Islam · Chronicles · Al-Sira al-Nabawiyya
ذكر ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى وعبيد الله بن جحش وعثمان بن الحويرث وزيد بن عمرو بن نفيل
Al-Sira al-Nabawiyya · Ibn Ishaq (d. 767), recension of Ibn Hisham (d. 833) · chapter 54 of 264
** (بحثهم في الأديان) : **
قال ابن إسحاق: واجتمعت قريش يوما في عيد لهم عند صنم من أصنامهم، كانوا يعظمونه وينحرون له، ويعكفون عنده، ويديرون به، وكان ذلك عيدا لهم في كل سنة يوما، فخلص منهم أربعة نفر نجيا ، ثم قال بعضهم لبعض: تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض، قالوا: أجل. وهم: ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي،
وعبيد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم ابن دودان بن أسد بن خزيمة، وكانت أمه أميمة بنت عبد المطلب، وعثمان ابن الحويرث بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وزيد بن عمرو بن نفيل ابن عبد العزى بن عبد الله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدي بن كعب ابن لؤي، فقال بعضهم لبعض: تعلموا والله ما قومكم على شيء! لقد أخطئوا دين أبيهم إبراهيم! ما حجر نطيف به، لا يسمع ولا يبصر، ولا يضر ولا ينفع، يا قوم التمسوا لأنفسكم (دينا) ، فإنكم والله ما أنتم على شيء. فتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية، دين إبراهيم.
** (ما وصل إليه ورقة وابن جحش) : **
فأما ورقة بن نوفل فاستحكم في النصرانية، واتبع الكتب من أهلها، حتى علم علما من أهل الكتاب. وأما عبيد الله بن جحش، فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم، ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان مسلمة، فلما قدمها تنصر، وفارق الإسلام، حتى هلك هنالك نصرانيا.
** (ما كان يفعله ابن جحش بعد تنصره بمسلمي الحبشة) : **
قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، قال: كان عبيد الله ابن جحش حين تنصر يمر بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم هنالك من أرض الحبشة، فيقول: فقحنا وصأصأتم، أي أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر،
ولم تبصروا بعد. وذلك أن ولد الكلب إذا أراد أن يفتح عينيه لينظر، صأصأ لينظر. وقوله: فقح: فتح عينيه.
** (زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من امرأة ابن جحش بعد موته) : **
قال ابن إسحاق: وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب.
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن علي بن حسين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث فيها إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري، فخطبها عليه النجاشي، فزوجه إياها، وأصدقها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مائة دينار. فقال محمد بن علي: ما نرى عبد الملك بن مروان وقف صداق النساء على أربع مائة دينار إلا عن ذلك. وكان الذي أملكها النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن سعيد ابن العاص.
** (تنصر ابن الحويرث، وذهابه إلى قيصر) : **
قال ابن إسحاق: وأما عثمان بن الحويرث فقدم على قيصر ملك الروم، فتنصر وحسلت منزلته عنده.
قال ابن هشام: ولعثمان بن الحويرث عند قيصر حديث، منعني من ذكره ما ذكرت في حديث حرب الفجار
.
** (زيد بن عمرو وما وصل إليه، وشيء عنه) : **
قال ابن إسحاق: وأما زيد بن عمرو بن نفيل فوقف فلم يدخل في يهودية ولا نصرانية، وفارق دين قومه، فاعتزل الأوثان والميتة والدم والذبائح التي
تذبح على الأوثان ونهى عن قتل الموءودة ، وقال: أعبد رب إبراهيم، وبادى قومه بعيب ما هم عليه.
قال ابن إسحاق: وحدثني هشام بن عروة عن أبيه، عن أمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل شيخا كبيرا مسندا ظهره إلى الكعبة، وهو يقول: يا معشر قريش، والذي نفس زيد ابن عمرو بيده، ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري، ثم يقول: اللهم لو أني أعلم أي الوجوه أحب إليك عبدتك به، ولكني لا أعلمه، ثم يسجد على راحته.
قال ابن إسحاق: وحدثت أن ابنه، سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعمر بن الخطاب، وهو ابن عمه، قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنستغفر لزيد بن عمرو؟ قال: نعم، فإنه يبعث أمة وحده.
** (شعر زيد في فراق دين قومه) : **
وقال زيد بن عمرو بن نفيل في فراق دين قومه، وما كان لقي منهم في ذلك:
أربا واحدا أم ألف رب ... أدين إذا تقسمت الأمور
عزلت اللات والعزى جميعا ... كذلك يفعل الجلد الصبور
فلا العزى أدين ولا ابنتيها ... ولا صنمي بني عمرو أزور
ولا هبلا أدين وكان ربا ... لنا في الدهر إذ حلمي يسير
عجبت وفي الليالي معجبات ... وفي الأيام يعرفها البصير
بأن الله قد أفنى رجالا ... كثيرا كان شأنهم الفجور
وأبقى آخرين ببر قوم ... فيربل منهم الطفل الصغير
وبينا المرء يفتر ثاب يوما ... كما يتروح الغصن المطير
ولكن أعبد الرحمن ربي ... ليغفر ذنبي الرب الغفور
فتقوى الله ربكم احفظ ها ... متى ما تحفظوها لا تبوروا
ترى الأبرار دارهم جنان ... وللكفار حامية سعير
وخزي في الحياة وإن يموتوا ... يلاقوا ما تضيق به الصدور
وقال زيد بن عمرو بن نفيل أيضا- قال ابن هشام: هي لأمية بن أبي الصلت في قصيدة له، إلا البيتين الأولين والبيت الخامس وآخرها بيتا. وعجز البيت الأول عن غير ابن إسحاق-:
إلى الله أهدي مدحتي وثنائيا ... وقولا رصينا لا يني الدهر باقيا
إلى الملك الأعلى الذي ليس فوقه ... إله ولا رب يكون مدانيا
ألا أيها الإنسان إياك والردى ... فإنك لا تخفي من الله خافيا
وإياك لا تجعل مع الله غيره ... فإن سبيل الرشد أصبح باديا
حنانيك إن الحن كانت رجاءهم ... وأنت إلهي ربنا ورجائيا
رضيت بك اللهم ربا فلن أرى ... أدين إلها غيرك الله ثانيا
(أدين لرب يستجاب ولا أرى ... أدين لمن لم يسمع الدهر داعيا)
وأنت الذي من فضل من ورحمة ... بعثت إلى موسى رسولا مناديا
فقلت له يا اذهب وهارون فادعوا ... إلى الله فرعون الذي كان طاغيا
وقولا له: أأنت سويت هذه ... بلا وتد حتى اطمأنت كما هيا
وقولا له: أأنت رفعت هذه ... بلا عمد أرفق إذا بك بانيا
وقولا له: أأنت سويت وسطها ... منيرا إذا ما جنه الليل هاديا
وقولا له: من يرسل الشمس غدوة ... فيصبح ما مست من الأرض ضاحيا
وقولا له: من ينبت الحب في الثرى ... فيصبح منه البقل يهتز رابيا
ويخرج منه حبه في رءوسه ... وفي ذاك آيات لمن كان واعيا
وأنت بفضل منك نجيت يونسا ... وقد بات في أضعاف حوت لياليا
وإني (و) لو سبحت باسمك ربنا ... لأكثر، إلا ما غفرت، خطائيا [12]
فرب العباد ألق سيبا ورحمة ... علي وبارك في بني وماليا
وقال زيد بن عمرو يعاتب امرأته صفية بنت الحضرمي-
** (نسب الحضرمي) : **
قال ابن هشام: واسم الحضرمي: عبد الله بن عماد (بن أكبر) أحد الصدف، واسم الصدف: عمرو بن مالك أحد السكون بن أشرس بن كندى، ويقال: كندة بن ثور بن مرتع بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد ابن زيد بن مهسع بن عمرو بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، ويقال: مرتع ابن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ.
** (شعر زيد في عتاب زوجته على اتفاقها مع الخطاب في معاكسته) : **
قال ابن إسحاق: وكان زيد بن عمرو قد أجمع الخروج من مكة ليضرب في الأرض يطلب الحنيفية دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم، فكانت صفية بنت الحضرمي كلما رأته قد تهيأ للخروج وأراده آذنت به الخطاب بن نفيل، وكان الخطاب ابن نفيل عمه وأخاه لأمه، وكان يعاتبه على فراق دين قومه، وكان الخطاب قد وكل صفية به، وقال: إذا رأيتيه قد هم بأمر فآذنيني به- فقال زيد:
لا تحبسينى في الهوان ... صفي ما دابي ودابه
إني إذا خفت الهوان ... مشيع ذلل ركابه
دعموص أبواب الملوك ... وجائب للخرق نابه
قطاع أسباب تذل ... بغير أقران صعابه
وإنما أخذ الهوان ... العير إذ يوهى إهابه
ويقول إني لا أذل ... بصك جنبيه صلابه
وأخي ابن أمى ثم ... عمي لا يواتيني خطابه
وإذا يعاتبني بسوء ... قلت أعياني جوابه
ولو أشاء لقلت ما ... عندي مفاتحه وبابه #
** (شعر زيد حين كان يستقبل الكعبة) : **
قال ابن إسحاق: وحدثت (عن) بعض أهل زيد بن عمرو بن نفيل: أن زيدا كان إذا استقبل الكعبة داخل المسجد، قال: لبيك حقا حقا، تعبدا ورقا.
عذت بما عاذ به إبراهم ... مستقبل القبلة وهو قائم
إذ قال:
أنفي لك اللهم عان راغم ... مهما تجشمني فإني جاشم
البر أبغي لا الخال ، ليس مهجر كمن قال.
قال ابن هشام: ويقال: البر أبقى لا الخال، ليس مهجر كمن قال. قال وقوله «مستقبل الكعبة» عن بعض أهل العلم.
قال ابن إسحاق: وقال زيد بن عمرو بن نفيل:
وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له الأرض تحمل صخرا ثقالا
دحاها فلما رآها استوت ... على الماء أرسى عليها الجبالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذبا زلالا
إذا هي سيقت إلى بلدة ... أطاعت فصبت عليها سجالا #
** (الخطاب ووقوفه في سبيل زيد بن نفيل، وخروج زيد إلى الشام وموته) : **
وكان الخطاب قد آذى زيدا، حتى أخرجه إلى أعلى مكة، فنزل حراء مقابل مكة، ووكل به الخطاب شبابا من شباب قريش وسفهاء من سفهائها، فقال لهم:
لا تتركوه يدخل مكة، فكان لا يدخلها إلا سرا منهم، فإذا علموا بذلك آذنوا به الخطاب فأخرجوه وآذوه كراهية أن يفسد عليهم دينهم، وأن يتابعه أحد منهم على فراقه. فقال وهو يعظم حرمته على من استحل منه ما استحل من قومه:
لا هم إني محرم لا حله ... وإن بيتي أوسط المحله
عند الصفا ليس بذي مضله
ثم خرج يطلب دين إبراهيم عليه السلام، ويسأل الرهبان والأحبار، حتى بلغ الموصل والجزيرة كلها، ثم أقبل فجال الشام كله، حتى انتهى إلى راهب بميفعة [6] من أرض البلقاء كان ينتهي إليه علم أهل النصرانية فيما يزعمون، فسأله عن الحنيفية دين إبراهيم، فقال: إنك لتطلب دينا ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم، ولكن قد أظل زمان نبي يخرج من بلادك التي خرجت منها، يبعث بدين إبراهيم الحنيفية، فالحق بها، فإنه مبعوث الآن، هذا زمانه. وقد كان
شام اليهودية والنصرانية، فلم يرض شيئا منهما، فخرج سريعا، حين قال له ذلك الراهب ما قال، يريد مكة، حتى إذا توسط بلاد لخم عدوا عليه فقتلوه.
فقال ورقة بن نوفل بن أسد يبكيه:
** (رثاء ورقة لزيد) : **
رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما ... تجنبت تنورا من النار حاميا
بدينك ربا ليس رب كمثله ... وتركك أوثان الطواغي كما هيا
وإدراكك الدين الذي قد طلبته ... ولم تك عن توحيد ربك ساهيا
فأصبحت في دار كريم مقامها ... تعلل فيها بالكرامة لاهيا
تلاقي خليل الله فيها ولم تكن ... من الناس جبارا إلى النار هاويا
وقد تدرك الإنسان رحمة ربه ... ولو كان تحت الأرض سبعين واديا
قال ابن هشام: يروى لأمية بن أبي الصلت البيتان الأولان منها، وآخرها بيتا في قصيدة له، وقوله: «أوثان الطواغي» عن غير ابن إسحاق.