دفن الحسن رضي الله عنه وقف محمد ابن الحنفية أخوه على قبره، فقال: لئن عزت حياتك، لقد هدت وفاتك، ولنعم الروح روح تضمنه كفنك، ولنعم الكفن كفن تضمن بدنك، وكيف لا تكون هكذا وأنت عقبة الهدى، وخلف أهل التقوى، وخامس أصحاب الكساء، غدتك بالتقوى أكف الحق، وأرضعتك ثدي الإيمان، وربيت في حجر الإسلام، فطبت حيا وميتا، وإن كانت أنفسنا غير سخية بفراقك، رحمك الله أبا محمد!.
** ومن رثاء ابن الحنفية للحسن **
ووجدت في وجه آخر من الروايات في أخبار أهل البيت أن محمدا وقف على قبره فقال: أبا محمد، لئن طابت حياتك، لقد فجع مماتك، وكيف لا تكون كذلك وأنت خامس أهل الكساء، وابن محمد المصطفى، وابن علي المرتضى، وابن فاطمة الزهراء، وابن شجرة طوبى. ثم أنشأ يقول رضي الله عنه:
أأدهن رأسي أم تطيب مجالسي ... وخدك معفور وأنت سليب.
أأشرب ماء المزن من غيرمائة ... وقد ضمن الأحشاء منك لهيب
سأبكيك ما ناحت حمامة أيكة ... وما اخضر في دوح الحجاز قضيب
غريب وأكناف الحجاز تحوطه ... ألا كل من تحت التراب غريب
ووجدت في بعض كتب التواريخ في أخبار الحسن ومعاوية أن بخلافة الحسن صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، " الخلافة بعدي ثلاثين سنة " لأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه تقلدها سنتين وثلاثة أشهر وثمانية أيام، وعمر رضي الله عنه عشر سنين وستة أشهر وأربع ليال، وعثمان رضي الله عنه إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرا وثلاثة عشر يوما، وعلي رضي الله عنه أربع سنين وسبعة أشهر إلا يوما، والحسن رضي الله عنه ثمانية أشهر وعشرة أيام، فذلك ثلاثون.
** سرور معاوية بموت الحسن **
وحدث محمد بن جرير الطبري، عن محمد بن حميد الرازي، عن علي بن مجاهد، عن محمد بن إسحاق، عن الفضل بن عباس بن ربيعة، قال: وفد عبد الله بن العباس على معاوية، قال: فوالله إني لفي المسجد إذ كبر معاوية في الخضراء فكبر أهل الخضراء، ثم كبر أهل المسجد بتكبير أهل الخضراء، فخرجت فاختة بنت قرظ بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف من خوخة لها، فقالت: سرك الله يا أمير المؤمنين! ما هذا الذي بلغك فسررت به؟ قال: موت الحسن بن علي، فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم بكت وقالت: مات سيد المسلمين، وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال معاوية: نعما والله ما فعلت، إنه كان كذلك أهلا أن تبكي عليه، ثم بلغ الخبر ابن عباس رضي الله عنهما، فراح فدخل على معاوية، قال: علمت يا ابن عباس أن الحسن توفي، قال: ألذلك كبرت؟ قال: نعم، قال: أما والله ما موته بالذي يؤخر أجلك، ولا حفرته بسادة حفرتك، ولئن أصبنا به قبله بسيد المرسلين وإمام المتقين ورسول رب العالمين، ثم بعده بسيد الأوصياء، فجبر الله تلك المصيبة، ورفع تلك العثرة، فقال: ويحك يا ابن عباس! ما كلمتك قط إلا وجدتك معدا. وفي نسخة أنه لما صالح الحسن معاوية كبر معاوية في الخضراء، وكبر أهل الخضراء، ثم كبر أهل المسجد بتكبير أهل الخضراء، فخرجت فاختة بنت قرضة من خوخة لها، فقالت: سرك الله يا أمير المؤمنين! ما هذا الذي بلغك. قال: أتاني البشير بصلح الحسن وانقياده، فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن إبني هذا سيد أهل الجنة، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المؤمنين فالحمد لله الذي جعل فئتي إحدى الفئتين.
ولما صالح الحسن معاوية لما ناله من أهل الكوفة وما نزل به أشار عمرو بن العاص على معاوية - وذلك بالكوفة - أن يأمر الحسن فيقوم فيخطب الناس، فكره ذلك معاوية، وقال: ما أريد أن يخطب بالناس، قال عمرو: لكني أريد أن يبدو عيه في الناس بأنه يتكلم في أمور لا يدري ما هي، ولم يزل به حتى أطاعه؟ فخرج معاوية فخطب الناس، وأمر رجلا أن ينادي بالحسن بن علي، فقام إليه، فقال: قم يا حسن فكلم الناس، فقام فتشهد في بديهته، ثم قال: أما بعد أيها الناس، فإن الله هداكم بأولنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الأمر مدة، والدنيا دول، قال الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : " قل إن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون، إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين " ثم قال في كلامه ذلك: يا أهل الكوفة، لو لم تذهل نفسي عنكم إلا لثلاث خصال لذهلت: مقتلكم لأبي، وسلبكم ثقلي، وطعنكم في بطني، وإني قد بايعت معاوية، فاسمعوا له وأطيعوا.
وقد كان أهل الكوفة انتهبوا سرادق الحسن ورحله، وطعنوا بالخنجر في جوفه، فلما تيقن ما نزل به انقاد إلى الصلح.
** خطبة للحسن **
وقد كان علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه اعتل، فأمر ابنه الحسن رضي الله عنه أن يصلى بالناس يوم الجمعة، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله لم يبعث نبيا إلا اختار له نقيبا ورهطا وبيتا، فو الذي بعث محمدا بالحق نبيا لا ينتقص من حقنا أهل البيت أحد إلا نقصه الله من عمله مثله، ولا تكون علينا دولة إلا وتكون لنا العاقبة، ولتعلمن نبأه بعد حين.
** خطبة أخرى **
ومن خطب الحسن رضي الله عنه في أيامه في بعض مقاماته أنه قال: نحن حزب الله المفلحون، وعترة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأقربون، وأهل بيته الطاهرون الطيبون، وأحد الثقلين اللذين خلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثاني كتاب الله، فيه تفصيل كل شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، والمعول عليه في كل شيء، لا يخطئنا تأويله، بل نتيقن حقائقه، فأطيعونا، فإن طاعتنا مفروضة إذ كانت بطاعة الله والرسول وأولي الأمر مقرونة فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول... ولو رعوه إلى الرسول، وإلى أولي الأمر منهم، لعلمه الذين يستنبطونه منهم وأحذركم الإصغاء لهتاف الشيطان إنه لكم عدو مبين، فتكونون كأوليائه الذين قال لهم: " لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم، فلما تراءت الفئتان نكص على عقيبه وقال: إني بريء منكم إني أرى مالا ترون " فتلقون للرماح أزرا، وللسيوف جزرا، وللعمد خطأ، وللسهام غرضا، ثم لا ينفع. نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أوكسبت في إيمانها خيرا، والله أعلم.