Islam · Chronicles · Al-Sira al-Nabawiyya
غزوة حنين في سنة ثمان بعد الفتح
Al-Sira al-Nabawiyya · Ibn Ishaq (d. 767), recension of Ibn Hisham (d. 833) · chapter 200 of 264
** (اجتماع هوازن) : **
قال ابن إسحاق: ولما سمعت هوازن برسول الله صلى الله عليه وسلم وما فتح الله عليه من مكة ، جمعها مالك بن عوف النصري، فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها، واجتمعت نصر وجشم كلها، وسعد بن بكر، وناس من بني هلال، وهم قليل، ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء، وغاب عنها فلم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب، ولم يشهدها منهم أحد له اسم، وفي بني جشم دريد بن الصمة شيخ كبير، ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب، وكان شيخا مجربا، وفي ثقيف سيدان لهم، (و ) في الأحلاف قارب بن الأسود بن مسعود ابن معتب، وفي بني مالك ذو الخمار سبيع بن الحارث بن مالك، وأخوه أحمر بن الحارث، وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوف النصري. فلما أجمع السير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حط مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس [5]
اجتمع إليه الناس، وفيهم دريد بن الصمة في شجار له يقاد به، فلما نزل قال:
بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: نعم مجال الخيل! لا حزن ضرس ، ولا سهل دهس ، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء ؟ قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم.
قال: أين مالك؟ قيل: هذا مالك ودعي له، فقال: يا مالك، إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام. ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟ قال: سقت مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم، قال: ولم ذاك؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل منهم أهله وماله، ليقاتل عنهم، قال: فأنقض به . ثم قال: راعي ضأن والله! وهل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، ثم قال: ما فعلت كعب وكلاب؟
قالوا: لم يشهدها منهم أحد، قال: غاب الحد والجد، ولو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب ولا كلاب، ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب، فمن شهدها منكم؟ قالوا: عمرو بن عامر، وعوف بن عامر، قال:
ذانك الجذعان من عامر، لا ينفعان ولا يضران، يا مالك، إنك لم تصنع بتقديم
البيضة بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا، ارفعهم إلى متمنع بلادهم وعليا قومهم، ثم الق الصباء على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك قد أحرزت أهلك ومالك. قال: والله لا أفعل ذلك، إنك قد كبرت وكبر عقلك. والله لتطعيننى يا معشر هوازن أو لأتكسئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري. وكره أن يكون لدريد بن الصمة فيها ذكر أو رأي، فقالوا: أطعناك، فقال دريد بن الصمة: هذا يوم لم أشهده ولم يفتني:
يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع
أقود وطفاء الزمع ... كأنها شاة صدع
قال ابن هشام: أنشدني غير واحد من أهل العلم بالشعر قوله:
«يا ليتني فيها جذع
** (الملائكة وعيون مالك بن عوف) : **
قال ابن إسحاق: ثم قال مالك للناس: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم، ثم شدوا شدة رجل واحد.
قال: وحدثني أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أنه حدث: أن مالك بن عوف بعث عيونا من رجاله، فأتوه وقد تفرقت أوصالهم، فقال: ويلكم! ما شأنكم؟ فقالوا: رأينا رجالا بيضا على خيل بلق، فو الله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، فو الله ما رده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد.
** (بعث ابن أبي حدرد عينا على هوازن) : **
قال ابن إسحاق: ولما سمع بهم نبي الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم عبد الله
ابن أبي حدرد الأسلمي، وأمره أن يدخل في الناس، فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم، ثم يأتيه بخبرهم. فانطلق ابن أبي حدرد، فدخل فيهم، فأقام فيهم، حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمع من مالك وأمر هوازن ما هم عليه. ثم أقبل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره الخبر، (فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب، فأخبره الخبر فقال عمر: كذب ابن أبي حدرد. فقال ابن أبي حدرد: إن كذبتني فربما كذبت بالحق يا عمر، فقد كذبت من هو خير مني. فقال عمر: يا رسول الله، ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كنت ضالا فهداك الله يا عمر) .
** (سأل الرسول صفوان أدراعه وسلاحه فقبل) : **
فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى هوازن ليلقاهم، ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعا له وسلاحا، فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك.
فقال: يا أبا أمية، أعرنا سلاحك هذا نلق فيه عدونا غدا، فقال صفوان:
أغصبا يا محمد؟ قال: بل عارية ومضمونة حتى نؤديها إليك، قال: ليس بهذا بأس، فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله أن يكفيهم حملها، ففعل.
** (خروج الرسول بجيشه إلى هوازن) : **
قال: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معه ألفان من أهل مكة مع عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه، ففتح الله بهم مكة، فكانوا اثني عشر ألفا، واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية ابن عبد شمس على مكة، أميرا على من تخلف عنه من الناس، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجهه يريد لقاء هوازن.
** (قصيدة عباس ابن مرداس) : **
فقال عباس بن مرداس السلمي:
أصابت العام رعلا غول قومهم ... وسط البيوت ولون الغول ألوان
يا لهف أم كلاب إذ تبيتهم ... خيل ابن هوذة لا تنهى وإنسان
لا تلفظوها وشدوا عقد ذمتكم ... أن ابن عمكم سعد ودهمان
لن ترجعوها وإن كانت مجللة ... ما دام في النعم المأخوذ ألبان
شنعاء جلل من سوءاتها حضن ... وسال ذو شوغر منها وسلوان
ليست بأطيب مما يشتوي حذف ... إذ قال: كل شواء العير جوفان
وفي هوازن قوم غير أن بهم ... داء اليماني فإن لم يغدروا خانوا
فيهم أخ لو وفوا أو بر عهدهم ... ولو نهكناهم بالطعن قد لانوا
أبلغ هوازن أعلاها وأسفلها ... مني رسالة نصح فيه تبيان
أني أظن رسول الله صابحكم ... جيشا له في فضاء الأرض أركان
فيهم أخوكم سليم غير تارككم ... والمسلمون عباد الله غسان
وفي عضادته اليمنى بنو أسد ... والأجربان بنو عبس وذبيان
تكاد ترجف منه الأرض رهبته ... وفي مقدمه أوس وعثمان
قال ابن إسحاق: أوس وعثمان: قبيلا مزينة.
قال ابن هشام: من قوله «
أبلغ هوازن أعلاها وأسفلها
» إلى آخرها، في هذا اليوم، وما قبل ذلك في غير هذا اليوم، وهما مفصولتان، ولكن ابن إسحاق جعلهما واحدة.
** (أمر ذات أنواط) : **
قال ابن إسحاق: وحدثني ابن شهاب الزهري، عن سنان بن أبي سنان الدؤلي، عن أبي واقد الليثي، أن الحارث بن مالك، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حديثو عهد بالجاهلية، قال: فسرنا معه إلى حنين، قال: وكانت كفار قريش ومن سواهم من العرب لهم شجرة عظيمة خضراء، يقال لها ذات أنواط، يأتونها كل سنة، فيعلقون أسلحتهم عليها، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يوما. قال: فرأينا ونحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سدرة خضراء عظيمة، قال: فتنادينا من جنبات الطريق: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، قلتم، والذي نفس محمد بيده، كما قال قوم موسى لموسى: «اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال إنكم قوم تجهلون» . إنها السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم.
** (لقاء هوازن وثبات الرسول) : **
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله، قال: لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف حطوط ، إنما ننحدر فيه انحدارا، قال: وفي عماية الصبح ، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي، فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه [4] ومضايقه،
وقد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا، فو الله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدوا علينا شدة رجل واحد، وانشمر الناس راجعين، لا يلوي أحد على أحد.
وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين، ثم قال: أين أيها الناس؟
هلموا إلي، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله. قال: فلا شيء ، حملت الإبل بعضها على بعض، فانطلق الناس، إلا أنه قد بقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته.
** (أسماء من تبت مع الرسول) : **
وفيمن ثبت معه من المهاجرين أبو بكر وعمر، ومن أهل بيته علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث، وابنه، والفضل بن العباس، وربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد. وأيمن بن عبيد، قتل يومئذ قال ابن هشام: اسم ابن أبي سفيان بن الحارث جعفر، واسم أبي سفيان المغيرة، وبعض الناس يعد فيهم قثم بن العباس، ولا يعد ابن أبي سفيان.
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله، قال: ورجل من هوازن على جمل له أحمر، بيده راية سوداء في رأس رمح له طويل، أمام هوازن، وهوازن خلفه، إذا أدرك طعن برمحه، وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه.
** (شماتة أبي سفيان وغيره بالمسلمين) : **
قال ابن إسحاق: فلما انهزم الناس، ورأى من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جفاة أهل مكة الهزيمة، تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن [3] ، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وإن الأزلام لمعه في كنانته . وصرخ جبلة بن الحنبل- قال ابن هشام: كلدة بن الحنبل- وهو
مع أخيه صفوان بن أمية مشرك في المدة التي جعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا بطل السحر اليوم! فقال له صفوان: اسكت فض الله فاك ، فو الله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن.
** (شعر حسان في هجاء كلدة) : **
قال ابن هشام: وقال حسان بن ثابت يهجو كلدة:
رأيت سوادا من بعيد فراعني ... أبو حنبل ينزو على أم حنبل
كأن الذي ينزو به فوق بطنها ... ذراع قلوص من نتاج ابن عزهل
أنشدنا أبو زيد هذين البيتين، وذكر لنا أنه هجا بهما صفوان بن أمية، وكان أخا كلدة لأمه.
** (عجز شيبة عن قتل الرسول وقد هم به) : **
قال ابن إسحاق: وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، أخو بني عبد الدار:
قلت: اليوم أدرك ثأري (من محمد) ، وكان أبوه قتل يوم أحد، اليوم أقتل محمدا. قال: فأدرت برسول الله لأقتله، فأقبل شيء حتى تغشى فؤادي، فلم أطق ذاك، وعلمت أنه ممنوع مني.
قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل مكة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين فصل من مكة إلى حنين، ورأى كثرة من معه من جنود الله: لن نغلب اليوم من قلة. قال ابن إسحاق: وزعم بعض الناس أن رجلا من بني بكر قالها.
** (رجوع الناس بنداء العباس والانتصار بعد الهزيمة) : **
قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري، عن كثير بن العباس، عن أبيه العباس ابن عبد المطلب، قال: إني لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذ بحكمة
بغلته البيضاء قد شجرتها بها ، قال: وكنت امرأ جسيما شديد الصوت، قال:
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين رأى ما رأى من الناس: أين أيها الناس؟
فلم أر الناس يلوون على شيء، فقال: يا عباس، اصرخ، يا معشر الأنصار:
يا معشر أصحاب السمرة، قال: فأجابوا: لبيك، لبيك! قال: فيذهب الرجل ليثني بعيره، فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه، فيقذفها في عنقه، ويأخذ سيفه وترسه، ويقتحم عن بعيره، ويخلي سبيله، فيؤم الصوت، حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة، استقبلوا الناس، فاقتتلوا، وكانت الدعوى أول ما كانت: يا للأنصار. ثم خلصت أخيرا:
يا للخزرج. وكانوا صبرا عند الحرب، فأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركائبه. فنظر إلى مجتلد القوم وهم يجتلدون، فقال: الآن حمي الوطيس [3] .
** (بلاء علي وأنصاري في هذه الحرب) : **
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله، قال: بينا ذلك الرجل من هوازن صاحب الراية على جمله يصنع ما يصنع، إذ هوى له علي بن أبي طالب رضوان الله عليه ورجل من الأنصار يريدانه، قال: فيأتيه علي بن أبي طالب من خلفه، فضرب عرقوبي الجمل، فوقع على عجزه ، ووثب الأنصاري على الرجل، فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه، فانجعف عن رحله، قال: واجتلد الناس، فو الله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى مكتفين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: والتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وكان ممن صبر يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان حسن الإسلام حين أسلم، وهو آخذ بثفر بغلته ، فقال من هذا؟ قال: أنا ابن أمك [2] يا رسول الله.
** (شأن أم سليم) : **
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم التفت فرأى أم سليم بنت ملحان، وكانت مع زوجها أبي طلحة وهي حازمة وسطها ببرد لها، وإنها لحامل بعبد الله بن أبي طلحة، ومعها جمل أبي طلحة، وقد خشيت أن يعزها الجمل، فأدنت رأسه منها، فأدخلت يدها في خزامته مع الخطام، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أم سليم؟ قلت: نعم، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو يكفي الله يا أم سليم ؟ قال: ومعها خنجر ، فقال لها أبو طلحة: ما هذا الخنجر معك يا أم سليم؟ قالت: خنجر أخذته، إن- نا مني أحد من المشركين
بعجته به قال: يقول أبو طلحة: ألا تسمع يا رسول الله ما تقول أم سليم الرميصاء.
** (شعر مالك بن عوف في هزيمة الناس) : **
قال ابن إسحاق: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين وجه إلى حنين، قد ضم بني سليم الضحاك بن سفيان الكلابي، فكانوا إليه ومعه، ولما انهزم الناس قال مالك بن عوف يرتجز بفرسه:
أقدم محاج إنه يوم نكر ... مثلي على مثلك يحمي ويكر
إذا أضيع الصف يوما والدبر ... ثم احزألت زمر بعد زمر
كتائب يكل فيهن البصر ... قد أطعن الطعنة تقذي بالسبر
حين يذم المستكين المنجحر ... وأطعن النجلاء تعوي وتهر
لها من الجوف رشاش منهمر ... تفهق تارات وحينا تنفجر
وثعلب العامل فيها منكسر ... يا زيد يا بن همهم أين تفر
قد نفد الضرس وقد طال العمر ... قد علم البيض الطويلات الخمر
أني في أمثالها غير غمر ... إذ تخرج الحاصن من تحت الستر
وقال مالك بن عوف أيضا:
أقدم محاج إنها الأساوره ... ولا تغرنك رجل نادره
قال ابن هشام: وهذان البيتان لغير مالك بن عوف في غير هذا اليوم
** (شأن أبي قتادة وسلبه) : **
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر، أنه حدث عن أبي قتادة الأنصاري قال: وحدثني من لا أتهم من أصحابنا، عن نافع مولى بني غفار أبي محمد عن أبي قتادة، قالا : قال أبو قتادة: رأيت يوم حنين رجلين يقتتلان: مسلما ومشركا، قال: وإذا رجل من المشركين يريد أن يعين صاحبه المشرك على المسلم.
قال: فأتيته، فضربت يده، فقطعتها، واعتنقني بيده الأخرى، فو الله ما أرسلني حتى وجدت ريح الدم- ويروى: ريح الموت، فيما قال ابن هشام- وكاد يقتلني، فلولا أن الدم نزفه لقتلني، فسقط، فضربته فقتلته، وأجهضني عنه القتال ، ومر به رجل من أهل مكة فسلبه، فلما وضعت الحرب أوزارها وفرغنا من القوم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قتل قتيلا فله سلبه، فقلت: يا رسول الله، والله لقد قتلت قتيلا ذا سلب، فأجهضني عنه القتال، فما أدري من استلبه؟ فقال رجل من أهل مكة: صدق يا رسول الله، وسلب ذلك القتيل عندي، فأرضه عني من سلبه، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه:
لا والله، لا يرضيه منه، تعمد إلى أسد من أسد الله، يقاتل عن دين الله، تقاسمه سلبه! اردد عليه سلب قتيله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق
اردد عليه سلبه. فقال أبو قتادة: فأخذته منه، فبعته، فاشتريت بثمنه مخرفا [1] ، فإنه لأول مال اعتقدته . قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم، عن أبي سلمة، عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، قال: لقد استلب أبو طلحة يوم حنين وحده عشرين رجلا.
** (نصرة الملائكة) : **
قال ابن إسحاق: وحدثني أبي إسحاق بن يسار، (أنه حدث) عن جبير ابن مطعم، قال: لقد رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد الأسود، أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم، فنظرت، فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي، لم أشك أنها الملائكة، ثم لم يكن إلا هزيمة القوم.
** (هزيمة المشركين) : **
قال ابن إسحاق: ولما هزم الله المشركين من أهل حنين، وأمكن رسوله صلى الله عليه وسلم منهم، قالت امرأة من المسلمين:
قد غلبت خيل الله خيل اللات ... والله أحق بالثبات
قال ابن هشام: أنشدني بعض أهل العلم بالرواية للشعر:
غلبت خيل الله خيل اللات ... وخيله أحق بالثبات
قال ابن إسحاق: فلما انهزمت هوازن استحر القتل من ثقيف في بني مالك، فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم، فيهم عثمان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث
ابن حبيب، وكانت رايتهم مع ذي الخمار ، فلما قتل أخذها عثمان بن عبد الله، فقاتل بها حتى قتل.
قال ابن إسحاق: وأخبرني عامر بن وهب بن الأسود، قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله، قال: أبعده الله! فإنه كان يبغض قريشا.
** (الغلام النصراني الأغرل وما كاد يلحق ثقيفا بسببه) : **
قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس: أنه قتل مع عثمان بن عبد الله غلام له نصراني أغرل ، قال: فبينا رجل من الأنصار يسلب قتلى ثقيف، إذ كشف العبد يسلبه، فوجده أغرل. قال: فصاح بأعلى صوته: يا معشر العرب: يعلم الله أن ثقيفا غرل. قال المغيرة بن شعبة: فأخذت بيده، وخشيت أن تذهب عنا في العرب، فقلت: لا تقل ذاك، فداك أبي وأمي، إنما هو غلام لنا نصراني. قال: ثم جعلت أكشف له عن القتلى، وأقول له: ألا تراهم مختنين كما ترى!
** (فرار قارب وقومه وشعر ابن مرداس في هجائهم) : **
قال ابن إسحاق: وكانت راية الأحلاف مع قارب بن الأسود، فلما انهزم الناس أسند رايته إلى شجرة، وهرب هو وبنو عمه وقومه من الأحلاف، فلم يقتل من الأحلاف غير رجلين: رجل من غيرة، يقال له وهب، وآخر من بني كبة ، يقال له الجلاح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه قتل الجلاح: قتل اليوم سيد شباب ثقيف، إلا ما كان من ابن هنيدة، يعني بابن هنيدة الحارث بن أويس.
** (قصيدة أخرى لابن مرداس) : **
فقال عباس بن مرداس السلمي يذكر قارب بن الأسود وفراره من بني أبيه، وذا الخمار وحبسه قومه للموت:
ألا من مبلغ غيلان عني ... وسوف- إخال- يأتيه الخبير
وعروة إنما أهدي جوابا ... وقولا غير قولكما يسير
بأن محمدا عبد رسول ... لرب لا يضل ولا يجور
وجدناه نبيا مثل موسى ... فكل فتى يخايره مخير
وبئس الأمر أمر بني قسي ... بوج إذ تقسمت الأمور
أضاعوا أمرهم ولكل قوم ... أمير والدوائر قد تدور
فجئنا أسد غابات إليهم ... جنود الله ضاحية تسير
يؤم الجمع جمع بني قسي ... على حنق نكاد له نطير
وأقسم لو هم مكثوا لسرنا ... إليهم بالجنود ولم يغوروا
فكنا أسد لية ثم حتى ... أبحناها وأسلمت النصور
ويوم كان قبل لدى حنين ... فأقلع والدماء به تمور
من الأيام لم تسمع كيوم ... ولم يسمع به قوم ذكور
قتلنا في الغبار بني حطيط ... على راياتها والخيل زور
ولم يك ذو الخمار رئيس قوم ... لهم عقل يعاقب أو مكير
أقام بهم على سنن المنايا ... وقد بانت لمبصرها الأمور
فأفلت من نجا منهم جيضا ... وقتل منهم بشر كثير
ولا يغني الأمور أخو التواني ... ولا الغلق الصريرة الحصور
أحانهم وحان وملكوه ... أمورهم وأفلتت الصقور
بنو عوف تميح بهم جياد ... أهين لها الفصافص والشعير
فلولا قارب. وبنو أبيه ... تقسمت المزارع والقصور
ولكن الرئاسة عمموها ... على يمن أشار به المشير
أطاعوا قاربا ولهم جدود ... وأحلام إلى عز تصير
فإن يهدوا إلى الإسلام يلفوا ... أنوف الناس ما سمر السمير
وإن لم يسلموا فهم أذان ... بحرب الله ليس لهم نصير
كما حكت بني سعد وحرب ... برهط بني غزية عنقفير
كأن بني معاوية بن بكر ... إلى الإسلام ضائنة تخور
فقلنا أسلموا إنا أخوكم ... وقد برأت من الإحن الصدور
كأن القوم إذ جاءوا إلينا ... من البغضاء بعد السلم عور
قال ابن هشام: غيلان: غيلان بن سلمة الثقفي، وعروة: عروة بن مسعود الثقفي.
** (مقتل دريد بن الصمة) : **
قال ابن إسحاق: ولما انهزم المشركون، أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف، وعسكر بعضهم بأوطاس، وتوجه بعضهم نحو نخلة، ولم يكن فيمن توجه نحو نخلة إلا بنو غيرة من ثقيف، وتبعت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلك في نخلة من الناس، ولم تتبع من سلك الثنايا.
فأدرك ربيعة بن رفيع بن أهبان بن ثعلبة بن ربيعة بن يربوع بن سمال بن عوف بن امرئ القيس، وكان يقال له ابن الدغنة وهي أمه، فغلبت على اسمه، ويقال: ابن لذعة فيما قال ابن هشام- دريد بن الصمة، فأخذ بخطام جمله وهو يظن أنه امرأة، وذلك أنه في شجار له، فإذا برجل، فأناخ به، فإذا شيخ كبير، وإذا هو دريد بن الصمة ولا يعرفه الغلام، فقال له دريد: ماذا تريد بي؟ قال:
أقتلك. قال: ومن أنت؟ قال: أنا ربيعة بن رفيع السلمي، ثم ضربه بسيفه، فلم يغن شيئا، فقال: بئس ما سلحتك أمك! خذ سيفي هذا من مؤخر الرحل، وكان الرحل في الشجار، ثم اضرب به، وارفع عن العظام، واخفض عن الدماغ، فإني كنت كذلك أضرب الرجال، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد ابن الصمة، فرب والله يوم قد منعت فيه نساءك. فزعم بنو سليم أن ربيعة لما ضربه فوقع تكشف،، فإذا عجانه وبطون فخذيه مثل القرطاس، من ركوب الخيل أعراء ، فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه، فقالت: أما والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثا.
فقالت عمرة بنت دريد في قتل ربيعة دريدا:
لعمرك ما خشيت على دريد ... ببطن سميرة جيش العناق
جزى عنه الإله بني سليم ... وعقتهم بما فعلوا عقاق
وأسقانا إذا قدنا إليهم ... دماء خيارهم عند التلاقي
فرب عظيمة دافعت عنهم ... وقد بلغت نفوسهم التراقي
ورب كريمة أعتقت منهم ... وأخرى قد فككت من الوثاق
ورب منوه بك من سليم ... أجبت وقد دعاك بلا رماق .
فكان جزاؤنا منهم عقوقا ... وهما ماع منه مخ ساقي
عفت آثار خيلك بعد أين ... بذي بقر إلى فيف النهاق
وقالت عمرة بنت دريد أيضا:
قالوا قتلنا دريدا قلت قد صدقوا ... فظل دمعي على السربال ينحدر
لولا الذي قهر الأقوام كلهم ... رأت سليم وكعب كيف تأتمر
إذن لصبحهم غبا وظاهرة ... حيث استقرت نواهم جحفل ذفر
قال ابن هشام: ويقال اسم الذي قتل دريدا: عبد الله بن قنيع بن أهبان ابن ثعلبة بن ربيعة.
** (مقتل أبي عامر الأشعري) : **
قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثار من توجه قبل أوطاس أبا عامر الأشعري، فأدرك من الناس بعض من انهزم، فناوشوه القتال ، فرمي أبو عامر بسهم فقتل، فأخذ الراية أبو موسى الأشعري، وهو ابن عمه،
فقاتلهم، ففتح الله على يديه وهزمهم. فيزعمون أن سلمة بن دريد هو الذي رمى أبا عامر الأشعري بسهم، فأصاب ركبته، فقتله، فقال:
إن تسألوا عني فإني سلمه ... ابن سمادير لمن توسمه
أضرب بالسيف رءوس المسلمه
** (دعاء الرسول لبني رئاب) : **
وسمادير: أمه.
واستحر القتل من بني نصر في بني رئاب، فزعموا أن عبد الله بن قيس- وهو الذي يقال له ابن العوراء، وهو أحد بني وهب بن رئاب- قال: يا رسول الله، هلكت بنو رئاب. فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم اجبر مصيبتهم.
** (وصية مالك بن عوف لقومه ولقاء الزبير لهم) : **
وخرج مالك بن عوف عند الهزيمة، فوقف في فوارس من قومه، على ثنية من الطريق، وقال لأصحابه: قفوا حتى تمضي ضعفاؤكم، وتلحق أخراكم.
فوقف هناك حتى مضى من كان لحق بهم من منهزمة الناس، فقال مالك بن عوف في ذلك:
ولولا كرتان على محاج ... لضاق على العضاريط الطريق
ولولا كر دهمان بن نصر ... لدى النخلات مندفع الشديق
لآبت جعفر وبنو هلال ... خزايا محقبين على شقوق
قال ابن هشام: هذه الأبيات لمالك بن عوف في غير هذا اليوم. ومما يدلك
على ذلك قول دريد بن الصمة في صدر هذا الحديث: ما فعلت كعب وكلاب؟
فقالوا له: لم يشهدها منهم أحد. وجعفر بن كلاب. وقال مالك بن عوف في هذه الأبيات: «
لآبت جعفر وبنو هلال
» .
قال ابن هشام: وبلغني أن خيلا طلعت ومالك وأصحابه على الثنية، فقال لأصحابه: ماذا ترون؟ فقالوا: نرى قوما واضعي رماحهم بين آذان خيلهم، طويلة بوادهم ، فقال: هؤلاء بنو سليم، ولا بأس عليكم منهم، فلما أقبلوا سلكوا بطن الوادي. ثم طلعت خيل أخرى تتبعها، فقال لأصحابه: ماذا ترون؟
قالوا: نرى قوما عارضي رماحهم، أغفالا على خيلهم، فقال: هؤلاء الأوس والخزرج، ولا بأس عليكم منهم. فلما انتهوا إلى أصل الثنية سلكوا طريق بني سليم. ثم طلع فارس، فقال لأصحابه: ماذا ترون؟ قالوا: نرى فارسا طويل الباد، واضعا رمحه على عاتقه ، عاصبا رأسه بملاءة حمراء فقال هذا الزبير بن العوام وأحلف باللات ليخالطنكم، فاثبتوا له. فلما انتهى الزبير إلى أصل الثنية أبصر القوم، فصمد لهم ، فلم يزل يطاعنهم حتى أزاحهم عنها.
** (شعر سلمة في فراره) : **
قال ابن إسحاق: وقال سلمة بن دريد وهو يسوق بامرأته حتى أعجزهم:
نسيتني ما كنت غير مصابة ... ولقد عرفت غداة نعف الأظرب
أني منعتك والركوب محبب ... ومشيت خلفك مثل مشي الأنكب
إذ فر كل مهذب ذي لمة ... عن أمه وخليله لم يعقب
** (بقية حديث مقتل أبي عامر) : **
قال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل العلم بالشعر، وحديثه: أن أبا عامر الأشعري لقي يوم أوطاس عشرة إخوة من المشركين، فحمل عليه أحدهم، فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه، فقتله أبو عامر، ثم حمل عليه آخر، فحمل عليه أبو عامر، وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول:
اللهم اشهد عليه، فقتله أبو عامر: ثم جعلوا يحملون عليه رجلا رجلا، ويحمل أبو عامر وهو يقول ذلك، حتى قتل تسعة، وبقي العاشر، فحمل على أبي عامر، وحمل عليه أبو عامر، وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه، فقال الرجل: اللهم لا تشهد علي، فكف عنه أبو عامر، فأفلت، ثم أسلم بعد فحسن إسلامه. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رآه قال: هذا شريد أبي عامر. ورمى أبا عامر أخوان: العلاء وأوفى ابنا الحارث، من بني جشم بن معاوية، فأصاب أحدهما قلبه، والآخر ركبته، فقتلاه. وولي الناس أبو موسى الأشعري فحمل عليهما فقتلهما، فقال رجل من بني جشم بن معاوية يرثيهما:
إن الرزية قتل العلاء ... وأوفى جميعا ولم يسندا
هما القاتلان أبا عامر ... وقد كان ذا هبة أربدا
هما تركاه لدى معرك ... كأن على عطفه مجسدا
فلم تر في الناس مثليهما ... أقل عثارا وأرمى يدا
** (نهي الرسول عن قتل الضعفاء) : **
قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أصحابنا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر
يومئذ بامرأة وقد قتلها خالد بن الوليد، والناس متقصفون عليها فقال:
ما هذا؟ فقالوا: امرأة قتلها خالد بن الوليد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض من معه: أدرك خالدا، فقل له: إن رسول الله ينهاك أن تقتل وليدا أو امرأة أو عسيفا
** (شأن بجاد والشيماء) : **
قال ابن إسحاق، وحدثني بعض بني سعد بن بكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ: إن قدرتم على بجاد، رجل من بني سعد بن بكر، فلا يفلتنكم، وكان قد أحدث حدثا، فلما ظفر به المسلمون ساقوه وأهله، وساقوا معه الشيماء، بنت الحارث بن عبد العزى أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، فعنفوا عليها في السياق، فقالت للمسلمين: تعلموا والله أني لأخت صاحبكم من الرضاعة، فلم يصدقوها حتى أتوا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن عبيد السعدي، قال: فلما انتهي بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: يا رسول الله، إني أختك من الرضاعة، قال: وما علامة ذلك؟ قالت: عضة عضضتنيها في ظهري وأنا متوركتك ، قال: فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم العلامة، فبسط لها رداءه، فأجلسها عليه، وخيرها، وقال: إن أحببت فعندي محبة مكرمة، وإن أحببت أن أمعك وترجعي إلى قومك فعلت، فقالت: بل تمتعني وتردني إلى قومي.
فمتعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردها إلى قومها. فزعمت بنو سعد أنه أعطاها غلاما له يقال له مكحول، وجارية، فزوجت أحدهما الأخرى، فلم يزل فيهم من نسلهما بقية.
قال ابن هشام: وأنزل الله عز وجل في يوم حنين: لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم 9: 25 ... إلى قوله وذلك جزاء الكافرين 9: 26.
** (تسمية من استشهد يوم حنين) : **
قال ابن إسحاق: وهذه تسمية من استشهد يوم حنين من المسلمين.
من قريش ثم من بني هاشم: أيمن بن عبيد.
ومن بني أسد بن عبد العزى: يزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، جمح به فرس له يقال له الجناح، فقتل.
ومن الأنصار: سراقة بن الحارث بن عدي، من بني العجلان.
ومن الأشعريين: أبو عامر الأشعري.
** (جمع سبايا حنين) : **
ثم جمعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا حنين وأموالها، وكان على المغانم مسعود بن عمرو الغفاري، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسبايا والأموال إلى الجعرانة، فحبست بها.
** (شعر بجير يوم حنين) : **
وقال بجير بن زهير بن أبي سلمى في يوم حنين:
لولا الإله وعبده وليتم ... حين استخف الرعب كل جبان
بالجزع يوم حبا لنا أقراننا ... وسوابح يكبون للأذقان
من بين ساع ثوبه في كفه ... ومقطر بسنابك ولبان
والله أكرمنا وأظهر ديننا ... وأعزنا بعبادة الرحمن
والله أهلكهم وفرق جمعهم ... وأذلهم بعبادة الشيطان
قال ابن هشام: ويروي فيها بعض الرواة:
إذ قام عم نبيكم ووليه ... يدعون: يا لكتيبة الإيمان
أين الذين هم أجابوا ربهم ... يوم العريض وبيعة الرضوان
** (شعر لعباس بن مرداس في يوم حنين) : **
قال ابن إسحاق: وقال عباس بن مرداس في يوم حنين:
إني والسوابح يوم جمع ... وما يتلو الرسول من الكتاب
لقد أحببت ما لقيت ثقيف ... بجنب الشعب أمس من العذاب
هم رأس العدو من اهل نجد ... فقتلهم ألذ من الشراب
هزمنا الجمع جمع بني قسي ... وحكت بركها ببني رئاب
وصرما من هلال غادرتهم ... بأوطاس تعفر بالتراب
ولو لاقين جمع بني كلاب ... لقام نساؤهم والنقع كابي
ركضنا الخيل فيهم بين بس ... إلى الأورال تنحط بالنهاب
بزي لجب رسول الله فيهم ... كتيبته تعرض للضراب
قال ابن هشام: قوله «تعفر بالتراب» : عن غير ابن إسحاق.
** (شعر ابن عفيف في الرد على ابن مرداس) : **
فأجابه عطية بن عفيف النصري، فيما حدثنا ابن هشام، فقال:
أفاخرة رفاعة في حنين ... وعباس بن راضعة اللجاب
فانك والفجار كذات مرط ... لربتها وترفل في الإهاب
قال ابن إسحاق: قال عطية بن عفيف هذين البيتين لما أكثر عباس على هوازن في يوم حنين. ورفاعة من جهينة.
** (شعر آخر لعباس بن مرداس) : **
قال ابن إسحاق: وقال عباس بن مرداس أيضا:
يا خاتم النبآء إنك مرسل ... بالحق كل هدى السبيل هداكا
إن الإله بنى عليك محبة ... في خلقه ومحمدا سماكا
ثم الذين وفوا بما عاهدتهم ... جند بعثت عليهم الضحاكا
رجلا به ذرب السلاح كأنه ... لما تكنفه العدو يراكا
يغشى ذوي النسب القريب وإنما ... يبغي رضا الرحمن ثم رضاكا
أنبيك أني قد رأيت مكره ... تحت العجاجة يدمغ الإشراكا
طورا يعانق باليدين وتارة ... يفرى الجماجم صار ما بتاكا
يغشى به هام الكماة ولو ترى ... منه الذي عاينت كان شفاكا
وبنو سليم معنقون أمامه ... ضربا وطعنا في العدو دراكا
يمشون تحت لوائه وكأنهم ... أسد العرين أردن ثم عراكا
ما يرتجون من القريب قرابة ... إلا لطاعة ربهم وهواكا
هذي مشاهدنا التي كانت لنا ... معروفة وولينا مولاكا
وقال عباس بن مرداس أيضا:
إما تري يا أم فروة خيلنا ... منها معطلة تقاد وظلع
أوهى مقارعة الأعادي دمها ... فيها نوافذ من جراح تنبع
فلرب قائلة كفاها وقعنا ... أزم الحروب فسر بها لا يفزع
لا وفد كالوفد الألى عقدوا لنا ... سببا بحبل محمد لا يقطع
وفد أبو قطن حزابة منهم ... وأبو الغيوث وواسع والمقنع
والقائد المائة التي وفى بها ... تسع المئين فتم ألف أقرع
جمعت بنو عوف ورهط مخاشن ... ستا وأحلب من خفاف أربع
فهناك إذ نصر النبي بألفنا ... عقد النبي لنا لواء يلمع
فزنا برايته وأورث عقده ... مجد الحياة وسوددا لا ينزع
وغداة نحن مع النبي جناحه ... ببطاح مكة والقنا يتهزع
كانت إجابتنا لداعي ربنا ... بالحق منا حاسر ومقنع
في كل سابغة تخير سردها ... داود إذ نسج الحديد وتبع
ولنا على بئري حنين موكب ... دمغ النفاق وهضبة ما تقلع
نصر النبي بنا وكنا معشرا ... في كل نائبة نضر وننفع
ذدنا غداتئذ هوازن بالقنا ... والخيل يغمرها عجاج يسطع
إذ خاف حدهم النبي وأسندوا ... جمعا تكاد الشمس منه تخشع
تدعى بنو جشم وتدعى وسطه ... أفناء نصر والأسنة شرع
حتى إذا قال الرسول محمد ... أبني سليم قد وفيتم فارفعوا
رحنا ولولا نحن أجحف بأسهم ... بالمؤمنين وأحرزوا ما جمعوا
وقال عباس بن مرداس أيضا في يوم حنين:
عفا مجدل من أهله فمتالع ... فمطلا أريك قد خلا فالمصانع
ديار لنا يا جمل إذ جل عيشنا ... رخي وصرف الدار للحي جامع
حبيبة ألوت بها غربة النوى ... لبين فهل ماض من العيش راجع
فإن تبتغي الكفار غير ملومة ... فإني وزير للنبي وتابع
دعانا إليهم خير وفد علمتهم ... خزيمة والمرار منهم وواسع
فجئنا بألف من سليم عليهم ... لبوس لهم من نسج داود رائع
نبايعه بالأخشبين وإنما ... يد الله بين الأخشبين نبايع
فجسنا مع المهدي مكة عنوة ... بأسيافنا والنقع كاب وساطع
عدنية والخيل يغشى متونها ... حميم وآن من دم الجوف ناقع
ويوم حنين حين سارت هوازن ... إلينا وضاقت بالنفوس الأضالع
صبرنا مع الضحاك لا يستفزنا ... قراع الأعادي منهم والوقائع
أمام رسول الله يخفق فوقنا ... لواء كخذروف السحابة لامع
عشية ضحاك بن سفيان معتص ... بسيف رسول الله والموت كانع
نذود أخانا عن أخينا ولو نرى ... مصالا لكنا الأقربين نتابع
ولكن دين الله دين محمد ... رضينا به فيه الهدى والشرائع
أقام به بعد الضلالة أمرنا ... وليس لأمر حمه الله دافع
وقال عباس بن مرداس أيضا في يوم حنين:
تقطع باقي وصل أم مؤمل ... بعاقبة واستبدلت نية خلفا
وقد حلفت بالله لا تقطع القوى ... فما صدقت فيه ولا برت الحلفا
خفافية بطن العقيق مصيفها ... وتحتل في البادين وجرة فالعرفا
فإن تتبع الكفار أم مؤمل ... فقد زودت قلبي على نأيها شغفا
وسوف ينبيها الخبير بأننا ... أبينا ولم نطلب سوى ربنا حلفا
وأنا مع الهادي النبي محمد ... وفينا ولم يستوفها معشر ألفا
بفتيان صدق من سليم أعزة ... أطاعوا فما يعصون من أمره حرفا
خفاف وذكوان وعوف تخالهم ... مصاعب زافت في طروقتها كلفا
كأن النسيج الشهب والبيض ملبس ... أسودا تلاقت في مراصدها غضفا
بنا عز دين الله غير تنحل ... وزدنا على الحي الذي معه ضعفا
بمكة إذ جئنا كأن لواءنا ... عقاب أرادت بعد تحليقها خطفا
على شخص الأبصار تحسب بينها ... إذا هي جالت في مراودها عزفا
غداة وطئنا المشركين ولم نجد ... لأمر رسول الله عدلا ولا صرفا
بمعترك لا يسمع القوم وسطه ... لنا زجمة إلا التذامر والنقفا
ببيض نطير الهام عن مستقرها ... ونقطف أعناق الكماة بها قطفا
فكائن تركنا من قتيل ملحب ... وأرملة تدعو على بعلها لهفا
رضا الله ننوي لا رضا الناس نبتغي ... ولله ما يبدو جميعا وما يخفى
وقال عباس بن مرداس أيضا:
ما بال عينك فيها عائر سهر ... مثل الحماطة أغضى فوقها الشفر
عين تأوبها من شجوها أرق ... فالماء يغمرها طورا وينحدر
كأنه نظم در عند ناظمة ... تقطع السلك منه فهو منتثر
يا بعد منزل من ترجو مودته ... ومن أتى دونه الصمان فالحفر
دع ما تقدم من عهد الشباب فقد ... ولى الشباب وزار الشيب والزعر
واذكر بلاء سليم في مواطنها ... وفي سليم لأهل الفخر مفتخر
قوم هم نصروا الرحمن واتبعوا ... دين الرسول وأمر الناس مشتجر
لا يغرسون فسيل النخل وسطهم ... ولا تخاور في مشتاهم البقر
إلا سوابح كالعقبان مقربة ... في دارة حولها الأخطار والعكر
تدعى خفاف وعوف في جوانبها ... وحي ذكوان لا ميل ولا ضجر
الضاربون جنود الشرك ضاحية ... ببطن مكة والأرواح تبتدر
حتى دفعنا وقتلاهم كأنهم ... نخل بظاهرة البطحاء منقعر
ونحن يوم حنين كان مشهدنا ... للدين عزا وعند الله مدخر
إذ نركب الموت مخضرا بطائنه ... والخيل ينجاب عنها ساطع كدر
تحت اللواء مع الضحاك يقدمنا ... كما مشى الليث في غاباته الخدر
في مأزق من مجر الحرب كلكلها ... تكاد تأفل منه الشمس والقمر
وقد صبرنا بأوطاس أسنتنا ... لله ننصر من شئنا وننتصر
حتى تأوب أقوام منازلهم ... لولا المليك ولولا نحن ما صدروا
فما ترى معشرا قلوا ولا كثروا ... إلا قد اصبح منا فيهم أثر
وقال عباس بن مرداس أيضا:
يا أيها الرجل الذي تهوي به ... وجناء مجمرة المناسم عرمس
إما أتيت على النبي فقل له ... حقا عليك إذا اطمأن المجلس
يا خير من ركب المطي ومن مشى ... فوق التراب إذا تعد الأنفس
إنا وفينا بالذي عاهدتنا ... والخيل تقدع بالكماة وتضرس
إذا سال من أفناء بهثة كلها ... جمع تظل به المخارم ترجس
حتى صبحنا أهل مكة فيلقا ... شهباء يقدمها الهمام الأشوس
من كل أغلب من سليم فوقه ... بيضاء محكمة الدخال وقونس
يروي القناة إذا تجاسر في الوغى ... وتخاله أسدا إذا ما يعبس
يغشى الكتيبة معلما وبكفه ... عضب يقد به ولدن مدعس
وعلى حنين قد وفى من جمعنا ... ألف أمد به الرسول عرندس
كانوا أمام المؤمنين دريئة ... والشمس يومئذ عليهم أشمس
نمضي ويحرسنا الإله بحفظه ... والله ليس بضائع من يحرس
ولقد حبسنا بالمناقب محبسا ... رضى الإله به فنعم المحبس
وغداة أوطاس شددنا شدة ... كفت العدو وقيل منها: يا احبسوا
تدعو هوازن بالإخاوة بيننا ... ثدي تمد به هوازن أيبس
حتى تركنا جمعهم وكأنه ... عير تعاقبه السباع مفرس
قال ابن هشام: أنشدني خلف الأحمر قوله: «وقيل منها يا احبسوا» .
قال ابن إسحاق: وقال عباس بن مرداس أيضا:
نصرنا رسول الله من غضب له ... بألف كمي لا تعد حواسره
حملنا له في عامل الرمح راية ... يذود بها في حومة الموت ناصره
ونحن خضبناها دما فهو لونها ... غداة حنين يوم صفوان شاجره
وكنا على الإسلام ميمنة له ... وكان لنا عقد اللواء وشاهره
وكنا له دون الجنود بطانة ... يشاورنا في أمره ونشاوره
دعانا فسمانا الشعار مقدما ... وكنا له عونا على من يناكره
جزى الله خيرا من نبي محمدا ... وأيده بالنصر والله ناصره
قال ابن هشام: أنشدني من قوله: «وكنا على الإسلام» إلى آخرها، بعص أهل العلم بالشعر، ولم يعرف البيت الذي أوله: «
حملنا له في عامل الرمح راية
» .
وأنشدني بعد قوله: «
وكان لنا عقد اللواء وشاهره
» ، «
ونحن خضبناه دما فهو لونه
» .
قال ابن إسحاق: وقال عباس بن مرداس أيضا:
من مبلغ الأقوام أن محمدا ... رسول الإله راشد حيث يمما
دعا ربه واستنصر الله وحده ... فأصبح قد وفى إليه وأنعما
سرينا وواعدنا قديدا محمدا ... يؤم بنا أمرا من الله محكما
تماروا بنا في الفجر حتى تبينوا ... مع الفجر فتيانا وغابا مقوما
على الخيل مشدودا علينا دروعنا ... ورجلا كدفاع الأتي عرمرما
فإن سراة الحي إن كنت سائلا ... سليم وفيهم منهم من تسلما
وجند من الأنصار لا يخذلونه ... أطاعوا فما يعصونه ما تكلما
فإن تك قد أمرت في القوم خالدا ... وقدمته فإنه قد تقدما
بجند هداه الله أنت أميره ... تصيب به في الحق من كان أظلما
حلفت يمينا برة لمحمد ... فأكملتها ألفا من الخيل ملجما
وقال نبي المؤمنين تقدموا ... وحب إلينا أن نكون المقدما
وبتنا بنهي المستدير ولم يكن ... بنا الخوف إلا رغبة وتحزما
أطعناك حتى أسلم الناس كلهم ... وحتى صبحنا الجمع أهل يلملما
يضل الحصان الأبلق الورد وسطه ... ولا يطمئن الشيخ حتى يسوما
سمونا لهم ورد القطا زفه ضحى ... وكل تراه عن أخيه قد احجما
لدن غدوة حتى تركنا عشية ... حنينا وقد سالت دوافعه دما
إذا شئت من كل رأيت طمرة ... وفارسها يهوى ورمحا محطما
وقد أحرزت منا هوازن سربها ... وحب إليها أن نخيب ونحرما
** (شعر ضمضم في يوم حنين) : **
قال ابن إسحاق: وقال ضمضم بن الحارث بن جشم بن عبد بن حبيب ابن مالك بن عوف بن يقظة بن عصية السلمي في يوم حنين، وكانت ثقيف أصابت كنانة بن الحكم بن خالد بن الشريد، فقتل به محجنا وابن عم له، وهما من ثقيف:
نحن جلبنا الخيل من غير مجلب ... إلى جرش من أهل زيان والفم
تقتل أشبال الأسود ونبتغي ... طواغي كانت قبلنا لم تهدم
فإن تفخروا بابن الشريد فإنني ... تركت بوج مأتما بعد مأتم
أبأتهما بابن الشريد وغره ... جواركم وكان غير مذمم
تصيب رجالا من ثقيف رماحنا ... وأسيافنا يكلمنهم كل مكلم
وقال ضمضم بن الحارث أيضا:
أبلغ لديك ذوي الحلائل آية ... لا تأمنن الدهر ذات خمار
بعد التي قالت لجارة بيتها ... قد كنت لو لبث الغزي بدار
لما رأت رجلا تسفع لونه ... وغر المصيفة والعظام عواري
مشط العظام تراه آخر ليله ... متسربلا في درعه لغوار
إذ لا أزال على رحالة نهدة ... جرداء تلحق بالنجاد إزاري
يوما على أثر النهاب وتارة ... كتبت مجاهدة مع الأنصار
وزهاء كل خميلة أزهقتها ... مهلا تمهله وكل خبار
كيما أغير ما بها من حاجة ... وتود أني لا أؤوب فجار
** (شعر أبي خراش في رثاء ابن العجوة) : **
قال ابن هشام: حدثني أبو عبيدة، قال: أسر زهير بن العجوة الهذلي يوم حنين، فكتف، فرآه جميل بن معمر الجمحي، فقال له: أأنت الماشي لنا بالمغايظ؟ فضرب عنقه، فقال أبو خراش الهذلي يرثيه، وكان ابن عمه:
عجف أضيافي جميل بن معمر ... بذي فجر تأوي إليه الأرامل
طويل نجاد السيف ليس بجيدر ... إذا اهتز واسترخت عليه الحمائل
تكاد يداه تسلمان إزاره ... من الجود لما أذلقته الشمائل
إلى بيته يأوي الضريك إذا شتا ... ومستنبح بالي الدريسين عائل [14]
تروح مقرورا وهبت عشية ... لها حدب تحتشه فيوائل
فما بال أهل الدار لم يتصدعوا ... وقد بان منها اللوذعي الحلاحل
فأقسم لو لاقيته غير موثق ... لآبك بالنعف الضباع الجيائل
وإنك لو واجهته إذ لقيته ... فنازلته أو كنت ممن ينازل
لظل جميل أفحش القوم صرعة ... ولكن قرن الظهر للمرء شاغل
فليس كعهد الدار يا أم ثابت ... ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل
وعاد الفتى كالشيخ ليس بفاعل ... سوى الحق شيئا واستراح العواذل [14]
وأصبح إخوان الصفاء كأنما ... أهال عليهم جانب الترب هائل
فلا تحسبي أني نسيت لياليا ... بمكة إذ لم نعد عما نحاول
إذ الناس ناس والبلاد بغرة ... وإذ نحن لا تشنى علينا المداخل
** (شعر ابن عوف في الاعتذار من فراره) : **
قال ابن إسحاق: وقال مالك بن عوف وهو يعتذر يومئذ من فراره:
منع الرقاد فما أغمض ساعة ... نعم بأجزاع الطريق مخضرم
سائل هوازن هل أضر عدوها ... وأعين غارمها إذا ما يغرم
وكتيبة لبستها بكتيبة ... فئتين منها حاسر وملأم
ومقدم تعيا النفوس لضيقه ... قدمته وشهود قومي أعلم
فوردته وتركت إخوانا له ... يردون غمرته وغمرته الدم
فإذا انجلت غمراته أورثنني ... مجد الحياة ومجد غنم يقسم
كلفتموني ذنب آل محمد ... والله أعلم من أعق وأظلم
وخذلتموني إذ أقاتل واحدا ... وخذلتموني إذ تقاتل خشعم
وإذا بنيت المجد يهدم بعضكم ... لا يستوي بان وآخر يهدم
وأقب مخماص الشتاء مسارع ... في المجد ينمي للعلى متكرم
أكرهت فيه ألة يزنية ... سحماء يقدمها سنان سلجم
وتركت حنته ترد وليه ... وتقول ليس على فلانة مقدم
ونصبت نفسي للرماح مدججا ... مثل الدرية تستحل وتشرم
** (شعر لهوازني يذكر إسلام قومه) : **
قال ابن إسحاق: وقال قائل في هوازن أيضا، يذكر مسيرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع مالك بن عوف بعد إسلامه:
أذكر مسيرهم للناس إذ جمعوا ... ومالك فوقه الرايات تختفق
ومالك مالك ما فوقه أحد ... يوم حنين عليه التاج يأتلق
حتى لقوا الباس حين الباس يقدمهم ... عليهم البيض والأبدان والدرق
فضاربوا الناس حتى لم يروا أحدا ... حول النبي وحتى جنه الغسق
ثمت نزل جبريل بنصرهم ... من السماء فمهزوم ومعتنق
منا ولو غير جبريل يقاتلنا ... لمنعتنا إذن أسيافنا العتق
وفاتنا عمر الفاروق إذ هزموا ... بطعنة بل منها سرجه العلق
** (شعر جشمية في رثاء أخويها) : **
وقالت امرأة من بني جشم ترثي أخوين لها أصيبا يوم حنين:
أعيني جودا على مالك ... معا والعلاء ولا تجمدا
هما القاتلان أبا عامر ... وقد كان ذا هبة أربدا
هما تركاه لدى مجسد ... ينوء نزيفا وما وسدا
** (شعر أبي ثواب في هجاء قريش) : **
وقال أبو ثواب زيد بن صحار، أحد بني سعد بن بكر:
ألا هل أتاك أن غلبت قريش ... هوازن والخطوب لها شروط
وكنا يا قريش إذا غضبنا ... يجيء من الغضاب دم عبيط
وكنا يا قريش إذا غضبنا ... كأن أنوفنا فيها سعوط
فأصبحنا تسوقنا قريش ... سياق العير يحدوها النبيط
فلا أنا إن سئلت الخسف آب ... ولا أنا أن ألين لهم نشيط
سينقل لحمها في كل فج ... وتكتب في مسامعها القطوط
ويروى «الخطوط» ، وهذا البيت في رواية أبي سعد .
قال ابن هشام: ويقال: أبو ثواب زياد بن ثواب. وأنشدني خلف الأحمر
قوله: «
يجيء من الغضاب دم عبيط
» ، وآخرها بيتا عن غير ابن إسحاق.
** (شعر ابن وهب في الرد على ابن أبي ثواب) : **
قال ابن إسحاق: فأجابه عبد الله بن وهب رجل من بني تميم، ثم من بني أسيد، فقال:
بشرط الله نضرب من لقينا ... كأفضل ما رأيت من الشروط
وكنا يا هوازن حين نلقى ... نبل الهام من علق عبيط
بجمعكم وجمع بني قسي ... نحك البرك كالورق الخبيط
أصبنا من سراتكم وملنا ... بقتل في المباين والخليط
به الملتاث مفترش يديه ... يمج الموت كالبكر النحيط
فإن تك قيس عيلان غضابا ... فلا ينفك يرغمهم سعوطي
** (شعر خديج في يوم حنين) : **
وقال خديج بن العوجاء النصري:
لما دنونا من حنين ومائه ... رأينا سوادا منكر اللون أخصفا
بملمومة شهباء لو قذفوا بها ... شماريخ من عزوى إذن عاد صفصفا [8]
ولو أن قومي طاوعتني سراتهم ... إذن ما لقينا العارض المتكشفا
إذن ما لقينا جند آل محمد ... ثمانين ألفا واستمدوا بخندفا