Islam · Chronicles · Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk
ذكر القائم بالملك ببابل من الفرس بعد منوشهر
Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk · Al-Tabari (d. 923) · chapter 24 of 356
إذ كان التاريخ إنما تدرك صحته على سياق مدة أعمار ملوكهم.
ولما هلك منوشهر الملك بن منشخورنر، قهر فراسياب بن فشنج ابن رستم بن ترك على خنيارث ومملكة أهل فارس، وصار- فيما قيل- إلى أرض بابل، فكان يكثر المقام ببابل وبمهرجان قذق، فأكثر الفساد في مملكة أهل فارس.
وقيل: إنه قال حين غلب على مملكتهم: نحن مسرعون في إهلاك البرية، وإنه عظم جوره وظلمه، وخرب ما كان عامرا من بلاد خنيارث، ودفن الأنهار والقني، وقحط الناس في سنة خمس من ملكه، إلى أن خرج عن مملكة أهل فارس، ورد إلى بلاد الترك، فغارت المياه في تلك السنين، وحالت الأشجار المثمرة.
ولم يزل الناس منه في أعظم البلية، إلى أن ظهر زو بن طهماسب وقد يلفظ باسم زو بغير ذلك فيقول بعضهم: زاب بن طهماسفان، ويقول بعضهم: زاغ، ويقول بعضهم: راسب بن طهماسب بن كانجو بن زاب بن أرفس بن هراسف بن ونديج بن اريج بن نوذوجوش ابن منسوا- بن نوذر بن منوشهر.
وأم زو ما دول ابنة وامن بن واذرجا بن قود بن سلم بن أفريدون.
وقيل: إن منوشهر كان وجد في أيام ملكه على طهماسب بسبب جناية جناها، وهو مقيم في حدود الترك لحرب فراسياب، فأراد منوشهر قتله بسبب ذلك، فكلمه في الصفح عنه عظماء أهل مملكته وكان من عدل منوشهر- فيما ذكر- أنه قد كان يسوي بين الشريف والوضيع، والقريب والبعيد في العقوبة، إذا استوجبها بعض رعيته على ذنب أتاه- فأبى إجابتهم إلى ما سألوه من ذلك، وقال لهم: هذا في الدين وهن، ولكنكم إذ أبيتم علي، فإنه لا يسكن في شيء من مملكتي، ولا يقيم به، فنفاه عن مملكته فشخص إلى بلاد الترك، فوقع إلى ناحية وامن، فاحتال لابنته وهي محبوسة في قصر من أجل أن المنجمين كانوا ذكروا لوامن أبيها أنها تلد ولدا يقتله، حتى أخرجها من القصر الذي كانت محبوسة فيه، بعد أن حملت منه بزو.
ثم ان منوشهر اذن طهماسب بعد أن انقضت أيام عقوبته في العود الى خينارث مملكة فارس، فأخرج مادول ابنة وامن بالحيلة منها ومنه في إخراجها من قصرها من بلاد الترك إلى مملكة أهل فارس، فولدت له زوا بعد العود إلى بلاد إيرانكرد، ثم إن زوا- فيما ذكر- قتل جده، وامن في بعض مغازيه الترك، وطرد فراسياب عن مملكة أهل فارس، حتى رده إلى الترك بعد حروب جرت بينه وبينه وقتال، فكانت غلبه فراسياب اهل فارس على إقليم بابل اثنتى عشره سنة، من لدن توفي منوشهر إلى أن طرده عنه، وأخرجه زو بن طهماسب إلى تركستان.
وذكر أن طرد زو فراسياب عما كان عليه من مملكة أهل فارس في روز ابان من شهر آبانماه، فاتخذ العجم هذا اليوم عيدا لما رفع عنهم فيه من شر فراسياب وعسفه وجعلوه الثالث من أعيادهم النوروز والمهرجان.
وكان زو محمودا في ملكه، محسنا إلى رعيته، فأمر بإصلاح ما كان فراسياب أفسد من بلاد خنيارث، ومملكة بابل وبناء ما كان هدم من حصون ذلك، ونثل ما كان طم وغور من الأنهار والقنى، وكرى ما كان اندفن من المياه حتى أعاد كل ذلك- فيما ذكر- الى احسن ما كان عليه، ووضع عن الناس الخراج سبع سنين، ودفعه عنهم، فعمرت بلاد فارس في ملكه، وكثرت المياه فيها، ودرت معايش أهلها، واستخرج بالسواد نهرا وسماه الزاب، وأمر فبنيت على حافتيه مدينة وهي التي تسمى المدينة العتيقة، وكورها كورة، وسماها الزوابي، وجعل لها ثلاثة طساسيج: منها طسوج الزاب الأعلى، ومنها طسوج الزاب الأوسط، ومنها طسوج الزاب الأسفل، وأمر بحمل بزور الرياحين من الجبال إليها وأصول الأشجار، وبذر ما يبذر من ذلك، وغرس ما يغرس منه، وكان أول من اتخذ له ألوان الطبيخ وأمر بها وبأصناف الأطعمة، وأعطى جنوده مما غنم من الخيل والركاب، مما أوجف عليه من أموال الترك وغيرهم وقال يوم ملك وعقد التاج على رأسه: نحن متقدمون في عماره ما اخر به الساحر فراسياب.
وكان له كرشاسب بن أثرط بن سهم بن نريمان بن طورك بن شيراسب بن أروشسب بن طوج بن أفريدون الملك.
وقد نسبه بعض نسابي الفرس غير هذا النسب فيقول: هو كرشاسف بن أشناس بن طهموس بن اشك بن ترس بن رحر بن دودسرو بن منوشهر الملك- مؤازرا له على ملكه.
ويقول بعضهم: كان زو وكرشاسب مشتركين في الملك، والمعروف من أمرهما أن الملك كان لزو بن طهماسب وأن كرشاسب كان له مؤازرا وله معينا وكان كرشاسب عظيم الشأن في أهل فارس، غير أنه لم يملك، فكان جميع ملك زو إلى أن انقضى ومات- فيما قيل- ثلاث سنين.
ثم ملك بعد زو كيقباذ، وهو كيقباذ بن زاغ بن نوحياه بن منشو بن نوذر بن منوشهر وكان متزوجا بفرتك ابنه تدرسا التركى، وكان تدرسا من رءوس الأتراك وعظمائهم، فولدت له كي إفنه، وكي كاوس، وكي أرش، وكيبه أرش، وكيفاشين وكيبية، وهؤلاء هم الملوك الجبابرة وآباء الملوك الجبابرة.
وقيل إن كيقباذ قال يوم ملك وعقد التاج على رأسه: نحن مدوخون بلاد الترك ومجتهدون في إصلاح بلادنا، حدبون عليها، وأنه قدر مياه الأنهار والعيون لشرب الأرضين، وسمى البلاد بأسمائها، وحدها بحدودها، وكور الكور، وبين حير كل كورة منها وحريمها، وأمر الناس باتخاذ الأرض، وأخذ العشر من غلاتها لأرزاق الجند، وكان- فيما ذكر- كيقباذ يشبه في حرصه على العمارة، ومنعه البلاد من العدو، وتكبره في نفسه بفرعون.
وقيل ان الملوك الكييه وأولادهم من نسله، وجرت بينه وبين الترك وغيرهم حروب كثيرة، وكان مقيما في حد ما بين مملكة الفرس والترك بالقرب من نهر بلخ، لمنع الترك من تطرق شيء من حدود فارس، وكان ملكه مائة سنة، والله أعلم.
ونرجع الآن إلى: