Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar
ذكر أيام الوليد بن عبد الملك
Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 68 of 107
وبويع الوليد بن عبد الملك بدمشق في اليوم الذي توفي فيه عبد الملك، وتوفي الوليد بدمشق للنصف من جمادي الآخرة من سنة ست وتسعين؟ فكانت ولايته تسع سنين وثمانية أشهر وليلتين، وهلك وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، وكان يكنى بأبي العباس.
** ذكر لمع من أخباره وسيره وما كان من الحجاج في أيامه **
** خلق الوليد وولده **
كان الوليد جبارا عنيدا، ظلوما ضلوما غشوما، وخلف من الولد أربعة عشر ذكرا، منهم يزيد، وعمرو، وبشر العالم، والعباس، وكان يدعى فارس بني مروان لشهامته، فعدل الوليد بالأمر عن ولده بعده أتباعا لوصية عبد الملك على حسب ما رتبها، وكان نقش خاتمه يا وليد إنك ميت فكان كلما هم أن يجعل الأمر لولده قلب الفص وقرأ إنك ميت فيقول: لأها الله، لا خالفت ما أمرني به أبي، إني لميت.
** بناء مسجد دمشق والمدينة **
وفي سنة سبع وثمانين ابتدأ الوليد ببناء المسجد الجامع بدمشق وبناء مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فأنفق عليهما الأموال الجليلة، وكان المتولي للنفقة على ذلك عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.
وحكي عثمان بن مرة الخولاني قال: لما ابتدأ الوليد ببناء مسجد دمشق وجد في حائط المسجد لوحا من حجارة فيه كتابة باليونانية، فعرض على جماعة من أهل الكتاب، فلم يقدروا على قراءته، فوجه به إلى وهب بن منبه، فقال: هذا مكتوب في أيام سليمان بن داود عليهما السلام، فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، يا ابن آدم، لو عاينت ما بقي من يسير أجلك، لزهدت فيما بقي من طول أملك، وقصرت عن رغبتك وحيلك، وإنما تلقى ندمك، إذا زلت بك قدمك وأسلمك أهلك وحشمك وانصرف عنك الحبيب، وودعك القريب، تم صرت تدعى فلا تجيب، فلا أنت إلى أهلك عائد، ولا في عملك زائد، فاغتنم الحياة قبل الموت، والقوة قبل الفوت، وقبل أن يؤخذ منك بالكظم، ويحال بينك وبين العمل، وكتب زمن سليمان بن داود، فأمر الوليد أن يكتب بالذهب على اللازورد في حائط المسجد، ربنا الله، لا نعبد إلا الله، أمر ببناء هذا المسجد، وهدم الكنيسة التي كانت فيه عبد الله الوليد أمير المؤمنين في ذي الحجة سنة سبع وثمانين، وهذا الكلام مكتوب بالذهب في مسجد دمشق إلى وقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة.
** بين الوليد والحجاج **
ووفد الحجاج بن يوسف على الوليد، فوجده في بعض نزهه، فاستقبله، فلما رآه ترجل له، وقبل يده، وجعل يمشي وعليه درع وكنانة وقوس عربية، فقال له الوليد: اركب يا أبا محمد، فقال: دعني يا أمير المؤمنين أستكثر من الجهاد، فإن ابن الزبير وابن الأشعث شغلاني عنك، فعزم عليه الوليد حتى ركب، ودخل الوليد داره، وتفضل في غلالة، ثم أذن للحجاج فدخل عليه في حالة تلك وأطال الجلوس عنده، فبينما هو يحادثه إذ جاءت جارية فسارت الوليد ومضت، ثم عادت فسارته ثم انصرفت، فقال الوليد للحجاج: أتدري ما قالت هذه يا أبا محمد. قال: لا والله، قال: بعثتها إلي ابنة عمي أم البنين بنت عبد العزيز تقول: ما مجالستك لهذا الأعرابي المتسلح في السلاح وأنت في غلالة، فأرسلت إليها إنه الحجاج، فراعها ذلك، وقالت: والله ما أحب أن يخلو بك وقد قتل الخلق، فقال الحجاج: يا أمير المؤمنين، دع عنك مفاكهة النساء بزخرف القول، فإنما المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، فلا تطلعهن على سرك، ولا مكايدة عدوك، ولا تطعهن في غير أنفسهن، ولا تشغلهن بأكثر من زينتهن، وإياك ومشاورتهن في الأمور فإن رأيهن إلى وهن، وعزمهن إلى وهن، وأكفف عليهن من أبصارهن بحجبك، ولا تملك الواحدة منهن من الأمور ما يجاوز نفسها، ولا تطمعها أن تشفع عندك لغيرها، ولا تطل الجلوس معهن والخلوة بهن، فإن ذلك أوفر لعقلك، وأبين لفضلك، ثم نهض الحجاج فخرج.
** بين الحجاج وأم البنين **
ودخل الوليد على أم البنين فأخبرها بمقالة الحجاج، فقالت: يا أمير المؤمنين أحب أن تأمره غدا بالتسليم علي، فقال: أفعل، فلما غدا الحجاج على الوليد قال له: يا أبا محمد، سر إلى أم البنين فسلم عليها، فقال: أعفني من ذلك يا أمير المؤمنين، فقال: لا بد من ذلك، فمضى الحجاج إليها، فحجبته طويلا، ثم أذنت له فأقرته قائما، ولم تأذن له في الجلوس، ثم قالت: إيه يا حجاج، أنت الممتن على أمير المؤمنين بقتل ابن الزبير وابن الأشعث، أما والله لولا أن الله جعلك أهون خلقه ما ابتلاك برمي الكعبة، ولا بقتل ابن ذات النطاقين، وأول مولود ولد في الإسلام، وأما ابن الأشعث فقد والله والى عليك الهزائم، حتى لذت بأمير المؤمنين عبد الملك فأغاثك بأهل الشام وأنت في أضيق من القرن، فأظلتك رماحهم، وأنجاك كفاحهم وطالما نقض نساء أمير المؤمنين المسك من غدائرهن وبعنه في الأسواق في أرزاق البعوث إليك، ولولا ذلك لكنت أذل من النقد، وأما ما أشرت به على أمير المؤمنين من ترك لذاته والامتناع من بلوغ أوطاره من نسائه فإن كن ينفرجن عن مثل ما انفرجت به عنك امك فما أحقه بالأخذ عنك والقبول منك، وإن كن ينفرجن عن مثل أمير المؤمنين فإنه غير قابل منك ولا مصغ إلى نصيحتك، قاتل الله الشاعر وقد نظر إليك وسنان غزالة الحرورية بين كتفيك حيث يقول:
أسد علي وفي الحروب نعامة ... فزعاء تفزع من صفير الصافر
هلا برزت إلى غزالة في الوغى ... بل كان قلبك في جناحي طائر
ثم قالت لجواريها أخرجنه عني، فدخل إلى الوليد في فوره، فقال: له: يا أبا محمد ما كنت فيه. فقال: والله يا أمير المؤمنين ما سكتت حتى كان بطن الأرض أحب إلي من ظاهرها، فضحك الوليد حتى فحص برجله، ثم قال: يا أبا محمد، إنها بنت عبد العزيز.
ولأم البنين هذه أخبار كثيرة في الجود وغيره، وقد أتينا على ذكرها في غير هذا الكتاب.
** موت علي بن الحسين السجاد **
وفي سنة خمس وتسعين قبض علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب في ملك الوليد، ودفن بالمدينة في بقيع الغرقد مع عمه الحسن بن علي، وهو ابن سبع وخمسين سنة، ويقال: إنه قبض سنة أربع وتسعين، وكل عقب الحسين من علي بن الحسين هذا وهو السجاد على ما ذكرنا، وذو الثفنات، وزين العابدين.
** موت عبد الملك بن مروان **
وذكر المدائني قال: دخل الوليد على أبيه عبد الملك عند وفاته، فجعل يبكي عليه وقال: كيف أصبح أمير المؤمنين. فقال عبد الملك:
ومشتغل عنا يريد بنا الردى ... ومستعبرات والعيون سواجم
أشار بالمصراع الأول إلى الوليد، ثم حول وجهه عنه، وأشار بالمصراع الثاني إلى نسائه، وهن المستعبرات.
وذكر العتبي وغيره من الأخباريين أن عبد الملك لما سأله الوليد عن خبره وهو يجود بنفسه أنشأ يقول:
كما عائد رجلاوليس يعوده ... إلا لينظر هل يراه يموت
** وصية عبد الملك عند موته **
وقيل: إن عبد الملك نظر إلى الوليد وهو يبكي عليه عند رأسه فقال: يا هذا، أحنين الحمامة؟ إذا أنا مت فشمر واتزر، والبس جلد نمر، وضع سيفك على عاتقك، فمن أبى ذات نفسه لك فاضرب عنقه، ومن سكت مات بدائه، ثم أقبل عبد الملك يذم الدنيا فقال: إن طويلك لقصير، وإن كثيرك لقليل، وإن كنا منك لفي غرور، ثم أقبل على جميع ولده فقال: أوصيكم بتقوى الله فإنها عصمة باقية، وجنة واقية، فالتقوى خير زاد، وأفضل في المعاد، وهي أحصن كهف، وليعطف الكبير منكم على الصغير، وليعرف الصغير حق الكبير، مع سلامة الصدور، والأخذ بجميل الأمور، وإياكم والبغي والتحاسد، فبهما هلك الملوك الماضون، وذوو العز المكين، يا بني، أخوكم مسلمة نابكم الذي تفترون عنه، ومجنكم الذي تستجنون به، اصدروا عن رأيه، وأكرموا الحجاج، فإنه الذي وطألكم هذا الأمر، وكونوا أولادا أبرارا، وفي الحروب أحرارا، وللمعروف منارا، وعليكم السلام. وسأله بعض شيوخ بني أمية - وقد فرغ من وصية أولاده هذه - قال: كيف تجدك يا أمير المؤمنين؟ قال: كما قال الله عز وجل: " ولقد جئتمونا فراس كما خلقناكم أول مرة، وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم " إلى قوله " وما كنتم تزعمون " فكان هذا أخر كلام سمع منه.
فلما قضى سجاه الوليد، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: لم أر مثلها مصيبة، ولا مثلها نعمة، فقدت الخليفة، وتقلدت الخلافة، فإنا لله وإنا إليه راجعون على المصيبة، والحمد لله رب العالمين على النعمة، ثم دعا الناس إلى بيعته فبايعوا، ولم يتخلف عليه أحد.
** موت عبيد الله بن العباس **
ومات في أيام الوليد عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وذلك في سنة سبع وثمانين، وكان جوادا كريما، وذكر أن سائلا وقف عليه فقال له: تصدق مما رزقك الله ة فإني نبئت أن عبيد الله بن العباس أعطى سائلا ألف درهم واعتذر إليه، فقال: وأين أنا من عبيد الله، قال له: وأين أنت منه في الحسب أم في كثرة المال. قال: فيهما جميعا، قال: إن الحسب في الرجل مروءته وحسن فعله، فإذا فعلت ذلك كنت حسيبا، فأعطاه الذي درهم واعتذر إليه، فقال له السائل: إن لم تكن عبيد الله فأنت خير منه، وإن كنت هو فأنت اليوم خير منك أمس، فأعطاه ألفا أيضا، فقال: لئن كنت عبيد الله إنك لأسمح أهل دهرك، وما إخالك إلا من رهط فيهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسألك بالله أنت هو؟ قال: نعم، قال: والله ما أخطات إلا باعتراض الشك بين جوانحي، وإلا فهذه الصورة الجميلة والهيئة المنيرة لا تكون إلا في نبي أو عترة نبي.
وذكر أن معاوية وصله بخمسمائة ألف درهم، ثم وجه له من يتعرف له خبره، فانصرف إليه فأعلمه أنه قسمها في سماره وإخوانه حصصا بالسوية، وأبقى لنفسه مثل نصيب أحدهم، فقال معاوية: إن ذلك ليسوءني وشمرني، فأما الذي يسرني فإن عبد مناف والده، وأما الذي يسوءني فقرابته من أبي تراب دوني.
قال المسعودي: وقد قدمنا خبر مقتل ابني عبيد الله فيما سلف من هذا الكتاب، وهما عبد الرحمن وقثم، وما رثتهما به أمهما أم حكيم جويرية بنت قارط بن خالد الكنانية.
** عبيد الله بن العباس وبسر بن أرطاة **
وقد كان عبيد الله بن العباس دخل يوما على معاوية وعنده قاتلهما بسر ابن أرطاة العامري، فقال له عبيد الله: أيها الشيخ أنت قاتل الصبيين. قال: نعم، قال: والله لوددت أن الأرض أنبتتنى عندك يومئذ، فقال له بسر : فقد أنبتتك الساعة، فقال عبيد الله: ألا سيف، فقال بسر : هاك سيفي، فلما هوى عبيد الله إلى السيف ليتناوله قبض معاوية ومن حضره على يد عبيد الله قبل أن يقبض على السيف، ثم أقبل معاوية على بسر فقال: أخزاك الله من شيخ! قد كبرت وذهل عقلك، تعمد إلى رجل موتور من بني هاشم فتدفع إليه سيفك، إنك لغافل عن قلوب بني هاشم، والله لوتمكن من السيف لبدأ بنا قبلك، قال عبيد الله: ذلك والله أردت.
وكان علي عليه السلام - حين أتاه خبر قتل بسر لابني عبيد الله قثم وعبد الرحمن - دعا على بسر، فقال: اللهم اسلبه دينه وعقله، فخرف الشيخ حتى ذهل عقله، واشتهر بالسيف فكان لا يفارقه، فجعل له سيف من خشب، وجعل بين يديه زق منفوح يضربه، وكلما تخرق أبدل، فلم يزل يضرب ذلك الزق بذلك السيف، حتى مات ذاهل العقل يلعب بخرئه، وربما كان يتناول منه ثم يقبل على من يراه فيقول: انظروا كيف يطعمني هذان الغلامان ابنا عبيد الله، وكان ربما شدت يداه إلى وراء منعا من ذلك فأنجى ذات يوم في مكانه، ثم أهوى بفيه فتناول منه، فبادروا إلى منعه، فقال: أنتم تمنعونني وعبد الرحمن وقثم يطعمانني، ومات بسر في أيام الوليد بن عبد الملك سنة ست وثمانين.
** موت عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي **
وفيها مات عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، وعتبة مهاجر، وهو أخو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن سمح بن مخزوم بن صبح بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن محركة بن الياس بن مضربن نزار، وكانت الرياسة في الجاهلية في صبح بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل، وكان عبيد الله ولد عبد الله بن عتبة من كبار أهل العلم، وذكر ابن أبي خيثمة قال: سمت ابن الأصبهاني يقول: قال سفيان: قال الزهري: كنت آظن إني نلت من العلم، حتى جالست عبيد الله بن عبد الله فكأنما هو البحر.
** مقتل سعيد بن جبير **
وفي سنة أربع وتسعين قتل الحجاج سعيد بن جبير، فذكر عون بن أبي راشد العبدي قال: لما ظفر الحجاج بسعيد بن جبير وأوصل إليه قال له: ما اسمك. قال: اسمي سعيد بن جبير، قال: بل شقي بن كسير. قال: أبي كان أعلم باسمي منك، قال: لقد شقيت وشقي أبوك، قال له: الغيب إنما يعلمه غيرك، قال: لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى، قال: لو علمت أن ذلك بيدك ما اتخذت إلها غيرك، قال: فما قولك في الخلفاء، قال: لست عليهم بوكيل، قال: فاختر أي قتلة تريد أن أقتلك، قال: بل اختر يا شقي لنفسك، فوالله ما تقتلني اليوم بقتلة إلا قتلتك في الاخر بمثلها، فأمر به الحجاج، فأخرج ليقتل، فلما ولى ضحك، فأمر الحجاج برده، وسأله عن ضحكه، فقال: عجبت من جراءتك على الله وحلم الله عنك، فأمر به فذبح، فلما كب لوجهه قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحد لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الحجاج غير مؤمن بالله ثم قال: اللهم لا تسلط الحجاج على أحد يقتله من بعدي، فذبح واحتز رأسه.
ولم يعش الحجاج بعده إلا خمس عشرة ليلة حتى وقعت في جوف الأكلة فمات من ذلك، ويروى أنه كان يقول بعد قتل سعيد: يا قوم مالي ولسيعد بن جبير، كلما عزمت على النوم أخذ بحلقي.
** بين الوليد وأخيه سليمان **
واشتكى الوليد، فبلغه عن أخيه سليمان ثمن لموته لما له من العهد بعده، فكتب إليه الوليد يعتب عليه الذي بلغه، وكتب في آخر كتابه هذه الأبيات:
تمنى رجال أن أموت، وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأ وحد
لعل الذي يرجو فنائي ويدعي ... به قبل موتي أن يكون هو الردي
فما موت من قد مات قبلي بضائري ... ولاعيش من قدعاش بعدي بمخلدي
فقل للذي يرجو خلاف الذي مضى: ... تزود لأخرى غيرها فكأن قد
منيته تجري لوقت، وحتفه ... سيلحقه يوما على غير موعد
فأجابه سليمان: فهمت ما قال أمير المؤمنين، والله لئن كنت تمنيت ذلك لما يخطر بالبال إني لأول لاحق به ومنعي إلى أهله، فعلام أتمنى زوال مدة لا يلبث متمنيها إلا بقدر ما يحل السفر بمنزل ثم يظعنون عنه. وقد بلغ أمير المؤمنين ما لم يظهر من لفظي، ولا يرى من لحظي، ومتى سمع أمير المؤمنين من أهل النميمة، ومن ليست له روية أوشك أن يسرع في فساد النيات، ويقطع بين ذوي الأرحام والقرابات، وكتب في أسفل الكتاب:
ومن لايغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض مافيه يمت وهو عاتب
ومن يتتبع جاهدا كل عثرة ... يجدها ولم يسلم له الدهر صاحب
فكتب إليه الوليد: ما أحسن ما اعتذرت به، وحذوت عليه، وأنت الصادق في المقال، والكامل في الفعال، وما شيء أشبه بك من اعتذارك، ولا أبعد مما قيل فيك، والسلام: وكان الوليد متحننا على إخوته، مراعيا لسائر ما أوصاه به عبد الملك، وكان كثير الإنشاد لأبيات قالها عبد الملك حين كتب إليه بوصيته منها:
انفوا الضغائن عنكم وعليكم ... عند المغيب وفي حضور المشهد
فصلح ذات البين طول بقائكم ... إن مد في عمري وإن لم يمدد
فلمثل ريب الدهرألف بينكم ... بتواصل وتراحم وتودد
حتى تلين جلودكم وقلوبكم ... بمسود منكم وغير مسود
إن القداح إذا اجتمعن فرامها ... بالكسر ذو حنق وبطش باليد
عزت فلم تكسر، وإن هي بددت ... فالوهن والتكسير للمتبدد
** وصية عبد الملك لأولاده **
وكان عبد الملك مواظبا على حث أولاده على اصطناع المعروف، وبعثهم على مكارم الأخلاق، وقال لهم: يا بني عبد الملك، أحسابكم أحسابكم، صونوها ببذل أموالكم، فما يبالي رجل منكم ما قيل فيه من الهجو بعد قول الأعشى:
تبيتون في المشتى ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا
وما يبالي قوم ما قيل فيهم من المدح بعد قول زهير :
على مكثريهم حق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل
حدث عبد الله بن إسحاق بن سلام، عن محمد بن حبيب، قال: صعد الوليد المنبر فسمع صوت ناقوس فقال: ما هذا؟ قيل: البيعة، فأمر بهدمها، وتولى بعض ذلك بيده، فتتابع الناس يهدمون، فكتب إليه الأخرم ملك الروم: إن هذه البيعة قد أقرها من كان قبلك، فإن يكون أصابوا فقد أخطأت، وإن تكن أصبت فقد أخطأوا، فقال: من يجيبة فقال الفرزدق: أنا، فكتب إليه " وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين، ففهمناها سليمان، وكلا آتينا حكما وعلما.
** موت الحجاج **
ومات الحجاج في سنة خمس وتسعين، وهو ابن أربع وخمسين له بواسط العراق، وكان تأمره على الناس عشرين سنة، وأحصى من قتله صبرا سوى من قتل في عساكره وحروبه فوجد مائة وعشرين ألفا، ومات وفي حبسه خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة، منهن ستة عشر ألف مجردة، وكان يحبس النساء والرجال في موضع واحد، ولم يكن للحبس ستر يستر الناس من الشمس في الصيف ولا من المطر والبرد في الشتاء وكان له غير ذلك من العذاب ما أتينا علي وصفه في الكتاب الأوسط.
وذكر أنه ركب يوما يريد الجمعة، فسمع ضجة، فقال: ما هذا، فقيل له: المحبوسون يضجون ويشكون ما هم فيه من البلاء، فالتفت، ناحيتهم وقال: اخسأوا فيها ولا تكلمون فيقال: إنه مات في تلك الجمعة، ولم يركب بعد تلك الركبة.
قال المسعودي: ووجدت في كتاب عيون البلاغات مما اختبر من كلام الحجاج قوله: ما سلبت نعمة إلا بكفرها، ولا نمت إلا بشكرها. وقد كان الحجاج تزوج إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب - حين أملق عبد الله وافتقر، وقد ذكرنا في كتابنا أخبار الزمان الخبر في ذلك وتهنئة ابن القرية الحاج بذلك.
** موت عبد الله بن جعفر **
وقد كان عبد الله بن جعفر بن أبي طالب من الجود بالموضع المعروف، ولما قل ماله سمع يوم الجمعة في المسجد الجامع وهو يقول: اللهم إنك قد عودتني عادة فعودتها عبادك، فإن قطعتها عني فلا تبقني، فمات في تلك الجمعة، وذلك في أيام عبد الملك بن مروان وصلى عليه أبان بن عثمان بمكة، وقيل: بالمدينة، وهي السنة التي كان بها السيل الجحاف الذي بلغ الركن وذهب بكثير من الحجاج.
وفي هذه السنة كان الطاعون العام بالعراق والشام ومصر والجزيرة والحجاز وهي سنة ثمانين.
وقبض عبد الله بن جعفر وهو ابن سبع وستين، وولد بالحبشة حين هاجر جعفر إلى هنالك، وقيل: إن مولده كان في السنة التي قبض فيها النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل غير ذلك. وذكر المبرد والمدائني والعتبي وغيرهم من الأخباريين أن عبد الله عوتب على كثرة إفضاله، فقال: إن الله تعالى عودني أن يفضل علي، وعودته أن أفضل على عباده، فأكره أن أقطع العادة عنهم فيقطع العادة عني ووفد عبد الله على معاوية، بدمشق، فعلم به عمرو بن العاص قبل دخوله دمشق، أخبره بذلك مولى له كان سار مع ابن جعفر من الحجاز فتقدمه بمرحلتين إلى دمشق، فدخل عمرو على معاوية وعنده جماعة من قريش من بني هاشم وغيرهم: منهم عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب، فقال عمرو: قد أتاكم رجل كثير الخلوات بالتمني، والطرقات بالتغني، آخذ للسلف، منقاد بالسرف، فغضب عبد الله بن الحارث، وقال لعمرو: كذبت وأهل ذلك أنت، ليس عبد الله كما ذكرت، ولكنه لله ذكور، ولبلائه شكور، وعن الخنانفور، ما جد مهذب كريم سيد حليم، إن ابتدأ أصاب، وإن سئل أجاب، غير حصر ولا هياب، ولا فحاش ولا سباب كالهزبر الضرغام، الجريء المقدام، والسيف الصمصام، والحب القمقام، وليس كمن اختصم فيه من قريش شرارها، فغلب علب جزارها، فأصبح ألأمها حسبا، وأدناها منصبا، يلوذ منها بذليل، ويأوى، إلى قليل، وليت شعري بأي حسب تتناول. أو بأي قدم تتعرض. غير أنك تعلو بغبر أركانك، وتتكلم بغير لسانك، ولقد كان أبر في الحكم وأبين في الفضل، أن يكفك ابن أبي سفيان عن ولوعك بأعراض قريش وأن يكعمك كعام الضبع في وجارها، ولست لأعراضها بوفي، لأحسابها بكفي، وقد أتيح لك ضيغم شرس، للأقران مختلس وللأرواح مفترس، فهم عمرو أن يتكلم، فمنعه معاوية من ذلك، وقال عبد الله بن الحارث: لا يبق المرء إلا على نفسه، والله إن لساني لحديد وإن جوابي لعتيد، وإن قولي لسديد، وإن أنصاري لشهود، فقام معاوية وتفرق القوم.
ولعبد الله بن جعفر بن أبي طالب أخبار حسان في الجود والكرم وغير ذلك من المناقب، وقد أتينا على مبسوط ذلك في كتابينا أخبار الزمان والأوسط، وإنما كان تزوج الحجاج إليه يبتذل بذلك آل أبي طالب.
** كتاب من عبد الملك إلى الحجاج لم يفهمه **
وكتب الحجاج إلى عبد الملك يغلظ له أمر الخوارج مع قطري، فكتب إليه: أما بعد، فإني أحمد إليك السيف، وأوصيك بما أوصى به البكري زيدا، فلم يفهم الحجاج ما عناه عبد الملك، وقال: من جاء بتفسير ما أوصى به البكري زيدا فله عشرة آلاف درهم، فورد رجل من الحجاز يتظلم من بعض عماله، فقيل له: أتعلم ما أوصى به البكري زيدا، قال: نعم، قالوا: فأت الحجاج به ولك عشرة آلاف درهم، فأتاه فأحضره، فقال: أوصاه بأن قال:
أقول لزيد لا تبربر فإنهم ... يرون المنايا دون قتلك أوقتلي
فإن وضعوا حربا فضعها، وإن أبوا ... فشب وقود الحرب بالحطب الجزل
وإن عضت الحرب الضروس بنابها ... فعرضة حد السيف مثلك أو مثلي
فقال الحجاج: صدق أمير المؤمنين وصدق البكري.
** كتاب من الحجاج إلى المهلب **
وكتب إلى المهلب: إن أمير المؤمنين أوصاني بما أوصى به البكري زيدا، وأنا أوصيك به وبما أوصى به الحارث بن كعب بنيه، فأتى المهلب بوصيته فإذا فيها: يا بني، كونوا جميعا ولا تكونوا شتى فتفرقوا، وبروا قبل أن تبروا، فموت في قوة وعز، خير من حياة في ذل وعجز، فقال المهلب: صدق البكري والحارث بن كعب.
وكتب عبد الملك إلى الحجاج: جنبني دماء آل أبي طالب، فإني رأيت الملك استوحش من آل حرب حين سفكوا دماءهم، فكان الحجاج يتجنبها خوفا من زوال الملك عنهم، لا خوفا من الخالق عز وجل.
** ليلى الأخيلية والحجاج **
ودخلت ليلى الأخيلية على الحجاج فقالت: أصلح الله الأمير، أتيت لإخلاف النجوم، وقلة الغيوم، وكلب البرد، وشدة الجهد، قال: فأخبريني عن الأرض، قالت: الأرض مقشعرة، والفجاج مغبرة، والمقتر مقل، وذو العيال مختل، والبائس معتل، والناس مسنتون، رحمة الله يرجون، قال: أي النساء تختارين تنزلين عندها؟ قالت: سمهن لي، قال: عندي هند بنت المهلب، وهند بنت أسماء بن خارجة، فاختارتها فدخلت عليها، فصبت حليها عليها حتى أثقلها، لاختيارها إياها ودخولها عليها دون من سواها.
** ابن عمر للحجاج يطلب منه أن يوليه فيمتحنه فيوليه فينجح **
حدثنا المنقري قال: حدثنا العتبي، عن أبيه، قال: قدم على الحجاج ابن عم له أعرابي من البادية فنظر إليه يولي الناس، فقال له: أيها الأمير، لم لا توليني بعض هذا الحضر. - فقال الحجاج: هؤلاء يكتبون ويحسبون وأنت لا تحسب ولا تكتب، فغضب الأعرابي وقال: بلى إني والله لأحسب منهم حسبا، وأكتب منهم يدا، فقال له الحجاج: فإن كان تزعم فاقسم ثلاثة دراهم بين أربعة أنفس، فما زال يقول: ثلاثة دراهم بين أربعة، ثلاثة بين أربعة، لكل واحد منهم درهم يبقى الرابع بلا شيء، كم هم أيها الأمير. قال: هم أربعة، قال: نعم أيها الأمير، قد وقفت على الحساب، لكل واحد منهم درهم، وأنا أعطي الرابع منهم درهما من عندي وضرب بيده إلى تكته فاستخرج منها درهما، وقال: أيكم الرابع فلاها الله ما رأيت كاليوم زورا مثل حساب هؤلاء الحضريين، فضحك الحجاج ومن معه، وذهب بهم الضحك كل مذهب، ثم قال الحجاج: إن أهل إصبهان كسروا خراجهم ثلاث سنين، كلما أتاهم وال أعجزوه، فلأرمينهم ببدوية هذا وعنجهيته، فأخلق به أن ينجب، فكتب له عهده على أصبهان، فلما خرج استقبله أهل إصبهان واستبشروا به، وأقبلوا عليه يقبلون يده ورجله، وقد استغمروه، وقالوا: أعرابي بدوي ماذا يكون منه فلما أكثروا عليه قال: أعينوا على أنفسكم وتقبيلكم أطرافي وأخروا عني هذه الهيآت، أما يشغلكم ما أخرجني له الأمير. فلما استقر في داره بأصبهان جمع أهلها فقال لهم: ما لكم تعصون ربكم وتغضبون أميركم وتنقصون خراجكم. فقال قائلهم: جور من كان قبلك، وظلم من ظلم، قال: فما الأمر الذي فيه صلاحكم، فقالوا: تؤخرنا بالخراج ثمانية أشهر ونجمعه لك، قال: لكم عشرة وتأتوني بعشرة ضمناء يضمنون، فأتوه بهم، فلما توثق منهم أمهلهم، فلما قرب الوقت رآهم غير مكترثين لما يدنو من الأجل، فقال لهم، فلم ينتفع بقوله، فلما طال به ذلك جمع الضمناء وقال لهم: المال، فقالوا: أصابنا من الآفة ما نقض ذلك، فلما رأى ذلك منهم آلى أن لا يفطر - وكان في شهر رمضان - حتى يجمع ماله أو يضرب أعناقهم، ثم قدم أحدهم فضرب عنقه، وكتب عليه فلان بن فلان أدى ما عليه، وجعل رأسه في بدرة وختم عليها، ثم قدم الثاني ففعل به مثل ذلك، فلما رأى القوم الرؤوس تبذر وتجعل في الأكياس بدلا من البدر قالوا: أيها الأمير، توقف علينا حتى نحضر لك المال ففعل، فأحضروه في أسرع وقت، فبلغ ذلك الحجاج، فقال: إنا معاشر آل محمد - يعنى جده - ولدنا نجيب، فكيف رأيتم فراستي في الأعرابي. ولم يزل عليها واليا حتى مات الحجاج.
** إبراهيم التميمي في سجن الحجاج: **
وحبس الحجاج إبراهيم التميمي بواسط، فلما دخل السجن وقف على مكان مشرف ونادى بأعلى صوته: يا أهل بلاء الله في عافيته، ويا أهل عافية الله في بلائه، أصبروا، فنادوه جميعا. لبيك، لبيك، ومات في حبس الحجاج، وإنما كان الحجاج طلب إبراهيم النخعي فنجا، ووقع إبراهيم التميمي.
وحكي عن الأعمش قال: قلت لإبراهيم النخعي: أين كنت حين طلبك الحجاج. فقال: بحيث يقول الشاعر:
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذا عوى ... وصوت إنسان فكذبت أطير
** الحجاج يسأل ابن القرية عن النساء **
حدثنا الدمشقي الأموي أحمد بن سعيد وغيره، عن الزبير بن بكار،عن محمد بن سلام الحجمي الجمحي، وحدثنا الفضل بن الحباب الجمحى عن محمد بن سلام قال: سأل الحجاج ابن القرية: أي النساء أحمد، قال: التي في بطنها غلام، وفي حجرها غلام، ويسعى لها مع الغلمان غلام، قال: فأي النساء شر. قال: الشديدة الأذى الكثيرة الشكوى، المخالفة لما تهوى، فقال: أي النساء أعجب إليك. قال: الشفاء العطبول، المنعاج الكسول، التي لم يشنها قصر ولا طول، قال: فأي النساء أبغض إليك. قال: الرعينة القصيرة، الباهق الشريرة، قال: فأخبرني عن أفضل النساء مخبرا وأطيبهن أعطافا، قال: أفضل النساء الغضة البضة، التي أعلاها قضيب، وأسفلها كثيب، اللعساء الورهاء، التي لم تذهب طولا في إنحطاط، ولم تلصق قصرا في إفراط، الجعدة الغدائر، السبطة الضفائر، الضخمة المآكم، الطفلة البراجم، إذا رأيت أناملها شبهتها بالمداري، وإذا قامت خلتها سارية من السواري، فتلك تهيج المشتاق، وتحيي العاشق بالعناق.
قال المسعودي: وللوليد بن عبد الملك أخبار حسان لما كان في أيامه من الكوائن والحروب، وكذلك الحجاج، وقد أتينا على كثير من مبسوطها في كتابينا أخبار الزمان والأوسط، وإنما نذكر في هذا الكتاب ما لم نورده في ذينك الكتابين، كما أن ما ذكرناه في الكتاب الأوسط هو ما لم نورده في كتاب أخبار الزمان والله أعلم.