John Shaqi

Islam · Chronicles · Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk

ذكر الأحداث التي كانت بين نوح وإبراهيم خليل الرحمن ع

Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk · Al-Tabari (d. 923) · chapter 11 of 356

قد ذكرنا قبل ما كان من أمر نوح ع وأمر ولده واقتسامهم الأرض بعده، ومساكن كل فريق منهم، وأي ناحية سكن من البلاد وكان ممن طغا وعتا على الله عز وجل بعد نوح، فأرسل الله إليهم رسولا فكذبوه وتمادوا في غيهم، فأهلكهم الله هذان الحيان من إرم بن سام بن نوح: أحدهما عاد ابن عوص بن ارم ابن سام بن نوح، وهي عاد الأولى، والثاني ثمود بن جاثر بن إرم بن سام بن نوح، وهم كانوا العرب العاربة.

** فأما عاد **

فإن الله عز وجل أرسل إليهم هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود ابن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح ومن أهل الأنساب من يزعم أن هودا هو عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وكانوا أهل أوثان ثلاثة يعبدونها، يقال لإحداها: صداء، وللآخر صمود، وللثالث الهباء فدعاهم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة دون غيره، وترك ظلم الناس، فكذبوه وقالوا: من أشد منا قوة! فلم يؤمن بهود منهم إلا قليل، فوعظهم هود إذ تمادوا في طغيانهم، فقال لهم: «أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين فاتقوا الله وأطيعون.

واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم» فكان جوابهم له أن قالوا: «سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين» وقالوا له: «يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين.

إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء» ، فحبس الله عنهم- فيما ذكر- القطر سنين ثلاثا، حتى جهدوا، فأوفدوا وفدا ليستسقوا لهم.

فكان من قصتهم ما حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، قال: حدثنا عاصم، عن أبي وائل، عن الحارث بن حسان البكري، قال: قدمت على رسول الله ص: فمررت بامرأة بالربذة، فقالت: هل أنت حاملي الى رسول الله ص؟ قلت: نعم، فحملتها حتى قدمت المدينة، فدخلت المسجد، فإذا رسول الله ص على المنبر، وإذا بلال متقلد السيف، وإذا رايات سود، قال:

قلت: ما هذا؟ قالوا: عمرو بن العاص قدم من غزوته، فلما نزل رسول الله ص عن منبره أتيته فاستأذنته، فأذن لي، فقلت: يا رسول الله، إن بالباب امرأة من بني تميم، قد سألتني أن أحملها إليك، قال:

يا بلال، ائذن لها، قال: فدخلت، فلما جلست قال لي رسول الله ص: هل كان بينكم وبين تميم شيء؟ قلت: نعم، وكانت الدبرة عليهم، فإن رأيت أن تجعل الدهناء بيننا وبينهم فعلت، قال: تقول المرأة فأين تضطر مضرك يا رسول الله؟ قال: قلت: مثلي مثل معزى حملت حتفا، قال: قلت: او حملتك تكونين علي خصما! أعوذ بالله أن أكون كوفد عاد قال رسول الله ص: وما وفد عاد؟ قال: قلت: على الخبير سقطت، إن عادا قحطت، فبعثت من يستسقي لها، فمروا على بكر بن معاوية بمكة يسقيهم الخمر، وتغنيهم الجرادتان شهرا، ثم بعثوا رجلا من عنده، حتى أتى جبال مهرة، فدعا، فجاءت سحابات، قال: وكلما جاءت قال: اذهبي إلى كذا، حتى جاءت سحابة، فنودي منها: خذها رمادا رمددا، لا تدع من عاد أحدا قال: فسمعه وكتمهم حتى جاءهم العذاب قال أبو كريب: قال أبو بكر بعد ذاك في حديث عاد، قال: فأقبل الذي أتاهم، فأتى جبال مهرة فصعد فقال: اللهم إني لم أجئك لأسير فأفاديه، ولا لمريض أشفيه، فاسق عادا ما كنت مسقيه! قال: فرفعت له سحابات.

قال: فنودي منها: اختر، فجعل يقول: اذهبي إلى بني فلان اذهبي إلى بني فلان قال: فمرت آخرها سحابة سوداء، فقال: اذهبي إلى عاد.

قال: فنودي منها: خذها رمادا رمددا، لا تدع من عاد أحدا قال:

وكتمهم والقوم عند بكر بن معاوية يشربون قال: وكره بكر بن معاوية أن يقول لهم من أجل أنهم عنده، وأنهم في طعامه قال: فأخذ في الغناء وذكرهم.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا زيد بن حباب، قال: حدثنا سلام أبو المنذر النحوي، قال: حدثنا عاصم، عن أبي وائل، عن الحارث بن يزيد البكري، قال: خرجت لأشكو العلاء بن الحضرمي الى رسول الله ص، فمررت بالربذة، فإذا عجوز منقطع بها من بني تميم، فقالت:

يا عبد الله، إن لي إلى رسول الله حاجة، فهل أنت مبلغي إليه؟ قال:

فحملتها، فقدمت المدينة- قال أبو جعفر: أظنه أنا قال: فإذا رايات سود- قال: قلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث بعمرو بن العاص وجها قال: فجلست حتى فرغ، قال: فدخل منزله- أو قال رحله- فاستأذنت عليه، فأذن لي قال: فدخلت فقعدت، فقال لي رسول الله ص: هل كان بينكم وبين تميم شيء؟ قال: قلت: نعم، وكانت الدبرة عليهم، وقد مررت بالربذة، فإذا عجوز منهم منقطع بها، فسألتني ان احملها إليك، وها هي بالباب، فاذن لها رسول الله ص فدخلت، فقلت: يا رسول الله، اجعل بيننا وبين تميم الدهناء حاجزا، فحميت العجوز واستوفزت، وقالت: فأين تضطر مضرك يا رسول الله؟ قال: قلت: انا كما قالوا: معزى حملت حتفا، حملت هذه ولا أشعر أنها كائنة لي خصما، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد! قال: وما وافد عاد؟ قلت:

على الخبير سقطت، قال: وهو يستطعمني الحديث قلت: ان عادا قحطوا فبعثوا قيلا وافدا، فنزل على بكر، فسقاه الخمر شهرا، وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان، فخرج إلى جبال مهرة، فنادى: إني لم أجيء لمريض فأداويه، ولا لأسير فأفاديه، اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه! فمرت به سحابات سود، فنودي منها: خذها رمادا رمددا، لا تبقي من عاد أحدا.

قال: فكانت المرأة تقول: لا تكن كوافد عاد، فما بلغني أنه أرسل عليهم من الريح يا رسول الله إلا قدر ما يجري في خاتمي قال أبو وائل: وكذلك بلغني.

وأما ابن اسحق فإنه قال كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عنه:

أن عادا لما أصابهم من القحط ما أصابهم قالوا: جهزوا منكم وفدا إلى مكة فيستسقوا لكم، فبعثوا قيل بن عتر ولقيم بن هزال بن هزيل بن عتيل ابن صد بن عاد الأكبر، ومرثد بن سعد بن عفير- وكان مسلما يكتم إسلامه- وجلهمة بن الخبيري، خال معاوية بن بكر أخا أمه، ثم بعثوا لقمان بن عاد بن فلان بن فلان بن صد بن عاد الأكبر، فانطلق كل رجل من هؤلاء القوم معه رهط من قومه، حتى بلغ عدة وفدهم سبعين رجلا، فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجا من الحرم، فأنزلهم وأكرمهم، وكانوا أخواله وصهره وكانت هزيلة ابنة بكر أخت معاوية بن بكر لأبيه وأمه كلهدة ابنة الخيبري عند لقيم بن هزال بن عتيل بن صد ابن عاد الأكبر، فولدت له عبيد بن لقيم بن هزال وعمرو بن لقيم بن هزال وعامر بن لقيم بن هزال وعمير بن لقيم بن هزال، فكانوا في أخوالهم بمكة عند آل معاوية بن بكر، وهم عاد الأخيرة التي بقيت من عاد الأولى فلما نزل وفد عاد على معاوية بن بكر أقاموا عنده شهرا يشربون الخمر، وتغنيهم الجرادتان- قينتان لمعاوية بن بكر- وكان مسيرهم شهرا، ومقامهم شهرا، فلما رأى معاوية بن بكر طول مقامهم، وقد بعثهم قومهم يتغوثون بهم من البلاء الذي أصابهم، شق ذلك عليه فقال: هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء مقيمون عندي، وهم ضيفي نازلون علي، والله ما أدري: كيف أصنع بهم! أستحي أن آمرهم بالخروج إلى ما بعثوا إليه، فيظنوا أنه ضيق مني بمقامهم عندي، وقد هلك من وراءهم من قومهم جهدا وعطشا، أو كما قال.

فشكا ذلك من أمرهم إلى قينتيه الجرادتين، فقالتا: قل شعرا نغنيهم به لا يدرون من قاله، لعل ذلك أن يحركهم! فقال معاوية بن بكر حين أشارتا عليه بذلك:

ألا يا قيل، ويحك قم فهينم لعل الله يسقينا غماما

فيسقي أرض عاد، إن عادا قد امسوا لا يبينون الكلاما

من العطش الشديد، فليس نرجو به الشيخ الكبير ولا الغلاما

وقد كانت نساؤهم بخير فقد أمست نساؤهم عيامى

وإن الوحش تأتيهم جهارا ولا تخشى لعادي سهاما

وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم نهاركم وليلكم التماما

فقبح وفدكم من وفد قوم ولا لقوا التحية والسلاما!

فلما قال معاوية ذلك الشعر، غنتهم به الجرادتان. فلما سمع القوم ما غنتا به، قال بعضهم لبعض: يا قوم إنما بعثكم قومكم يتغوثون بكم من هذا البلاء الذي نزل بهم، وقد أبطأتم عليهم، فادخلوا هذا الحرم فاستسقوا لقومكم، فقال مرثد بن سعد بن عفير: إنكم والله لا تسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم، وأنبتم إليه سقيتم فأظهر إسلامه عند ذلك، فقال لهم لجلهمة بن الخيبري، خال معاوية بن بكر حين سمع قوله، وعرف أنه قد تبع دين هود وآمن به:

أبا سعد فإنك من قبيل ذوي كرم وأمك من ثمود

فإنا لن نطيعك ما بقينا ولسنا فاعلين لما تريد

اتأمرنا لنترك آل رفد وزمل وآل صد والعبود

ونترك دين آباء كرام ذوى راى ونتبع دين هود

ورفد وزمل وصد قبائل من عاد، والعبود منهم ثم قال لمعاوية بن بكر وابيه بكر: احبسا عنا مرثد بن سعد فلا يقدمن معنا مكة، فإنه قد اتبع دين هود، وترك ديننا ثم خرجوا إلى مكة يستسقون بها لعاد، فلما ولو إلى مكة خرج مرثد بن سعد من منزل معاوية، حتى أدركهم بها قبل أن يدعوا الله بشيء مما خرجوا له فلما انتهى إليهم قام يدعو الله، وبها وفد عاد قد اجتمعوا يدعون.

فقال: اللهم أعطني سؤلي وحدي، ولا تدخلني في شيء مما يدعوك به وفد عاد وكان قيل بن عتر رأس وفد عاد وقال وفد عاد: اللهم أعط قيلا ما سألك، واجعل سؤلنا مع سؤله وقد كان تخلف عن وفد عاد لقمان ابن عاد، وكان سيد عاد، حتى إذا فرغوا من دعوتهم قال: اللهم إني جئتك وحدي في حاجتي فأعطني سؤلي وقال قيل بن عتر حين دعا: يا إلهنا، إن كان هود صادقا فاسقنا فإنا قد هلكنا فأنشأ الله سحائب ثلاثا: بيضاء وحمراء، وسوداء، ثم ناداه مناد من السحاب: يا قيل، اختر لنفسك وقومك من هذا السحاب فقال: قد اخترت السحابة السوداء، فإنها أكثر السحاب ماء، فناداه مناد: اخترت رمادا رمددا، لا تبقي من عاد أحدا، لا والدا تترك ولا ولدا، إلا جعلته همدا، إلا بني اللوذية المهدى- وبنو اللوذية بنو لقيم بن هزال بن هزيل بن هزيلة ابنة بكر، كانوا سكانا بمكة مع أخوالهم، لم يكونوا مع عاد بأرضهم، فهم عاد الآخرة، ومن كان من نسلهم الذين بقوا من عاد- وساق الله السحابة السوداء فيما يذكرون التي اختار قيل بن عتر بما فيها من النقمة إلى عاد، حتى خرجت عليهم من واد لهم يقال له المغيث ولما رأوها استبشروا بها، وقالوا: «هذا عارض ممطرنا» ، يقول الله عز وجل: «بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها» ، أي كل شيء أمرت به فكان أول من أبصر ما فيها أنها ريح- فيما يذكرون- امرأة من عاد يقال لها مهدد، لما تبينت ما فيها صاحت ثم صعقت، فلما أفاقت قالوا: ماذا رأيت يا مهدد؟ قالت: رأيت ريحا فيها كشهب النار، أمامها رجال يقودونها فسخرها الله عليهم «سبع ليال وثمانية أيام حسوما» ، كما قال الله: والحسوم: الدائمة، فلم تدع من عاد أحدا إلا هلك.

فاعتزل هود- فيما ذكر- ومن معه من المؤمنين في حظيرة، ما يصيبه ومن معه منها إلا ما تلين عليه الجلود، وتلتذ الأنفس، وانها لتمر من عاد بالظعن ما بين السماء والأرض، وتدمغهم بالحجارة وخرج وفد عاد من مكة حتى مروا بمعاوية بن بكر وابيه، فنزلوا عليه، فبيناهم عنده، إذ أقبل رجل على ناقة له في ليله مقمره مسى ثالثة من مصاب عاد، فأخبرهم الخبر، فقالوا: فأين فارقت هودا وأصحابه؟ قال: فارقتهم بساحل البحر، فكأنهم شكوا فيما حدثهم، فقالت هزيلة ابنة بكر: صدق ورب مكة ومثوب بن يعفر بن أخي معاوية بن بكر معهم وقد كان قيل- فيما يزعمون والله أعلم- لمرثد بن سعد ولقمان بن عاد، وقيل بن عتر حين دعوا بمكة: قد أعطيتم مناكم فاختاروا لأنفسكم، إلا أنه لا سبيل إلى الخلد، فإنه لا بد من الموت، فقال مرثد بن سعد: يا رب، أعطني برا وصدقا، فأعطي ذلك، وقال لقمان بن عاد: أعطني عمرا، فقيل له: اختر لنفسك، إلا إنه لا سبيل إلى الخلد: بقاء ايعار ضأن عفر، في جبل وعر، لا يلقي به إلا القطر، أم سبعة أنسر إذا مضى نسر حلوت إلى نسر؟ فاختار لقمان لنفسه النسور، فعمر- فيما يزعمون- عمر سبعة أنسر، يأخذ الفرخ حين يخرج من بيضته، فيأخذ الذكر منها لقوته، حتى إذا مات أخذ غيره، فلم يزل يفعل ذلك، حتى أتى على السابع وكان كل نسر فيما زعموا يعيش ثمانين سنة، فلما لم يبق غير السابع قال ابن أخ للقمان: أي عم، ما بقي من عمرك إلا عمر هذا النسر، فقال له لقمان: أي ابن أخي: هذا لبد- ولبد بلسانهم الدهر- فلما أدرك نسر لقمان، وانقضى عمره، طارت النسور غداة من رأس الجبل، ولم ينهض فيها لبد، وكانت نسور لقمان تلك لا تغيب عنه، إنما هي بعينه فلما لم ير لقمان لبدا نهض مع النسور، نهض إلى الجبل لينظر ما فعل لبد، فوجد لقمان في نفسه وهنا لم يكن يجده قبل ذلك، فلما انتهى إلى الجبل رأى نسره لبدا واقعا من بين النسور، فناداه: انهض لبد، فذهب لبد لينهض فلم يستطع، عريت قوادمه وقد سقطت، فماتا جميعا.

وقيل لقيل بن عتر حين سمع ما قيل له في السحاب: اختر لنفسك كما اختار صاحباك، فقال: أختار أن يصيبني ما أصاب قومي، فقيل: إنه الهلاك، قال: لا أبالي، لا حاجة لي في البقاء بعدهم فأصابه ما أصاب عادا من العذاب فهلك، فقال مرثد بن سعد بن عفير حين سمع من قول الراكب الذي أخبر عن عاد بما أخبر من الهلاك:

عصت عاد رسولهم فأمسوا عطاشا ما تبلهم السماء

وسير وفدهم شهرا ليسقوا فأردفهم مع العطش العماء

بكفرهم بربهم جهارا على آثار عادهم العفاء

ألا نزع الإله حلوم عاد فإن قلوبهم قفر هواء

من الخبر المبين أن يعوه وما تغني النصيحة والشفاء

فنفسي وابنتاي وأم ولدي لنفس نبينا هود فداء

أتانا والقلوب مصمدات على ظلم، وقد ذهب الضياء

لنا صنم يقال له صمود يقابله صداء والهباء

فأبصره الذين له أنابوا وأدرك من يكذبه الشقاء

فإني سوف ألحق آل هود وإخوته إذا جن المساء

وقيل: إن رئيسهم وكبيرهم في ذلك الزمان الخلجان.

حدثني العباس بن الوليد، قال: حدثنا أبي، عن إسماعيل بن عياش، عن محمد بن إسحاق، قال: لما خرجت الريح على عاد من الوادي، قال سبعة رهط منهم، أحدهم الخلجان: تعالوا حتى نقوم على شفير الوادي فنردها، فجعلت الريح تدخل تحت الواحد منهم فتحمله، ثم ترمي به فتندق عنقه، فتتركهم كما قال الله عز وجل: «صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية» حتى لم يبق منهم إلا الخلجان، فمال إلى الجبل، فأخذ بجانب منه، فهزه فاهتز في يده، ثم أنشأ يقول:

لم يبق الا الخلجان نفسه نالك من يوم دهاني أمسه

بثابت الوطء شديد وطسه لو لم يجئني جئته أجسه

فقال له هود: ويحك يا خلجان! أسلم تسلم، فقال له: وما لي عند ربك إن أسلمت؟ قال: الجنة، قال: فما هؤلاء الذين أراهم في هذا السحاب كأنهم البخت، قال هود: تلك ملائكة ربي، قال: فإن أسلمت أيعيذني ربك منهم؟ قال: ويلك! هل رأيت ملكا يعيذ من جنده! قال: لو فعل ما رضيت، قال: ثم جاءت الريح فألحقته بأصحابه، أو كلاما هذا معناه

قال أبو جعفر: فأهلك الله الخلجان، وأفنى عادا خلا من بقي منهم، ثم بادوا بعد، ونجى الله هودا ومن آمن به وقيل: كان عمر هود مائة سنة وخمسين سنة.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: «وإلى عاد أخاهم هودا. قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره» ، إن عادا أتاهم هود، فوعظهم وذكرهم بما قص الله في القرآن، فكذبوه وكفروا، وسألوه أن يأتيهم العذاب فقال لهم:

«إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به» ، وإن عادا أصابهم حين كفروا قحط من المطر، حتى جهدوا لذلك جهدا شديدا، وذلك أن هودا دعا عليهم، فبعث الله عليهم الريح العقيم، وهي الريح التي لا تلقح الشجر، فلما نظروا إليها قالوا: هذا عارض ممطرنا، فلما دنت منهم نظروا إلى الإبل والرجال، تطير بهم الريح بين السماء والأرض، فلما راوها تبادروا الى البيوت، حتى دخلوا البيوت دخلت عليهم فأهلكتهم فيها، ثم أخرجتهم من البيوت، فأصابتهم «في يوم نحس» ، والنحس هو الشؤم «مستمر» استمر عليهم بالعذاب «سبع ليال وثمانية أيام حسوما» ، حسمت كل شيء مرت به، حتى أخرجتهم من البيوت، قال الله تبارك وتعالى: «تنزع الناس» عن البيوت، «كأنهم أعجاز نخل منقعر» ، انقعر من أصوله «خاوية» خوت فسقطت، فلما أهلكهم الله أرسل عليهم طيرا سودا، فنقلتهم الى البحر، فألقتهم فيه، فذلك قوله عز وجل: «فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم» .

ولم تخرج الريح قط إلا بمكيال إلا يومئذ، فإنها عتت على الخزنة فغلبتهم، فلم يعلموا كم كان مكيالها؟ فذلك قوله: «فأهلكوا بريح صرصر عاتية» .

والصرصر: ذات الصوت الشديد.

حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد، أنه سمع وهبا يقول: إن عادا لما عذبهم الله بالريح التي عذبوا بها، كانت تقلع الشجرة العظيمة بعروقها وتهدم عليهم بيوتهم، فمن لم يكن في بيت هبت به الريح حتى تقطعه بالجبال، فهلكوا بذلك كلهم

** وأما ثمود **

فإنهم عتوا على ربهم، وكفروا به، وأفسدوا في الأرض، فبعث الله إليهم صالح بن عبيد بن أسف بن ماسخ بن عبيد بن خادر بن ثمود ابن جاثر بن إرم بن سام بن نوح، رسولا يدعوهم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة.

وقيل: صالح، هو صالح بن أسف بن كماشج بن إرم بن ثمود بن جاثر ابن إرم بن سام بن نوح.

فكان من جوابهم له ان قالوا له: «يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب» وكان الله عز وجل قد مدلهم في الأعمار، وكانوا يسكنون الحجر إلى وادي القرى، بين الحجاز والشام، ولم يزل صالح يدعوهم إلى الله على تمردهم وطغيانهم، فلا يزيدهم دعاؤه إياهم إلى الله إلا مباعدة من الإجابة، فلما طال ذلك من أمرهم وأمر صالح قالوا له: إن كنت صادقا فأتنا بآية.

فكان من أمرهم وأمره ما حدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيل، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي الطفيل، قال: قالت ثمود لصالح: ائتنا بآية إن كنت من الصادقين قال: فقال لهم صالح:

اخرجوا إلى هضبة من الأرض، فإذا هي تتمخض كما تتمخض الحامل، ثم تفرجت فخرجت من وسطها الناقه، فقال صالح ع:

«هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم» «لها شرب ولكم شرب يوم معلوم» فلما ملوها عقروها، فقال لهم: «تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب» قال عبد العزيز: وحدثني رجل آخر أن صالحا قال لهم:

إن آية العذاب أن تصبحوا غدا حمرا، واليوم الثاني صفرا، واليوم الثالث سودا، فصبحهم العذاب، فلما رأوا ذلك تحنطوا واستعدوا.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن خارجة، قال: قلنا له: حدثنا حديث ثمود، قال: أحدثكم عن رسول الله ص عن ثمود.

كانت ثمود قوم صالح عمرهم الله عز وجل في الدنيا، فأطال أعمارهم حتى جعل أحدهم يبني المسكن من المدر فيتهدم والرجل منهم حي، فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتا فرهين، فنحتوها وجابوها وجوفوها، وكانوا في سعة من معايشهم، فقالوا: يا صالح، ادع لنا ربك يخرج لنا آية نعلم أنك رسول الله فدعا صالح ربه، فأخرج لهم الناقة فكان شربها يوما وشربهم يوما معلوما، فإذا كان يوم شربها خلوا عنها وعن الماء، وحلبوها لبنا، ملئوا كل إناء ووعاء وسقاء، فإذا كان يوم شربهم صرفوها عن الماء ولم تشرب منه شيئا، فملئوا كل إناء ووعاء وسقاء، فأوحى الله عز وجل إلى صالح إن قومك سيعقرون ناقتك، فقال لهم، فقالوا: ما كنا لنفعل، قال: إلا تعقروها أنتم أوشك أن يولد فيكم مولود يعقرها، قالوا: ما علامة ذلك المولود؟ فو الله لا نجده إلا قتلناه، قال: فإنه غلام أشقر أزرق أصهب أحمر، قال: فكان في المدينة شيخان عزيزان منيعان، لأحدهما ابن يرغب له عن المناكح، وللآخر ابنة لا يجد لها كفئا، فجمع بينهما مجلس، فقال أحدهما لصاحبه: ما يمنعك أن تزوج ابنك؟ قال: لا أجد له كفئا، قال: فإن ابنتي كفء له، وانا ازوجك، فزوجه فولد منهما ذلك المولود.

وكان في المدينة ثمانية رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فلما قال لهم صالح: إنما يعقرها مولود فيكم، اختاروا ثماني نسوة قوابل من القرية، وجعلوا معهن شرطا كانوا يطوفون في القرية، فإذا وجدوا المرأة تمخض نظروا ما ولدها؟

فإن كان غلاما قتلنه، وإن كانت جارية اعرضن عنها، فلما وجدوا ذلك المولود صرخ النسوة، وقلن: هذا الذي يريد رسول الله صالح، فاراد الشرط ان يأخذوها، فحال جداه بينه وبينهم وقالوا: إن أراد صالح هذا قتلناه، وكان شر مولود، وكان يشب في اليوم شباب غيره في الجمعة، ويشب في الجمعة شباب غيره في الشهر، ويشب في الشهر شباب غيره في السنة، فاجتمع الثمانية الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وفيهم الشيخان، فقالوا:

استعمل علينا هذا الغلام لمنزلته وشرف جديه، فصاروا تسعة، وكان صالح ع لا ينام معهم في القرية، بل كان في مسجد يقال له مسجد صالح، فيه يبيت بالليل، فإذا أصبح أتاهم فوعظهم وذكرهم، فإذا أمسى خرج إلى مسجده فبات فيه.

قال حجاج: قال ابن جريج: لما قال لهم صالح ع: إنه سيولد غلام يكون هلاكهم على يديه، قالوا: فكيف تأمرنا؟ قال: آمركم بقتلهم، فقتلوهم إلا واحدا، قال: فلما بلغ ذلك المولود قالوا: لو كنا لم نقتل أولادنا لكان لكل واحد منا مثل هذا، هذا عمل صالح! فائتمروا بينهم بقتله، وقالوا: نخرج مسافرين والناس يروننا علانية، ثم نرجع من ليلة كذا وكذا فنرصده عند مصلاه فنقتله، فلا يحسب الناس إلا أنا مسافرون كما نحن.

فأقبلوا حتى دخلوا تحت صخرة يرصدونه، فأنزل الله عز وجل عليهم الصخرة فرضختهم فأصبحوا رضخا، فانطلق رجال ممن قد اطلع على ذلك منهم، فإذا هم رضخ، فرجعوا يصيحون في القرية: أي عباد الله، أما رضي صالح أن أمرهم أن يقتلوا أولادهم حتى قتلهم! فاجتمع أهل القرية على عقر الناقة أجمعون، فأحجموا عنها إلا ذلك ابن العاشر.

قال أبو جعفر: ثم رجع الحديث إلى حديث رسول الله ص، قال: فأرادوا أن يمكروا بصالح، فمشوا حتى أتوا على سرب على طريق صالح، فاختبأ فيه ثمانية وقالوا: إذا خرج علينا قتلناه وأتينا أهله فبيتناهم، فأمر الله عز وجل الأرض فاستوت عليهم، قال: فاجتمعوا ومشوا إلى الناقة، وهي على حوضها قائمة، فقال الشقي لأحدهم: ائتها فاعقرها، فأتاها، فتعاظمه ذلك، فأضرب عن ذلك، فبعث آخر فأعظم ذلك، فجعل لا يبعث أحدا إلا تعاظمه أمرها، حتى مشى إليها وتطاول فضرب عرقوبيها، فوقعت تركض فأتى رجل منهم صالحا فقال: أدرك الناقة فقد عقرت فأقبل، فخرجوا يتلقونه ويعتذرون إليه: يا نبي الله، إنما عقرها فلان، إنه لا ذنب لنا، قال: انظروا هل تدركون فصيلها! فإن أدركتموه فعسى الله أن يرفع عنكم العذاب! فخرجوا يطلبونه فلما رأى الفصيل أمه تضطرب أتى جبلا- يقال له: القارة- قصيرا فصعده وذهبوا ليأخذوه، فأوحى الله عز وجل إلى الجبل، فطال في السماء حتى ما تناله الطير، قال: ودخل صالح القرية، فلما رآه الفصيل بكى حتى سالت دموعه، ثم استقبل صالحا، فرغا رغوة، ثم رغا أخرى، ثم رغا أخرى فقال صالح: لكل رغوة أجل يوم، تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، ذلك وعد غير مكذوب، إلا أن آية العذاب أن اليوم الأول تصبح وجوهكم مصفرة، واليوم الثاني محمرة، واليوم الثالث مسودة، فلما أصبحوا إذا وجوههم كأنما طليت بالخلوق، صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم، فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم: ألا قد مضى يوم من الأجل وحضركم العذاب، فلما أصبحوا اليوم الثاني إذا وجوههم محمرة، كأنما خضبت بالدماء، فصاحوا وضجوا وبكوا وعرفوا أنه العذاب فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم: ألا قد مضى يومان من الأجل، وحضركم العذاب، فلما أصبحوا اليوم الثالث فإذا وجوههم مسودة كأنما طليت بالقار، فصاحوا جميعا: ألا قد حضركم العذاب، فتكفنوا وتحنطوا، وكان حنوطهم الصبر والمقر، وكانت أكفانهم الأنطاع، ثم ألقوا أنفسهم إلى الأرض، فجعلوا يقلبون أبصارهم إلى السماء مرة، وإلى الأرض مرة، لا يدرون من حيث يأتيهم العذاب، من فوقهم من السماء، أو من تحت أرجلهم من الأرض خشعا وفرقا، فلما أصبحوا اليوم الرابع أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء له صوت في الأرض، فتقطعت قلوبهم في صدورهم فأصبحوا في ديارهم جاثمين

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: حدثت أنه لما أخذتهم الصيحة أهلك الله من بين المشارق والمغارب منهم، إلا رجلا واحدا كان في حرم الله، منعه حرم الله من عذاب الله قيل: ومن هو يا رسول الله:؟ قال: أبو رغال، [وقال رسول الله ص حين أتى على قرية ثمود لأصحابه: لا يدخلن أحد منكم القرية، ولا تشربوا من مائهم،] وأراهم مرتقى الفصيل، حين ارتقى في القارة

قال ابن جريج: وأخبرني موسى بن عقبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمران، [ان النبي ص حين أتى على قرية ثمود قال: لا تدخلن على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم ما أصابهم] .

قال ابن جريج: قال جابر بن عبد الله: [إن النبي ص لما أتى على الحجر، حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فلا تسألوا رسولكم الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم الآية، فبعث الله لهم الناقة، فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج، فتشرب ماءهم يوم وردها] .

حدثني إسماعيل بن المتوكل الأشجعي، قال: حدثنا محمد بن كثير، قال: حدثنا عبد الله بن واقد، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، قال: حدثنا ابو الطفيل قال: [لما غزا رسول الله ص غزاة تبوك، نزل الحجر فقال: أيها الناس لا تسألوا نبيكم الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث لهم آية، فبعث الله تعالى ذكره لهم الناقة آية، فكانت تلج عليهم يوم وردها من هذا الفج فتشرب ماءهم، ويوم وردهم كانوا يتزودون منه، ثم يحلبونها مثل ما كانوا يتزودون من مائهم قبل ذلك لبنا، ثم تخرج من ذلك الفج فعتوا عن أمر ربهم وعقروها، فوعدهم الله العذاب بعد ثلاثة أيام، وكان وعدا من الله غير مكذوب، فأهلك الله من كان منهم في مشارق الأرض ومغاربها إلا رجلا واحدا كان في حرم الله، فمنعه حرم الله من عذاب الله، قالوا: ومن ذلك الرجل يا رسول الله؟ قال: أبو رغال] .

فأما أهل التوراة فإنهم يزعمون أن لا ذكر لعاد ولا ثمود ولا لهود وصالح في التوراة، وأمرهم عند العرب في الشهرة في الجاهلية والإسلام كشهرة إبراهيم وقومه.

قال: ولولا كراهة إطالة الكتاب بما ليس من جنسه، لذكرت من شعر شعراء الجاهلية الذي قيل في عاد وثمود وأمورهم بعض ما قيل ما يعلم به من ظن خلاف ما قلنا في شهرة أمرهم في العرب صحة ذلك ومن أهل العلم من يزعم ان صالحا ع توفي بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وأنه أقام في قومه عشرين سنة.

قال أبو جعفر: نرجع الآن إلى:

Source. Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk (تاريخ الرسل والملوك), Al-Tabari (d. 923) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0310Tabari.Tarikh.Shamela0009783BK1-ara1.mARkdown (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com