Islam · Chronicles · Al-Sira al-Nabawiyya
ذكر المهاجرين إلى المدينة
Al-Sira al-Nabawiyya · Ibn Ishaq (d. 767), recension of Ibn Hisham (d. 833) · chapter 111 of 264
** (هجرة أبي سلمة وزوجه، وحديثها عما لقيا) : **
فكان أول من هاجر إلى المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين من قريش، من بني مخزوم: أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، واسمه: عبد الله، هاجر إلى المدينة قبل بيعة أصحاب العقبة بسنة، وكان قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة من أرض الحبشة، فلما آذته قريش وبلغه إسلام من أسلم من الأنصار، خرج إلى المدينة مهاجرا.
قال ابن إسحاق: فحدثني أبي إسحاق بن يسار، عن سلمة بن عبد الله بن عمر ابن أبي سلمة، عن جدته أم سلمة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت:
لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل لي بعيره ثم حملني عليه، وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثم خرج بي يقود بي بعيره، فلما رأته رجال بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قاموا إليه، فقالوا هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتك هذه؟ علام نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت: فنزعوا خطام البعير من يده، فأخذوني منه. قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد، رهط أبي سلمة، فقالوا: لا والله، لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا.
قالت: فتجاذبوا بني سلمة بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة. قالت: ففرق بيني وبين زوجي وبين ابني. قالت: فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح، فما أزال أبكي، حتى أمسى سنة أو قريبا منها حتى مر بي رجل من بني عمي، أحد بني المغيرة، فرأى ما بي فرحمني فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة، فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها! قالت: فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت. قالت: ورد بنو عبد الأسد إلي عند ذلك ابني. قالت: فارتحلت بعيري ثم أخذت ابني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة. قالت: وما معي أحد من خلق الله. قالت: فقلت: أتبلغ بمن لقيت حتى أقدم علي زوجي، حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، أخا بني عبد الدار فقال لي: إلى أين يا بنت أبي أمية؟ قالت: فقلت: أريد زوجي بالمدينة. قال:
أوما معك أحد؟ قالت: فقلت: لا والله، إلا الله وبني هذا. قال: والله ما لك من مترك، فأخذ بخطام البعير، فانطلق معي يهوى بى، فو الله ما صحبت رجلا من العرب قط، أرى أنه كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي، ثم استأخر عني، حتى إذا نزلت استأخر ببعيري، فحط عنه، ثم قيده في الشجرة، ثم تنحى
(عني) إلى شجرة، فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح، قام إلى بعيري فقدمه فرحله، ثم استأخر عني، وقال: اركبي. فإذا ركبت واستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه، فقاده، حتى ينزل بي. فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء، قال: زوجك في هذه القرية- وكان أبو سلمة بها نازلا- فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعا إلى مكة.
قال: فكانت تقول : والله ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة، وما رأيت صاحبا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة .
** (هجرة عامر وزوجه وهجرة بني جحش) : **
قال ابن إسحاق: ثم كان أول من قدمها من المهاجرين بعد أبي سلمة: عامر ابن ربيعة، حليف بني عدي بن كعب، معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة بن غانم بن عبد الله بن عوف بن عبيد بن عدي بن كعب. ثم عبد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كثير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة، حليف بني أمية بن عبد شمس، احتمل بأهله وبأخيه عبد بن جحش، وهو أبو أحمد- وكان أبو أحمد رجلا ضرير البصر، وكان يطوف مكة، أعلاها وأسفلها، بغير قائد، وكان شاعرا، وكانت عنده الفرعة بنت أبي سفيان بن حرب، وكانت أمه أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم- فغلقت دار بني جحش هجرة، فمر بها عتبة بن ربيعة. والعباس بن عبد المطلب، وأبو جهل بن هشام بن المغيرة، وهي دار أبان
ابن عثمان اليوم التي بالردم ، وهم مصعدون إلى أعلى مكة، فنظر إليها عتبة بن ربيعة تخفق أبوابها يبابا ، ليس فيها ساكن، فلما رآها كذلك تنفس الصعداء، ثم قال:
وكل دار وإن طالت سلامتها ... يوما ستدركها النكباء والحوب
قال ابن هشام: وهذا البيت لأبى دؤاد الإيادي في قصيدة له. والحوب: التوجع، (وهو في موضع آخر: الحاجة، ويقال: الحوب: الإثم) .
قال ابن إسحاق: ثم قال عتبة (بن ربيعة) : أصبحت دار بني جحش خلاء من أهلها! فقال أبو جهل: وما تبكي عليه من قل بن قل.
قال ابن هشام: القل: الواحد. قال لبيد بن ربيعة:
كل بني حرة مصيرهم ... قل وإن أكثرت من العدد
قال ابن إسحاق: ثم قال: هذا عمل ابن أخي هذا، فرق جماعتنا، وشتت أمرنا وقطع بيننا. فكان منزل أبي سلمة بن عبد الأسد، وعامر بن ربيعة،
وعبد الله بن جحش، وأخيه أبي أحمد بن جحش، على مبشر بن عبد المنذر بن زنبر بقباء، في بني عمرو بن عوف، ثم قدم المهاجرون أرسالا ، وكان بنو غنم ابن دودان أهل إسلام، قد أوعبوا إلى المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هجرة رجالهم ونساءهم: عبد الله بن جحش، وأخوه أبو أحمد ابن جحش، وعكاشة بن محصن، وشجاع، وعقبة، ابنا وهب، وأربد ابن حميرة.
قال ابن هشام: ويقال ابن حميرة .
** (هجرة قوم شتى) : **
قال ابن إسحاق: ومنقذ بن نباتة، وسعيد بن رقيش، ومحرز بن نضلة، ويزيد بن رقيش، وقيس بن جابر، وعمرو بن محصن، ومالك بن عمرو، وصفوان بن عمرو، وثقف [4] بن عمرو، وربيعة بن أكثم، والزبير بن عبيد، وتمام بن عبيدة، وسخبرة بن عبيدة، ومحمد بن عبد الله بن جحش.
** (هجرة نسائهم) : **
ومن نسائهم: زينب بنت جحش، وأم حبيب بنت جحش، وجذامة بنت جندل، وأم قيس بنت محصن، وأم حبيب بنت ثمامة، وآمنة بنت رقيش، وسخبرة بنت تميم، وحمنة بنت جحش.
** (شعر أبي أحمد بن جحش في هجرة بني أسد) : **
وقال أبو أحمد بن جحش بن رئاب، وهو يذكر هجرة بني أسد بن خزيمة من قومه إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وإيعابهم في ذلك حين دعوا إلى الهجرة:
ولو حلفت بين الصفا أم أحمد ... ومروتها بالله برت يمينها
لنحن الألى كنا بها ثم لم نزل ... بمكة حتى عاد غثا سمينها
بها خيمت غنم بن دودان وابتنت ... وما إن غدت غنم وخف قطينها
إلى الله تغدو بين مثنى وواحد ... ودين رسول الله بالحق دينها
وقال أبو أحمد بن جحش أيضا:
لما رأتني أم أحمد غاديا ... بذمة من أخشى بغيب وأرهب
تقول: فإما كنت لا بد فاعلا ... فيمم بنا البلدان ولتنأ يثرب
فقلت لها: بل يثرب اليوم وجهنا ... وما يشإ الرحمن فالعبد يركب
إلى الله وجهي والرسول ومن يقم ... إلى الله يوما وجهه لا يخيب
فكم قد تركنا من حميم مناصح ... وناصحة تبكي بدمع وتندب
ترى أن وترا نأينا عن بلادنا ... ونحن نرى أن الرغائب نطلب
دعوت بني غنم لحقن دمائهم ... وللحق لما لاح للناس ملحب
أجابوا بحمد الله لما دعاهم ... إلى الحق داع والنجاح فأوعبوا
وكنا وأصحابا لنا فارقوا الهدى ... أعانوا علينا بالسلاح وأجلبوا
كفوجين: أما منهما فموفق ... على الحق مهدي، وفوج معذب
طغوا وتمنوا كذبة وأزلهم ... عن الحق إبليس فخابوا وخيبوا
ورعنا إلى قول النبي محمد ... فطاب ولاة الحق منا وطيبوا
نمت بأرحام إليهم قريبة ... ولا قرب بالأرحام إذ لا نقرب
فأي ابن أخت بعدنا يأمننكم ... وأية صهر بعد صهري ترقب
ستعلم يوما أينا إذ تزايلوا ... وزيل أمر الناس للحق أصوب
قال ابن هشام: قوله «ولتنأ يثرب» ، وقوله «إذ لا نقرب» ، عن غير ابن إسحاق.
قال ابن هشام: يريد بقوله: «إذ» إذا، كقول الله عز وجل: إذ الظالمون موقوفون عند ربهم 34: 31. قال أبو النجم العجلي:
ثم جزاه الله عنا إذ جزى ... جنات عدن في العلالي والعلا