John Shaqi

Islam · Chronicles · Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar

ذكر أيام يزيد وإبراهيم ابني الوليد ابن عبد الملك بن مروان

Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar · Al-Mas'udi (d. 956) · chapter 74 of 107

ولي يزيد بن الوليد بدمشق ليلة الجمعة لسبع بقين من جمادي الآخرة، فبايعه الناس بعد قتل الوليد بن يزيد، وتوفي يزيد بن الوليد بدمشق يوم الأحد هلال ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة، فكانت ولايته من مقتل الوليد بن يزيد إلى أن مات خمسة أشهر وليلتين، وقد كان إبراهيم بن الوليد أخوه قام بالأمر من بعده، فبايعه الناس بدمشق أربعة أشهر، وقيل: شهرين، ثم خلع، وكانت أيامه عجيبة الشأن من كثرة الهرج والاختلاط، واختلاف الكلمة، وسقوط الهيبة، وفيه يقول بعض أهل ذلك العصر:

نبايع إبراهيم في كل جمعة ... إلا إن أمرا أنت وإليه ضائع

ودفن يزيد بن الوليد بدمشق بين باب الجابية وباب الصغير، وهو ابن سبع وثلاثين سنة، ويقال: ابن ست وأربعين سنة على الخلاف في ذلك.

** ذكرلمع مما كان في أيامهما **

** وصف يزيد الناقص **

كان يزيد بن الوليد أحول، وكان يلقب بيزيد الناقص، ولم يكن ناقصا في جسمه ولا عقله، وإنما نقص بعض الجند من أرزاقهم، فقالوا: يزيد الناقص، وكان يذهب إلى قول المعتزلة وما يذهبون إليه في الأصول الخمسة: من التوحيد، والعدل، والوعيد، والأسماء والأحكام وهو القول بالمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

** قول المعتزلة في التوحيد **

وتفسير قولهم فيما ذهبوا إليه من الباب الأول وهو باب التوحيد وهو ما اجتمعت عليه المعتزلة من البصريين والبغداديين وغيرهم، وإن كانوا في غير ذلك من فروعهم متباينين، من أن الله عز وجل لا كالأشياء وأنه ليس بجسم ولاعرض ولاعنصر ولاجزء ولاجوهر، بل هو الخالق للجسم والعرض والعنصر والجزء والجوهر، وأن شيئا من الحواس لا يدركه في الدنيا، ولا في الآخرة، وأنه لا يحصره المكان، ولا تحويه الأقطار، بل هو الذي لم يزل ولا له زمان ولا مكان ولا نهاية ولا حد، وأنه الخالق للأشياء المبدع لها لا من شيء، وأنه القديم، وأن ما سواه محدث.

** قولهم في العدل **

وأما القول بالعدل وهو الأصل الثاني فهو أن الله لا يحب الفساد، ولا يخلق أفعال العباد، بل يفعلون ما أمروا به ونهوا عنه بالقدرة التي جعلها الله لهم وركبها فيهم، وأنه لم يأمر إلا بما أراد، ولم ينه إلا عما كره، وأنه ولي كل حسنة أمر بها، بريء من كل سيئة نهى عنها، لم يكلفهم مالا يطيقونه، ولا أراد منهم مالا يقدرون عليه، وأن أحدا لا يقدر على قبض ولا بسط إلا بقدرة الله التي أعطاهم إياها. وهو المالك لها دونهم يفنيها إذا شاء، ويبقيها إذا شاء، ولو شاء لجبر الخلق على طاعته، ومنعهم اضطراريا عن معصيته، ولكان على ذلك قادرا، غير أنه لا يفعل، إذ كان في ذلك رفع للمحنة، وإزالة البلوى.

** قولهم في الوعيد **

أما القول بالوعيد وهو الأصل الثالث فهو أن الله لا يغفر لمرتكب الكبائر إلا بالتوبة، وإنه لصادق في وعده ووعيده، لا مبدل لكلماته.

** قولهم في المنزلة بين المنزلتين **

وأما القول بالمنزلة بين المنزلتين وهو الأصل الرابع فهو أن الفاسق المرتكب للكبائر ليس بمؤمن ولا كافر، بل يسمى فاسقا، على حسب ما ورد التوقيف بتسميته، وأجمع أهل الصلاة على فسوقه.

قال المسعودي: وبهذا الباب سميت المعتزلة، وهو الاعتزال، وهو الموصوف بالأسماء والأحكام، مع ما تقدم من الوعيد في الفاسق من الخلود في النار.

** قولهم في الأمر بالمعروف **

وأما القول بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو الأصل الخامس فهو أن ما ذكر على سائر المؤمنين واجب، على حسب استطاعتهم في ذلك، بالسيف فما دونه، وإن كان كالجهاد، ولا فرق بين مجاهدة الكافر والفاسق.

فهذا ما اجتمعت عليه المعتزلة، ومن أعتقد ما ذكرنا من هذه الأصول الخمسة كان معتزليا، فإن اعتقد الأكثر أو الأقل لم يستحق اسم الاعتزال، فلا يستحقه إلا باعتقاد هذه الأصول الخمسة، وقد تنوزع فيما عدا ذلك من فروعهم.

** الاختلاف في الإمامة **

وقد أتينا على سائر قولهم في أصولهم وفروعهم وأقاويلهم وأقاويل غيرهم من فرق الأمة من الخوارج والمرجئة والرافضة والزيدية والحشوية وغيرهم في كتابنا المقالات في أصول الديانات وأفردنا بذلك كتابنا المترجم بكتاب الإبانة اجتبيناه لأنفسنا، وذكرنا فيه الفرق بين المعتزلة وأهل الإمامة، ومابان به كل فريق منهم عن الآخرة إذ كانت المعتزلة وغيرها من الطوائف تذهب إلى أن الإمامة اختيار من الأمة، وذلك أن الله عز وجل لم ينص على رجل بعينه ولا رسوله صلى الله عليه وسلم و لا اجتمع المسلمون عندهم على رجل بعينه، وأن اختيار ذلك مفوض إلى الأمة تختار رجلا منها ينفذ فيها أحكامه، سواء كان قرشيا أو غيره من أهل ملة الإسلام وأهل العدالة والإيمان، ولم يراعوا في ذلك النسب ولا غيره، وواجب على أهل كل عصر أن يفعلوا ذلك.

والذي ذهب إلى أن الإمامة قد تجوز في قريش وغيرهم من الناس هو المعتزلة بأسرها، وجماعة من الزيدية مثل الحسن بن صالح بن يحيى، ومن قال بقوله، على حسب ما قدمنا من ذكرهم فيما سلف من هذا الكتاب في أخبار هشام. ويوافق على هذا القول جميع الخوارج من الأباضية وغيرهم، إلا النجدات من فرق الخوارج، فزعموا أن الإمامة غير واجب نصبها، ووافقهم على هذا القول أناس من المعتزلة ممن تقدم وتأخر، إلا أنهم قالوا: إن عدلت الأمة ولم يكن فيها فاسق لم يحتج إلى إمام.

وذهب من قال بهذا القول إلى دلائل ذكروها منها قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو أن سالما حي دخلتني فيه الظنون، وذلك حين فوض الأمر إلى أهل الشورى، قالوا: وسالم مولى أمرأة من الأنصار، فلو لم يعلم عمر أن الإمامة جائزة في سائر المؤمنين لم يطلق هذا القول، ولم يتأسف على موت سالم مولى أبي حذيفة.

قالوا: وقد صح بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار كثيرة، منها قوله " اسمعوا واطيعوا ولو لعبد أجدع " وقد قال الله عز وجل: " إن أكرمكم عند الله أتقاكم " .

وذهب أبو حنيفة، وأكثر المرجئة، وأكثر الزيدية من الجارودية وغيرها، وسائر فرق الشيعة والرافضة والراوندية، إلى أن الإمامة لا تجوز إلا في قريش فقط، لقول النبي صلى الله عليه وسلم " الإمامة في قريش " وقوله عليه السلام: " قدموا قريشا ولا تقدموها " ولما احتج المهاجرون به على الأنصاو يوم ثقيفة بني ساعدة من أن الإمامة في قريش لأنهم إذا ولوا عدلوا، ولرجوع كثير من الأنصار إلى ذلك.

ولما انفرد به أهل الإمامة من أن الإمامة لا تكون إلا نصا من الله ورسوله على عين الإمام واسمه واشتهاره كذلك، وفي سائر الأعصار لا تخلو الناس من حجة لله فيهم ظاهرا أو باطنا، على حسب استعمالة التقية والخوف على نفسه، واستدلوا بالنص على الإمامة، وبدلائل كثيرة من العقول وجوامع من النصوص في وجوبها، وفي النص عليهم، وفي عصمتهم، من ذلك قوله عز وجل مخبرا عن إبراهيم: " إني جاعلك للناس إماما " ومسالة إبراهيم بقوله: " ومن ذريتي " و إجابة الله له بأنه " لا ينال عهدي الظالمين " .

قالوا: ففيما تلونا دلائل على أن الإمامة نص من الله، ولو كان نصها إلى الناس ما كان لمسألة إبراهيم ربه وجه، ولما كان اللة قد أعلمه أنه اختاره، وقوله " لا ينال عهدى الظالمين " دلالة على أن عهده يناله من ليس بظالم.

ووصف هؤلاء الإمام فقالوا: نعت الإمام في نفسه: أن يكون معصوما من الذنوب، لأنه إن لم يكن معصوما لم يؤمن أن يدخل فيما يدخل فيه غيره من الذنوب، فيحتاج أن يقام عليه الحد، كما يقيمه هو على غيره، فيحتاج الإمام إلى إمام، إلى غير نهاية، ولم يؤمن عليه أيضا أن يكون في الباطن فاسقا فاجرا كافرا، وأن يكون أعلم الخليقة، لأنه إن لم يكن عالما لم يؤمن عليه أن يقلب شرائع الله وأحكامه، فيقطع من يجب عليه الحد، ويحد من يجب عليه القطع، ويضع الأحكام في غير المواضع التي وضعها الله، وأن يكون أشجع الخلق، لأنهم يرجعون إليه في الحرب، فإن جبن وهرب يكون قد باء بغضب من الله، وأن يكون أسخى الخلق، لأنه خازن المسلمين وأمينهم، فإن لم يكن سخيا تاقت نفسه إلى أموالهم، وشرهت إلى ما في أيديهم، وفي ذلك الوعيد الشديد بالنار، وذكروا خصالا كثيرة ينال بها أعلى درجات الفضل لا يشاركه فيما أحد، وأن ذلك كله وجد في علي بن أبي طالب وولده رضي الله عنهم من السبق إلى الإيمان، والهجرة، والقرابة، والحكم بالعدل، والجهاد في سبيل الله، والورع، والزهد، وأن الله قد أخبر عن بواطنهم وموافقتها لظواهرهم بقوله عز وجل، ووصفه لهم فيما صنعوه من الإطعام للمسكين واليتيم والأسير، وأن ذلك لوجهه تعالى خالصا، لا أنهم أبدوه بألسنتهم فقط وأخبر عن أمرهم في المنقلب، وحسن الموئل في المحشر، ثم إخباره عز وجل عما أذهب عنهم من الرجس، وفعل بهم من التطهير، وغير ذلك مما أوردوه دلائل لما قالوه، وأن عليا نص على ابنه الحسن، ثم الحسين، والحسين على علي بن الحسين، وكذلك من بعده إلى صاحب الوقت الثاني عشر، على حسب ما ذكرنا وسمينا في غير هذا الموضع من هذا الكتاب.

ولأهل الإمامة من فرق الشيعة في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - كلام كثير في الغيبة واستعمال التقية، وما يذكرونه من أبواب الأئمة والأوصياء، لا يسعنا إيراده في هذا الكتاب، إذ كان كتاب خبر، وإنما تغلغل بنا الكلام إلى إيراد لمع من هذه المذاهب والآراء. وكذلك ما عليه غير أهل الإمامة من أصحاب الدور والسيرورة، وما يراعونه من الظهور، وقد أتينا على جميع ذلك فيما سلف من كتبنا، وما وصفنا فيها من الأقاويل في الظاهر والباطن والسائر والدائر والوافر، وغير ذلك من أمورهم وأسرارهم.

قال المسعودي: وكان خروج يزيد بن الوليد بدمشق مع شائعة من المعتزلة وغيرهم من أهل داريا والمزة من غوطة دمشق على الوليد بن يزيد، لما ظهرمن فسقه، وشمل الناس من جوره، فكان من خبرمقتل الوليد ما قد ذكرناه فيما سلف من كتبنا مفصلا، وذكرناه في هذا الكتاب مجملا.

** أم يزيد أم ولد **

وكان يزيد بن الوليد أول من ولي هذا الأمر وأمه أم ولد، وكانت أمه سارية بنت فيروز بن كسرى، وهو الذي يقول في ذلك: أنا ابن كبسرى، وأبي مروان وقيصر جدي، وجدي خاقان.

وكان يكنى بأبي خالد، وأم أخيه إبراهيم أم ولد تدعى بدبرة، والمعتزلة تفضل في الديانة يزيد بن الوليد على عمر بن عبد العزيز، لما ذكرناه من الديانة.

** ظهور مروان بن محمد الحمار **

وفي سنة سبع وعشرين ومائة أقبل مروان بن محمد بن مروان من الجزيرة فدخل دمشق، وخرج إبراهيم بن الوليد هاربا من دمشق، ثم ظفر به مروان فقتله وصلبه، وقتل من مالأه ووالاه، وقتل عبد العزيز بن الحجاج، ويزيد بن خالد القسري، وبدأ أمر بني أمية يؤول إلى ضعف. وذكر اليحصبي عن الخليل بن إبراهيم السبيعي، قال: سمعت ابن الجمحي يقول: قال لي العلاء ابن بنت ذي الكلاع: إنه كان مؤانسا لسليمان بن عبد الملك لا يكاد يفارقه، وكان أمر المسودة بخراسان، والمشرق قد بان، ودنا من الجبل، وقرب من العراق، واشتد إرجاف الناس، ونطق العدو بما أحب في بني أمية وأوليائهم، قال العلاء: فإني لمع سليمان وهو يشرب حذاء رصافة أبيه، وذلك في آخر أيام يزيد الناقص، وعنده حكم الوادي، وهو يغنيه بشعر فبعرجي :

إن الحبيب تروحت أحماله ... اصلا، فدمعك دائم إسباله

آقن الحياء فقد بكيت لعولة ... لوكان ينفع باكيا إعواله

يا حبذا تلك الحمول، وحبذا ... شخص هناك، وحبذا أمثاله

فأجاد بما شاء، فشرب سليمان بالرطل، وشربنا معه، حتى توسدنا أيدينا، فلم أنتبه إلا بتحريك سليمان إياي، فقمت إليه مسرعا، فقلت له: ما شأن الأمير. فقال لي: على رسلك، رأيت كإني في مسجد دمشق، وكأن رجلا في يده خنجر وعليه تاج أرى بصيص ما فيه من جوهر، وهو رافع صوته بهذه الأبيات:

أبني أمية قد دنا تشتيتكم ... وذهاب ملككم وأن لا يرجع

وينال صفوته عدو ظالم ... للمحسنين إليه ثمة يفجع

بعد الممات بكل ذكرصالح ... ياويله من قبح ماقديصنع

فقلت: بل لا يكون ذلك، وعجبت من حفظه، ولم يكن من أصحاب ذلك، فوجم ساعة ثم قال: يا حميري، بعيد ما يأتي به الزمان قريب، قال: فما اجتمعنا على شراب بعد ذلك.

ودخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وكان من أمر المسودة ومروان بن محمد الجعدي ما كان.

** سبب زوال ملك الأمويين **

وذكر المنقري قال: سئل بعض شيوخ بني أمية ومحصليها عقيب زوال الملك عنهم إلى بني العباس: ما - كان سبب زوال ملككم، قال: إنا شغلنا بلذاتنا عن تفقد ما كان تفقده يلزمنا فظلمنا رعيتنا، فيئسوا من إنصافنا، وتمنوا الراحة منا، وتحومل على أهل خراجنا، فتخلوا عنا، وخربت ضياعنا، فخلت بيوت أموالنا، ووثقنا بوزرائنا، فاثروا مرافقهم على منافعنا، وأمضوا أمورا دوننا أخفوا علمها عنا، وتأخر عطاء جندنا، فزالت طاعتهم لنا، واستدعاهم أعادينا، فتظافروا معهم على حربنا، وطلبنا أعداؤنا فعجزنا عنهم لقلة أنصارنا، وكان استتار الأخبار عنا من أوكد أسباب زوال ملكنا.

** ذكر السبب في العصبية بين النزارية واليمانية **

** الكميت يعرض شعره على الفرزدق **

ذكر أبو الحسن علي بن محمد بن سليمان النوفلي، قال: حدثني أبي قال: لما قال الكميت بن زيد الأسدي - من أسد مضر بن نزار - الهاشميات قدم البصرة ة فأتى الفرزدق فقال: يا أبا فراس، أنا ابن أخيك، قال: ومن أنت. فانتسب له. فقال: صدقت فما حاجتك. قال: نفث على لساني، وأنت شيخ مضر وشاعرها، وأحببت أن أعرض عليك ما قلت، فإن كان حسنا أمرتني بإذاعته، وإن كان غير ذلك أمرتني بستره وسترته علي، فقال: يا ابن أخي، أحسب شعرك على قدر عقلك، فهات ما قلت راشدا، فأنشده:

طربت وما شوقا إلى البيض أطرب ... ولالعبا مني، وذو الشيب يلعب

قال: بلى فالعب، فقال:

ولم يلهني دار، ولا رسم منزل ... ولم يتطربني بنان مخصب

قال: فما يطربك إذا. قال:

وما أنا ممن يزجر الطيرهمه ... أصاح غراب أو تعرض ثعلب

قال: فما أنت ويحك، وإلى من تسمو، فقال:

وما السانحات البارحات عشية ... أمر سليم القرن أم مر أعضب

قال: أما هذا فقد أحسنت فيه، فقال:

ولكن إلى أهل الفضائل والنهى ... وخير بني حواء، والخير، يطلب

قال: ومن هم ويحك. قال:

إلى النفر البيض الذين بحبهم ... إلى الله فيما نابني أتقرب

قال: أرحني ويحك من هؤلاء، قال:

بني هاشم رهط النبي، فإنني ... بهم ولهم أرضى مرارا وأغضب

قال: لله درك يا بني، أصبت فأحسنت، إذ عدلت عن الزعانف والأوباش، إذا لا يصرد سهمك، ولا يكذب قولك، ثم مر فيها، فقال: أظهر ثم أظهر وكد الأعداء، فأنت والله أشعر من مضى وأشعر عن بقي.

** الكميت يعرض شعره على أبي جعفر محمد بن علي **

فحينئذ قدم المدينة، فأتى أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم، فأذن له ليلا وأنشده، فلما بلغ من الميمية قوله:

وقتيل بالطف غودر منهم ... بين غوغاء أمة وطغام

بكى أبو جعفر، ثم قال: يا كميت، لو كان عندنا مال لأعطيناك، ولكن لك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لحسان بن ثابت: لا زلت مؤيدا بروح القدس ما ذبيت عنا أهل البيت، فخرج من عنده.

** ثم يعرضه على عبد الله بن الحسن **

فأتى عبد الله بن الحسن بن علي، فأنشده، فقال: يا أبا المستهل، إن لي ضيعة قد أعطيت فيها أربعة آلاف دينار، وهذا كتابها، وقد أشهدت لك بذلك شهودا، وناوله إياه فقال. بأبي أنت وأمي، إني كنت أقول الشعر في غيركم أريد بذلك الدنيا والمال، ولا والله ما قلت فيكم شيئا إلا لله، وما كنت لاخذ على شىء جعلته لله مالا ولا ثمنا، فألح عبد الله عليه، وأبى من إعفائه، فأخذ الكميت الكتاب ومضى، فمكث أياما، ثم جاء إلى عبد الله فقال: بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله إن لي حاجة، قال: وما هي، وكل حاجة لك مقضية، قال: كائنة ما كانت، قال: نعم، قال: هذا الكتاب تقبله وترتجع الضيعة، ووضع الكتاب بين يديه،فقبله عبد الله.

** عبد الله بن جعفر يثيب الكميت **

ونهض عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فأخذ ثوبا جلدا فدفعه إلى أربعة من غلمانه، ثم جعل يدخل دور بني هاشم، ويقول: يا بني هاشم، هذا الكميت قال فيكم الشعر حين صمت الناس عن فضلكم، وعرض دمه لبني أمية، فأثيبوه بما قدرتم، فيطرح الرجل في الثوب ما قدر عليه من دنانير ودراهم، وأعلم النساء بذلك، فكانت المرأة تبعث ما أمكنها، حتى إنها لتخلع الحلي عن جسدها، فاجتمع من الدنانير والدراهم ما قيمته مائة آلف درهم، فجاء بها إلى الكميت، فقال: يا أبا المستهل، أتيناك بجهد المقل، ونحن في دولة عدونا، وقد جمعنا لك هذا المال وفيه حلى النساء كما ترى، فاستعن به على دهرك، فقال: بأبي أنت وآمي، قد أكثرتم وأطيبتم، وما أردت بمدحي إياكم إلا الله ورسوله، ولم أك لآخذ لذلك ثمنا من الدنيا، فاردده إلى أهله، فجهد به عبد الله أن يقبله بكل حيلة، فأبى، فقال: إن أبيت آن تقبل فإني رأيت أن تقول شيئا تغضب به بين الناس، لعل فتنة تحدث فيخرج من بين أصابعها بعض ما تحب، فابتدأ الكميت وقال قصيدته التي يذكر فيها مناقب قومه من مضر بن نزار بن معد وربيعة بن نزار وإياد وأنمار ابني نزار، ويكثر فيها من تفضيلهم، ويطنب في وصفهم، وأنهم أفضل من قحطان، فغضب بها بين اليمانية والنزارية فيما ذكرناه وهي قصيدته التي أولها:

ألا حييت عنا يا مدينا ... وهل ناس نقول مسلمينا

إلى أن انتهى إلى قوله تصريحا وتعريضا باليمن فيما كان من أمر الحبشة وغيرهم فيها، وهو قوله:

لنا قمر السماء وكل نجم ... تشير إليه أيدي المهتدين

وجدت الله إذ سمى نزارا ... وأسكنهم بمكة قاطنينا

لنا جعل المكارم خالصات ... وللناس القفا ولنا الجبينا

وما ضربت هجائن من نزار ... فوالج من فحول الأعجمينا

وماحملوا الحمير على عتاق ... مطهرة فيلفوا مبلغينا

وما وجدت نساء بني نزار ... حلائل أسودين وأحمرينا

** دعبل الخزاعي يرد على الكميت **

وقد نقض دعبل بن علي الخزاعي هذه القصيدة على الكميت وغيرها، وذكر مناقب اليمن وفضائلها من ملوكها وغيرها، وصرح وعرض بغيرهم، كما فعل الكميت، وذلك في قصيدته التي أولها:

أفيقي من ملامك يا معينا ... كفاك اللوم مر الأربعينا

ألم تحزنك آحداث الليالي ... يشيبن الذوائب والقرونا

أحيى الغر من سروات قومي ... لقد حييت عنا يا مدينا؟؟؟

فإن يك آل إسرائيل منكم ... وكنتم بالأعاجم فاخرينا

فلا تنس الخنازير اللواتي ... مسخن مع القرود الخاسئينا

بأيلة والخليج لهم رسوم ... " وآثار قدمن وما محينا

وما طلب الكميت طلاب وتر ... ولكنا لنصرتنا هجينا

لقد علمت نزار أن قومي ... إلى نصر النبوة فاخرينا

** كانت العصبية من دواعي زوال ملك بني أمية **

وهي طويلة. ونمى قول الكميت في النزارية واليمإنية، وافتخرت نزار على اليمن، وافتخرت اليمن على نزار، وأدلى كل فريق بماله من المناقب، وتحزبت الناس، وثارت العصبية في البدو والحضر فنتج بذلك أمر مروان بن محمد الجعدي، وتعصبه لقومه من نزار على اليمن، وانحراف اليمن عنه إلى الدعوة العباسية، وتغلغل الأمر إلى انتقال الدولة عن بني أمية، ثم ما تلا ذلك من قصة معن بن زائدة باليمن، وقتله أهلها تعصبا لقومه من ربيعة وغيرها من نزار، وقطعه الحلف الذي كان بين اليمن وربيعة في القدم، وفعل عقبة بن سالم بعمان والبحرين، وقتله عبد القيس وغيرهم من ربيعة وسائر نزار ممن بأرض البحرين وعمان كيادا لمعن، وتعصبا من عقبة بن سالم لقومه من قحطان، وغير ذلك مما تقدم وتأخرمما كان بين نزار وقحطان.

Source. Muruj al-Dhahab wa-Ma'adin al-Jawhar (مروج الذهب ومعادن الجوهر), Al-Mas'udi (d. 956) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0346Mascudi.MurujDhahab.JK010344-ara1.completed (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com