Islam · Chronicles · Al-Sira al-Nabawiyya
غزوة ذي قرد
Al-Sira al-Nabawiyya · Ibn Ishaq (d. 767), recension of Ibn Hisham (d. 833) · chapter 178 of 264
** (غارة ابن حصن على لقاح الرسول) : **
ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فلم يقم بها إلا ليالي قلائل، حتى أغار عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري ، في خيل من غطفان على لقاح لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالغابة ، وفيها رجل من بني غفار وامرأة له، فقتلوا الرجل، واحتملوا المرأة في اللقاح.
** (بلاء ابن الأكوع في هذه الغزوة) : **
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر، ومن لا أتهم، عن عبد الله بن كعب بن مالك، كل قد حدث في غزوة ذي قرد بعض الحديث : أنه كان أول من نذر بهم سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي، غدا يريد الغابة متوشحا قوسه ونبله، ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله معه فرس له يقوده، حتى إذا علا ثنية الوداع نظر إلى بعض خيولهم، فأشرف في ناحية سلع، نم صرخ: وا صباحاه، ثم خرج يشتد في آثار القوم، وكان مثل السبع حتى لحق بالقوم، فجعل يردهم بالنبل، ويقول إذا رمى: خذها وأنا
ابن الأكوع، اليوم يوم الرضع ، فإذا وجهت الخيل نحوه انطلق هاربا، ثم عارضهم، فإذا أمكنه الرمي رمى، ثم قال: خذها وأنا ابن الأكوع، اليوم يوم الرضع، قال: فيقول قائلهم: أويكعنا هو أول النهار.
** (صراخ الرسول وتسابق الفرسان إليه) : **
قال: وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم صياح ابن الأكوع، فصرخ بالمدينة الفزع الفزع، فترامت الخيول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان أول من انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفرسان: المقداد ابن عمرو، وهو الذي يقال له: المقداد بن الأسود، حليف بني زهرة، ثم كان أول فارس وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد المقداد من الأنصار، عباد بن بشر بن وقش بن زغبة بن زعوراء، أحد بني عبد الأشهل، وسعد ابن زيد، أحد بني كعب بن عبد الأشهل، وأسيد بن ظهير، أخو بني حارثة ابن الحارث، يشك فيه، وعكاشة بن محصن، أخو بني أسد بن خزيمة، ومحرز بن نضلة، أخو بني أسد بن خزيمة، وأبو قتادة الحارث بن ربعي، أخو بني سلمة، وأبو عياش، وهو عبيد بن زيد بن الصامت، أخو بني زريق. فلما اجتمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عليهم سعد بن زيد، فيما بلغني، ثم قال: اخرج في طلب القوم، حتى ألحقك في الناس.
** (الرسول ونصيحته لأبي عياش بترك فرسه) : **
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما بلغني عن رجال من بني زريق، لأبي عياش: يا أبا عياش، لو أعطيت هذا الفرس رجلا، هو أفرس منك فلحق بالقوم؟ قال أبو عياش: فقلت: يا رسول الله، أنا أفرس الناس، ثم ضربت الفرس، فو الله ما جرى بي خمسين ذراعا حتى طرحني، فعجبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لو أعطيته أفرس منك، وأنا أقول: أنا أفرس الناس. فزعم رجال من بني زريق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى فرس أبي عياش معاذ بن ماعص، أو عائذ بن ماعص بن قيس بن خلدة، وكان ثامنا، وبعض
الناس يعد سلمة بن عمرو بن الأكوع أحد الثمانية، ويطرح أسيد بن ظهير، أخا بني حارثة، والله أعلم أي ذلك كان. ولم يكن سلمة يومئذ فارسا، وقد كان أول من لحق بالقوم على رجليه. فخرج الفرسان في طلب القوم حتى تلاحقوا.
** (سبق محرز إلى القوم ومقتله) : **
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن أول فارس لحق بالقوم محرز بن نضلة، أخو بني أسد بن خزيمة- وكان يقال لمحرز: الأخرم ، ويقال له قمير- وأن الفزع لما كان جال فرس لمحمود بن مسلمة في الحائط، حين سمع صاهلة الخيل، وكان فرسا صنيعا جاما، فقال نساء من نساء بني عبد الأشهل، حين رأين الفرس يجول في الحائط بجذع نخل هو مربوط فيه:
يا قمير، هل لك في أن تركب هذا الفرس؟ فإنه كما ترى، ثم تلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمسلمين؟ قال: نعم، فأعطينه إياه. فخرج عليه، فلم يلبث أن بذ الخيل بجمامه، حتى أدرك القوم، فوقف لهم بين أيديهم، ثم قال: قفوا يا معشر بني اللكيعة حتى يلحق بكم من وراءكم من أدباركم من المهاجرين والأنصار. قال: وحمل عليه رجل منهم فقتله، وجال الفرس، فلم يقدر عليه حتى وقف على آريه من بني عبد الأشهل، فلم يقتل من المسلمين غيره.
** (رأي ابن هشام فيمن قتل مع محرز) : **
قال ابن هشام: وقتل يومئذ من المسلمين مع محرز، وقاص بن مجزز المدلجي، فيما ذكر غير واحد من أهل العلم.
** (أسماء أفراس المسلمين) : **
قال ابن إسحاق: وكان اسم فرس محمود: ذا اللمة.
قال ابن هشام: وكان اسم فرس سعد بن زيد: لاحق، واسم فرس المقداد بعزجة [1] ، ويقال: سبحة ، واسم فرس عكاشة بن محصن: ذو اللمة، واسم فرس أبي قتادة: حزوة ، وفرس عباد بن بشر: لماع، وفرس أسيد بن ظهير: مسنون، وفرس أبي عياش: جلوة.
قال ابن إسحاق: وحدثني بعض من لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك:
أن مجززا إنما كان على فرس لعكاشة بن محصن، يقال له: الجناح، فقتل مجزز واستلبت الجناح.
** (القتلى من المشركين) : **
ولما تلاحقت الخيل قتل أبو قتادة الحارث بن ربعي، أخو بني سلمة، حبيب ابن عيينة بن حصن، وغشاه برده، ثم لحق بالناس.
وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين.
** (استعمال ابن أم مكتوم على المدينة) : **
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم.
قال ابن إسحاق: فإذا حبيب مسجى ببرد أبي قتادة، فاسترجع الناس وقالوا: قتل أبو قتادة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس بأبي قتادة، ولكنه قتيل لأبي قتادة، وضع عليه برده، لتعرفوا أنه صاحبه. وأدرك عكاشة بن محصن أوبارا وابنه عمرو بن أوبار، وهما على بعير
واحد، فانتظمها بالرمح، فقتلهما جميعا، واستنقذوا بعض اللقاح، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالجبل من ذي قرد، وتلاحق به الناس، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم به، وأقام عليه يوما وليلة، وقال له سلمة بن الأكوع: يا رسول الله، لو سرحتنى في مائة رجل لاستنقذت بقية السرح، وأخذت بأعناق القوم؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما بلغني: إنهم الآن ليغبقون في غطفان.
** (تقسيم الفيء بين المسلمين) : **
فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه في كل مائة رجل جزورا، وأقاموا عليها، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا حتى قدم المدينة.
** (امرأة الغفاري وما نذرت مع الرسول) : **
وأقبلت امرأة الغفاري على ناقة من إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قدمت عليه فأخبرته الخبر، فلما فرغت، قالت: يا رسول الله، إني قد نذرت لله أن أنحرها إن نجاني الله عليها، قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: بئس ما جزيتها أن حملك الله عليها ونجاك بها ثم تنحرينها! إنه لا نذر في معصية الله ولا فيما لا تملكين، إنما هي ناقة من إبلي، فارجعي إلى أهلك على بركة الله.
والحديث عن امرأة الغفاري وما قالت، وما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن أبي الزبير المكي، عن الحسن بن أبي الحسن البصري:
** (شعر حسان في ذي قرد) : **
وكان مما قيل من الشعر في يوم ذي قرد قول حسان بن ثابت:
لولا الذي لاقت ومس نسورها ... بجنوب ساية أمس في التقواد
للقينكم يحملن كل مدجج ... حامي الحقيقة ماجد الأجداد
ولسر أولاد اللقيطة أننا ... سلم غداة فوارس المقداد
كنا ثمانية وكانوا جحفلا ... لجبا فشكوا بالرماح بداد
كنا من القوم الذين يلونهم ... ويقدمون عنان كل جواد
كلا ورب الراقصات إلى منى ... يقطعن عرض مخارم الأطواد
حتى نبيل الخيل في عرصاتكم ... ونئوب بالملكات والأولاد
رهوا بكل مقلص وطمرة ... في كل معترك عطفن ووادى
أفنى دوابرها ولاح متونها ... يوم تقاد به ويوم طراد
فكذاك إن جيادنا ملبونة ... والحرب مشعلة بريح غواد
وسيوفنا بيض الحدائد تجتلي ... جنن الحديد وهامة المرتاد
أخذ الإله عليهم لحرامه ... ولعزة الرحمن بالأسداد
كانوا بدار ناعمين فبدلوا ... أيام ذي قرد وجوه عباد
** (غضب سعد على حسان ومحاولة حسان استرضاءه) : **
قال ابن هشام: فلما قالها حسان غضب عليه سعد بن زيد، وحلف أن لا يكلمه أبدا، قال: انطلق إلى خيلي وفوارسي فجعلها للمقداد! فاعتذر إليه حسان وقال: والله ما ذاك أردت، ولكن الروي وافق اسم المقداد، وقال أبياتا يرضي بها سعدا:
إذا أردتم الأشد الجلدا ... أو ذا غناء فعليكم سعدا
سعد بن زيد لا يهد هدا
فلم يقبل منه سعد ولم يغن شيئا.
** (شعر آخر لحسان في يوم ذي قرد) : **
وقال حسان بن ثابت في يوم ذي قرد:
أظن عيينة إذ زارها ... بأن سوف يهدم فيها قصورا
فأكذبت ما كنت صدقته ... وقلتم سنغنم أمرا كبيرا
فعفت المدينة إذ زرتها ... وآنست للأسد فيها زئيرا
فولوا سراعا كشد النعام ... ولم يكشفوا عن ملط حصيرا
أمير علينا رسول المليك ... أحبب بذاك إلينا أميرا
رسول نصدق ما جاءه ... ويتلو كتابا مضيئا منيرا
** (شعر كعب في يوذى قرد) : **
وقال كعب بن مالك في يوم ذي قرد للفوارس:
أتحسب أولاد اللقيطة أننا ... على الخيل لسنا مثلهم في الفوارس
وإنا أناس لا نرى القتل سبة ... ولا ننثني عند الرماح المداعس
وإنا لنقري الضيف من قمع الذرا ... ونضرب رأس الأبلخ المتشاوس
نرد كماة المعلمين إذا انتخوا ... بضرب يسلي نخوة المتقاعس
بكل فتى حامي الحقيقة ماجد ... كريم كسرحان الغضاة مخالس
يذودون عن أحسابهم وتلادهم ... ببيض تقد الهام تحت القوانس
فسائل بني بدر إذا ما لقيتهم ... بما فعل الإخوان يوم التمارس
إذا ما خرجتم فاصدقوا من لقيتم ... ولا تكتموا أخباركم في المجالس
وقولوا زللنا عن مخالب خادر ... به وحر في الصدر ما لم يمارس
قال ابن هشام: أنشدني بيته: «وإنا لنقري الضيف» أبو زيد.
** (شعر شداد لعيينة) : **
قال ابن إسحاق: وقال شداد بن عارض الجشمي، في يوم ذي قرد: لعيينة ابن حصن، وكان عيينة بن حصن يكنى بأبي مالك:
فهلا كررت أبا مالك ... وخيلك مدبرة تقتل
ذكرت الإياب إلى عسجر ... وهيهات قد بعد المقفل
وطمنت نفسك ذا ميعة ... مسح الفضاء إذا يرسل
إذا قبضته إليك الشمال ... جاش كما اضطرم المرجل
فلما عرفتم عباد الإله ... لم ينظر الآخر الأول
عرفتم فوارس قد عودوا ... طراد الكماة إذا أسهلوا
إذا طردوا الخيل تشقى بهم ... فضاحا وإن يطردوا ينزلوا
فيعتصموا في سواء المقام ... بالبيض أخلصها الصيقل