Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar
ذكر أيام يزيد بن معاوية بن أبي سفيان
Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 64 of 107
وبويع يزيد بن معاوية، فكانت أيامه ثلاث سنين وثمانية أشهر إلا ثماني ليال، وأخذ يزيد لابنه معاوية بن يزيد البيعة على الناس قبل موته، ففي ذلك يقول عبد الله بن همام السلولي:
تلقفها يزيد عن أبيه ... فخذها يا معاوي عن يزيدا
لقدعلقت بكم فتلقفوها ... ولاترموا بها الغرض البعيدا
وهلك يزيد بحوارين من أرض دمشق لسبع عشرة ليلة خلت من صفر سنة أربع وستين، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وفي ذلك يقول رجل من عنزة:
يا أيها القبر بحوارينا ... ضممت شر الناس أجمعينا
وقد رثاه الأخطل النصراني، فقال من قصيدة:
لعمري لقد دلى إلى اللحد خالد ... جنازة لا نكس الفؤاد ولا غمر
مقيم بحوارين ليس يريمها ... سقته الغوادي من ثوي ومن قبر
في أبيات.
** ذكر مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام ومن قتل معه من أهل بيته وشيعته **
** أهل الكوفة يدعون الحسين **
ولما مات معاوية أرسل أهل الكوفة إلى الحسين بن علي: إنا قد حبسنا أنفسنا على بيعتك، ونحن نموت دونك، ولسنا نحضرجمعة ولا جماعة بسببك. وطولب الحسين بالبيعة ليزيد بالمدينة فسام التأخير، وخرج يتهادى بين مواليه ويقول:
لا ذعرت السوام في فلق ... الصبح مغيرا، ولا دعيت يزيدا
يوم أعطي مخافة الموت ضيما ... والمنايا ترصدنني أن أحيدا
** مسلم بن عقيل يتقدم الحسين إلى الكوفة **
ولحق بمكة، فأرسل بابن عمه مسلم بن عقيل إلى الكوفة، وقال له: سر إلى أهل الكوفة، فإن كان حقا ما كتبوا به عرفني حتى ألحق بك، فخرج مسلم من مكة في النصف من شهر رمضان حتى قدم الكوفة لخمس خلون من شوال، والأمير عليها النعمان بن بشير الأنصاري، فنزل على رجل يقال له عوسجة مستترا، فلما ذاع خبر قدومه بايعه من أهل الكوفة اثنا عشر ألف رجل، وقيل: ثمانية عشر ألفا، فكتب بالخبر إلى الحسين، وسأله القدوم إليه،
فلما هم الحسين بالخروج إلى العراق أتاه ابن العباس، فقال له: يا ابن عم، قد بلغني أنك تريد العراق، وإنهم أهل غدمر، وإنما يدعونك للحرب، فلا تعجل، وإن أبيت إلا محاربة هذا الجبار وكرهت المقام بمكة فاشخص إلى اليمن، فإنها في عزلة، ولك فيها أنصار وإخوان، فأقم بها وبث دعاتك، واكتب إلى أهل الكوفة وأنصارك بالعراق فيخرجوا أميرهم، فإن قووا على ذلك ونفوه عنها، ولم يكن بها أحد يعاديك أتيتهم، وما أنا لغدرهم بآمن، وإن لم يفعلوا أقمت بمكانك إلى أن يأتي الله بأمره، فإن فيها حصونا وشعابا، فقال الحسين: يا ابن عمر، إني لأعلم أنك لي ناصح وعلي شفيق، ولكن مسلم بن عقيل كتب باجتماع أهل المصرعلى بيعتي ونصرتي، وقد أجمعت على المسير إليهم، قال: إنهم من خبرت وجربت وهم أصحاب أبيك وأخيك وقتلتك غدا مع أميرهم، إنك لو قد خرجت فبلغ ابن زياد خروجك استنفرهم إليك، وكان الذين كتبوا إليك أشد من عدوك، فإن عصيتني وأبيت إلا الخروج إلى الكوفة فلا تخرجن نساءك وولدك معك، فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه، فكان الذي رد عليه: لأن أقتل والله بمكان كذا أحب إلي من أن أستحل بمكة، فيئس ابن عباس منه، وخرج من عنده، فمر بعبد الله بن الزبير، فقال: قرت عينك يا ابن الزبير، وأنشد:
يا لك من قبرة بمعمر ... خلالك الجو فبيضي واصفري
ونقري ما شت أن تنقري
هذا حسين يخرج إلى العراق ويخليك والحجاز.
** الحسين وابن الزبير **
وبلغ ابن الزبير أنه يريد الخروج إلى الكوفة وهو أثقل الناس عليه، قد غمه مكانه بمكة، لأن الناس ما كانوا يعدلونه بالحسين، فلم يكن شيء يؤتاه أحب إليه من شخوص الحسين عن مكة، فأتاه فقال: أبا عبد الله ما عندك، فوالله لقد خفت الله في ترك جهاد هؤلاء القوم على ظلمهم واستذلالهم الصالحين من عباد الله، فقال حسين: قد عزمت على إتيان الكوفة، فقال: وفقك الله!! أما لو أن لي بها مثل أنصارك ما عدلت عنها، ثم خاف أن يتهمه فقال: ولو أقمت بمكانك فدعوتنا وأهل الحجاز إلى بيعتك أجبناك وكنا إليك سراعا، وكنت أحق بذلك من يزيد وأبي يزيد.
** نصيحة أبي بكر بن هشام **
ودخل أبو بكر بن الحارث بن هشام على الحسين فقال: يا ابن عمر، إن الرحم يظائرني عليك، ولا أدري كيف أنافي النصيحة لك، فقال: يا أبا بكر ما أنت ممن يستغش ولا يتهم، فقل، فقال أبو بكر: كان أبوك اقدم سابقة، وأحسن في الإسلام أثرا، وأشد بأسا، والناس له أرجى، ومنه أسمع وعليه أجمع، فسار إلى معاوية والناس مجتمعون عليه إلا أهل الشام وهو أعز منه، فخذلوه، وتثاقلوا عنه، حرصا على الدنيا، وضنا بها، فجرعوه الغيظ، وخالفوه حتى صار إلى ما صار إليه من كرامة الله ورضوانه، ثم صنعوا بأخيك بعد أبيك ما صنعوا، وقد شهدت ذلك كله ورأيته، ثم أنت تريد أن تسير إلى الذين عدوا على أبيك وأخيك تقاتل بهم أهل الشام وأهل العراق ومن أعد منك وأقوى، والناس منه أخوف، وله أرجى، فلو بلغهم مسيرك إليهم لاستطغوا الناس بالأموال، وهم عبيد الدنيا، فيقاتلك من وعدك أن ينصرك، ويخذلك من أنت أحب إليه ممن ينصره، فاذكر الله في نفسك، فقال الحسين: جزاك الله خيرا يا ابن عمر، فقد أجهدك رأيك، ومهما يقض الله يكن، فقال: إنا لله وعند الله نحتسب يا أبا عبد الله، ثم دخل على الحارث بن خالد بن العاص بن هشام المخزومي والي مكة وهو يقول:
كم نرى ناصحا يقول فيعصى ... وظنين المغيب يلفى نصيحا
فقال: وما ذاك. فأخبره بما قال للحسين، فقال: نصحت له ورب الكعبة.
** يزيد يستعد **
واتصل الخبر بيزيد، فكتب إلى عبيد الله بن زياد بتولية الكوفة، فخرج من البصرة مسرعا حتى قدم الكوفة على الظهر، فدخلها في أهله وحشمه وعليه عمامة سوداء قد. تلثم بها، وهو راكب بغلة والناس يتوقعون قدوم الحسين فجعل ابن زياد يسلم على الناس فيقولون: وعليك السلام يا ابن رسول الله! قدمت خير مقدم، حتى انتهى إلى القصر وفيه النعمان بن بشير، فتحصن فيه، ثم أشرف عليه، فقال: يا ابن رسول الله ما لي ولك. وما حملك على قصد بلدي من بين البلدان. فقال ابن زياد: لقد طال نومك يا نعيم، وحسر اللثام عن فيه، فعرفه، ففتح له، وتنادى الناس: ابن مرجانة، وحصبوه بالحصباء، ففاتهم ودخل القصر، ولما اتصل خبر ابن زياد بمسلم تحول إلى هانىء بن عروة المرادي، ووضع ابن زياد الرصد على مسلم حتى علم بموضعه، فوجه محمد بن الأشعث بن قيس إلى هانىء، فجاءه فسأله عن مسلم، فأنكره، فأغلظ له ابن زياد القول، فقال هانىء: إن لزياد أبيك عندي بلاء حسنا، وأنا أحب مكافأته به، فهل لك في خير. قال ابن زياد: وما هو؟ قال: تشخص إلى أهل الشام أنت وأهل بيتك سالمين بأموالكم، فإنه قد جاء حق من هو أحق من حقك وحق صاحبك، فقال ابن زياد: أدنوه مني، فأدنوه منه، فضرب وجهه بقضيب كان في يده حتى كسر أنفه وشق حاجبه، ونثر لحم وجنته، وكسر القضيب على وجهه ورأسه، وضرب هانىء بيده إلى قائم سيف شرطي من تلك الشرط، فجاذبه الرجل، ومنعه السيف، وصاح أصحاب هانىء بالباب: قتل صاحبنا، فخافهم ابن زياد، وأمر بحبسه في بيت إلى جانب مجلسه، وأخرج إليهم ابن زياد شريحا القاضي، فشهد عندهم أنه حي لم يقتل، فانصرفوا، ولما بلغ مسلما ما فعل ابن زياد بهانىء، أمر مناديا فنادى يا منصور وكانت شعارهم، فتنادى أهل الكوفة بها، فاجتمع إليه في وقت واحد ثمانية عشر ألف رجل، فسار إلى ابن زياد، فتحصن منه، فحصروه في القصر فلم يمس مسلم ومعه غير مائة رجل، فلما نظر إلى الناس يتفرقون عنه سار نحو أبواب كندة، فما بلغ الباب إلا ومعه منهم ثلاثة، ثم خرج من الباب فإذا ليس معه منهم أحد، فبقي حائرا لا يدري أين يذهب، ولا يجد أحدا يدله على الطريق، فنزل عن فرسه ومشى متلددا في أزقة الكوفة لا يدري أين يتوجه، حتى انتهى إلى باب مولاة للأشعث بن قيس، فاستسقاها ماء فسقته، ثم سألته عن حاله، فأعلمها بقضيته، فرقت له وآوته، وجاء ابنها فعلم بموضعه، فلما أصبح غدا إلى محمد بن الأشعث فأعلمه.
** قتل مسلم بن عقيل **
فمضى ابن الأشعث إلى ابن زياد فأعلمه، فقال: انطلق فأتني به، ووجه معه عبد الله بن العباس السلمي في سبعين رجلا، فاقتحموا على مسلم الدار، فثار عليهم بسيفه، وشد عليهم فأخرجهم من الدار، ثم حملوا عليه الثانية، فشد عليهم وأخرجهم أيضا، فلما رأوا ذلك علوا ظهر البيوت فرموه بالحجارة، وجعلوا يلهبون النار بأطراف القصب، ثم يلقونها عليه من فوق البيوت، فلما رأى ذلك قال: أكل ما أرى من الأحلاب لقتل مسلم بن عقيل. يا نفس أخرجي إلى الموت الذي ليس عنه محيص، فخرج إليهم مصلتا سيفه إلى السكة، فقاتلهم، واختلف هو وبكير بن حمران الأحمري ضربتين: فضرب بكير فم مسلم فقطع السيف شفته العليا وشرع في السفلى، وضربه مسلم ضربة منكرة في رأسه، ثم ضربه أخرى على حبل العاتق فكاد يصل إلى جوفه، وهو يزتجز ويقول:
أقسم لا أقتل إلا حرا ... وإن رأيت الموت شيئا مرا
كل امرىء يوما ملاق شرا ... أخاف أن أكذب أو أغرا
فلما رأوا ذلك منه تقدم إليه محمد بن الأشعث فقال له: فإنك لا تكذب ولا تغر، وأعطاه الأمان، فأمكنهم من نفسه، وحملوه على بغلة وأتوا به ابن زياد، وقد سلبه ابن الأشعث حين أعطاه الأمان سيفه وسلاحه، وفي ذلك يقول بعض الشعراء في كلمة يهجو فيها ابن الأشعث:
وتركت عمك أن تقاتل دونه ... فشلا، ولولا أنت كان منيعا
وقتلت وافد آل بيت محمد ... وسلبت أسيافا له ودروعا
** مقتل هانىء بن عروة **
فلما صار مسلم إلى باب القصر نظر إلى قلة مبرعة، فاستسقاهم منها، فمنعهم مسلم بن عمرو الباهلي - وهو أبو قتيبة بن مسلم - أن يسقوه، فوجة عمرو بن حريث فأتاه بماء في قدح، فلما رفعه إلى فيه امتلأ القدح دما، فصبه وملأه له الثانية، فلما رفعه إلى فيه سقطت ثناياه فيه وامتلأ دما، فقال: الحمد لله، لو كان من الرزق المقسوم لشربته، ثم ادخل إلى ابن زياد، فلما انقضى كلامه ومسلم يغلظ له في الجواب أمر به فأصعد إلى أعلى القصر، ثم دعا الأحمري الذي ضربه مسلم، فقال: كن أنت الذي تضرب عنقه لتأخذ بثأرك من ضربته، فأصعدوه إلى أعلى القصر، فضرب بكير الأحمري عنقه، فأهوى رأسه إلى الأرض، ثم أتبعوا رأسه جسده، ثم أمر بهانىء بن عروة فأخرج إلى السوق، فضرب عنقه صبرا، وهو يصيح: يا آل مراد، وهو شيخها وزعيمها، وهو يومئذ يركب في أربعة آلاف دارع وثمانية آلاف راجل، وإذا أجابتها أحلافها من كندة وغيرها كان في ثلاثين ألف دارع، فلم يجد زعيمهم منهم أحدا فشلا وخذلانا، فقال الشاعر: وهو يرثي هانىء بن عروة ومسلم بن عقيل ويذكر لما نالهما:
إذا كنت لا تدرين ما الموت فانظري ... إلى هانىء في السوق وابن عقيل
إلى بطل قدهشم السيف وجهه ... وآخر يهوي في طمارقتيل
أصابهما أمر الأمير فأصبحا ... أحاديث من يسعى بكل سبيل
ترى جسدا قد غير الموت لونه ... ونضح دم قد سال كل مسيل
أيترك أسماء المهايج آمنا ... وقد طلبته مذحج بذحول
فتى هو أحيى من فتاة حيية ... وأقطع من ذي شفرتين صقيل
ثم دعا ابن زياد ببكيربن حمران الذي ضرب عنق مسلم فقال: أقتلته؟ قال: نعم، قال: فما كان يقول وأنتم تصعدون به لتقتلوه؟ قال: كان يكبر ويسبح الله ويهلل ويستغفر الله، فلما أدنيناه لنضرب عنقه قال: اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وكذبونا ثم خذلونا وقتلونا، فقلت: الحمد لله الذي أقادني منك، وضربته ضربة لم تعمل شيئا، فقال لي: أوما يكفيك وفي خدش مني وفاء بدمك أيها العبد، قال ابن زياد: أوفخرا عند الموت. قال: وضربته الثانية فقتلته، ثم أتبعنا رأسه جسده.
وكان ظهور مسلم بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان ليال مضين من ذي الحجة سنة ستين، وهو اليوم الذي ارتحل فيه الحسين من مكة إلى الكوفة، وقيل: يوم الأربعاء يوم عرفة لتسع مضين من ذي الحجة سنة ستين.
ثم أمر ابن زياد بجثة مسلم فصلبت، وحمل رأسه إلى دمشق، وهذا أول قتيل صلبت جثته من بني هاشم، وأول رأس حمل من رؤوسهم إلى دمشق.
** الحسين يقاتل جيش ابن زياد **
فلما بلغ الحسين القادسية لقيه الحر بن يزيد التميمي فقال له: أين تريد يا ابن رسول الله؟ قال: أريد هذا المصر، فعرفه بقتل مسلم وما كان من خبره، ثم قال: ارجع فإني لم أدع خلفي خيرا أرجوه لك، فهم بالرجوع فقال له إخوة مسلم: والله لا نرجع حتى نصيب بثأرنا أو نقتل كلنا، فقال الحسين: لا خير في الحياة بعدكم، ثم سارحتى لقي خيل عبيد الله بن زياد عليها عمرو بن سعد بن أبي وقاص، فعدل إلى كربلاء - وهو في مقدار خمسمائة فارس من أهل بيته وأصحابه ونحو مائة راجل - فلما كثرت العساكر على الحسين أيقن أنه لا محيص له، فقال: اللهم احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا ثم هم يقتلوننا، فلم يزل يقاتل حتى قتل رضوان الله عليه، وكان الذي تولى قتله رجل من مذحج واحتزرأسه، وانطلق به إلى ابن زياد وهو يرتجز:
أوقر ركابي فضة وذهبا ... أنا قتلت الملك المحجبا
قتلت خير الناس آما وأبا ... وخيرهم إذ ينسبون نسبا
** من قتل مع الحسين **
فبعث به ابن زياد إلى يزيد بن معاوية ومعه الرأس، فدخل إلى يزيد وعنده أبو برزه الأسلمي، فوضع الرأس بين يديه، فأقبل ينكت القضيب في فيه ويقول:
نفلق هامامن رجال أحبة ... علينا، وهم كانوا أعق وأظلما فقال لو أبو برزة: ارفع قضيبك فطال والله ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يضع فمه على فمه يلثمه، وكان جميع من حضر مقتل الحسين من العساكر وحاربه وتولى قتله من أهل الكوفة خاصة، لم يحضرهم شامي، وكان جميع من قتل مع الحسين في يوم عاشوراء بكربلاء سبعة وثمانين، منهم ابنه علي بن الحسين الأكبر، وكان يرتجز ويقول:
أنا علي بن الحسين بن علي ... نحن وبيت الله أولى بالنبي
تالله لا يحكم فينا ابن الدعي
وقتل من ولد أخيه الحسن بن علي: عبد الله بن الحسن، والقاسم بن الحسن، وأبو بكر بن الحسن، ومن إخوته؟ العباس بن علي، وعبد الله بن علي، وجعفر بن علي، وعثمان بن علي، ومحمد بن علي، ومن ولد جعفر بن أبي طالب: محمد بن عبد الله بن جعفر، وعون بن عبد الله بن جعفر، ومن ولد عقيل بن أبي طالب: عبد الله بن عقيل، وعبد الله بن مسلم بن عقيل، وذلك لعشر خلون من المحرم سنة إحدى وستين.
وقتل الحسين وهو ابن خمس وخمسين سنة، وقيل: ابن تسع وخمسين سنة، وقيل غير ذلك.
ووجد بالحسين يوم قتل ثلاث وثلاثون طعنة، وأربع وثلاثون ضربة، ضرب زرعة بن شريك التميمي كفه اليسرى، وطعنه سنان بن أنس النخعي، ثم نزل فاحتز رأسه، وفي ذلك يقول الشاعر:
وأي رزية عدلت حسينا ... غداة تبينه كفا سنان.
وقتل معه من الأنصار أربعة، وباقي من قتل معه من أصحابه - على ما قدمنا من العدة - من سائر العرب، وفي ذلك يقول مسلم بن قتيبة مولى بني هاشم:
عين جودي بعبرة وعويل ... واندبي إن ندبت آل الرسول
واندبي تسعة لصلب علي ... قدأصيبوا، وخمسة لعقيل
وابن عم النبي عونا أخاهم ... ليس فيما ينوب بالمخذول
وسمي النبي غودرفيهم ... قدعلوه بصارم مصقول
واندبي كهلهم فليس إذا ما ... عد في الخيركهلهم كالكهول
لعن الله حيث كان زيادا ... وابنه والعجوز ذات البعول
وأمر عمرو بن سعد أصحابه أن يوطئوا خيلهم الحسين، فانتدب لذلك إسحاق بن حيوة الحضرمي في نفر معه، فوطئوه بخيلهم، ودفن أهل العاضرية - وهم قوم من بني عاضر من بني أسد - الحسين وأصحابه بعد قتلهم بيوم، وكان عدة من قتل من أصحاب عمرو بن سعد في حرب الحسين عليه السلام ثمانية وثمانين رجلا.
** ذكر أسماء ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه **
** أسماء ولد علي وأمهاتهم **
الحسن، والحسين، ومحسن، وأم كلثوم الكبرى، وزينب الكبرى، أمهم فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحمد وأمه خولة بنت آيا الحنفية، وقيل: ابنة جعفر بن قيس بن مسلمة الحنفي، وعبيد الله، وأبو بكر أمهما ليلى بنت مسعود النهشلي، وعمر، ورقية أمهما تغلبية، ويحيى وأمه أسماء بنت عميس الخثعمية، وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب أن جعفرا الطيار استشهد وخلف عليها عونا ومحمدا وعبد الله، وأن عقب جعفر منها من عبد الله بن جعفر، وأن أبا بكر الصديق تزوجها بعده، وخلف عليها محمدا، ثم تزوجها علي فخلف عليها يحيى، وأنها ابنة العجوز الحرشية التي كانت أكرم الناس أصهارا، وقد تقدم فيما سلف من هذا الكتاب تسمية أصهار العجوز الحرشية، وأن أولهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعفر، والعباس، وعبد الله أمهم أم البنين بنت حرام الوحيدية، ورملة وأم الحسن أمهما أم سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفي، وأم كلثوم الصغرى، وزينب الصغرى، وجمانة، وميمونة، وخديجة، وفاطمة، وأم الكرام، ونفيسة، وأم سلمة، وأم أبيها.
وقد أتينا على أنساب آل أبي طالب، ومن أعقب منهم ومصارعهم، وغير ذلك من أخبارهم في كتابنا أخبار الزمان.
** ذو العقب من أولاد علي **
والعقب لعلي من خمسة: الحسن، والحسين، ومحمد، وعمر، والعباس، وقد استقصى أنسابهم، وأتى على ذكر من لا عقب له منهم ومن له العقب، وأنساب غيرهم من قريش من بني هاشم، وغيرهم: الزبير بن بكار في كتابه في أنساب قريش وأحسن من هذا الكتاب في أنساب آل أبي طالب الكتاب الذي سمع من طاهر بن يحيى العلوي الحسيني بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم وقد صنف في أنساب آل أبي طالب كتب كثيرة: منها كتاب العباس من ولد العباس بن علي، وكتاب أبي علي الجعفري، وكتاب المهلوس العلوي من ولد موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
** رثاء قتيل الطف **
وفي قتيل الطف يقول سليمان بن قتة يرثيه على ما ذكره الزبير بن بكار في كتاب أنساب قريش من أبيات:
فإن قتيل الطف من آل هاشم ... أذ ل رقابا من قريش فذلت
فإن يتبعوه عائذ البيت يصبحوا ... كعاد تعمت عن هداها فضفت
ألم تر أن الأرض أضحت مريضة ... بقتل حسين والبلاد اقشعرت
فلا يبعد الله الديار وأهلها ... وإن أصبحت منهم برغمي تخلت
** ذكر لمع من أخبار يزيد وسيره ونوادر من بعض أفعاله **
** خروج يزيد لوفود العرب **
ولما أفضى الأمر إلى يزيد بن معاوية دخل منزله، فلم يظهر للناس ثلاثا، فاجتمع ببابه أشراف العرب ووفود البلدان وأمراء الأجناد لتعزيته بأبيه وتهنئته بالأمر، فلما كان في اليوم الرابع خرج أشعث أغبر فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن معاوية كان حبلا من حبال الله مده الله ما شاء أن يمده، ثم قطعه حين شاء أن يقطعه، وكان دون من كان قبله، وخير من بعده، إن يغفر الله له فهو أهله، وإن يعذبه فبذنبه، وقد وليت الأمر بعده، ولست أعتذر من جهل، ولا أشتغل بطلب علم، فعلى رسلكم فإن الله لو أراد شيئا كان، أذكروا الله واستغفروه، ثم نزل، ودخل منزله، ثم أذن للناس.
فدخلوا عليه لا يدرون أيهنئونه أم يعزونه، فقام عاصم بن أبي صيفي، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، أصبحت قد رزئت خليفة الله وأعطيت خلافة الله، ومنحت هبة الله، قضى معاوية نحبه، فغفر الله له ذنبه، وأعطيت بعده الرياسة، فاحتسب عند الله أعظم الرزية، واحمده على أفضل العطية، فقال يزيد، ادن مني يا ابن أبي صيفي، فدنا حتى جلس قريبا منه.
ثم قام عبد الله بن مازن فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، رزئت خير الآباء، وسميت خير الأسماء، ومنحت أفضل الأشياء بالعطية، وأعانك على الرعية، فقد أصبحت قريش مفجوعة بفقد سائسها مسرورة بما أحسن الله إليها من الخلافة بك، والعقبى من بعده، ثم أنشأ يقول:
الله أعطاك التي لا فوقها ... وقد أراد الملحدون عوقها
عنك فيأبى الله إلاسوقها ... إليك حتى قلدوك طوقها
فقال له يزيد: أدن مني يا ابن مازن، فدنا حتى جلس قريبا منه. ثم قام عبد الله بن همام فقال: آجرك الله يا أمير المؤمنين على الرزية، وصبرك على المصيبة، وبارك لك في العطية، ومنحك محبة الرعية، مضى معاوية لسبيله غفر الله له، وأورده موارد السرور، ووفقك بعده لصالح الأمور، فقد رزئت جليلا، وأعطيت جزيلا، جئت بعده للرياسة، ووليت السياسة، أصبت بأعظم المصائب، ومنحت أفضل الرغائب، فاحتسب عند الله أعظم الرزية، وأشكره على أفضل العطية، وأحدث لخالقك حمدا، والله يمتعنا بك ويحفظك، ويحفظ بك وعليك، وأنشأ يقول:
أصبر يزيد فقد فارقت ذامقة ... واشكرحباء الذي بالملك أصفاكا
أصبحت لا رزء في الأقوام نعلمه ... كما رزئت ولا عقبى كعقباكا
أعطيت طاعة خلق الله كلهم ... وأنت ترعاهم والله يرعاكا
وفي معاوية الباقي لناخلف ... إمانعيت ولانسمع بمنعاكا
فقال يزيد: ادن مني يا ابن همام، فدنا حتى جلس قريبا منه. ثم قام الناس يعزونه ويهنئونه بالخلافة، فلما ارتفع عن مجلسه أمر لكل واحد منهم بمال على مقداره في نفسه، ومحله في قومه، وزاد في عطائهم، ورفع مراتبهم، وقد أتينا في كتابنا أخبار الزمان على ما كان من خبر يزيد وغيبته في حال وفاة أبيه معاوية، ومسيره من ناحية حمص حين بلغه ما بأبيه من العلة، ووروده على ثنية العقاب من أرض دمشق، فأغنى ذلك عن إعادة هذا الخبر في هذا الكتاب.
** بين يزيد وعبد الملك **
وذكر عدة من الأخباريين وأهل السير أن عبد الملك بن مروان دخل على يزيد، فقال: اريضة لك إلى جانب أرض لي، ولي فيها سعة، فأقطعنيها، فقال: يا عبد الملك، إنه لا يتعاظمني كبير، ولا أجزع من صغير، فأخبرني عنها وإلا سألت غيرك، فقال: ما بالحجاز أعظم منها قدرا، قال: قد أقطعتك، فشكره عبد الملك ودعا له، فلما ولى قال يزيد، إن الناس يزعمون أن يصير خليفة، فإن صدقوا فقد صانعناه، وإن كذبوا فقد وصلناه.
** فسوق يزيد وعماله **
وكان يزيد صاحب طرب وجوارح وكلاب وقرود وفهود ومناذمة على الشراب، وجلس ذات يوم على شرابه، وعن يمينه ابن زياد، وذلك بعد قتل الحسين، فأقبل على ساقيه فقال:
اسقني شربة تروي مشاشي ... ثم مل فاسق مثلها ابن زياد
صاحب السر والأمانة عندي ... ولتسديد مغنمي وجهادي
ثم أمر المغنين فغنوا به.
وغلب على أصحاب يزيد وعماله ما كان يفعله من الفسوق، وفي أيامه ظهر الغناء بمكة والمدينة، واستعملت الملاهي، وأظهر الناس شرب الشراب، وكان له قرد يكنى بأبي قيس يحضره مجلس منادمته، ويطرح له متكأ، وكان قردا خبيثا وكان يحمله على أتان وحشية قد ريضت وذللت لذلك بسرج ولجام ويسابق بها الخيل يوم الحلبة، فجاء في بعض الأيام سابقا، فتناول القصبة ودخل الحجرة قبل الخيل، وعلى أبي قيس قباء من الحرير الأحمر والأصفر مشمر، وعلى رأسه قلنسوة من الحرير ذات ألوان بشقائق، وعلى الأتان سرج من الحرير الأحمر منقوش ملمع بأنواع من الألوان، فقال في ذلك بعض شعراء الشام في ذلك اليوم:
تمسك أبا قيس بفضل عنانها ... فليس عليها إن سقطت ضمان
ألا من رأى القرد الذي سبقت به ... جياد أمير المؤمنين أتان
وفي يزيد وتملكه وتجبره وانقياد الناس إلى ملكه يقوله الأحوص :
ملك تدين له الملوك مبارك ... كادت لهيبته الجبال تزول
تجبى له بلخ ودجلة كلها ... وله الفرات وما سقى والنيل
وقيل: إن الأحوص قال هذا في معاوية بعد وفاته يرثيه:
** ماقيل في مقتل الحسين **
ولما قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما بكربلاء وحمل رأسه ابن زياد إلى يزيد خرجت بنت عقيل بن أبي طالب في نساء من قومها حواسر حائرات، لما قد ورد عليهن من قتل السادات، وهي تقول:
ماذا تقولون إن قال النبي لكم: ... ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم؟
بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي ... نصف أسارى ونصف ضرجوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم ... أن تخلفوني بشر في ذوي رحمي
وفي فعل ابن زياد بالحسين يقول أبو الأسود الدؤلى من قصيدة:
أقول وذاك من جزع ووجد ... أزال الله ملك بني زياد
وأبعدهم، بما غدروا وخانوا ... كما بعدت ثمي وقوم عاد
أهل المدينة وعمال يزيد ولما شمل الناس جور يزيد وعماله، وعمهم ظلمه، وما ظهر من فسقه: من قتله ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنصاره، وما أظهر من شرب الخمور، وسيره سيرة فرعون، بل كان فرعون أعدل منه في رعيته، وأنصف منه لخاصته وعامته، أخرج أهل المدينة عامله عليهم - وهو عثمان ابن محمد بن أبي سفيان - ومروان بن الحكم، وسائر بني أمية، وذلك عند تنسك ابن الزبير وتألهه، وإظهار الدعوة لنفسه، وذلك في سنة ثلاث وستين، وكان إخراجهم لما ذكرنا من بني أمية وعامل يزيد عن إذن ابن الزبير، فاغتنمها مروان منهم، إذ لم يقبضوا عليهم ويحملوهم إلى ابن الزبير، فحثوا السير نحو الشام، ونمى فعل أهل المدينة ببني أمية وعامل يزيد إلى يزيد، فسير إليهم بالجيوش من أهل الشام عليهم مسلم بن عقبة المري الذي أخاف المدينة ونهبها، وقتل أهلها، وبايعه أهلها على أنهم عبيد ليزيد، وسماها نتنة، وقد سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم، طيبة، وقال: من أخاف المدينة أخاف الله فسمى مسلم هذا لعنه الله بمجرم ومسرف، لما كان من فعله، ويقال: إن يزيد حين جرد هذا الجيش وعرض عليه أنشأ يقول:
أبلغ أبا بكر إذا الأمر انبرى ... وأشرف القوم على وادي القرى
أجمع السكران من قوم ترى
يريد بهذا القول عبد الله بن الزبير، وكان عبد الله يكنى بأبى بكر، وكان يسمى يزيد السكران الخمير، وكتب إلى ابن الزبير:
أدعو إلهك في السماء فأنني ... أدعو عليك رجال عك وأشعر
كيف النجاة أبا خبيب منهم ... فاحتل لنفسك قبل أتي العسكر
** وقعة الحرة **
ولما انتهى الجيش من المدينة إلى الموضع المعروف بالحرة وعليهم مسرف خرج إلى حربه أهلها عليهم عبد الله بن مطيع العدوي وعبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاري، وكانت وقعة عظيمة قتل فيها خلق كثير من الناس من بني هاشم وسائر قريش والأنصار وغيرهم من سائر الناس؟ فممن قتل من آل أبي طالب اثنان: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وجعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب، ومن بني هاشم من غيرآل أبي طالب: الفضل بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وحمزة بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، والعباس بن عتبة بن أبي لهب بن عبد المطلب، وبضع وتسعون رجلا من سائر قريش، ومثلهم من الأنصار، وأربعة آلاف من سائر الناس ممن أدركه الإحصاء دون من لم يعرف.
وبايع الناس على أنهم عبيد ليزيد، ومن أبى ذلك أمره مسرف على السيف، غير علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب السجاد، وعلي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وفي وقعة الحرة يقول محمد بن أسلم:
فإن تقتلونا يوم حرة واقم ... فنحن على الإسلام أول من قتل
ونحن تركناكم ببدر أذلة ... وأبنا بأسياف لنا منكم تفل
ونظر الناس إلى علي بن الحسين السجاد وقد لاذ بالقبر وهو يدعو، فأتي به إلى مسرف وهو مغتاظ عليه، فتبرأ منه ومن آبائه، فلما رآه وقد أشرف عليه ارتعد، وقام له، وأقعده إلى جانبه، وقال له: سلني حوائجك، فلم يسأله في أحد ممن قدم إلى السيف إلا شفعه فيه، ثم انصرف عنه، فقيل لعلي: رأيناك تحرك شفتيك، فما الذي قلت. قال: قلت: اللهم رب السموات السبع وما أقللن، والأرضين السبع وما أقللن، رب العرش العظيم، رب محمد وآله الطاهرين، أعوذ بك من شره، وأدرأ بك في نحره، أسألك أن تؤتيني خيره، وتكفيني شره، وقيل لمسلم: رأيناك تسب هذا الغلام وسلفه، فلما أتى به إليك رفعت منزلته، فقال: ما كان ذلك لرأي مني، لقد ملىء قلبي منه رعبا.
وأما علي بن عبد الله بن العباس فإن أخواله من كندة منعوه منه، وأناس من ربيعة كانوا في جيشه، فقال علي في ذلك:
أبي العباس قرم بني لؤي ... وأخوالي الملوك بنو وليعه
هم منعوا ذماري يوم جاءت ... كتائب مسرف وبني اللكيعة
أرادني التي لا عز فيها ... فحالت دونه أيدي ربيعة ولما نزل بأهل المدينة ما وصفنا من القتل والنهب والرق والسبي وغير ذلك مما عنه أعرضنا من مسرف خرج عنها يريد مكة في جيوشه من أهل الشام، ليوقع بابن الزبير وأهل مكة، بأمر يزيد، وذلك في سنة أربع وستين.
فلما انتهى إلى الموضع المعروف بقديد مات مسرف لعنه الله! واستخلف على الجيش الحصين بن نمير، فسار الحصين حتى أتى مكة وأحاط بها، وعاذ ابن الزبير بالبيت الحرام، وكان قد سمى نفسه العائذ بالبيت، وشهر بهذا حتى ذكرته الشعراء في أشعارها، من ذلك ما قدمنا من قول سليمان بن قتة.
فإن تتبعوه عائذ البيت تصبحوا ... كعاد تعمت عن هداها فضلت
** رمي الكعبة بالمجانيق **
ونصب الحصين فيمن معه من أهل الشام المجانيق والعرادات على مكة والمسجد من الجبال والفجاج، وابن الزبير في المسجد، ومعه المختار بن أبي عبيد الثقفي. داخلا في جملته، منضافا إلى بيعته، منقاد ا إلى إمامته، على، شرائط شرطها عليه لا يخالف له رأيا، ولا يعصي له أمرا، فتواردت أحجار المجانيق والعرادات على البيت، ورمي مع الأحجار بالناروالنفط ومشاقات الكتان وغير ذلك من المحرقات، وانهدمت الكعبة، واحترقت البنية، ووقعت صاعقة فأحرقت من أصحاب المجانيق أحد عشر رجلا، وقيل : أكثر من ذلك وذلك يوم السبت لثلاث خلون من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة، قبل وفاة يزيد بأحد عشر يوما، واشتد الأمر على أهل مكة وابن الزبير، واتصل الأذى بالأحجار والنار والسيف، ففي ذلك يقول أبو وجزة المدني:
آبن نمير بئس ما تولى ... قدأحرق المقام والمصلى
وليزيد وغيره أخبار عجيبة، ومثالب كثيرة: من شرب الخمر، وقتل ابن بنت الرسول، - ولعن الوصي، وهدم البيت وإحراقه، وسفك الدماء، والفسق والفجور، وغير ذلك مما قد ورد فيه الوعيد باليأس من غفرانه، كورده فيمن جحد توحيده وخالف رسله، وقد أتينا على الغرر من ذلك فيما تقدم وسلف من كتبنا، والله ولي التوفيق.