Islam · Chronicles · Al-Sira al-Nabawiyya
تحير الوليد بن المغيرة فيما يصف به القرآن
Al-Sira al-Nabawiyya · Ibn Ishaq (d. 767), recension of Ibn Hisham (d. 833) · chapter 65 of 264
** (اجتماعه بنفر من قريش ليبيتوا ضد النبي صلى الله عليه وسلم، واتفاق قريش أن يصفوا الرسول صلى الله عليه وسلم بالساحر، وما أنزل الله فيهم) : **
ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش، وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قولكم بعضه بعضا، قالوا:
فأنت يا أبا عبد شمس، فقل وأقم لنا رأيا نقول به، قال: بل أنتم فقولوا أسمع، قالوا: نقول كاهن، قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه، قالوا: فنقول: مجنون، قال: ما هو بمجنون.
لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه، ولا تخالجه، ولا وسوسته، قالوا:
فنقول: شاعر، قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر، قالوا: فنقول: ساحر، قال:
ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم ، قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعذق ، وإن فرعه لجناة- قال ابن هشام: ويقال لغدق- وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر، جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء
وزوجته، وبين المرء وعشيرته. فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره.
فأنزل الله تعالى في الوليد بن المغيرة وفي ذلك من قوله: ذرني ومن خلقت وحيدا، وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا، ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيدا 74: 11- 16: أي خصيما.
قال ابن هشام: عنيد: معاند مخالف. قال رؤبة بن العجاج:
ونحن ضرابون رأس العند
وهذا البيت في أرجوزة له.
سأرهقه صعودا، إنه فكر وقدر، فقتل كيف قدر. ثم قتل كيف قدر. ثم نظر، ثم عبس وبسر 74: 17- 22.
قال ابن هشام: بسر: كره وجهه. قال العجاج:
مضبر اللحيين بسرا منهسا
يصف كراهية وجهه. وهذا البيت في أرجوزة له:
ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر، إن هذا إلا قول البشر 74: 23- 25.
** (ما أنزل الله في النفر الذين كانوا مع المغيرة) : **
قال ابن إسحاق: وأنزل الله تعالى : في النفر الذين كانوا معه يصنفون القول
في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيما جاء به من الله تعالى: كما أنزلنا على المقتسمين. الذين جعلوا القرآن عضين. فو ربك لنسئلنهم أجمعين.
عما كانوا يعملون 15: 90- 93.
قال ابن هشام: واحدة العضين: عضة، يقول: عضوه: فرقوه. قال رؤبة بن العجاج:
وليس دين الله بالمعضى
وهذا البيت في أرجوزة له.
** (تفرق النفر في قريش يشوهون رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم) : **
قال ابن إسحاق: فجعل أولئك النفر يقولون ذلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن لقوا من الناس، وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها.
** (شعر أبي طالب في استعطاف قريش) : **
فلما خشي أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه، قال قصيدته التي تعوذ فيها بحرم مكة وبمكانه منها، وتودد فيها أشراف قومه، وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في ذلك من شعره أنه غير مسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تاركه لشيء أبدا حتى يهلك دونه، فقال:
ولما رأيت القوم لا ود فيهم ... وقد قطعوا كل العرى والوسائل
وقد صارحونا بالعداوة والأذى ... وقد طاوعوا أمر العدو المزايل
وقد حالفوا قوما علينا أظنة ... يعضون غيظا خلفنا بالأنامل
صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة ... وأبيض عضب من تراث المقاول
وأحضرت عند البيت رهطي وإخوتي ... وأمسكت من أثوابه بالوصائل
قياما معا مستقبلين رتاجه ... لدى حيث يقضي حلفه كل نافل
وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم ... بمفضى السيول من إساف ونائل
موسمة الأعضاد أو قصراتها ... مخيسة بين السديس وبازل
ترى الودع فيها والرخام وزينة ... بأعناقها معقودة كالعثاكل
أعوذ برب الناس من كل طاعن ... علينا بسوء أو ملح بباطل
ومن كاشح يسعى لنا بمعيبة ... ومن ملحق في الدين ما لم نحاول
وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه ... وراق ليرقى في حراء ونازل
وبالبيت، حق البيت، من بطن مكة ... وبالله إن الله ليس بغافل
وبالحجر المسود إذ يمسحونه ... إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل
وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة ... على قدميه حافيا غير ناعل
وأشواط بين المروتين إلى الصفا ... وما فيهما من صورة وتماثل
ومن حج بيت الله من كل راكب ... ومن كل ذي نذر ومن كل راجل
وبالمشعر الأقصى إذا عمدوا له ... إلال إلى مفضى الشراج القوابل
وتوقافهم فوق الجبال عشية ... يقيمون بالأيدي صدور الرواحل
وليلة جمع والمنازل من منى ... وهل فوقها من حرمة ومنازل
وجمع إذ ما المقربات أجزنه ... سراعا كما يخرجن من وقع وابل
وبالجمرة الكبرى إذا صمدوا لها ... يؤمون قذفا رأسها بالجنادل
وكندة إذا هم بالحصاب عشية ... تجيز بهم حجاج بكر بن وائل
حليفان شدا عقد ما احتلفا له ... وردا عليه عاطفات الوسائل
وحطمهم سمر الصفاح وسرحه
وشبرقه ... وخد النعام الجوافل
فهل بعد هذا من معاذ لعائذ ... وهل من معيذ يتقي الله عاذل
يطاع بنا العدى وودوا لو اننا ... تسد بنا أبواب ترك وكابل
كذبتم وبيت الله نترك مكة ... ونظعن إلا أمركم في بلابل
كذبتم وبيت الله نبزى محمدا ... ولما نطاعن دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل
وينهض قوم في الحديد إليكم ... نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل
وحتى ترى ذا الضغن يركب ردعه ... من الطعن فعل الأنكب المتحامل
وإنا لعمر الله إن جد ما أرى ... لتلتبسن أسيافنا بالأماثل
بكفي فتى مثل الشهاب سميدع ... أخي ثقة حامي الحقيقة باسل
شهورا وأياما وحولا مجرما ... علينا وتأتي حجة بعد قابل
وما ترك قوم، لا أبا لك، سيدا ... يحوط الذمار غير ذرب مواكل
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلاف من آل هاشم ... فهم عنده في رحمة وفواضل
لعمري لقد أجرى أسيد وبكره ... إلى بغضنا وجزآنا لآكل
وعثمان لم يربع علينا وقنفذ ... ولكن أطاعا أمر تلك القبائل
أطاعا أبيا وابن عبد يغوثهم ... ولم يرقبا فينا مقالة قائل
كما قد لقينا من سبيع ونوفل ... وكل تولى معرضا لم يجامل
فإن يلقيا أو يمكن الله منهما ... نكل لهما صاعا بصاع المكايل
وذاك أبو عمرو أبى غير بغضنا ... ليظعننا في أهل شاء وجامل
يناجي بنا في كل ممسى ومصبح ... فناج أبا عمرو بنا ثم خاتل
ويؤلى لنا بالله ما إن يغشنا ... بلى قد نراه جهرة غير حائل
أضاق عليه بغضنا كل تلعة ... من الأرض بين أخشب فمجادل
وسائل أبا الوليد ماذا حبوتنا ... بسعيك فينا معرضا كالمخاتل
وكنت امرأ ممن يعاش برأيه ... ورحمته فينا ولست بجاهل
فعتبة لا تسمع بنا قول كاشح ... حسود كذوب مبغض ذي دغاول
ومر أبو سفيان عني معرضا ... كما مر قيل من عظام المقاول
يفر إلى نجد وبرد مياهه ... ويزعم أني لست عنكم بغافل
ويخبرنا فعل المناصح أنه ... شفيق ويخفي عارمات الدواخل
أمطعم لم أخذلك في يوم نجدة ... ولا معظم عند الأمور الجلائل
ولا يوم خصم إذا أتوك ألدة ... أولي جدل من الخصوم المساجل
أمطعم إن القوم ساموك خطة ... وإني متى أوكل فلست بوائل
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا ... عقوبة شر عاجلا غير آجل
بميزان قسط لا يخس شعيرة ... له شاهد من نفسه غير عائل
لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا ... بني خلف قيضا بنا والغياطل
ونحن الصميم من ذؤابة هاشم ... وآل قصي في الخطوب الأوائل
وسهم ومخزوم تمالوا وألبوا ... علينا العدا من كل طمل وخامل
فعبد مناف أنتم خير قومكم ... فلا تشركوا في أمركم كل واغل
لعمري لقد وهنتم وعجزتم ... وجئتم بأمر مخطئ للمفاصل
وكنتم حديثا حطب قدر وأنتم ... الآن حطاب أقدر ومراجل
ليهنئ بني عبد مناف عقوقنا ... وخذلاننا وتركنا في المعاقل
فإن نك قوما نتئر ما صنعتم ... وتحتلبوها لقحة غير باهل
وسائط كانت في لؤي بن غالب ... نفاهم إلينا كل صقر حلاحل
ورهط نفيل شر من وطئ الحصى ... وألأم حاف من معد وناعل
فأبلغ قصيا أن سينشر أمرنا ... وبشر قصيا بعدنا بالتخاذل
ولو طرقت ليلا قصيا عظيمة ... إذا ما لجأنا دونهم في المداخل
ولو صدقوا ضربا خلال بيوتهم ... لكنا أسى عند النساء المطافل
فكل صديق وابن أخت نعده ... لعمري وجدنا غبه غير طائل
سوى أن رهطا من كلاب بن مرة ... براء إلينا من معقة خاذل
وهنا لهم حتى تبدد جمعهم ... ويحسر عنا كل باغ وجاهل
وكان لنا حوض السقاية فيهم ... ونحن الكدى من غالب والكواهل
شباب من المطيبين وهاشم ... كبيض السيوف بين أيدي الصياقل
فما أدركوا ذحلا ولا سفكوا دما ... ولا حالفوا إلا شرار القبائل
بضرب ترى الفتيان فيه كأنهم ... ضواري أسود فوق لحم خرادل
بني أمة محبوبة هندكية ... بني جمح عبيد قيس بن عاقل
ولكننا نسل كرام لسادة ... بهم نعي الأقوام عند البواطل
ونعم ابن أخت القوم غير مكذب ... زهير حساما مفردا من حمائل
أشم من الشم البهاليل ينتمي ... إلى حسب في حومة المجد فاضل
لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد ... وإخوته دأب المحب المواصل
فلا زال في الدنيا جمالا لأهلها ... وزينا لمن والاه رب المشاكل
فمن مثله في الناس أي مؤمل ... إذا قاسه الحكام عند التفاضل
حليم رشيد عادل غير طائش ... يوالي إلها ليس عنه بغافل
فو الله لولا أن أجيء بسنة ... تجر على أشياخنا في المحافل
لكنا اتبعناه على كل حالة ... من الدهر جدا غير قول التهازل
لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعنى بقول الأباطل
فأصبح فينا أحمد في أرومة ... تقصر عنه سورة المتطاول
حدبت بنفسي دونه وحميته ... ودافعت عنه بالذرى والكلاكل
فأيده رب العباد بنصره ... وأظهر دينا حقه غير باطل
رجال كرام غير ميل نماهم ... إلى الخير آباء كرام المحاصل
فإن تك كعب من لؤي صقيبة ... فلا بد يوما مرة من تزايل
قال ابن هشام: هذا ما صح لي من هذه القصيدة، وبعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها.
** (دعا صلى الله عليه وسلم للناس حين أقحطوا، فنزل المطر، وود لو أن أبا طالب حي، فرأى ذلك) : **
قال ابن هشام: وحدثني من أثق به، قال: أقحط أهل المدينة، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشكوا ذلك إليه، فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فاستسقى، فما لبث أن جاء من المطر ما أتاه أهل الضواحي يشكون
منه الغرق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم حوالينا ولا علينا [1] ، فانجاب السحاب عن المدينة فصار حواليها كالإكليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لسره، فقال له بعض أصحابه: كأنك يا رسول الله أردت قوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
قال: أجل .
قال ابن هشام: وقوله «وشبرقه» عن غير ابن إسحاق.
** (الأسماء التي وردت في قصيدة أبي طالب) : **
قال ابن إسحاق: والغياطل: من بني سهم بن عمرو بن هصيص، وأبو سفيان ابن حرب ابن أمية. ومطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف. وزهير
ابن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وأمه عاتكة بنت عبد المطلب قال ابن إسحاق: وأسيد، وبكره: عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية ابن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي. وعثمان بن عبيد الله، أخو طلحة بن عبيد الله التيمي. وقنفذ بن عمير بن جدعان بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة. وأبو الوليد عتبة بن ربيعة. وأبي الأخنس بن شريق الثقفي، حليف بني زهرة بن كلاب.
قال ابن هشام: وإنما سمي الأخنس. لأنه خنس بالقوم يوم بدر، وإنما اسمه أبي، وهو من بني علاج، وهو علاج بن أبي سلمة بن عوف بن عقبة.
والأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب. وسبيع ابن خالد، أخو بلحارث بن فهر. ونوفل بن خويلد بن أسد بن عبد العزى ابن قصي، وهو ابن العدوية. وكان من شياطين قريش، وهو الذي قرن بين أبي بكر الصديق وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما في حبل حين أسلما، فبذلك كانا يسميان القرينين، قتله علي بن أبى طالب عليه السلام يوم بدر.
وأبو عمرو قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف. «وقوم علينا أظنة» : بنو بكر ابن عبد مناة بن كنانة، فهؤلاء الذين عدد أبو طالب في شعره من العرب.
** (انتشار ذكر الرسول في القبائل، ولا سيما في الأوس والخزرج) : **
فلما انتشر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرب، وبلغ البلدان، ذكر بالمدينة، ولم يكن حي من العرب أعلم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر، وقبل أن يذكر من هذا الحي من الأوس والخزرج، وذلك لما كانوا يسمعون من أحبار اليهود، وكانوا لهم حلفاء، ومعهم في بلادهم. فلما وقع ذكره بالمدينة، وتحدثوا بما بين قريش فيه من الاختلاف. قال أبو قيس بن الأسلت [1] . أخو بني واقف.
** (نسب أبي قيس بن الأسلت) : **
قال ابن هشام: نسب ابن إسحاق أبا قيس هذا هاهنا إلى بني واقف، ونسبه
في حديث الفيل إلى خطمة، لأن العرب قد تنسب الرجل إلى أخي جده الذي هو أشهر منه.
قال ابن هشام: حدثني أبو عبيدة: أن الحكم بن عمرو الغفاري من ولد نعيلة أخي غفار. وهو غفار بن مليل، ونعيلة بن مليل بن ضمرة بن بكر ابن عبد مناة، وقد قالوا عتبة بن غزوان السلمي، وهو من ولد مازن بن منصور وسليم بن منصور.
قال ابن هشام: فأبو قيس بن الأسلت: من بني وائل، ووائل، وواقف، وخطمة إخوة من الأوس.
** (شعر ابن الأسلت في الدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم) : **
قال ابن إسحاق: فقال أبو قيس بن الأسلت- وكان يحب قريشا، وكان لهم صهرا، كانت عنده أرنب بنت أسد بن عبد العزى بن قصي، وكان يقيم عندهم السنين بامرأته- قصيدة يعظم فيها الحرمة، وينهى قريشا فيها عن الحرب، ويأمرهم بالكف بعضهم عن بعض، ويذكر فضلهم وأحلامهم، ويأمرهم بالكف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويذكرهم بلاء الله عندهم، ودفعه عنهم الفيل وكيده عنهم، فقال:
يا راكبا إما عرضت فبلغن ... مغلغلة عني لؤي بن غالب
رسول امرئ قد راعه ذات بينكم ... على النأي محزون بذلك ناصب
وقد كان عندي للهموم معرس ... فلم أقض منها حاجتي ومآربي
نبيتكم شرجين كل قبيلة ... لها أزمل من بين مذك وحاطب
أعيذكم بالله من شر صنعكم ... وشر تباغيكم ودس العقارب
وإظهار أخلاق ونجوى سقيمة ... كوخز الأشافي وقعها حق صائب
فذكرهم بالله أول وهلة ... وإحلال أحرام الظباء الشوازب
وقل لهم والله يحكم حكمه ... ذروا الحرب تذهب عنكم في المراحب
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة ... هي الغول للأقصين أو للأقارب
تقطع أرحاما وتهلك أمة ... وتبري السديف من سنام وغارب
وتستبدلوا بالأتحمية بعدها ... شليلا وأصداء ثياب المحارب
وبالمسك والكافور غبرا سوابغا ... كأن قتيريها عيون الجنادب
فإياكم والحرب لا تعلقنكم ... وحوضا وخيم الماء مر المشارب
تزين للأقوام ثم يرونها ... بعاقبة إذ بينت، أم صاحب
تحرق لا تشوي ضعيفا وتنتحي ... ذوي العز منكم بالحتوف الصوائب
ألم تعلموا ما كان في حرب داحس ... فتعتبروا أو كان في حرب حاطب
وكم قد أصابت من شريف مسود ... طويل العماد ضيفه غير خائب
عظيم رماد النار يحمد أمره ... وذي شيمة محض كريم المضارب
وماء هريق في الضلال كأنما ... أذاعت به ريح الصبا والجنائب
يخبركم عنها امرؤ حق عالم ... بأيامها والعلم علم التجارب
فبيعوا الحراب ملمحارب واذكروا ... حسابكم والله خير محاسب
ولي امرئ فاختار دينا فلا يكن ... عليكم رقيبا غير رب الثواقب
أقيموا لنا دينا حنيفا فأنتم ... لنا غاية قد يهتدى بالذوائب
وأنتم لهذا الناس نور وعصمة ... تؤمون، والأحلام غير عوازب
وأنتم، إذا ما حصل الناس، جوهر ... لكم سرة البطحاء شم الأرانب
تصونون أجسادا كراما عتيقة ... مهذبة الأنساب غير أشائب
ترى طالب الحاجات نحو بيوتكم ... عصائب هلكى تهتدي بعصائب
لقد علم الأقوام أن سراتكم ... على كل حال خير أهل الجباجب
وأفضله رأيا وأعلاه سنة ... وأقوله للحق وسط المواكب
فقوموا فصلوا ربكم وتمسحوا ... بأركان هذا البيت بين الأخاشب
فعندكم منه بلاء ومصدق ... غداة أبي يكسوم هادي الكتائب
كتيبته بالسهل تمسي ورجله ... على القاذفات في رءوس المناقب
فلما أتاكم نصر ذي العرش ردهم ... جنود المليك بين ساف وحاصب
فولوا سراعا هاربين ولم يؤب ... إلى أهله ملحبش غير عصائب
فإن تهلكوا نهلك وتهلك مواسم ... يعاش بها، قول امرئ غير كاذب
قال ابن هشام: أنشدني بيته: «وماء هريق» ، وبيته: «فبيعوا الحراب» ، وقوله: «ولي امرئ فاختار» ، وقوله:
على القاذفات في رءوس المناقب
أبو زيد الأنصاري وغيره.
** (حرب داحس) : **
قال ابن هشام: وأما قوله:
ألم تعلموا ما كان في حرب داحس
فحدثني أبو عبيدة النحوي: أن داحسا فرس كان لقيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن الحارث بن مازن بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث ابن غطفان، أجراه مع فرس لحذيفة بن بدر بن عمرو بن زيد بن جؤية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان، يقال لها: الغبراء. فدس حذيفة قوما وأمرهم أن يضربوا وجه داحس إن رأوه قد جاء سابقا، فجاء داحس سابقا فضربوا وجهه، وجاءت الغبراء. فلما جاء فارس داحس أخبر قيسا الخبر، فوثب أخوه مالك بن زهير فلطم وجه الغبراء، فقام حمل بن بدر فلطم مالكا. ثم إن أبا الجنيدب العبسي لقي عوف بن حذيفة فقتله، ثم لقي رجل من بني فزارة مالكا فقتله، فقال حمل بن بدر أخو حذيفة ابن بدر:
قتلنا بعوف مالكا وهو ثأرنا ... فإن تطلبوا منا سوى الحق تندموا
وهذا البيت في أبيات له. وقال الربيع بن زياد العبسي:
أفبعد مقتل مالك بن زهير ... ترجو النساء عواقب الأطهار
وهذا البيت في قصيدة له.
فوقعت الحرب بين عبس وفزارة، فقتل حذيفة بن بدر وأخوه حمل بن بدر، فقال قيس بن زهير بن جذيمة يرثي حذيفة، وجزع عليه:
كم فارس يدعى وليس بفارس ... وعلى الهباءة فارس ذو مصدق
فابكوا حذيفة لن ترثوا مثله ... حتى تبيد قبائل لم تخلق
وهذان البيتان في أبيات له. وقال قيس (بن) زهير:
على أن الفتى حمل بن بدر ... بغى والظلم مرتعه وخيم
وهذا البيت في أبيات له. وقال الحارث بن زهير أخو قيس بن زهير:
تركت على الهباءة غير فخر ... حذيفة عنده قصد العوالي
وهذا البيت في أبيات له.
قال ابن هشام: ويقال: أرسل قيس داحسا والغبراء، وأرسل حذيفة الخطار والحنفاء، والأول أصح الحديثين. وهو حديث طويل منعني من استقصائه قطعه حديث سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
** (حرب حاطب) : **
قال ابن هشام: وأما قوله: «حرب حاطب» . فيعني حاطب بن الحارث
ابن قيس بن هيشة بن الحارث بن أمية بن معاوية بن مالك بن عوف بن عمرو ابن عوف بن مالك بن الأوس، كان قتل يهوديا جارا للخزرج، فخرج إليه يزيد بن الحارث بن قيس بن مالك بن أحمر بن حارثة بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج- وهو الذي يقال له: ابن فسحم، وفسحم أمه، وهي امرأة من القين بن جسر- ليلا في نفر من بني الحارث بن الخزرج فقتلوه، فوقعت الحرب بين الأوس والخزرج فاقتتلوا قتالا شديدا، فكان الظفر للخزرج على الأوس، وقتل يومئذ سويد بن صامت بن خالد بن عطية بن حوط ابن حبيب بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، قتله المجذر بن ذياد البلوي، واسمه عبد الله، حليف بني عوف بن الخزرج. فلما كان يوم أحد خرج المجذر بن ذياد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج معه الحارث بن سويد ابن صامت، فوجد الحارث بن سويد غرة من المجذر فقتله بأبيه. وسأذكر حديثه في موضعه إن شاء الله تعالى. ثم كانت بينهم حروب منعني من ذكرها واستقصاء هذا الحديث ما ذكرت في (حديث) [5] حرب داحس.
** (شعر حكيم بن أمية في صد قومه عن عداوة النبي صلى الله عليه وسلم) : **
قال ابن إسحاق: وقال حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمي، حليف بني أمية وقد أسلم، يورع قومه عما أجمعوا عليه من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان فيهم شريفا مطاعا:
هل قائل قولا هو الحق قاعد ... عليه وهل غضبان للرشد سامع
وهل سيد ترجو العشيرة نفعه ... لأقصى الموالي والأقارب جامع
تبرأت إلا وجه من يملك الصبا ... وأهجركم ما دام مدل ونازع
وأسلم وجهي للإله ومنطقي ... ولو راعني من الصديق روائع