John Shaqi

Islam · Chronicles · Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk

ذكر اخبار ملوك الفرس بعد الاسكندر وهم ملوك الطوائف

Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk · Al-Tabari (d. 923) · chapter 37 of 356

ونرجع الآن إلى ذكر خبر الفرس بعد مهلك الإسكندر لسياق التأريخ على ملكهم.

فاختلف أهل العلم بأخبار الماضين في الملك الذي كان بسواد العراق بعد الإسكندر، وفي عدد ملوك الطوائف الذين كانوا ملكوا إقليم بابل بعده إلى أن قام بالملك أردشير بابكان.

فأما هشام بن محمد فإنه قال- فيما حدثت عنه: ملك بعد الإسكندر يلاقس سلقيس، ثم أنطيحس قال: وهو الذي بنى مدينة أنطاكية قال:

وكان في أيدي هؤلاء الملوك سواد الكوفة، قال: وكانوا يتطرقون الجبال وناحية الأهواز وفارس، حتى خرج رجل يقال له أشك، وهو ابن دارا الأكبر، وكان مولده ومنشؤه بالري، فجمع جمعا كثيرا وسار يريد أنطيحس، فزحف إليه أنطيحس، فالتقيا ببلاد الموصل فقتل أنطيحس، وغلب أشك على السواد، فصار في يده من الموصل إلى الري وأصبهان، وعظمه سائر ملوك الطوائف لنسبه، وشرفه فيهم ما كان من فعله، وعرفوا له فضله، وبدءوا به في كتبهم، وكتب إليهم فبدأ بنفسه، وسموه ملكا، وأهدوا إليه من غير أن يعزل أحدا منهم أو يستعمله.

ثم ملك بعده جوذرز بن أشكان قال: وهو الذي غزا بنى إسرائيل المرة الثانية، وكان سبب تسليط الله إياه عليهم- فيما ذكر أهل العلم- قتلهم يحيى بن زكرياء، فأكثر القتل فيهم، فلم تعد لهم جماعة كجماعتهم الأولى، ورفع الله عنهم النبوة وأنزل بهم الذل قال: وقد كانت الروم غزت بلاد فارس، يقودها ملكها الأعظم يلتمس أن يدرك بثأرها في فارس لقتل أشك ملك بابل أنطيحس، وملك بابل يومئذ بلاش ابو اردوان، الذى قتله أردشير ابن بابك، فكتب بلاش إلى ملوك الطوائف يعلمهم ما اجتمعت عليه الروم من غزو بلادهم، وإنه قد بلغه من حشدهم وجمعهم ما لا كفاء له عنده، وإنه إن ضعف عنهم ظفروا بهم جميعا فوجه كل ملك من ملوك الطوائف إلى بلاش من الرجال والسلاح والمال بقدر قوته، حتى اجتمع عنده أربعمائة ألف رجل، فولى عليهم صاحب الحضر- وكان ملكا من ملوك الطوائف يلي ما بين انقطاع السواد إلى الجزيرة- فسار بهم حتى لقي ملك الروم فقتله واستباح عسكره، وذلك هيج الروم على بناء القسطنطينية ونقل الملك من رومية إليها فكان الذي ولى إنشاءها الملك قسطنطين، وهو أول ملوك الروم تنصر، وهو أجلى من بقي من بني إسرائيل عن فلسطين والأردن لقتلهم- بزعمه- عيسى بن مريم، فأخذ الخشبة التي وجدهم يزعمون أنهم صلبوا المسيح عليها، فعظمها الروم، فأدخلوها خزائنهم، فهي عندهم إلى اليوم.

قال: ولم يزل ملك فارس متفرقا حتى ملك أردشير فذكر هشام ما ذكرت عنه، ولم يبين مدة ملك القوم.

وقال غيره من أهل العلم بأخبار فارس: ملك بعد الإسكندر ملك دارا أناس من غير ملوك الفرس، غير أنهم كانوا يخضعون لكل من يملك بلاد الجبل ويمنحونه الطاعة.

قال: وهم

** الملوك الأشغانون **

الذين يدعون ملوك الطوائف قال: فكان ملكهم مائتي سنة وستا وستين سنة.

فملك من هذه السنين أشك بن أشجان عشر سنين ثم ملك بعده سابور بن أشغان ستين سنة، وفي سنة إحدى وأربعين من ملكه ظهر عيسى بن مريم بأرض فلسطين وإن ططوس بن أسفسيانوس ملك رومية غزا بيت المقدس بعد ارتفاع عيسى بن مريم بنحو من أربعين سنة، فقتل من في مدينة بيت المقدس، وسبى ذراريهم، وأمرهم فنسفت مدينة بيت المقدس، حتى لم يترك بها حجرا على حجر

ثم ملك جوذرز بن أشغانان الأكبر، عشر سنين.

ثم ملك بيزن الأشغاني، إحدى وعشرين سنة.

ثم ملك جوذرز الأشغاني، تسع عشرة سنة.

ثم ملك نرسي الأشغاني، أربعين سنة.

ثم ملك هرمز الأشغاني، سبع عشرة سنة.

ثم ملك أردوان الأشغاني، اثنتي عشرة سنة.

ثم ملك كسرى الأشغاني، أربعين سنة.

ثم ملك بلاش الأشغاني، أربعا وعشرين سنة.

ثم ملك أردوان الأصغر الأشغاني، ثلاث عشرة سنة.

ثم ملك أردشير بن بابك.

وقال بعضهم: ملك بلاد الفرس بعد الإسكندر ملوك الطوائف الذين فرق الإسكندر المملكة بينهم، وتفرد بكل ناحية من ملك عليها من حين ملكه، ما خلا السواد، فإنها كانت أربعا وخمسين سنة بعد هلاك الإسكندر في يد الروم وكان في ملوك الطوائف رجل من نسل الملوك مملكا على الجبال وأصبهان، ثم غلب ولده بعد ذلك على السواد، فكانوا ملوكا عليها وعلى الماهات والجبال وأصبهان، كالرئيس على سائر ملوك الطوائف، لأن السنة جرت بتقديمه وتقديم ولده، ولذلك قصد لذكرهم في كتب سير الملوك، فاقتصر على تسميتهم دون غيرهم.

قال: ويقال ان عيسى بن مريم ع ولد باورشليم بعد إحدى وخمسين سنة من ملوك الطوائف، فكانت سنو ملكهم من لدن الإسكندر إلى وثوب أردشير بن بابك وقتله أردوان واستواء الأمر له، مائتين وستا وستين سنة.

قال: فمن الملوك الذين ملكوا الجبال ثم تهيأت لأولادهم بعد ذلك الغلبه على السواد اشك بن حره بن رسبيان بن أرتشاخ بن هرمز بن ساهم بن رزان بن إسفنديار بن بشتاسب قال: والفرس تزعم أنه أشك بن دارا وقال بعضهم:

أشك بن أشكان الكبير، وكان من ولد كيبيه بن كيقباذ، وكان ملكه عشر سنين.

ثم ملك من بعده أشك بن أشك بن أشكان، إحدى وعشرين سنة.

ثم ملك سابور بن أشك بن أشكان، إحدى وعشرين سنة.

ثم ملك سابور بن أشك بن أشكان، ثلاثين سنة.

ثم ملك جوذرز الأكبر بن سابور بن أشكان، عشر سنين.

ثم ملك بيرن بن جوذرز، إحدى وعشرين سنة.

ثم جوذرز الأصغر بن بيزن، تسع عشرة سنة.

ثم نرسه بن جوذرز الأصغر، أربعين سنة.

ثم هرمز بن بلاش بن أشكان، سبع عشرة سنة.

ثم أردوان الأكبر وهو أردوان بن أشكان، اثنتي عشرة سنة.

ثم كسرى بن اشكان، اربعين سنه.

ثم بها فريد الأشكاني، تسع سنين.

ثم بلاش الأشكاني، أربعا وعشرين سنة.

ثم أردوان الأصغر وهو أردوان بن بلاش بن فيروز بن هرمز بن بلاشر بن سابور بن أشك بن أشكان الأكبر، وكان جده كيبيه بن كيقباذ ويقال:

إنه كان أعظم الأشكانية ملكا، وأظهرهم عزا، واسناهم ذكرا، واشدهم قهرا الملوك الطوائف، وأنه كان قد غلب على كورة إصطخر لاتصالها بأصبهان، ثم تخطى إلى جور وغيرها من فارس، حتى غلب عليها، ودانت له ملوكها لهيبة ملوك الطوائف كانت له، وكان ملكه ثلاث عشرة سنة.

ثم ملك أردشير.

وقال بعضهم: ملك العراق وما بين الشام ومصر بعد الإسكندر تسعون ملكا على تسعين طائفة كلهم يعظم من يملك المدائن، وهم الاشكانيون قال: فملك من الاشكانيين افقور شاه بن بلاش بن سابور بن اشكان بن أرش الجبار بن سياوش بن كيقاوس الملك، اثنتين وستين سنة.

ثم سابور بن أفقور- وعلى عهده كان المسيح ويحيى ع- ثلاثا وخمسين سنة.

ثم جوذرز بن سابور بن أفقور الذي غزا بني إسرائيل طالبا بثار يحيى ابن زكرياء، ملك تسعا وخمسين سنة.

ثم ابن أخيه أبزان بن بلاش بن سابور، سبعا وأربعين سنة.

ثم جوذرز بن أبزان بن بلاش، إحدى وثلاثين سنة.

ثم أخوه نرسى بن أبزان، أربعا وثلاثين سنة.

ثم عمه الهرمزان بن بلاش، ثمانيا وأربعين سنة.

ثم ابنه الفيروزان بن الهرمزان بن بلاش، تسعا وثلاثين سنة.

ثم ابنه كسرى بن الفيروزان، سبعا وأربعين سنة.

ثم ابنه اردوان بن بلاش، وهو آخرهم، قتله أردشير بن بابك، خمسا وخمسين سنة.

قال: وكان ملك الإسكندر وملك سائر ملوك الطوائف في النواحي خمسمائة وثلاثا وعشرين سنة

** ذكر الأحداث التي كانت في أيام ملوك الطوائف **

فكان من ذلك- فيما زعمته الفرس- لمضي خمس وستين سنة من غلبة الإسكندر على أرض بابل، ولإحدى وخمسين سنة من ملك الأشكانيين- ولادة مريم بنت عمران عيسى بن مريم ع.

فأما النصارى فإنها تزعم أن ولادتها إياه كانت لمضى ثلاثمائة سنة وثلاث سنين من وقت غلبة الإسكندر على أرض بابل وزعموا أن مولد يحيى بن زكرياء كان قبل مولد عيسى ع بستة أشهر وذكروا أن مريم حملت بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة، وأن عيسى عاش إلى أن رفع اثنتين وثلاثين سنة وأياما، وأن مريم بقيت بعد رفعه ست سنين، وكان جميع عمرها نيفا وخمسين سنة.

قال: وزعموا أن يحيى اجتمع هو وعيسى بنهر الأردن وله ثلاثون سنة، وأن يحيى قتل قبل أن يرفع عيسى وكان زكرياء بن برخيا أبو يحيى بن زكرياء وعمران بن ماثان أبو مريم متزوجين بأختين، إحداهما عند زكرياء وهي أم يحيى، والأخرى منهما عند عمران بن ماثان، وهي أم مريم، فمات عمران بن ماثان وأم مريم حامل بمريم، فلما ولدت مريم كفلها زكرياء بعد موت أمها، لأن خالتها أخت أمها كانت عنده واسم أم مريم حنة بنت فاقود ابن قبيل، واسم أختها أم يحيى الأشباع ابنة فاقود وكفلها زكرياء، وكانت مسماة بيوسف بن يعقوب بن ماثان بن اليعازار بن اليوذ بن أحين بن صادوق بن عازور بن الياقيم بن أبيوذ بن زربابل بن شلتيل بن يوحنيا بن يوشيا بن أمون بن منشا بن حزقيا بن أحاز بن يوثام بن عوزيا بن يورام بن يهوشافاظ بن أسا بن أبيا بن رحبعم بن سليمان بن داود، ابن عم مريم.

وأما ابن حميد، فإنه حدثنا عن سلمة، عن ابن إسحاق، أنه قال: مريم- فيما بلغني عن نسبها- ابنة عمران بن ياشهم بن أمون بن منشا بن حزقيا ابن احزيق بن يوثام بن عزريا بن أمصيا بن ياوش بن أحزيهو بن يارم بن يهشافاط بن أسا بن أبيا بن رحبعم بن سليمان فولد لزكرياء يحيى ابن خالة عيسى بن مريم، فنبئ صغيرا، فساح، ثم دخل الشام يدعو الناس، ثم اجتمع يحيى وعيسى، ثم افترقا بعد أن عمد يحيى عيسى.

وقيل: إن عيسى بعث يحيى بن زكرياء في اثني عشر من الحواريين يعلمون الناس: قال: وكان فيما نهوهم عنه نكاح بنات الأخ،

فحدثني أبو السائب، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: بعث عيسى بن مريم يحيى بن زكرياء، في اثني عشر من الحواريين يعلمون الناس، قال: فكان فيما نهوهم عنه نكاح ابنة الأخ قال: وكان لملكهم ابنة أخ تعجبه، يريد أن يتزوجها، وكانت لها كل يوم حاجة يقضيها، فلما بلغ ذلك أمها قالت لها: إذا دخلت على الملك، فسألك حاجتك فقولي: حاجتي أن تذبح لي يحيى بن زكرياء فلما دخلت عليه سألها حاجتها، قالت: حاجتي أن تذبح لي يحيى بن زكرياء، فقال: سليني غير هذا، قالت: ما أسألك إلا هذا، قال: فلما أبت عليه دعا يحيى، ودعا بطست فذبحه، فندرت قطرة من دمه على الأرض فلم تزل تغلي حتى بعث الله بختنصر عليهم، فجاءته عجوز من بني إسرائيل، فدلته على ذلك الدم، قال: فألقى الله في قلبه أن يقتل على ذلك الدم منهم حتى يسكن، فقتل سبعين ألفا منهم من سن واحدة، فسكن.

حدثنا موسى بن هارون الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس- وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود- وعن ناس من اصحاب النبي ص، إن رجلا من بني إسرائيل، رأى في النوم أن خراب بيت المقدس وهلاك بني إسرائيل على يدي غلام يتيم، ابن أرملة من أهل بابل، يدعى بختنصر، وكانوا يصدقون فتصدق رؤياهم، فأقبل يسأل عنه، حتى نزل على أمه وهو يحتطب، فلما جاء وعلى راسه حزمه حطب ألقاها، ثم قعد في جانب البيت، فكلمه، ثم أعطاه ثلاثة دراهم، فقال: اشتر بهذه طعاما وشرابا، فاشترى بدرهم لحما، وبدرهم خبزا، وبدرهم خمرا، فأكلوا وشربوا، حتى إذا كان اليوم الثاني فعل به ذلك، حتى إذا كان اليوم الثالث فعل ذلك، ثم قال: إني أحب أن تكتب لي أمانا إن أنت ملكت يوما من الدهر، قال: تسخر بي! قال: إني لا أسخر بك، ولكن ما عليك أن تتخذ بها عندي يدا! فكلمته أمه، فقالت: وما عليك إن كان، وإلا لم ينقصك شيئا! فكتب له أمانا، فقال: أرأيت إن جئت والناس حولك، قد حالوا بيني وبينك! فاجعل لي آية تعرفني بها، قال: ترفع صحيفتك على قصبة فأعرفك بها فكساه وأعطاه

ثم إن ملك بني إسرائيل كان يكرم يحيى بن زكرياء، ويدني مجلسه، ويستشيره في أمره، ولا يقطع أمرا دونه، وإنه هوي أن يتزوج ابنة امرأة له، فسأل يحيى عن ذلك، فنهاه عن نكاحها، وقال: لست أرضاها لك، فبلغ ذلك أمها فحقدت على يحيى حين نهاه أن يتزوج ابنتها، فعمدت إلى الجارية حين جلس الملك على شرابه، فألبستها ثيابا رقاقا حمرا، وطيبتها، وألبستها من الحلي، وألبستها فوق ذلك كساء أسود، فأرسلتها إلى الملك، وأمرتها أن تسقيه، وأن تعرض له، فإن أرادها على نفسها أبت عليه، حتى يعطيها ما سألته، فإذا أعطاها ذلك سألته أن تؤتى برأس يحيى بن زكرياء في طست، ففعلت فجعلت تسقيه وتعرض له، فلما أخذ فيه الشراب أرادها على نفسها، فقالت: لا أفعل حتى تعطيني ما أسألك، قال: ما تسأليني؟

قالت: أسألك أن تبعث إلى يحيى بن زكرياء، فأوتى برأسه في هذا الطست، فقال: ويحك! سليني غير هذا! قالت: ما أريد أن أسألك إلا هذا.

قال: فلما أبت عليه، بعث إليه فأتي برأسه، والرأس يتكلم، حتى وضع بين يديه، وهو يقول: لا تحل لك، فلما أصبح إذا دمه يغلي، فأمر بتراب فألقي عليه، فرقى الدم فوق التراب يغلي، فألقي عليه التراب أيضا، فارتفع الدم فوقه، فلم يزل يلقى عليه التراب حتى بلغ سور المدينة، وهو في ذلك يغلي، وبلغ صيحائين فنادى في الناس، وأراد أن يبعث إليهم جيشا، ويؤمر عليهم رجلا، فأتاه بختنصر، فكلمه، وقال: إن الذي كنت أرسلت تلك المرة ضعيف، فإني قد دخلت المدينة، وسمعت كلام أهلها، فابعثني، فبعثه فسار بختنصر، حتى إذا بلغوا ذلك المكان تحصنوا منه في مدائنهم، فلم يطقهم، فلما اشتد عليه المقام، وجاع أصحابه اراد الرجوع، فخرجت إليه عجوز من عجائز بني إسرائيل، فقالت:

أين أمير الجند؟ فأتي به إليها، فقالت: إنه بلغني أنك تريد أن ترجع بجندك قبل أن تفتح هذه المدينة قال: نعم، قد طال مقامي، وجاع أصحابي، فلست أستطيع المقام فوق الذي كان مني، فقالت: أرأيتك إن فتحت لك المدينة، أتعطيني ما أسألك، فتقتل من أمرتك بقتله، وتكف إذا أمرتك أن تكف؟ قال لها: نعم، قالت: إذا أصبحت فاقسم جندك أربعة أرباع، ثم أقم على كل زاوية ربعا، ثم ارفعوا بأيديكم إلى السماء، فنادوا: إنا نستفتحك يا الله بدم يحيى بن زكرياء، فإنها سوف تتساقط ففعلوا، فتساقطت المدينة، ودخلوا من جوانبها، فقالت له: كف يدك، اقتل على هذا الدم حتى يسكن، فانطلقت به إلى دم يحيى وهو على تراب كثير، فقتل عليه حتى سكن، فقتل سبعين ألف رجل وامرأة، فلما سكن الدم، قالت له: كف يدك، فإن الله عز وجل إذا قتل نبي لم يرض حتى يقتل من قتله ومن رضي قتله فأتاه صاحب الصحيفة بصحيفته، فكف عنه وعن أهل بيته، وخرب بيت المقدس، وأمر به أن تطرح فيه الجيف، وقال: من طرح فيه جيفة فله جزيته تلك السنة، وأعانه على خرابه الروم من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكرياء، فلما خربه بختنصر ذهب معه بوجوه بني إسرائيل وسراتهم، وذهب بدانيال وعليا وعزريا وميشائيل، هؤلاء كلهم من أولاد الأنبياء، وذهب معه برأس الجالوت، فلما قدم أرض بابل وجد صيحائين قد مات، فملك مكانه، وكان أكرم الناس عليه دانيال وأصحابه، فحسدهم المجوس، فوشوا بهم إليه، فقالوا: إن دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك، ولا يأكلون من ذبيحتك، فدعاهم فسألهم فقالوا: أجل إن لنا ربا نعبده، ولسنا نأكل من ذبيحتكم، وأمر بخد فخد، فألقوا فيه وهم ستة، وألقي معهم سبع ضار ليأكلهم، فقالوا: انطلقوا فلنأكل ولنشرب، فذهبوا، فأكلوا وشربوا، ثم راحوا فوجدوهم جلوسا، والسبع مفترش ذراعيه بينهم لم يخدش منهم أحدا، ولم ينكأه شيئا، فوجدوا معهم رجلا، فعدوهم فوجدوهم سبعة، فقال: ما بال هذا السابع؟ إنما كانوا ستة! فخرج إليه السابع- وكان ملكا من الملائكة- فلطمه لطمة فصار في الوحش، فكان فيهم سبع سنين.

قال أبو جعفر: وهذا القول- الذي روي عمن ذكرت في هذه الأخبار التي رويت وعمن لم يذكر في هذا الكتاب، من أن بختنصر، هو الذي غزا بني إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكرياء- عند أهل السير والأخبار والعلم بأمور الماضين في الجاهلية، وعند غيرهم من أهل الملل غلط، وذلك أنهم بأجمعهم مجمعون على أن بختنصر إنما غزا بني إسرائيل عند قتلهم نبيهم شعيا في عهد إرميا بن حلقيا، وبين عهد إرميا وتخريب بختنصر بيت المقدس إلى مولد يحيى بن زكرياء أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة في قول اليهود والنصارى ويذكرون أن ذلك عندهم في كتبهم وأسفارهم مبين، وذلك أنهم يعدون من لدن تخريب بختنصر بيت المقدس إلى حين عمرانها في عهد كيرش بن أخشويرش أصبهبذ بابل من قبل أردشير بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب، ثم من قبل ابنته خماني سبعين سنة، ثم من بعد عمرانها إلى ظهور الإسكندر عليها وحيازة مملكتها إلى مملكته ثمانيا وثمانين سنة، ثم من بعد مملكة الإسكندر لها الى مولد يحيى بن زكرياء ثلاثمائة سنه وثلاث سنين، فذلك على قولهم أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة

وأما المجوس فإنها توافق النصارى واليهود في مدة خراب بيت المقدس، وأمر بختنصر، وما كان من أمره وأمر بني إسرائيل إلى غلبة الإسكندر على بيت المقدس والشام وهلاك دارا، وتخالفهم في مدة ما بين ملك الإسكندر ومولد يحيى، فتزعم أن مدة ذلك إحدى وخمسون سنة فبين المجوس والنصارى من الاختلاف في مدة ما بين ملك الإسكندر ومولد يحيى وعيسى ما ذكرت.

والنصارى تزعم أن يحيى ولد قبل عيسى بستة أشهر، وأن الذي قتله ملك لبني إسرائيل يقال له هيردوس، بسبب امرأة يقال لها هيروذيا، كانت امرأة أخ له، يقال له فيلفوس، عشقها فوافقته على الفجور، وكان لها ابنة يقال لها دمنى فأراد هيردوس أن يطأ امرأة أخيه المسماة هيروذيا، فنهاه يحيى وأعلمه أنه لا تحل له، فكان هيردوس معجبا بالابنة، فألهته يوما، ثم سألته حاجة فأجابها إليها، وأمر صاحبا له بالنفوذ لما تأمره به، فأمرته أن يأتيها برأس يحيى، ففعل، فلما عرف هيردوس الخبر أسقط في يده، وجزع جزعا شديدا.

وأما ما قال في ذلك أهل العلم بالأخبار وأمور أهل الجاهلية فقد حكيت منه ما قاله هشام بن محمد الكلبي.

وأما ما قال ابن إسحاق فيه، فهو ما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: عمرت بنو إسرائيل بعد ذلك- يعني بعد مرجعهم من أرض بابل إلى بيت المقدس- يحدثون الأحداث، ويعود الله عليهم ويبعث فيهم الرسل، ففريقا يكذبون وفريقا يقتلون، حتى كان آخر من بعث فيهم من أنبيائهم زكرياء ويحيى بن زكرياء وعيسى بن مريم، وكانوا من بيت آل داود ع وهو يحيى بن زكرياء بن ادى ابن مسلم بن صدوق بن نحشان بن داود بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن برخية بن شفاطية بن فاحور بن شلوم بن يهفاشاط بن اسا بن أبيا بن رحبعم ابن سليمان بن داود.

قال: فلما رفع الله عيسى ع من بين أظهرهم، وقتلوا يحيى بن زكرياء ع- وبعض الناس يقول: وقتلوا زكرياء- ابتعث الله عليهم ملكا من ملوك بابل يقال له خردوس، فسار إليهم بأهل بابل، حتى دخل عليهم الشام، فلما ظهر عليهم أمر رأسا من رءوس جنوده يدعى نبوزراذان، صاحب القتل، فقال له: انى كنت حلفت بالله:

لئن أنا ظهرت على أهل بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكري، إلى ألا أجد أحدا أقتله، فأمره أن يقتلهم، حتى يبلغ ذلك منهم وإن نبوزراذان دخل بيت المقدس، فقام في البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم، فوجد فيها دما يغلي، وسألهم، فقال: يا بني إسرائيل، ما شأن هذا الدم يغلي؟ أخبروني خبره ولا تكتموني شيئا من أمره، فقالوا: هذا دم قربان كان لنا كنا قربناه فلم يقبل منا، فلذلك هو يغلي كما تراه، ولقد قربنا منذ ثمانمائه سنة القربان، فيقبل منا إلا هذا القربان قال: ما صدقتموني الخبر، قالوا له: لو كان كأول زماننا لقبل منا، ولكنه قد انقطع منا الملك والنبوة والوحي، فلذلك لم يقبل منا فذبح منهم نبوزراذان على ذلك الدم سبعمائة وسبعين روحا من رءوسهم فلم يهدأ، فأمر فاتى بسبعمائة غلام من غلمانهم، فذبحوا على الدم فلم يهدأ، فامر بسبعه آلاف من بنيهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يبرد، فلما رأى نبوزراذان الدم لا يهدأ قال لهم: يا بني إسرائيل، ويلكم! اصدقوني واصبروا على أمر ربكم، فقد طالما ملكتم في الأرض تفعلون فيها ما شئتم، قبل ألا أترك منكم نافخ نار، أنثى ولا ذكرا إلا قتلته! فلما رأوا الجهد وشدة القتل صدقوه الخبر فقالوا: إن هذا دم نبي منا كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله، فلو أطعناه فيها لكان أرشد لنا، وكان يخبرنا بأمركم فلم نصدقه فقتلناه، فهذا دمه فقال لهم نبوزراذان:

ما كان اسمه؟ قالوا: يحيى بن زكرياء، قال: الآن صدقتموني، لمثل هذا ينتقم ربكم منكم فلما رأى نبوزراذان أنهم قد صدقوه خر ساجدا، وقال لمن حوله: أغلقوا أبواب المدينة، وأخرجوا من كان هاهنا من جيش خردوس وخلا في بني إسرائيل ثم قال: يا يحيى بن زكرياء، قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك، وما قتل منهم من أجلك، فاهدأ بإذن الله قبل ألا أبقي من قومك أحدا، فهدأ دم يحيى بإذن الله، ورفع نبوزراذان عنهم القتل، وقال: آمنت بما آمنت به بنو إسرائيل، وصدقت به وأيقنت أنه لا رب غيره، ولو كان معه آخر لم يصلح، لو كان معه شريك لم تستمسك السموات والأرض، ولو كان له ولد لم يصلح، فتبارك وتقدس وتسبح وتكبر وتعظم! ملك الملوك الذي يملك السموات السبع بعلم وحكم وجبروت وعزة، الذي بسط الأرض وألقى فيها رواسي لا تزول، فكذلك ينبغي لربي أن يكون ويكون ملكه فأوحى إلى رأس من رءوس بقية الأنبياء أن نبوزراذان حبور صدوق- والحبور بالعبرانية حديث الإيمان- وأن نبوزراذان قال لبني إسرائيل: إن عدو الله خردوس أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره وإني فاعل، لست أستطيع أن أعصيه قالوا له: افعل ما أمرت به، فأمرهم فحفروا خندقا، وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والبقر والغنم والإبل فذبحها، حتى سال الدم في العسكر، وأمر بالقتلى الذين كانوا قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما قتل من مواشيهم، حتى كانوا فوقهم، فلم يظن خردوس إلا أن ما كان في الخندق من بني إسرائيل.

فلما بلغ الدم عسكره أرسل إلى نبوزراذان: ارفع عنهم، فقد بلغني دماؤهم، وقد انتقمت منهم بما فعلوا ثم انصرف عنهم إلى أرض بابل، وقد أفنى بني إسرائيل أو كاد، وهي الوقعة الأخيرة التي أنزل الله ببني إسرائيل، يقول الله تعالى لنبيه محمد ص: «وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب» إلى قوله: «وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا» .

وعسى من الله حق، فكانت الوقعه الأولى بختنصر وجنوده، ثم رد الله لهم الكرة عليهم، ثم كانت الوقعة الأخيرة خردوس وجنوده، وهي كانت أعظم الوقعتين، فيها كان خراب بلادهم وقتل رجالهم وسبي ذراريهم ونسائهم، يقول الله عز وجل: «وليتبروا ما علوا تتبيرا» .

رجع الحديث الى حديث عيسى بن مريم وأمه عليهما السلام.

قال: وكانت مريم ويوسف بن يعقوب ابن عمها يليان خدمة الكنيسة، فكانت مريم إذا نفد ماؤها- فيما ذكر- وماء يوسف أخذ كل واحد منهما قلته، فانطلق إلى المغارة التي فيها الماء الذي يستعذبانه، فيملأ قلته، ثم يرجعان إلى الكنيسة فلما كان اليوم الذي لقيها فيه جبرئيل- وكان أطول يوم في السنة وأشده حرا- نفد ماؤها، فقالت: يا يوسف، ألا تذهب بنا نستقي! قال: إن عندي لفضلا من ماء أكتفي به يومي هذا إلى غد، قالت:

لكني والله ما عندي ماء، فأخذت قلتها، ثم انطلقت وحدها، حتى دخلت المغارة، فتجد عندها جبرئيل، قد مثله الله لها بشرا سويا: فقال لها:

يا مريم، إن الله قد بعثني إليك لأهب لك غلاما زكيا، قالت:

«إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا

» ، وهي تحسبه رجلا من بني آدم فقال: انما انا رسول ربك، قالت: «أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا» ، أي أن الله قد قضى أن ذلك كائن فلما قال ذلك استسلمت لقضاء الله، فنفخ في جيبها، ثم انصرف عنها، وملأت قلتها.

قال: فحدثني محمد بن سهل بن عسكر البخاري، قال حدثنا اسماعيل ابن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل، ابن أخي وهب، قال: سمعت وهبا قال: لما أرسل الله عز وجل جبرئيل إلى مريم، تمثل لها بشرا سويا فقالت: «إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا » ، ثم نفخ في جيب درعها حتى وصلت النفخة إلى الرحم، واشتملت على عيسى

قال: وكان معها ذو قرابة لها يقال له يوسف النجار، وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون، وكان ذلك المسجد يومئذ من أعظم مساجدهم، وكانت مريم ويوسف يخدمان في ذلك المسجد في ذلك الزمان، وكان لخدمته فضل عظيم، فرغبا في ذلك، فكانا يليان معالجته بأنفسهما وتجميره وكناسته وطهوره، وكل عمل يعمل فيه، فكان لا يعلم من أهل زمانهما أحد أشد اجتهادا وعبادة منهما، وكان أول من أنكر حمل مريم صاحبها يوسف، فلما رأى الذي بها استعظمه، وعظم عليه، وفظع به، ولم يدر على ماذا يضع أمرها! فإذا أراد يوسف أن يتهمها ذكر صلاحها وبراءتها، وأنها لم تغب عنه ساعة قط، وإذا أراد أن يبرئها رأى الذي ظهر بها فلما اشتد عليه ذلك كلمها، فكان أول كلامه إياها أن قال لها: إنه قد وقع في نفسي من أمرك أمر قد حرصت على أن أميته، وأكتمه في نفسي، فغلبني ذلك، فرأيت أن الكلام فيه أشفى لصدري، قالت: فقل قولا جميلا، قال: ما كنت لأقول إلا ذلك، فحدثيني: هل ينبت زرع بغير بذر؟

قالت: نعم، قال: فهل تنبت شجرة من غير غيث يصيبها؟ قالت: نعم، قال: فهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم، ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر، والبذر إنما كان من الزرع الذي أنبته الله من غير بذر! أولم تعلم أن الله أنبت الشجر من غير غيث، وأنه جعل بتلك القدرة الغيث حياة للشجر بعد ما خلق كل واحد منهما وحده! أو تقول لم يقدر الله على أن ينبت الشجر، حتى استعان عليه بالماء، ولولا ذلك لم يقدر على إنباته! قال لها يوسف: لا أقول ذلك، ولكني أعلم أن الله بقدرته على ما يشاء يقول لذلك: كن فيكون قالت له مريم: أولم تعلم أن الله عز وجل خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى؟ قال: بلى، فلما قالت له ذلك وقع في نفسه أن الذي بها شيء من الله عز وجل، وأنه لا يسعه أن يسألها عنه، وذلك لما رأى من كتمانها لذلك ثم تولى يوسف خدمة المسجد، وكفاها كل عمل كانت تعمل فيه، وذلك لما رأى من رقة جسمها واصفرار لونها، وكلف وجهها، ونتوء بطنها، وضعف قوتها، ودأب نظرها، ولم تكن مريم قبل ذلك كذلك، فلما دنا نفاسها أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك، فإنهم إن ظفروا بك عيروك وقتلوا ولدك فأفضت عند ذلك إلى أختها- وأختها حينئذ حبلى، وقد بشرت بيحيى- فلما التقيا وجدت أم يحيى ما في بطنها خر لوجهه ساجدا معترفا بعيسى، فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له، ليس بينها حين ركبت الحمار وبين الإكاف شيء، فانطلق يوسف بها، حتى إذا كان متاخما لأرض مصر في منقطع بلاد قومها أدرك مريم النفاس، وألجأها إلى أري حمار- يعني مزود الحمار- في أصل نخلة، وذلك في زمان الشتاء، فاشتد على مريم المخاض، فلما وجدت منه شدة التجأت إلى النخلة، فاحتضنتها واحتوشتها الملائكة، قاموا صفوفا محدقين بها.

فلما وضعت وهي محزونة، قيل لها: «ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا» إلى «إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا» ، فكان الرطب يتساقط عليها، وذلك في الشتاء.

فأصبحت الأصنام التي كانت تعبد من دون الله حين ولدت بكل أرض مقلوبة منكوسة على رءوسها، ففزعت الشياطين وراعها، فلم يدروا ما سبب ذلك، فساروا عند ذلك مسرعين، حتى جاءوا إبليس، وهو على عرش له، في لجة خضراء، يتمثل بالعرش يوم كان على الماء ويحتجب، يتمثل بحجب النور التي من دون الرحمن، فاتوه وقد خلاست ساعات من النهار، فلما رأى إبليس جماعتهم، فزع من ذلك، ولم يرهم جميعا منذ فرقهم قبل تلك الساعة، إنما كان يراهم أشتاتا، فسألهم فأخبروه أنه قد حدث في الأرض حدث أصبحت الأصنام منكوسة على رءوسها، ولم يكن شيء أعون على هلاك بني آدم منها، كنا ندخل في أجوافها فنكلمهم، وندبر أمرهم فيظنون أنها التي تكلمهم، فلما أصابها هذا الحدث صغرها في أعين بني آدم، وأذلها وأدناها، ذلك وقد خشينا ألا يعبدوها بعد هذا أبدا واعلم أنا لم نأتك حتى أحصينا الأرض، وقلبنا البحار وكل شيء قوينا عليه، فلم نزدد بما أردنا إلا جهلا قال لهم إبليس: إن هذا لأمر عظيم، لقد علمت بأني كتمته، وكونوا على مكانكم هذا فطار إبليس عند ذلك، فلبث عنهم ثلاث ساعات، فمر فيهن بالمكان الذي ولد فيه عيسى، فلما رأى الملائكة محدقين بذلك المكان، علم أن ذلك الحدث فيه، فأراد إبليس أن يأتيه من فوقه، فإذا فوقه رءوس الملائكة ومناكبهم عند السماء ثم أراد أن يأتيه من تحت الأرض، فإذا أقدام الملائكة راسية أسفل مما أراد إبليس ثم أراد أن يدخل من بينهم فنحوه عن ذلك.

ثم رجع إبليس إلى أصحابه فقال لهم: ما جئتكم حتى أحصيت الأرض كلها مشرقها ومغربها، وبرها وبحرها، والخافقين، والجو الأعلى، وكل هذا بلغت في ثلاث ساعات، وأخبرهم بمولد المسيح، وقال لهم: لقد كتمت شأنه، وما اشتملت قبله رحم أنثى على ولد إلا بعلمي، ولا وضعته قط، إلا وأنا حاضرها، وأني لأرجو أن أضل به أكثر مما يهتدي به، وما كان نبي قبله أشد علي وعليكم منه.

وخرج في تلك الليلة قوم يؤمونه من أجل نجم طلع أنكروه، وكان قبل ذلك يتحدثون أن مطلع ذلك النجم من علامات مولود في كتاب دانيال.

فخرجوا يريدونه، ومعهم الذهب والمر واللبان، فمروا بملك من ملوك الشام، فسألهم: أين يريدون؟ فأخبروه بذلك، قال: فما بال الذهب والمر واللبان اهديتموه له من بين الأشياء كلها؟ قالوا: تلك أمثاله: لأن الذهب هو سيد المتاع كله، وكذلك هذا النبي هو سيد أهل زمانه، ولأن المر يجبر به الجرح والكسر، وكذلك هذا النبي يشفي به الله كل سقيم ومريض، ولأن اللبان ينال دخانه السماء ولا ينالها دخان غيره، كذلك هذا النبي يرفعه الله إلى السماء لا يرفع في زمانه أحد غيره.

فلما قالوا ذلك لذلك الملك حدث نفسه بقتله، فقال: اذهبوا، فإذا علمتم مكانه فأعلموني ذلك، فإني أرغب في مثل ما رغبتم فيه من أمره فانطلقوا حتى دفعوا ما كان معهم من تلك الهدية إلى مريم، وأرادوا أن يرجعوا إلى هذا الملك ليعلموه مكان عيسى، فلقيهم ملك فقال لهم: لا ترجعوا إليه، ولا تعلموه بمكانه، فإنه إنما أراد بذلك ليقتله، فانصرفوا في طريق آخر، واحتملته مريم على ذلك الحمار ومعها يوسف، حتى وردا أرض مصر، فهي الربوة التي قال الله:

«وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين» .

فمكثت مريم اثنتي عشرة سنة تكتمه من الناس، لا يطلع عليه أحد، وكانت مريم لا تأمن عليه ولا على معيشته أحدا، كانت تلتقط السنبل من حيث ما سمعت بالحصاد، والمهد في منكبها والوعاء الذي تجعل فيه السنبل في منكبها الآخر، حتى تم لعيسى ع اثنتا عشرة سنة، فكان أول آية رآها الناس منه أن أمه كانت نازلة في دار دهقان من أهل مصر، فكان ذلك الدهقان قد سرقت له خزانة، وكان لا يسكن في داره إلا المساكين، فلم يتهمهم، فحزنت مريم لمصيبة ذلك الدهقان، فلما أن رأى عيسى حزن أمه بمصيبة صاحب ضيافتها، قال لها: يا أمه، أتحبين أن أدله على ماله؟

قالت: نعم يا بني، قال: قولي له يجمع لي مساكين داره، فقالت مريم للدهقان ذلك، فجمع له مساكين داره، فلما اجتمعوا عمد إلى رجلين منهم:

أحدهما أعمى والآخر مقعد، فحمل المقعد على عاتق الأعمى، ثم قال له:

قم به، قال الأعمى: أنا أضعف من ذلك، قال عيسى ع:

فكيف قويت على ذلك البارحة؟ فلما سمعوه يقول ذلك، بعثوا الأعمى، حتى قام به، فلما استقل قائما حاملا هوي المقعد إلى كوة الخزانة قال عيسى:

هكذا احتالا لمالك البارحة، لأنه استعان الأعمى بقوته، والمقعد بعينيه، فقال المقعد والأعمى: صدق، فردا على الدهقان ماله ذلك، فوضعه الدهقان في خزانته، وقال: يا مريم خذي نصفه، قالت: إني لم أخلق لذلك، قال الدهقان: فأعطيه ابنك، قالت: هو أعظم مني شأنا، ثم لم يلبث الدهقان أن أعرس ابن له فصنع له عيدا فجمع عليه أهل مصر كلهم، فلما انقضى ذلك زاره قوم من أهل الشام لم يحذرهم الدهقان، حتى نزلوا به، وليس عنده يومئذ شراب، فلما رأى عيسى اهتمامه بذلك دخل بيتا من بيوت الدهقان، فيه صفان من جرار، فأمر عيسى يده على أفواهها، وهو يمشي، فكلما أمر يده على جرة امتلأت شرابا، حتى أتى عيسى على آخرها، وهو يومئذ ابن اثنتي عشرة سنة، فلما فعل ذلك عيسى فزع الناس لشأنه وما أعطاه الله من ذلك، فأوحى الله عز وجل إلى أمه مريم، أن اطلعي به إلى الشام، ففعلت الذي أمرت به، فلم تزل بالشام حتى كان ابن ثلاثين سنة، فجاءه الوحي على ثلاثين سنة، وكانت نبوته ثلاث سنين ثم رفعه الله إليه، فلما رآه إبليس يوم لقيه على العقبة لم يطلق منه شيئا، فتمثل له برجل ذي سن وهيئة، وخرج معه شيطانان ماردان متمثلين كما تمثل إبليس، حتى خالطوا جماعة الناس.

وزعم وهب أنه ربما اجتمع على عيسى من المرضى في الجماعة الواحدة خمسون ألفا، فمن أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق ذلك منهم أتاه عيسى ع يمشي إليه، وإنما كان يداويهم بالدعاء إلى الله عز وجل، فجاءه إبليس في هيئة يبهر الناس حسنها وجمالها، فلما رآه الناس فرغوا له، ومالوا نحوه، فجعل يخبرهم بالأعاجيب، فكان في قوله: إن شأن هذا الرجل لعجب، تكلم في المهد، وأحيا الموتى، وأنبأ عن الغيب، وشفى المريض، فهذا الله قال أحد صاحبيه: جهلت أيها الشيخ، وبئس ما قلت! لا ينبغي لله أن يتجلى للعباد، ولا يسكن الأرحام، ولا تسعه أجواف النساء، ولكنه ابن الله وقال الثالث: بئس ما قلتما، كلا كما قد أخطأ وجهل، ليس ينبغي لله أن يتخذ ولدا، ولكنه إله معه، ثم غابوا حين فرغوا من قولهم، فكان ذلك آخر العهد منهم.

حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس- وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود- وعن ناس من اصحاب النبي ص، قال: خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها فاتخذت من دونهم حجابا من الجدران، وهو قوله: «ف انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا » في شرق المحراب، فلما طهرت إذا هي برجل معها، وهو قوله: «فأرسلنا إليها روحنا » فهو جبرئيل «فتمثل لها بشرا سويا » فلما رأته فزعت منه وقالت: «إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا » - تقول زانية- «قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا» فخرجت، عليها جلبابها، فأخذ بكميها، فنفخ في جيب درعها- وكان مشقوقا من قدامها- فدخلت النفخة في صدرها، فحملت، فأتتها أختها امرأة زكرياء ليلة تزورها، فلما فتحت لها الباب التزمتها، فقالت امرأة زكرياء: يا مريم أشعرت أني حبلى. قالت مريم: أشعرت أني أيضا حبلى قالت امرأة زكرياء: فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك، فذلك قوله: «مصدقا بكلمة من الله» . فولدت امرأة زكرياء يحيى، ولما بلغ أن تضع مريم، خرجت إلى جانب المحراب الشرقي منه، فأتت أقصاه: «فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة» يقول: ألجأها المخاض إلى جذع النخلة، «قالت» : وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس: «يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا» تقول: نسيا: نسي ذكري، ومنسيا، تقول: نسي أثري، فلا يرى لي أثر ولا عين «فناداها» ، جبرئيل: «من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا» ، والسري هو النهر «وهزي إليك بجذع النخلة» ، وكان جذعا منها مقطوعا فهزته، فإذا هو نخلة، وأجرى لها في المحراب نهرا فتساقطت النخله رطبا جنيا، فقال لها: كلى واشربي وقري عينا، «فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا» ، فكان من صام في ذلك الزمان لم يتكلم حتى يمسي، فقيل لها: لا تزيدي على هذا، فلما ولدته ذهب الشيطان فأخبر بني إسرائيل أن مريم قد ولدت، فأقبلوا يشتدون، فدعوها «فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا» - يقول عظيما- «يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا» ، فما بالك أنت يا أخت هارون! وكانت من بني هارون أخي موسى، وهو كما تقول: يا أخا بني فلان، إنما تعني قرابته فقالت لهم ما أمرها الله، فلما أرادوها بعد ذلك على الكلام، أشارت إليه- إلى عيسى- فغضبوا وقالوا: لسخريتها بنا حين تأمرنا أن نكلم هذا الصبي أشد علينا من زناها! «قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا» فتكلم عيسى فقال: «إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت» فقالت بنو إسرائيل: ما أحبلها أحد غير زكرياء، هو كان يدخل إليها، فطلبوه ففر منهم فتشبه له الشيطان في صورة راع، فقال: يا زكرياء، قد أدركوك، فادع الله حتى تنفتح لك هذه الشجرة فتدخل فيها، فدعا الله فانفتحت له الشجرة، فدخل فيها وبقي من ردائه هدب، فمرت بنو إسرائيل بالشيطان، فقالوا: يا راعي، هل رأيت رجلا من هاهنا قال: نعم سحر هذه الشجرة، فانفتحت له، فدخل فيها، وهذا هدب ردائه، فعمدوا فقطعوا الشجرة، وهو فيها بالمناشير، وليس تجد يهوديا إلا تلك الهدبة في ردائه، فلما ولد عيسى لم يبق في الأرض صنم يعبد من دون الله إلا أصبح ساقطا لوجهه

حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا اسماعيل ابن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهبا يقول: إن عيسى بن مريم ع لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا جزع من الموت، وشق عليه، فدعا الحواريين، فصنع لهم طعاما، فقال: احضروني الليلة، فإن لي إليكم حاجة، فلما اجتمعوا إليه من الليل، عشاهم وقام يخدمهم، فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم بيده، ويمسح أيديهم بثيابه، فتعاظموا ذلك وتكارهوه، فقال: ألا من رد علي شيئا الليلة مما أصنع فليس مني ولا أنا منه! فأقروه حتى إذا فرغ من ذلك قال: أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام، وغسلت أيديكم بيدي، فليكن لكم بي أسوة، فإنكم ترون أني خيركم، ولا يتعظم بعضكم على بعض، وليبذل بعضكم نفسه لبعض، كما بذلت نفسي لكم وأما حاجتي التي أستعينكم عليها، فتدعون الله لي، وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي، فلما نصبوا أنفسهم للدعاء، وأرادوا أن يجتهدوا، أخذهم النوم، حتى لم يستطيعوا دعاء، فجعل يوقظهم، ويقول: سبحان الله! ما تصبرون لي ليلة واحدة تعينوني فيها! قالوا: والله ما ندري ما لنا! لقد كنا نسمر فنكثر السمر، وما نطيق الليلة سمرا، وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه! فقال: يذهب بالراعي وتتفرق الغنم وجعل يأتي بكلام نحو هذا، ينعى به نفسه، ثم قال: الحق ليكفرن بي أحدكم، قبل ان يصيح الديك ثلاث مرات، وليبيعننى أحدكم بدراهم يسيرة، وليأكلن ثمني فخرجوا فتفرقوا، وكانت اليهود تطلبه، فأخذوا شمعون، أحد الحواريين، فقالوا: هذا من أصحابه، فجحد وقال: ما أنا بصاحبه، فتركوه، ثم أخذه آخر فجحد كذلك، ثم سمع صوت ديك، فبكى، فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود، فقال: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهما، فأخذها ودلهم عليه- وكان شبه عليهم قبل ذلك- فأخذوه، فاستوثقوا منه، وربطوه بالحبل، فجعلوا يقودونه، ويقولون: أنت كنت تحيي الموتى، وتنتهر الشيطان، وتبرئ المجنون، أفلا تفتح نفسك من هذا الحبل! ويبصقون عليه، ويلقون عليه الشوك، حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها، فرفعه الله إليه، وصلبوا ما شبه لهم، فمكث سبعا ثم إن أمه والمرأة- التي كان عيسى يداويها فأبرأها الله من الجنون- جاءتا تبكيان عند المصلوب، فجاءهما عيسى ع، فقال: على من تبكيان؟ فقالتا: عليك، فقال: إني قد رفعني الله إليه، ولم يصبني إلا خير، وإن هذا شيء شبه لهم، فأمرا الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا، فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر، وفقد الذي كان باعه، ودل عليه اليهود، فسأل عنه أصحابه، فقالوا: إنه ندم على ما صنع، فاختنق وقتل نفسه، فقال: لو تاب تاب الله عليه! ثم سألهم عن غلام يتبعهم يقال له يحيى، فقال: هو معكم، فانطلقوا فإنه سيصبح كل إنسان منكم يحدث بلغة قوم فلينذرهم وليدعهم.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه اليماني، قال: توفى الله عيسى بن مريم ثلاث ساعات من النهار، حتى رفعه الله إليه.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: والنصارى يزعمون أنه توفاه الله سبع ساعات من النهار، ثم أحياه الله، فقال له: اهبط، فانزل على مريم المجدلانية في جبلها، فإنه لم يبك عليك أحد بكاءها، ولم يحزن عليك أحد حزنها، ثم لتجمع لك الحواريين، فبثهم في الأرض دعاة إلى الله، فإنك لم تكن فعلت ذلك فأهبطه الله عليها، فاشتعل الجبل حين هبط نورا، فجمعت له الحواريين، فبثهم وأمرهم، أن يبلغوا الناس عنه ما أمره الله به، ثم رفعه الله إليه، فكساه الريش، وألبسه النور، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، فطار في الملائكة وهو معهم حول العرش، فكان إنسيا ملكيا سمائيا أرضيا، وتفرق الحواريون حيث أمرهم، فتلك الليلة التي أهبط فيها الليلة التي تدخن فيها النصارى

وكان ممن وجه من الحواريين والأتباع الذين كانوا في الأرض بعدهم، فطرس الحواري ومعه بولس- وكان من الأتباع، ولم يكن من الحواريين- إلى رومية، واندراييس ومثى إلى الأرض التي يأكل أهلها الناس- وهي فيما نرى للأساود- وتوماس إلى أرض بابل من أرض المشرق، وفيلبس إلى القيروان وقرطاجنة، وهي إفريقية، ويحنس إلى دفسوس، قرية الفتية أصحاب الكهف، ويعقوبس إلى أوريشلم، وهي إيليا بيت المقدس، وابن تلما إلى العرابية، وهي أرض الحجاز، وسيمن إلى أرض البربر دون إفريقية، ويهوذا- ولم يكن من الحواريين- إلى اريوبس، جعل مكان يوذس زكرياء يوطا، حين أحدث ما أحدث.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عمر ابن عبد الله بن عروة بن الزبير، عن ابن سليم الأنصاري، ثم الزرقي، قال: كان على امرأة منا نذر، لتظهرن على رأس الجماء- جبل بالعقيق من ناحية المدينة- قال: فظهرت معها، حتى إذا استوينا على رأس الجبل، إذا قبر عظيم، عليه حجران عظيمان، حجر عند رأسه، وحجر عند رجليه، فيهما كتاب بالمسند، لا أدري ما هو! فاحتملت الحجرين معي، حتى إذا كنت ببعض الجبل منهبطا ثقلا علي، فألقيت أحدهما وهبطت بالآخر، فعرضته على أهل السريانية: هل يعرفون كتابه؟ فلم يعرفوه، وعرضته على من يكتب بالزبور من أهل اليمن، ومن يكتب بالمسند فلم يعرفوه قال: فلما لم أجد أحدا ممن يعرفه ألقيته تحت تابوت لنا، فمكث سنين، ثم دخل علينا ناس من أهل ماه من الفرس يبتغون الخرز، فقلت لهم: هل لكم من كتاب؟ فقالوا: نعم، فأخرجت إليهم الحجر، فإذا هم يقرءونه، فإذا هو بكتابهم: هذا قبر رسول الله عيسى بن مريم ع إلى أهل هذه البلاد، فإذا هم كانوا أهلها في ذلك الزمان، مات عندهم فدفنوه على رأس الجبل.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثم عدوا على بقية الحواريين يشمسونهم ويعذبونهم، وطافوا بهم، فسمع بذلك ملك الروم- وكانوا تحت يديه، وكان صاحب وثن- فقيل له: إن رجلا كان في هؤلاء الناس الذين تحت يديك من بني إسرائيل عدوا عليه فقتلوه، وكان يخبرهم أنه رسول الله، قد أراهم العجائب، وأحيا لهم الموتى، وأبرأ لهم الأسقام، وخلق لهم من الطين كهيئة الطير، ونفخ فيه فكان طائرا بإذن الله، وأخبرهم بالغيوب قال: ويحكم! فما منعكم أن تذكروا هذا لي من امره وامرهم! فو الله لو علمت ما خليت بينهم وبينه ثم بعث إلى الحواريين، فانتزعهم من أيديهم، وسألهم عن دين عيسى وأمره، فأخبروه خبره، فتابعهم على دينهم، واستنزل سرجس فغيبه، وأخذ خشبته التي صلب عليها، فأكرمها وصانها لما مسها منه، وعدا على بني إسرائيل، فقتل منهم قتلى كثيرة، فمن هنالك كان أصل النصرانية في الروم.

وذكر بعض أهل الأخبار أن مولد عيسى ع كان لمضي اثنتين وأربعين سنة من ملك اغوسطوس، وان اغوسطوس عاش بعد ذلك بقية ملكه، وكان جميع ملكه ستا وخمسين سنة- قال بعضهم: وأياما قال: ووثبت اليهود بالمسيح، والرياسة ببيت المقدس في ذلك الوقت لقيصر، والملك على بيت المقدس من قبل قيصر هيردوس الكبير الذي دخلت عليه رسل ملك فارس الذين وجههم الملك الى المسيح، فصار إلى هيردوس غلطا، وأخبروه أن ملك فارس بعث بهم ليقربوا إلى المسيح ألطافا معهم من ذهب، ومر ولبان، وأنهم نظروا إلى نجمه قد طلع، فعرفوا ذلك بالحساب، وقربوا الألطاف إليه ببيت لحم من فلسطين فلما عرف هيردوس خبرهم كاد المسيح، فطلبه ليقتله، فأمر الله الملك أن يقول ليوسف الذي كان مع مريم في الكنيسة ما أراد هيردوس من قتله، وأمره أن يهرب بالغلام وأمه إلى مصر، فلما مات هيردوس قال الملك ليوسف وهو بمصر: إن هيردوس قد مات، وملك مكانه أركلاوس ابنه، وذهب من كان يطلب نفس الغلام، فانصرف به إلى ناصرة من فلسطين ليتم قول شعيا النبي: من مصر دعوتك ومات أركلاوس، وملك مكانه هيردوس الصغير، الذي صلب شبه المسيح في ولايته، وكانت الرياسة في ذلك الوقت لملوك اليونانية والروم، وكان هيردوس وولده من قبلهم، إلا أنهم كانوا يلقبون باسم الملك، وكان الملوك الكبار يلقبون بقيصر، وكان ملك بيت المقدس في وقت الصلب لهيردوس الصغير من قبل طيباريوس بن أغوسطوس دون القضاء، وكان القضاء لرجل رومي يقال له: فيلاطوس من قبل قيصر، وكانت رياسة الجالوت ليونن بن بهبوثن.

قال: وذكروا أن الذي شبه بعيسى وصلب مكانه رجل إسرائيلي، يقال له: أيشوع بن فنديرا وكان ملك طيباريوس ثلاثا وعشرين سنة وأياما منها إلى وقت ارتفاع المسيح ثماني عشرة سنة وأيام، ومنها بعد ذلك خمس سنين

** ذكر من ملك من الروم أرض الشام بعد رفع المسيح ع الى عهد النبي ص في قول النصارى **

قال أبو جعفر: زعموا أن ملك الشام من فلسطين وغيرها صار بعد طيباريوس إلى جايوس بن طيباريوس، وأن ملكه كان أربع سنين.

ثم ملك بعده ابن له آخر، يقال له: قلوديوس أربع عشرة سنة.

ثم ملك بعده نيرون، الذي قتل فطرس وبولس، وصلبه منكسا، أربع عشرة سنة.

ثم ملك بعده بوطلايوس، أربعة أشهر.

ثم ملك بعده أسفسيانوس أبو ططوس الذي وجهه إلى بيت المقدس عشر سنين ولمضي ثلاث سنين من ملكه وتمام أربعين سنة من وقت رفع عيسى ع وجه أسفسيانوس ابنه ططوس إلى بيت المقدس، حتى هدمه وقتل من قتل من بني إسرائيل غضبا للمسيح ثم ملك بعده ططوس بن اسفسيانوس، سنتين.

ثم من بعده دومطيانوس، ست عشرة سنة ثم من بعده نارواس، ست سنين.

ثم من بعده طرايانوس، تسع عشرة سنة.

ثم من بعده هدريانوس، إحدى وعشرين سنة.

ثم ملك من بعده ططورس بن بطيانوس، اثنتين وعشرين سنة.

ثم من بعده مرقوس وأولاده، تسع عشرة سنة.

ثم من بعده قوذوموس، ثلاث عشرة سنة

ثم من بعده فرطناجوس، ستة أشهر.

ثم من بعده سبروس أربع عشرة سنة.

ثم من بعده انطنياوس، سبع سنين.

ثم بعده مرقيانوس، ست سنين.

ثم بعده أنطنيانوس، أربع سنين.

ثم الحسندروس، ثلاث عشرة سنة.

ثم غسميانوس، ثلاث سنين.

ثم جورديانوس، ست سنين.

ثم بعده فليفوس، سبع سنين.

ثم داقيوس، ست سنين.

ثم قالوس، ست سنين.

ثم بعده والرييانوس وقاليونس، خمس عشرة سنة.

ثم قلوديوس، سنة.

ثم من بعده قريطاليوس، شهرين.

ثم اورليانوس، خمس سنين.

ثم طيقطوس، ستة أشهر.

ثم فولوريوس، خمسة وعشرين يوما ثم فرابوس، ست سنين.

ثم قوروس وابناه، سنتين.

ثم دوقلطيانوس، ست سنين.

ثم محسميانوس، عشرين سنة.

ثم قسطنطينوس، ثلاثين سنة.

ثم قسطنطين، ثلاثين سنة.

ثم قسطنطين عشرين سنة

ثم اليانوس المنافق، سنتين.

ثم يويانوس، سنة.

ثم والمطيانوس وغرطيانوس، عشر سنين.

ثم خرطانوس ووالنطيانوس الصغير، سنة.

ثم تياداسيس الأكبر، سبع عشرة سنة.

ثم أرقديوس وأنوريوس، عشرين سنة.

ثم تياداسيس الاصغر والنطيانوس ست عشرة سنة.

ثم مرقيانوس، سبع سنين.

ثم لاون، ست عشرة سنة.

ثم زانون، ثماني عشرة سنة ثم أنسطاس، سبعا وعشرين سنة.

ثم يوسطنيانوس، سبع سنين.

ثم يوسطنيانوس الشيخ، عشرين سنة.

ثم يوسطينس اثنتي عشرة سنة.

ثم طيباريوس، ست سنين.

ثم مريقيس وتاذاسيس ابنه، عشرين سنة ثم فوقا الذي قتل، سبع سنين وستة أشهر.

ثم هرقل الذى كتب اليه رسول الله ص، ثلاثين سنة.

فمن لدن عمر بيت المقدس بعد تخريبه بختنصر إلى الهجرة- على قولهم- ألف سنة ونيف، ومن ملك الإسكندر إليها تسعمائة سنة ونيف وعشرون سنة، من ذلك من وقت ظهوره الى مولد عيسى ثلاثمائة سنة وثلاث سنين ومن مولده إلى ارتفاعه اثنتان وثلاثون سنة، ومن وقت ارتفاعه إلى الهجره خمسمائة وخمس وثمانون سنة وأشهر.

وزعم بعض أصحاب الأخبار أن قتل بني إسرائيل يحيى بن زكرياء كان في عهد أردشير بن بابك لثماني سنين خلت من ملكه، وأن بختنصر إنما صار إلى الشام لقتال اليهود من قبل سابور الجنود ابن أردشير بن بابك

** نزول قبائل العرب الحيرة والأنبار ايام ملوك الطوائف **

وكان من الأحداث أيام ملوك الطوائف إلى قيام أردشير بن بابك بالملك- فيما ذكر هشام بن محمد- دنو من دنا من قبائل العرب من ريف العراق ونزول من نزل منهم الحيرة والأنبار وما حوالي ذلك.

فحدثت عن هشام بن محمد، قال: لما مات بختنصر انضم الذين كان أسكنهم الحيرة من العرب حين أمر بقتالهم إلى أهل الأنبار وبقي الحير خرابا، فغبروا بذلك زمانا طويلا، لا تطلع عليهم طالعة من بلاد العرب، ولا يقدم عليهم قادم، وبالأنبار أهلها ومن انضم إليهم من أهل الحيرة من قبائل العرب من بني إسماعيل وبني معد بن عدنان، فلما كثر اولاد معد ابن عدنان ومن كان معهم من قبائل العرب، وملئوا بلادهم من تهامة وما يليهم، فرقتهم حروب وقعت بينهم، وأحداث حدثت فيهم، فخرجوا يطلبون المتسع والريف فيما يليهم من بلاد اليمن ومشارف الشام، وأقبلت منهم قبائل حتى نزلوا البحرين، وبها جماعة من الأزد كانوا نزلوها في دهر عمران بن عمرو، من بقايا بني عامر، وهو ماء السماء بن حارثة، وهو الغطريف بن ثعلبة بن امرئ القيس بن مازن بن الأزد.

وكان الذين أقبلوا من تهامة من العرب مالك وعمرو ابنا فهم بن تيم الله ابن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، ومالك بن زهير بن عمرو بن فهم بن تيم الله بن أسد بن وبرة، في جماعه من قومهم، والحيقار بن الحيق بن عمير بن قنص بن معد بن عدنان، في قنص كلها ولحق بهم غطفان بن عمرو بن الطمثان بن عوذ مناه بن يقدم ابن أفصى بن دعمي بن إياد بن نزار بن معد بن عدنان، وزهر بن الحارث بن الشلل بن زهر بن اياد وصبح، بن صبيح بن الحارث بن أفصى بن دعمي بن إياد.

فاجتمع بالبحرين جماعة من قبائل العرب، فتحالفوا على التنوخ- وهو المقام- وتعاقدوا على التوازر والتناصر، فصاروا يدا على الناس، وضمهم اسم تنوخ، فكانوا بذلك الاسم، كأنهم عمارة من العمائر.

قال: وتنخ عليهم بطون من نمارة بن لخم قال: ودعا مالك بن زهير جذيمة الأبرش بن مالك بن فهم بن غانم بن دوس الأزدي إلى التنوخ معه، وزوجه أخته لميس ابنة زهير، فتنخ جذيمة بن مالك وجماعة ممن كان بها من قومهم من الأزد، فصار مالك وعمرو ابنا فهم والأزد حلفاء دون سائر تنوخ، وكلمة تنوخ كلها واحدة.

وكان اجتماع من اجتمع من قبائل العرب بالبحرين وتحالفهم وتعاقدهم أزمان ملوك الطوائف الذين ملكهم الإسكندر، وفرق البلدان بينهم عند قتله دارا بن دارا ملك فارس، إلى أن ظهر أردشير بن بابك ملك فارس على ملوك الطوائف، وقهرهم ودان له الناس، وضبط له الملك.

قال: وإنما سموا ملوك الطوائف، لأن كل ملك منهم كان ملكه قليلا من الأرض، إنما هي قصور وأبيات، وحولها خندق وعدوه قريب منه، له من الأرض مثل ذلك ونحوه، يغير أحدهما على صاحبه ثم يرجع كالخطفة.

قال: فتطلعت أنفس من كان بالبحرين من العرب إلى ريف العراق، وطمعوا في غلبة الأعاجم على ما يلي بلاد العرب منه أو مشاركتهم فيه، واهتبلوا ما وقع بين ملوك الطوائف من الاختلاف، فأجمع رؤساؤهم بالمسير إلى العراق، ووطن جماعة ممن كان معهم على ذلك، فكان أول من طلع منهم الحيقار بن الحيق في جماعة قومه وأخلاط من الناس، فوجدوا الأرمانيين- وهم الذين بأرض بابل وما يليها إلى ناحية الموصل- يقاتلون الأردوانيين، وهم ملوك الطوائف، وهم فيما بين نفر- وهي قرية من سواد العراق إلى الأبلة وأطراف البادية- فلم تدن لهم، فدفعوهم عن بلادهم.

قال: وكان يقال لعاد إرم، فلما هلكت قيل لثمود إرم، ثم سموا الأرمانيين، وهم بقايا إرم، وهم نبط السواد ويقال لدمشق: إرم.

قال: فارتفعوا عن سواد العراق وصاروا أشلاء بعد في عرب الأنبار وعرب الحيرة، فهم أشلاء قنص بن معد، وإليهم ينسب عمرو بن عدى بن نصر ابن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن سعود بن مالك بن عمم بن نمارة بن لخم.

وهذا قول مضر وحماد الراوية، وهو باطل، ولم يأت في قنص ابن معد شيء أثبت من قول جبير بن مطعم: إن النعمان كان من ولده قال: وإنما سميت الأنبار أنبار لأنها كانت تكون فيها أنابير الطعام، وكانت تسمى الأهراء، لأن كسرى يرزق أصحابه رزقهم منها.

قال: ثم طلع مالك وعمرو، ابنا فهم بن تيم الله، ومالك بن زهير بن فهم بن تيم الله، وغطفان بن عمرو بن الطمثان، وزهر بن الحارث وصبح ابن صبيح، فيمن تنخ عليهم من عشائرهم وحلفائهم على الأنبار، على ملك الأرمانيين، فطلع نمارة بن قيس بن نمارة، والنجدة- وهم قبيلة من العماليق يدعون الى كنده- وملكان بن كندة، ومالك وعمرو ابنا فهم ومن حالفهم، وتنخ معهم على نفر على ملك الأردوانيين، فأنزلهم الحير الذي كان بناه بختنصر لتجار العرب الذين وجدوا بحضرته حين أمر بغزو العرب في بلادهم، وإدخال الجيوش عليهم، فلم تزل طالعة الأنبار وطالعة نفر على ذلك، لا يدينون للأعاجم، ولا تدين لهم الأعاجم، حتى قدمها تبع- وهو أسعد أبو كرب بن ملكيكرب- في جيوشه، فخلف بها من لم تكن به قوة من الناس، ومن لم يقو على المضي معه، ولا الرجوع إلى بلاده، وانضموا إلى هذا الحير، واختلطوا بهم، وفي ذلك يقول كعب بن جعيل بن عجرة بن قمير بن ثعلبة بن عوف بن مالك بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل:

وغزا تبع في حمير حتى نزل الحيرة من أهل عدن

وخرج تبع سائرا ثم رجع إليهم، وأقاموا فأقرهم على حالهم، وانصرف راجعا إلي اليمن، وفيهم من كل القبائل من بني لحيان، وهم بقايا جرهم، وفيهم جعفي، وطيئ، وكلب، وتميم، وليسوا إلا بالحيرة- يعني بقايا جرهم.

قال ابن الكلبي: لحيان بقايا جرهم.

ونزل كثير من تنوخ الأنبار والحيرة وما بين الحيرة إلى طف الفرات وغربيه، إلى ناحية الأنبار وما والاها في المظال والأخبية، لا يسكنون بيوت المدر، ولا يجامعون أهلها فيها، واتصلت جماعتهم فيما بين الأنبار والحيرة، وكانوا يسمون عرب الضاحية، فكان أول من ملك منهم في زمان ملوك الطوائف مالك بن فهم، وكان منزله مما يلي الأنبار ثم مات مالك، فملك من بعده أخوه عمرو بن فهم ثم هلك عمرو بن فهم، فملك من بعده جذيمة الأبرش بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس الأزدي.

قال ابن الكلبي: دوس بن عدثان بن عبد الله بن نصر بن زهران ابن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد بن الغوث بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبإ.

قال ابن الكلبي: ويقال إن جذيمة الأبرش من العاربة الأولى، من بني وبار بن أميم بن لوذ بن سام بن نوح قال: وكان جذيمة من أفضل ملوك العرب رأيا، وأبعدهم مغارا، وأشدهم نكاية، وأظهرهم حزما، وأول من استجمع له الملك بأرض العراق، وضم إليه العرب، وغزا بالجيوش، وكان به برص، فكنت العرب عنه، وهابت العرب أن تسميه به وتنسبه إليه إعظاما له، فقيل: جذيمة الوضاح، وجذيمة الأبرش، وكانت منازله فيما بين الحيرة والأنبار وبقة وهيت وناحيتها، وعين التمر، وأطراف البر الى الغوير والقطقطانة وخفية وما والاها، وتجبى إليه الأموال، وتفد إليه الوفود، وكان غزا طسما وجديسا في منازلهم من جو وما حولهم، وكانت طسم وجديس يتكلمون بالعربية، فأصاب حسان بن تبع أسعد أبي كرب، قد أغار على طسم وجديس باليمامة، فانكفأ جذيمة راجعا بمن معه، وتأتي خيول تبع على سرية لجذيمة فاجتاحتها، وبلغ جذيمة خبرهم، فقال جذيمة:

ربما أوفيت في علم ترفعن بردي شمالات

في فتو أنا كالئهم في بلايا غزوة باتوا

ثم أبنا غانمي نعم وأناس بعدنا ماتوا

نحن كنا في ممرهم إذ ممر القوم خوات

ليت شعري ما أماتهم نحن أدلجنا وهم باتوا

ولنا كانوا ونحن إذا قال منا قائل صاتوا

ولنا البيد البعاد التي أهلها السودان اشتات

ثبه الاخيار شاهده ذاكم قومى واهلاتى

قد شربت الخمر وسطهم ناعما في غير أصوات

فعلى ما كان من كرم فستبكيني بنياتي

انا رب الناس كلهم غير ربي الكافت الفات

يعني بالكافت الذي يكفت ارواحهم، والفات الذى يفيتهم أنفسهم، يعني الله عز وجل.

قال ابن الكلبي: ثلاثة أبيات منها حق، والبقية باطل.

قال: وفي مغازيه وغاراته على الأمم الخالية من العاربة الأولى يقول الشاعر في الجاهلية:

أضحى جذيمة في يبرين منزله قد حاز ما جمعت في دهرها عاد

فكان جذيمة قد تنبأ وتكهن، واتخذ صنمين، يقال لهما: الضيزنان- قال: ومكان الضيزنين بالحيرة معروف- وكان يستسقى بهما ويستنصر بهما على العدو، وكانت أياد بعين أباغ، وأباغ رجل من العماليق، نزل بتلك العين، فكان يغازيهم، فذكر لجذيمة غلام من لخم في أخواله من أياد يقال له عدي بن نصر بن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن سعود بن مالك بن عمم بن نمارة بن لخم، له جمال وظرف، فغزاهم جذيمة، فبعث أياد قوما فسقوا سدنة الصنمين الخمر، وسرقوا الصنمين، فأصبحا في أياد، فبعث إلى جذيمة: أن صنميك أصبحا فينا، زهدا فيك ورغبة فينا، فإن اوثقت لنا الا تغزونا رددناهما إليك.

قال: وعدي بن نصر تدفعونه إلي فدفعوه إليه مع الصنمين، فانصرف عنهم، وضم عديا إلى نفسه، وولاه شرابه، فأبصرته رقاش ابنة مالك أخت جذيمة، فعشقته وراسلته، وقالت: يا عدي، أخطبني إلى الملك، فإن لك حسبا وموضعا، فقال: لا أجترئ على كلامه في ذلك، ولا اطمع أن يزوجنيك، قالت: إذا جلس على شرابه، وحضره ندماؤه، فاسقه صرفا، واسق القوم مزاجا، فإذا أخذت الخمرة فيه، فاخطبني إليه، فإنه لن يردك، ولن يمتنع منك، فإذا زوجك فاشهد القوم، ففعل الفتى ما أمرته به، فلما أخذت الخمرة مأخذها خطبها إليه، فأملكه إياها، فانصرف إليها، فأعرس بها من ليلته، واصبح مضرجا بالخلوق، فقال له جذيمة- وأنكر ما رأى به: ما هذه الآثار يا عدي؟ قال: آثار العرس، قال أي عرس! قال: عرس رقاش! قال: من زوجكها ويحك! قال:

زوجنيها الملك، فضرب جذيمة بيده على جبهته، وأكب على الأرض ندامة وتلهفا، وخرج عدي على وجهه هاربا، فلم ير له أثر، ولم يسمع له بذكر، وأرسل إليها جذيمة، فقال:

حدثيني وأنت لا تكذبيني ابحر زنيت أم بهجين!

أم بعبد فأنت أهل لعبد أم بدون فأنت أهل لدون

فقالت: لا بل أنت زوجتني امرا عربيا، معروقا حسيبا، ولم تستأمرني في نفسي، ولم أكن مالكة لأمري، فكف عنها، وعرف عذرها.

ورجع عدي بن نصر إلى أياد، فكان فيهم، فخرج ذات يوم مع فتية متصيدين، فرمى به فتى منهم من لهب فيما بين جبلين، فتنكس فمات، واشتملت رقاش على حبل، فولدت غلاما، فسمته عمرا ورشحته، حتى إذا ترعرع عطرته وألبسته وحلته، وأزارته خاله جذيمة، فلما رآه أعجب به، وألقيت عليه منه مقة ومحبة، فكان يختلف مع ولده، ويكون معهم.

فخرج جذيمة متبديا بأهله وولده في سنة خصبة مكلئة، فضربت له أبنية في روضة ذات زهرة وغدر، وخرج ولده وعمرو معهم يجتنون الكمأة، فكانوا إذا أصابوا كمأة جيدة أكلوها، وإذا أصابها عمرو خبأها في حجزته فانصرفوا إلى جذيمة يتعادون، وعمرو يقول:

هذا جناي وخياره فيه إذ كل جان يده إلى فيه

فضمه إليه جذيمة والتزمه، وسر بقوله وفعله، وأمر فجعل له حلي من فضة وطوق، فكان أول عربي ألبس طوقا، فكان يسمى عمرا ذا الطوق، فبينما هو على أحسن حاله، إذ استطارته الجن فاستهوته، فضرب له جذيمة في البلدان والآفاق زمانا لا يقدر عليه قال: وأقبل رجلان أخوان من بلقين- يقال لهما: مالك وعقيل، ابنا فارج بن مالك بن كعب بن القين بن جسر ابن شيع الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة- من الشام يريدان جذيمة، قد اهديا له طرفا ومتاعا، فلما كانا ببعض الطريق نزلا منزلا، ومعهما قينة لهما يقال لها: أم عمرو، فقدمت إليهما طعاما، فبينما هما يأكلان إذ أقبل فتى عريان شاحب، قد تلبد شعره، وطالت أظفاره، وساءت حاله، فجاء حتى جلس حجره منهما، فمد يده يريد الطعام، فناولته القينة كراعا، فأكلها ثم مد يده إليها، فقالت:

تعطي العبد كراعا فيطمع في الذراع، فذهبت مثلا، ثم ناولت الرجلين من شراب كان معها، وأوكت زقها، فقال عمرو بن عدي:

صددت الكاس عنا أم عمرو وكان الكاس مجراها اليمينا

وما شر الثلاثة أم عمرو بصاحبك الذي لا تصحبينا!

فقال مالك وعقيل: من أنت يا فتي؟ فقال: إن تنكراني او تنكرا نسبي، فانى انا عمرو بن عدي، ابن تنوخية، اللخمي، وغدا ما ترياني في نمارة غير معصي فنهضا إليه فضماه وغسلا رأسه، وقلما أظفاره، وأخذا من شعره وألبساه مما كان معهما من الثياب وقالا: ما كنا لنهدي لجذيمة هدية أنفس عنده، ولا أحب إليه من ابن أخته، قد رده الله عليه بنا فخرجا به، حتى دفعا إلي باب جذيمة بالحيرة، فبشراه، فسر بذلك سرورا شديدا، وأنكره لحال ما كان فيه، فقالا: أبيت اللعن! إن من كان في مثل حاله يتغير.

فأرسل به إلى أمه، فمكث عندها أياما ثم أعادته إليه، فقال: لقد رأيته يوم ذهب وعليه طوق، فما ذهب عن عيني ولا قلبي إلي الساعة، فأعادوا عليه الطوق، فلما نظر إليه قال: شب عمرو عن الطوق، فأرسلها مثلا، وقال لمالك وعقيل: حكمكما، قالا: حكمنا منادمتك ما بقينا وبقيت! فهما ندمانا جذيمة اللذان ضربا مثلا في أشعار العرب، وفي ذلك يقول أبو خراش الهذلي:

لعمرك ما ملت كبيشة طلعتي وإن ثوائي عندها لقليل

ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا نديما صفاء مالك وعقيل

وقال متمم بن نويرة:

وكنا كندماني جذيمة حقبة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا

فلما تفرقنا كأني ومالكا لطول اجتماع لم نبت ليلة معا

وكان ملك العرب بأرض الجزيرة ومشارف بلاد الشام #عمرو بن ظرب

ابن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوبر العملقي- ويقال العمليقي، من عاملة العماليق، فجمع جذيمة جموعا من العرب، فسار إليه يريد غزاته، وأقبل عمرو بن ظرب بجموعه من الشام، فالتقوا، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل عمرو بن ظرب، وانفضت جموعه، وانصرف جذيمة بمن معه سالمين غانمين، فقال في ذلك الأعور بن عمرو بن هناءة بن مالك بن فهم الأزدي:

كأن عمرو بن ثربى لم يعش ملكا ولم تكن حوله الرايات تختفق

لاقى جذيمة في جأواء مشعلة فيها حراشف بالنيران ترتشق

فملكت من بعد عمرو ابنته الزباء واسمها نائلة، وقال في ذلك القعقاع بن الدرماء الكلبي:

أتعرف منزلا بين المنقي وبين مجر نائلة القديم

وكان جنود الزباء بقايا من العماليق والعاربة الأولى، وتزيد وسليح ابني حلوان ابن عمران بن الحاف بن قضاعة، ومن كان معهم من قبائل قضاعه، وكانت للزباء أخت يقال لها زبيبة، فبنت لها قصرا حصينا على شاطئ الفرات الغربي، وكانت تشتو عند أختها، وتربع ببطن النجار، وتصير إلى تدمر فلما أن استجمع لها أمرها، واستحكم لها ملكها، اجمعت لغزو جذيمة الأبرش تطلب بثأر أبيها، فقالت لها أختها زبيبة- وكانت ذات رأي ودهاء وأرب:

يا زباء، إنك إن غزوت جذيمة فإنما هو يوم له ما بعده، إن ظفرت أصبت ثارك، وإن قتلت ذهب ملكك، والحرب سجال، وعثراتها لا تستقال، وإن كعبك لم يزل ساميا على من ناواك وساماك، ولم تري بؤسا ولا غيرا، ولا تدرين لمن تكون العاقبة، وعلى من تكون الدائرة! فقالت لها الزباء: قد أديت النصيحه، وأحسنت الروية، وإن الرأي ما رأيت، والقول ما قلت.

فانصرفت عما كانت أجمعت عليه من غزو جذيمة، ورفضت ذلك، وأتت أمرها من وجوه الختل والخدع والمكر فكتبت إلى جذيمة تدعوه إلى نفسها وملكها، وأن يصل بلاده ببلادها وكان فيما كتبت به: إنها لم تجد ملك النساء إلا إلي قبيح في السماع، وضعف في السلطان، وقلة ضبط المملكة، وإنها لم تجد لملكها موضعا، ولا لنفسها كفئا غيرك، فأقبل إلى، فاجمع ملكي إلى ملكك، وصل بلادي ببلادك، وتقلد أمري مع أمرك.

فلما انتهي كتاب الزباء إلى جذيمة، وقدم عليه رسلها استخفه ما دعته اليه، ورغب فيما أطمعته فيه، وجمع إليه أهل الحجى والنهى، من ثقات أصحابه، وهو بالبقة من شاطئ الفرات، فعرض عليهم ما دعته اليه الزباء، وعرضته عليه، واستشارهم في أمره، فأجمع رأيهم على أن يسير إليها، ويستولي على ملكها وكان فيهم رجل يقال له قصير بن سعد بن عمر بن جذيمة بن قيس بن ربي بن نمارة بن لخم وكان سعد تزوج أمة لجذيمة، فولدت له قصيرا، وكان أريبا حازما، أثيرا عند جذيمة، ناصحا، فخالفهم فيما أشاروا به عليه، وقال: رأي فاتر، وغدر حاضر، فذهبت مثلا فرادوه الكلام ونازعوه الرأي، فقال: إني لأرى أمرا ليس بالخسا ولا الزكا، فذهبت مثلا وقال لجذيمة: أكتب إليها، فإن كانت صادقة فلتقبل إليك، وإلا لم تمكنها من نفسك، ولم تقع في حبالها، وقد وترتها، وقتلت أباها فلم يوافق جذيمة ما أشار به عليه قصير، فقال قصير:

إني امرؤ لا يميل العجز ترويتى إذا أتت دون شيء مرة الوذم

فقال جذيمة: لا ولكنك امرؤ رأيك في الكن لا في الضح، فذهبت مثلا فدعا جذيمة ابن أخته عمرو بن عدي فاستشاره، فشجعه على المسير،

وقال: إن نمارة قومي مع الزباء، ولو قدروا لصاروا معك، فأطاعه وعصي قصيرا، فقال قصير: لا يطاع لقصير أمر، وفي ذلك يقول نهشل بن حرى ابن ضمرة بن جابر التميمي:

ومولى عصاني واستبد برأيه كما لم يطع بالبقتين قصير

فلما راى ما غب أمري وأمره وولت بأعجاز الأمور صدور

تمنى نئيشا أن يكون أطاعني وقد حدثت بعد الأمور أمور

وقالت العرب: ببقة أبرم الأمر، فذهبت مثلا، واستخلف جذيمة عمرو بن عدي على ملكه وسلطانه، وجعل عمرو بن عبد الجن الجرمي معه على خيوله، وسار في وجوه أصحابه، فأخذ على الفرات من الجانب الغربي.

فلما نزل الفرضة دعا قصيرا، فقال: ما الرأي؟ قال: ببقة تركت الرأي، فذهبت مثلا، واستقبلته رسل الزباء بالهدايا والألطاف، فقال: يا قصير، كيف ترى؟ قال: خطر يسير في خطب كبير، فذهبت مثلا، وستلقاك الخيول، فإن سارت أمامك فإن المرأة صادقة، وإن أخذت جنبيك وأحاطت بك من خلفك، فإن القوم غادرون، فاركب العصا- وكانت فرسا لجذيمة لا تجارى- فإني راكبها ومسايرك عليها فلقيته الخيول والكتائب، فحالت بينه وبين العصا، فركبها قصير، ونظر إليه جذيمة موليا على متنها، فقال: ويل أمه حزما على ظهر العصا!، فذهبت مثلا، فقال: يا ضل ما تجري به العصا! وجرت به إلى غروب الشمس ثم نفقت، وقد قطعت أرضا بعيدة، فبنى عليها برجا يقال له برج العصا وقالت العرب:

خير ما جاءت به العصا، مثل تضربه وسار جذيمة، وقد أحاطت به الخيول، حتى دخل على الزباء، فلما رأته تكشفت فإذا هي مضفورة الأسب، فقالت: يا جذيمة ادأب عروس ترى!، فذهبت مثلا، فقال: بلغ المدى، وجف الثرى، وأمر غدر أرى، فقالت: أما وإلهي ما بنا من عدم مواس، ولا قلة أواس، ولكنه شيمة ما أناس فذهبت مثلا، وقالت: إني أنبئت أن دماء الملوك شفاء من الكلب، ثم أجلسته على نطع، وأمرت بطست من ذهب، فأعدته له وسقته من الخمر حتى أخذت مأخذها منه، وأمرت براهشيه فقطعا، وقدمت إليه الطست، وقد قيل لها: إن قطر من دمه شيء في غير الطست طلب بدمه- وكانت الملوك لا تقتل بضرب الأعناق إلا في قتال، تكرمه للملك- فلما ضعفت يداه سقطتا، فقطر من دمه في غير الطست، فقالت: لا تضيعوا دم الملك، فقال جذيمة: دعوا دما ضيعه اهله، فذهبت مثلا، فهلك جذيمة واستبقت الزباء دمه، فجعلته في برس قطن في ربعة لها، وخرج قصير من الحي الذي هلكت العصا بين أظهرهم، حتى قدم على عمرو ابن عدي وهو بالحيرة، فقال له قصير: أداثر أم ثائر، قال: لا، بل ثائر سائر، فذهبت مثلا، ووافق قصير الناس وقد اختلفوا، فصارت طائفة منهم مع عمرو بن عبد الجن الجرمي، وجماعة منهم مع عمرو بن عدي، فاختلف بينهما قصير حتى اصطلحا، وانقاد عمرو بن عبد الجن لعمرو بن عدي، ومال إليه الناس، فقال عمرو بن عدي في ذلك:

دعوت ابن عبد الجن للسلم بعد ما تتايع في غرب السفاه وكلسما

فلما ارعوى عن صدنا باعترامه مريت هواه مرى آم روائما

فقال عمرو بن عبد الجن مجيبا له:

أما ودماء مائرات تخالها على قلة العزى او النسر عند ما

وما قدس الرهبان في كل هيكل أبيل الابيلين المسيح بن مريما

- قال: هكذا وجد الشعر ليس بتام، وكان ينبغي أن يكون البيت الثالث:

لقد كان كذا وكذا-- فقال قصير لعمرو بن عدى: تهيأ واستعد، ولا تطل دم خالك.

قال: وكيف لي بها وهي أمنع من عقاب الجو؟ فذهبت مثلا، وكانت الزباء سألت كاهنة لها عن أمرها وملكها، فقالت: أرى هلاكك بسبب غلام مهين، غير أمين، وهو عمرو بن عدي، ولن تموتي بيده، ولكن حتفك بيدك، ومن قبله ما يكون ذلك فحذرت عمرا، واتخذت نفقا من مجلسها الذي كانت تجلس فيه إلي حصن لها داخل مدينتها، وقالت: ان فجأني أمر دخلت النفق إلي حصني ودعت رجلا مصورا أجود أهل بلادها تصويرا، وأحسنهم عملا لذلك، فجهزته وأحسنت إليه، وقالت له: سر حتى تقدم على عمرو بن عدي متنكرا، فتخلو بحشمه، وتنضم إليهم، وتخالطهم وتعلمهم ما عندك من العلم بالصور والثقافة له، ثم أثبت عمرو بن عدي معرفة، وصوره جالسا وقائما، وراكبا ومتفضلا، ومتسلحا بهيئته ولبسته وثيابه ولونه، فإذا أحكمت ذلك، فأقبل إلي.

فانطلق المصور حتى قدم على عمرو، وصنع الذي أمرته به الزباء، وبلغ ما أوصته به، ثم رجع إليها بعلم ما وجهته له من الصور على ما وصفت له، وأرادت أن تعرف عمرو بن عدي، فلا تراه على حال إلا عرفته وحذرته، وعلمت علمه فقال قصير لعمرو بن عدي: اجدع أنفي واضرب ظهري، ودعني وإياها فقال عمرو: ما أنا بفاعل وما أنت لذلك بمستحق مني! فقال قصير: خل عني إذا وخلاك ذم، فذهبت مثلا.

قال ابن الكلبي: كان أبو الزباء اتخذ النفق لها ولأختها، وكان الحصن لأختها في داخل مدينتها، قال: فقال له عمرو، فأنت أبصر، فجدع قصير أنفه، وأثر بظهره، فقالت العرب: لمكر ما جدع أنفه قصير، وفي ذلك يقول المتلمس:

ومن حذر الأوتار ما حز أنفه قصير وخاض الموت بالسيف بيهس

ويروى: ورام الموت وقال عدي بن زيد:

كقصير إذ لم يجد غير أن جدع أشرافه لشكر قصير

فلما أن جدع قصير أنفه وأثر تلك الآثار بظهره، خرج كأنه هارب، وأظهر أن عمرا فعل به ذلك، وأنه يزعم أنه مكر بخاله جذيمة، وغره من الزباء، فسار قصير حتى قدم على الزباء، فقيل لها: إن قصيرا بالباب، فأمرت به فأدخل عليها، فإذا أنفه قد جدع، وظهره قد ضرب، فقالت:

ما الذي أرى بك يا قصير؟ فقال: زعم عمرو بن عدي أني غررت خاله، وزينت له السير إليك، وغششته ومالأتك عليه، ففعل بي ما ترين! فأقبلت إليك، وعرفت أني لا أكون مع أحد هو أثقل عليه منك فألطفته وأكرمته، وأصابت عنده بعض ما أرادت من الحزم والرأي والتجربة والمعرفة بامور الملوك، فلما عرفت أنها قد استرسلت إليه، ووثقت به، قال لها: إن لي بالعراق أموالا كثيرة، وبها طرائف وثياب وعطر، فابعثيني إلى العراق لأحمل مالي وأحمل إليك من بزوزها وطرائف ثيابها، وصنوف ما يكون بها من الأمتعة والطيب والتجارات، فتصيبين في ذلك أرباحا عظاما، وبعض ما لا غنى بالملوك عنه، فإنه لا طرائف كطرائف العراق! فلم يزل يزين لها ذلك حتى سرحته، ودفعت معه عيرا، فقالت: انطلق إلى العراق، فبع بها ما جهزناك به، وابتع لنا من طرائف ما يكون بها من الثياب وغيرها فسار قصير بما دفعت إليه حتى قدم العراق، وأتى الحيرة متنكرا، فدخل على عمرو بن عدي، فأخبره بالخبر، وقال: جهزني بالبز والطرف والأمتعة، لعل الله يمكن من الزباء فتصيب ثارك، تقتل عدوك فأعطاه حاجته، وجهزه بصنوف الثياب وغيرها، فرجع بذلك كله إلى الزباء، فعرضه عليها، فأعجبها ما رأت، وسرها ما أتاها به، وازدادت به ثقة، وإليه طمأنينة، ثم جهزته بعد ذلك بأكثر مما جهزته في المرة الأولى، فسار حتى قدم العراق، ولقي عمرو بن عدي، وحمل من عنده ما ظن أنه موافق للزباء، ولم يترك جهدا، ولم يدع طرفة ولا متاعا قدر عليه إلا حمله إليها ثم عاد الثالثة إلى العراق فأخبر عمرا الخبر، وقال: اجمع لي ثقات أصحابك وجندك، وهيئ لهم الغرائر والمسوح- قال ابن الكلبي: وقصير أول من عمل الغرائر- واحمل كل رجلين على بعير في غرارتين، واجعل معقد رءوس الغرائر من باطنها، فإذا دخلوا مدينة الزباء أقمتك على باب نفقها، وخرجت الرجال من الغرائر، فصاحوا بأهل المدينة فمن قاتلهم قتلوه، وإن أقبلت الزباء تريد النفق جللتها بالسيف.

ففعل عمرو بن عدي، وحمل الرجال في الغرائر على ما وصف له قصير، ثم وجه الإبل إلى الزباء عليها الرجال وأسلحتهم، فلما كانوا قريبا من مدينتها، تقدم قصير إليها، فبشرها وأعلمها كثرة ما حمل إليها من الثياب والطرائف، وسألها أن تخرج فتنظر إلى قطرات تلك الإبل، وما عليها من الأحمال، فإني جئت بما صاء وصمت فذهبت مثلا وقال ابن الكلبي: وكان قصير يكمن النهار ويسير الليل وهو أول من كمن النهار وسار الليل: فخرجت الزباء فأبصرت الإبل تكاد قوائمها تسوخ في الأرض من ثقل أحمالها، فقالت:

يا قصير:

ما للجمال مشيها وئيدا! أجندلا يحملن أم حديدا!

أم صرفانا باردا شديدا!

فدخلت الإبل المدينة، حتى كان آخرها بعيرا مر على بواب المدينة وهو نبطى بيده منخسة، فنخس بها الغرائر التي تليه، فتصيب خاصرة الرجل الذي فيها، فضرط فقال البواب بالنبطية بشتابسقا يعني بقوله:

بشتابسقا: في الجوالق شر وأرعب قلبا، فذهبت مثلا، فلما توسطت الإبل المدينة أنيخت، ودل قصير عمرا على باب النفق قبل ذلك، وأراه إياه، وخرجت الرجال من الغرائر، وصاحوا: بأهل المدينة! ووضعوا فيهم السلاح، وقام عمرو بن عدي على باب النفق، وأقبلت الزباء مولية مبادرة تريد النفق لتدخله، وأبصرت عمرا قائما، فعرفته بالصورة التي كان صورها لها المصور فمصت خاتمها، وكان فيها سم- وقالت: بيدي لا بيدك يا عمرو، فذهبت مثلا، وتلقاها عمرو بن عدي، فجللها بالسيف فقتلها، وأصاب ما أصاب من أهل المدينة، وانكفأ راجعا إلى العراق، فقال عدي بن زيد في أمر جذيمة وقصير والزباء وقتل عمرو بن عدي إياها قصيدته:

أبدلت المنازل أم عفينا تقادم عهدها أم قد بلينا

إلى آخرها.

وقال المخبل، وهو ربيعة بن عوف السعدي:

يا عمرو إني قد هويت جماعكم ولكل من يهوى الجماع فراق

بل كم رأيت الدهر زايل بينه من لا يزايل بينه الأخلاق

طابت به الزباء وقد جعلت لها دورا ومشربة لها أنفاق

حملت لها عمرا ولا بخشونة من آل دومة رسلة معناق

حتى تفرعها بأبيض صارم عضب يلوح كأنه مخراق

وأبو حذيفة يوم ضاق بجمعه شعب الغبيط فحومة فأفاق

وله معد والعباد وطيئ ومن الجنود كتائب ورفاق

يهب النجائب والنزائع حوله جردا كأن متونها الإطلاق

فآتت عليه ساعة ما إن له مما أفاء ولا أفاد عتاق

فكأن ذلك يوم حم قضاؤه رفد أميل إناؤه مهراق

وقال بعض شعراء العرب:

نحن قتلنا فقحلا وابن راعن ونحن ختنا نبت زبا بمنجل

فلما أتتها العير قالت أبارد من التمر هذا أم حديد وجندل

وقال عبد باجر- واسمه بهرا من العرب العاربة، وهم عشرة أحياء: عاد، وثمود، والعماليق، وطسم، وجديس، واميم، والمود، وجرهم، ويقطن، والسلف قال: والسلف دخل في حمير-:

لا ركبت رجلك من بين الدلي لقد ركبت مركبا غير الوطي

على العراقي بصفا من الطوي إن كنت غضبي فاغضبي على الركي

وعاتبي القيم عمرو بن عدي.

فصار الملك بعد جذيمة لابن أخته عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن الحارث بن مالك بن عمرو بن نمارة بن لخم، وهو أول من اتخذ الحيرة منزلا من ملوك العرب، وأول من مجده أهل الحيرة في كتبهم من ملوك العرب بالعراق، وإليه ينسبون، وهم ملوك آل نصر، فلم يزل عمرو بن عدي ملكا حتى مات وهو ابن مائة وعشرين سنة، منفردا بملكه، مستبدا بأمره، يغزو المغازي ويصيب الغنائم، وتفد عليه الوفود دهره الأطول، لا يدين لملوك الطوائف بالعراق، ولا يدينون له، حتى قدم أردشير بن بابك في أهل فارس.

وإنما ذكرنا في هذا الموضع ما ذكرنا من أمر جذيمة وابن أخته عمرو بن عدي لما كنا قدمنا من ذكر ملوك اليمن، إنه لم يكن لملكهم نظام، وأن الرئيس منهم إنما كان ملكا على مخلافه ومحجره، لا يجاوز ذلك، فإن نزع منهم نازع، أو نبغ منهم نابغ فتجاوز ذلك- وإن بعدت مسافة سيره من مخلافه- فإنما ذلك منه عن غير ملك له موطد، ولا لآبائه، ولا لأبنائه، ولكن كالذي يكون من بعض من يشرد من المتلصصة، فيغير على الناحية باستغفاله أهلها، فإذا قصده الطلب لم يكن له ثبات، فكذلك كان أمر ملوك اليمن، كان الواحد منهم بعد الواحد يخرج عن مخلافه ومحجره أحيانا فيصيب مما يمر به ثم يتشمر عند خوف الطلب، راجعا إلى موضعه ومخلافه، من غير أن يدين له أحد من غير أهل مخلافه بالطاعة، أو يؤدي إليه خرجا، حتى كان عمرو ابن عدي الذي ذكرنا أمره، وهو ابن أخت جذيمة الذي اقتصصنا خبره، فإنه اتصل له ولعقبه ولأسبابه الملك على ما كان بنواحي العراق وبادية الحجاز من العرب باستعمال ملوك فارس إياهم على ذلك، واستكفائهم أمر من وليهم من العرب، إلى أن قتل أبرويز بن هرمز النعمان بن المنذر، ونقل ما كانت ملوك فارس يجعلونه إليهم إلى غيرهم، فذكرنا ما ذكرنا من امر جذيمة وعمرو ابن عدي من أجل ذلك، إذ كنا نريد أن نسوق تمام التاريخ على ملك ملوك فارس، ونستشهد على صحة ما روي من أمرهم بما وجدنا إلى الاستشهاد به عليها سبيلا وكان أمر آل نصر بن ربيعة ومن كان من ولاة ملوك الفرس وعمالهم على ثغر العرب الذين هم ببادية العراق عند أهل الحيرة متعالما مثبتا عندهم في كنائسهم وأسفارهم.

وقد حدثت عن هشام بن محمد الكلبي إنه قال: إني كنت استخرج أخبار العرب وأنساب آل نصر بن ربيعة، ومبالغ أعمار من عمل منهم لآل كسرى وتاريخ سنيهم من بيع الحيرة، وفيها ملكهم وأمورهم كلها.

فأما ابن حميد، فإنه حدثنا في أمر ولد نصر بن ربيعة ومصيرهم إلى أرض العراق غير الذي ذكره هشام، والذي حدثنا به من ذلك عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم: أن ربيعة بن نصر اللخمي رأى رؤيا نذكرها بعد- عند ذكر أمر الحبشة، وغلبتهم على اليمن وتعبير سطيح وشق وجوابهما عن رؤياه- ثم ذكر في خبره ذلك أن ربيعة بن نصر لما فرغ من مسألة سطيح وشق وجوابهما إياه، وقع في نفسه أن الذي قالا له كائن من أمر الحبشة، فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم، وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرزاذ، فأسكنهم الحيرة قال: فمن بقية ربيعه ابن نصر كان النعمان ملك حيرة، وهو النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر ابن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر ذلك الملك في نسب أهل اليمن وعلمهم

** ذكر طسم وجديس **

قال أبو جعفر: ونذكر الآن أمر طسم وجديس إذ كان أمرهم أيضا كان في أيام ملوك الطوائف، وإن فناء جديس كان على يد حسان بن تبع، إذ كنا قدمنا فيما مضى ذكر تبايعه حمير، الذين كانوا على عهد ملوك فارس.

وحدثت عن هشام بن محمد وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق وغيرهما من علماء العرب، أن طسما وجديسا كانوا من ساكني اليمامة، وهي إذ ذاك من أخصب البلاد وأعمرها وأكثرها خيرا، لهم فيها صنوف الثمار ومعجبات الحدائق والقصور الشامخة، وكان عليهم ملك من طسم ظلوم غشوم، لا ينهاه شيء عن هواه، يقال له عملوق، مضرا بجديس، مستذلا لهم،.

وكان مما لقوا من ظلمه واستذلاله، انه امر بالا تهدى بكر من جديس إلى زوجها حتى تدخل عليه فيفترعها، فقال رجل من جديس، يقال له الأسود بن غفار لرؤساء قومه: قد ترون ما نحن فيه من العار والذل الذي ينبغي للكلاب أن تعافه وتمتعض منه، فأطيعوني فإني أدعوكم إلى عز الدهر، ونفي الذل قالوا: وما ذاك؟ قال: إني صانع للملك ولقومه طعاما، فإذا جاءوا نهضنا إليهم بأسيافنا وانفردت به فقتلته، وأجهز كل رجل منكم على جليسه، فأجابوه إلى ذلك، وأجمع رأيهم عليه فأعد طعاما، وأمر قومه فانتضوا سيوفهم ودفنوها في الرمل، وقال: إذا أتاكم القوم يرفلون في حللهم، فخذوا سيوفهم، ثم شدوا عليهم قبل أن يأخذوا مجالسهم، ثم اقتلوا الرؤساء، فإنكم إذا قتلتموهم لم تكن السفلة شيئا، وحضر الملك فقتل وقتل الرؤساء، فشدوا على العامة منهم، فأفنوهم، فهرب رجل من طسم يقال له رياح بن مرة، حتى أتى حسان بن تبع، فاستغاث به، فخرج حسان في حمير، فلما كان من اليمامة على ثلاث، قال له رياح: أبيت اللعن! إن لي أختا متزوجة في جديس، يقال لها: اليمامة، ليس على وجه الأرض أبصر منها، إنها لتبصر الراكب من مسيرة ثلاث، وإني أخاف أن تنذر القوم بك، فمر أصحابك، فليقطع كل رجل منهم شجرة فليجعلها أمامه ويسير وهي في يده، فأمرهم حسان بذلك، ففعلوا، ثم سار فنظرت اليمامة، فأبصرتهم، فقالت لجديس: لقد سارت حمير فقالوا: وما الذي ترين؟ قالت: أرى رجلا في شجرة، معه كتف يتعرقها، أو نعل يخصفها فكذبوها، وكان ذلك كما قالت، وصبحهم حسان فأبادهم وأخرب بلادهم وهدم قصورهم وحصونهم.

وكانت اليمامه تسمى إذ ذاك جوا والقرية، وأتي حسان باليمامة ابنة مرة، فأمر بها ففقئت عيناها، فإذا فيها عروق سود، فقال لها: ما هذا السواد في عروق عينيك؟ قالت: حجير أسود يقال له الإثمد، كنت أكتحل به.

وكانت فيما ذكروا أول من اكتحل بالإثمد، فأمر حسان بأن تسمى جو اليمامة.

وقد قالت الشعراء من العرب في حسان ومسيره هذا، فمن ذلك قول الأعشى:

كوني كمثل الذي إذ غاب وافدها أهدت له من بعيد نظرة جزعا

ما نظرت ذات أشفار كنظرتها حقا كما صدق الذئبي إذ سجعا

إذ قلبت مقلة ليست بمقرفة إذ يرفع الآل رأس الكلب فارتفعا

قالت أرى رجلا في كفه كتف أو يخصف النعل، لهفى أية صنعا!

فكذبوها بما قالت فصبحهم ذو آل حسان يزجي الموت والشرعا

فاستنزلوا أهل جو من مساكنهم وهدموا شاخص البنيان فاتضعا

ومن ذلك قول النمر بن تولب العكلي:

هلا سألت بعادياء وبيته والخل والخمر التي لم تمنع

وفتاتهم عنز عشية آنست من بعد مرأى في الفضاء ومسمع

قالت أرى رجلا يقلب كفه أصلا وجو آمن لم يفزع

ورأت مقدمة الخميس وقبله رقص الركاب إلى الصياح بتبع

فكأن صالح أهل جو غدوة صبحوا بذيفان السمام المنقع

كانوا كأنعم من رأيت فأصبحوا يلوون زاد الراكب المتمتع

قالت يمامة احملوني قائما إن تبعثوه باركا بي أصرع

وحسان بن تبع، الذي أوقع بجديس، هو ذو معاهر، وهو تبع بن تبع تبان أسعد أبي كرب بن ملكيكرب بن تبع بن أقرن، وهو أبو تبع بن حسان الذي يزعم أهل اليمن أنه قدم مكة، وكسا الكعبة، وأن الشعب من المطابخ إنما سمي هذا الاسم لنصبه المطابخ في ذلك الموضع وإطعامه الناس، وإن أجيادا إنما سمي أجيادا، لأن خيله كانت هنالك، وإنه قدم يثرب فنزل منزلا يقال له منزل الملك اليوم، وقتل من اليهود مقتلة عظيمة بسبب شكاية من شكاهم إليه من الأوس والخزرج بسوء الجوار، وإنه وجه ابنه حسان الى السند وسمرا ذا الجناح إلى خراسان، وأمرهما أن يستبقا إلى الصين، فمر سمر بسمرقند فأقام عليها حتى افتتحها، وقتل مقاتلتها، وسبى وحوى ما فيها ونفذ إلى الصين، فوافي حسان بها، فمن أهل اليمن من يزعم أنهما ماتا هنالك، ومنهم من يزعم أنهما انصرفا إلى تبع بالأموال والغنائم.

ومما كان في أيام ملوك الطوائف ما ذكره الله عز وجل في كتابه من أمر الفتية الذين أووا إلى الكهف فضرب على آذانهم

Source. Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk (تاريخ الرسل والملوك), Al-Tabari (d. 923) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0310Tabari.Tarikh.Shamela0009783BK1-ara1.mARkdown (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com