John Shaqi

Islam · Chronicles · Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk

ثم دخلت سنة إحدى عشرة — تتمة ٢

Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk · Al-Tabari (d. 923) · chapter 59 of 356

رجع الحديث إلى حديث سيف: فصالحها على أن يحمل إليها النصف من غلات اليمامة، وأبت إلا السنة المقبلة يسلفها، فباح لها بذلك، وقال: خلفي على السلف من يجمعه لك، وانصرفي أنت بنصف العام، فرجع فحمل إليها النصف، فاحتملته وانصرفت به إلى الجزيرة، وخلفت الهذيل وعقة وزيادا لينجز النصف الباقي، فلم يفجأهم إلا دنو خالد بن الوليد منهم، فارفضوا فلم تزل سجاح في بني تغلب، حتى نقلهم معاوية عام الجماعة في زمانه، وكان معاوية حين أجمع عليه أهل العراق بعد على ع يخرج من الكوفة المستغرب في أمر علي، وينزل داره المستغرب في أمر نفسه من أهل الشام وأهل البصرة وأهل الجزيرة، وهم الذين يقال لهم النواقل في الأمصار، فأخرج من الكوفة قعقاع بن عمرو بن مالك الى إيليا بفلسطين، فطلب إليه أن ينزل منازل بني أبيه بني عقفان، وينقلهم إلى بني تميم، فنقلهم من الجزيرة إلى الكوفة، وأنزلهم منازل القعقاع وبني أبيه، وجاءت معهم وحسن إسلامها، وخرج الزبرقان والأقرع إلى أبي بكر، وقالا: اجعل لنا خراج البحرين ونضمن لك ألا يرجع من قومنا أحد، ففعل وكتب الكتاب وكان الذي يختلف بينهم طلحة بن عبيد الله وأشهدوا شهودا منهم عمر فلما أتي عمر بالكتاب فنظر فيه لم يشهد، ثم قال: لا والله ولا كرامة! ثم مرق الكتاب ومحاه، فغضب طلحة، فأتى أبا بكر، فقال: أأنت الأمير أم عمر؟ فقال: عمر، غير أن الطاعة لي.

فسكت.

وشهدا مع خالد المشاهد كلها حتى اليمامة، ثم مضى الأقرع ومعه شرحبيل إلى دومة

** ذكر البطاح وخبره **

كتب إلي السري بن يحيى، عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بن عطية بن بلال، قال: لما انصرفت سجاح إلى الجزيرة، ارعوى مالك بن نويرة، وندم وتحير في أمره، وعرف وكيع وسماعة قبح ما أتيا، فرجعا رجوعا حسنا، ولم يتجبرا، وأخرجا الصدقات فاستقبلا بها خالدا، فقال خالد: ما حملكما على موادعة هؤلاء القوم؟ فقالا: ثأر كنا نطلبه في بني ضبة، وكانت أيام تشاغل وفرص، وقال وكيع في ذلك:

فلا تحسبا أني رجعت وأنني منعت وقد تحنى إلي الأصابع

ولكنني حاميت عن جل مالك ولاحظت حتى أكحلتني الأخادع

فلما أتانا خالد بلوائه تخطت إليه بالبطاح الودائع

ولم يبق في بلاد بني حنظلة شيء يكره إلا ما كان من مالك بن نويرة ومن تأشب إليه بالبطاح، فهو على حاله متحير شج.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن سهل، عن القاسم وعمرو بن شعيب، قالا: لما أراد خالد السير خرج من ظفر، وقد استبرأ أسدا وغطفان وطيئا وهوازن، فسار يريد البطاح دون الحزن، وعليها مالك بن نويرة، وقد تردد عليه امره، وقد تردبت الأنصار على خالد وتخلفت عنه، وقالوا: ما هذا بعهد الخليفة إلينا! إن الخليفة عهد إلينا إن نحن فرغنا من البزاخة، واستبرأنا بلاد القوم أن نقيم حتى يكتب إلينا.

فقال خالد: إن يك عهد إليكم هذا فقد عهد إلي أن أمضي، وأنا الأمير وإلي تنتهي الأخبار ولو أنه لم يأتني له كتاب ولا أمر، ثم رأيت فرصة، فكنت إن أعلمته فاتتني لم أعلمه حتى أنتهزها، كذلك لو ابتلينا بأمر ليس منه عهد إلينا فيه لم ندع أن نرى أفضل ما بحضرتنا، ثم نعمل به.

وهذا مالك بن نويرة بحيالنا، وأنا قاصد إليه ومن معي من المهاجرين والتابعين بإحسان، ولست أكرهكم ومضى خالد، وندمت الأنصار، وتذامروا، وقالوا: إن أصاب القوم خيرا إنه لخير حرمتموه، وإن أصابتهم مصيبة ليجتنبنكم الناس فأجمعوا اللحاق بخالد وجردوا إليه رسولا، فأقام عليهم حتى لحقوا به، ثم سار حتى قدم البطاح فلم يجد به أحدا.

قال أبو جعفر، فيما كتب به إلي السري بن يحيى، يذكر عن شعيب ابن إبراهيم أنه حدثه عن سيف بن عمر، عن خزيمة بن شجرة العقفاني، عن عثمان بن سويد، عن سويد بن المثعبة الرياحي، قال: قدم خالد ابن الوليد البطاح فلم يجد عليه أحدا، ووجد مالكا قد فرقهم في أموالهم، ونهاهم عن الاجتماع حين تردد عليه أمره، وقال: يا بني يربوع، إنا قد كنا عصينا أمراءنا إذ دعونا إلى هذا الدين، وبطأنا الناس عنه فلم نفلح ولم ننجح، وإني قد نظرت في هذا الأمر، فوجدت الأمر يتأتى لهم بغير سياسة، وإذا الأمر لا يسوسه الناس، فإياكم ومناوأة قوم صنع لهم، فتفرقوا إلى دياركم وادخلوا في هذا الأمر فتفرقوا على ذلك إلى أموالهم، وخرج مالك حتى رجع إلى منزله ولما قدم خالد البطاح بث السرايا وأمرهم بداعية الإسلام أن يأتوه بكل من لم يجب، وإن امتنع أن يقتلوه، وكان مما أوصى به أبو بكر: إذا نزلتم منزلا فأذنوا وأقيموا، فإن أذن القوم وأقاموا فكفوا عنهم، وإن لم يفعلوا فلا شيء الا الغارة، ثم اقتلوهم كل قتلة، الحرق فما سواه، وإن أجابوكم إلى داعية الإسلام فسائلوهم، فإن أقروا بالزكاة فاقبلوا منهم، وإن أبوها فلا شيء إلا الغارة ولا كلمة فجاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر معه من بني ثعلبة بن يربوع، من عاصم وعبيد وعرين وجعفر، فاختلفت السرية فيهم، وفيهم أبو قتادة، فكان فيمن شهد أنهم قد أذنوا وأقاموا وصلوا فلما اختلفوا فيهم أمر بهم فحبسوا في ليلة باردة لا يقوم لها شيء، وجعلت تزداد بردا، فأمر خالد مناديا فنادى: ادفئوا اسراكم، وكانت في لغة كنانه إذا قالوا: دثروا الرجل فأدفئوه، دفئه قتله وفي لغة غيرهم: أدفه فاقتله، فظن القوم- وهي في لغتهم القتل- أنه أراد القتل، فقتلوهم، فقتل ضرار بن الأزور مالكا، وسمع خالد الواعية، فخرج وقد فرغوا منهم، فقال: إذا أراد الله أمرا أصابه.

وقد اختلف القوم فيهم، فقال أبو قتادة: هذا عملك، فزبره خالد فغضب ومضى، حتى أتى أبا بكر فغضب عليه أبو بكر، حتى كلمه عمر فيه، فلم يرض إلا أن يرجع إليه، فرجع إليه حتى قدم معه المدينة، وتزوج خالد أم تميم ابنة المنهال، وتركها لينقضي طهرها، وكانت العرب تكره النساء في الحرب وتعايره، وقال عمر لأبي بكر إن في سيف خالد رهقا، فإن لم يكن هذا حقا، حق عليه أن تقيده، وأكثر عليه في ذلك- وكان أبو بكر لا يقيد من عماله ولا وزعته- فقال: هيه يا عمر! تأول فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد وودي مالكا وكتب إلى خالد أن يقدم عليه، ففعل، فأخبره خبره، فعذره وقبل منه، وعنفه في التزويج الذي كانت تعيب عليه العرب من ذلك وكتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: شهد قوم من السرية أنهم أذنوا وأقاموا وصلوا، ففعلوا مثل ذلك.

وشهد آخرون أنه لم يكن من ذلك شيء، فقتلوا وقدم أخوه متمم بن نويرة ينشد أبا بكر دمه، ويطلب إليه في سبيهم، فكتب له برد السبي، وألح عليه عمر في خالد أن يعزله، وقال: إن في سيفه رهقا فقال: لا يا عمر، لم أكن لأشيم سيفا سله الله على الكافرين.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن خزيمة، عن عثمان، عن سويد، قال: كان مالك بن نويرة من أكثر الناس شعرا، وإن أهل العسكر أثفوا برءوسهم القدور، فما منهم رأس إلا وصلت النار إلى بشرته ما خلا مالكا، فإن القدر نضجت وما نضج رأسه من كثرة شعره، وقى الشعر البشرة حرها أن يبلغ منه ذلك.

وأنشده متمم، وذكر خمصه، وقد كان عمر رآه مقدمه على النبي ص، فقال: أكذاك يا متمم كان! قال: أما ما أعني فنعم.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، أن أبا بكر كان من عهده إلى جيوشه: أن إذا غشيتم دارا من دور الناس فسمعتم فيها أذانا للصلاة، فأمسكوا عن أهلها حتى تسألوهم ما الذي نقموا! وإن لم تسمعوا أذانا، فشنوا الغارة، فاقتلوا، وحرقوا وكان ممن شهد لمالك بالإسلام أبو قتادة الحارث بن ربعي أخو بني سلمة، وقد كان عاهد الله ألا يشهد مع خالد بن الوليد حربا أبدا بعدها، وكان يحدث أنهم لما غشوا القوم راعوهم تحت الليل، فأخذ القوم السلاح قال: فقلنا: إنا المسلمون، فقالوا: ونحن المسلمون، قلنا: فما بال السلاح معكم! قالوا لنا: فما بال السلاح معكم! قلنا: فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح، قال: فوضعوها، ثم صلينا وصلوا وكان خالد يعتذر في قتله أنه قال له وهو يراجعه: ما أخال صاحبكم إلا وقد كان يقول كذا وكذا قال: او ما تعده لك صاحبا! ثم قدمه فضرب عنقه وأعناق أصحابه، فلما بلغ قتلهم عمر بن الخطاب، تكلم فيه عند أبي بكر فأكثر، وقال: عدو الله عدا على امرئ مسلم فقتله، ثم نزا على امرأته! وأقبل خالد بن الوليد قافلا حتى دخل المسجد وعليه قباء له عليه صدأ الحديد، معتجرا بعمامة له، قد غرز في عمامته أسهما، فلما أن دخل المسجد قام إليه عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحطمها، ثم قال:

ارثاء! قتلت امرأ مسلما، ثم نزوت على امرأته! والله لأرجمنك بأحجارك- ولا يكلمه خالد بن الوليد، ولا يظن إلا أن رأي أبي بكر على مثل رأي عمر فيه- حتى دخل على أبي بكر، فلما أن دخل عليه أخبره الخبر، واعتذر إليه فعذره أبو بكر، وتجاوز عنه ما كان في حربه تلك قال: فخرج خالد حين رضي عنه أبو بكر، وعمر جالس في المسجد، فقال: هلم الى يا بن أم شملة! قال: فعرف عمر أن أبا بكر قد رضي عنه فلم يكلمه، ودخل بيته.

وكان الذي قتل مالك بن نويرة عبد بن الأزور الأسدي وقال ابن الكلبي: الذي قتل مالك بن نويرة ضرار بن الأزور

** ذكر بقية خبر مسيلمة الكذاب وقومه من أهل اليمامة **

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: كان أبو بكر حين بعث عكرمة بن أبي جهل إلى مسيلمة وأتبعه شرحبيل عجل عكرمة، فبادر شرحبيل ليذهب بصوتها فواقعهم، فنكبوه، وأقام شرحبيل بالطريق حيث أدركه الخبر، وكتب عكرمة إلى أبي بكر بالذي كان من أمره، فكتب إليه ابو بكر: يا بن أم عكرمة، لا أرينك ولا تراني على حالها! لا ترجع فتوهن الناس، امض على وجهك حتى تساند حذيفة وعرفجة فقاتل معهما أهل عمان ومهرة، وإن شغلا فامض أنت، ثم تسير وتسير جندك تستبرئون من مررتم به، حتى تلتقوا أنتم والمهاجر بن أبي أمية باليمن وحضرموت.

وكتب إلى شرحبيل يأمره بالمقام حتى يأتيه أمره، ثم كتب إليه قبل أن يوجه خالدا بأيام إلى اليمامة: إذا قدم عليك خالد، ثم فرغتم إن شاء الله فالحق بقضاعة، حتى تكون أنت وعمرو بن العاص على من أبى منهم وخالف فلما قدم خالد على أبي بكر من البطاح رضي أبو بكر عن خالد، وسمع عذره وقبل منه وصدقه ورضي عنه، ووجهه إلى مسيلمة وأوعب معه الناس وعلى الأنصار ثابت بن قيس والبراء بن فلان، وعلى المهاجرين أبو حذيفة وزيد، وعلى القبائل، على كل قبيلة رجل.

وتعجل خالد حتى قدم على أهل العسكر بالبطاح، وانتظر البعث الذي ضرب بالمدينة، فلما قدم عليه نهض حتى أتى اليمامة وبنو حنيفة يومئذ كثير.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن أبي عمرو بن العلاء، عن رجال، قالوا: كان عدد بني حنيفة يومئذ أربعين ألف مقاتل، في قراها وحجرها، فسار خالد حتى إذا أظل عليهم أسند خيولا لعقة والهذيل وزياد، وقد كانوا أقاموا على خرج أخرجه لهم مسيلمة ليلحقوا به سجاح.

وكتب إلى القبائل من تميم فيهم، فنفروهم حتى أخرجوهم من جزيرة العرب، وعجل شرحبيل بن حسنة، وفعل فعل عكرمة، وبادر خالدا بقتال مسيلمة قبل قدوم خالد عليه، فنكب، فحاجز، فلما قدم عليه خالد لامه، وإنما أسند خالد تلك الخيول مخافة أن يأتوه من خلفه، وكانوا بأفنية اليمامة.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد بن ثابت، عمن حدثه، عن جابر بن فلان، قال: وأمد أبو بكر خالدا بسليط، ليكون ردءا له من أن يأتيه أحد من خلفه، فخرج، فلما دنا من خالد وجد تلك الخيول التي انتابت تلك البلاد قد فرقوا، فهربوا، وكان منهم قريبا ردءا لهم، وكان أبو بكر يقول: لا أستعمل أهل بدر، أدعهم حتى يلقوا الله بأحسن أعمالهم، فإن الله يدفع بهم وبالصلحاء من الأمم أكثر وأفضل مما ينتصر بهم، وكان عمر بن الخطاب يقول:

والله لأشركنهم وليواسنني كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن طلحة بن الأعلم، عن عبيد بن عمير، عن اثال الحنفي- وكان مع ثمامة بن أثال- قال: وكان مسيلمة يصانع كل أحد ويتألفه ولا يبالي أن يطلع الناس منه على قبيح، وكان معه نهار الرجال بن عنفوة، وكان قد هاجر الى النبي ص، وقرأ القرآن، وفقه في الدين، فبعثه معلما لأهل اليمامة وليشغب على مسيلمة، وليشدد من أمر المسلمين، فكان أعظم فتنة على بني حنيفة من مسيلمة، شهد له أنه سمع محمدا ص يقول: إنه قد أشرك معه، فصدقوه واستجابوا له، وامروه بمكاتبه النبي ص ، ووعدوه إن هو لم يقبل أن يعينوه عليه، فكان نهار الرجال بن عنفوة لا يقول شيئا إلا تابعه عليه، وكان ينتهي الى امره، وكان يؤذن للنبي ص، ويشهد في الأذان أن محمدا رسول الله، وكان الذي يؤذن له عبد الله بن النواحة، وكان الذي يقيم له حجير بن عمير، ويشهد له، وكان مسيلمة إذا دنا حجير من الشهادة، قال: صرح حجير، فيزيد في صوته، ويبالغ لتصديق نفسه، وتصديق نهار وتضليل من كان قد أسلم، فعظم وقاره في أنفسهم قال: وضرب حرما باليمامة، فنهى عنه، وأخذ الناس به، فكان محرما فوقع في ذلك الحرم قرى الأحاليف، أفخاذ من بنى اسيد، كانت دراهم باليمامة، فصار مكان دارهم في الحرم- والأحاليف: سيحان ونمارة ونمر والحارث بنو جروة- فإن أخصبوا أغاروا على ثمار أهل اليمامة، واتخذوا الحرم دغلا، فإن نذروا بهم فدخلوه أحجموا عنهم، وإن لم ينذروا بهم فذلك ما يريدون فكثر ذلك منهم حتى استعدوا عليهم، فقال: أنتظر الذي يأتي من السماء فيكم وفيهم ثم قال لهم: والليل الأطحم، والذئب الأدلم والجذع الأزلم، ما انتهكت أسيد من محرم، فقالوا: أما محرم استحلال الحرم وفساد الأموال! ثم عادوا للغارة، وعادوا للعدوى.

فقال: أنتظر الذي يأتيني، فقال: والليل الدامس، والذئب الهامس، ما قطعت أسيد من رطب ولا يابس، فقالوا: أما النخيل مرطبة فقد جدوها، وأما الجدران يابسة فقد هدموها، فقال: اذهبوا وارجعوا فلا حق لكم.

وكان فيما يقرأ لهم فيهم: إن بني تميم قوم طهر لقاح، لا مكروه عليهم ولا إتاوة، نجاورهم ما حيينا بإحسان، نمنعهم من كل إنسان، فإذا متنا فأمرهم إلى الرحمن.

وكان يقول: والشاء وألوانها، وأعجبها السود وألبانها والشاء السوداء واللبن الأبيض، إنه لعجب محض، وقد حرم المذق، فما لكم لا تمجعون!.

وكان يقول: يا ضفدع ابنة ضفدع، نقي ما تنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الشارب تمنعين، ولا الماء تكدرين.

وكان يقول: والمبذرات زرعا، والحاصدات حصدا، والذاريات قمحا، والطاحنات طحنا، والخابزات خبزا، والثاردات ثردا، واللاقمات لقما، إهالة وسمنا، لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر، ريفكم فامنعوه، والمعتر فآووه، والباغي فناوئوه.

قال: وأتته امرأة من بني حنيفة تكنى بأم الهيثم فقالت: إن نخلنا لسحق وإن آبارنا لجرز، فادع الله لمائنا ولنخلنا كما دعا محمد لأهل هزمان.

فقال: يا نهار ما تقول هذه؟ فقال: ان اهل هزمان أتوا محمدا ص فشكوا بعد مائهم، - وكانت آبارهم جرزا- ونخلهم أنها سحق، فدعا لهم فجاشت آبارهم، وانحنت كل نخلة قد انتهت حتى وضعت جرانها لانتهائها، فحكت به الأرض حتى أنشبت عروقا ثم قطعت من دون ذلك، فعادت فسيلا مكمما ينمى صاعدا.

قال: وكيف صنع بالآبار؟ قال: دعا بسجل، فدعا لهم فيه، ثم تمضمض بفمه منه، ثم مجه فيه، فانطلقوا به حتى فرغوه في تلك الآبار، ثم سقوه نخلهم، ففعل النبي ما حدثتك، وبقي الآخر إلى انتهائه فدعا مسيلمة بدلو من ماء فدعا لهم فيه، ثم تمضمض منه، ثم مج فيه فنقلوه فأفرغوه في آبارهم فغارت مياه تلك الآبار، وخوى نخلهم، وإنما استبان ذلك بعد مهلكه.

وقال له نهار: برك على مولودي بني حنيفة، فقال له: وما التبريك؟

قال: كان أهل الحجاز إذا ولد فيهم المولود أتوا به محمدا ص فحنكه ومسح رأسه، فلم يؤت مسيلمة بصبي فحنكه ومسح رأسه إلا قرع ولثغ واستبان ذلك بعد مهلكه.

وقالوا: تتبع حيطانهم كما كان محمد ص يصنع فصل فيها: فدخل حائطا من حوائط اليمامة، فتوضأ، فقال نهار لصاحب الحائط: ما يمنعك من وضوء الرحمن فتسقي به حائطك حتى يروى ويبتل، كما صنع بنو المهرية، أهل بيت من بني حنيفة- وكان رجل من المهرية قدم على النبي ص فأخذ وضوءه فنقله معه إلى اليمامة فأفرغه في بئره، ثم نزع وسقى، وكانت أرضه تهوم فرويت وجزأت فلم تلف إلا خضراء مهتزة- ففعل فعادت يبابا لا ينبت مرعاها.

وأتاه رجل فقال: ادع الله لأرضي فإنها مسبخه، كما دعا محمد ص لسلمي على أرضه فقال: ما يقول يا نهار؟ فقال: قدم عليه سلمي، وكانت أرضه سبخة فدعا له، وأعطاه سجلا من ماء، ومج له فيه، فأفرغه في بئره، ثم نزع، فطابت وعذبت، ففعل مثل ذلك فانطلق الرجل، ففعل بالسجل كما فعل سلمي، فغرقت أرضه، فما جف ثراها، ولا أدرك ثمرها.

وأتته امرأة فاستجلبته إلى نخل لها يدعو لها فيها، فجزت كبائسها يوم عقرباء كلها، وكانوا قد علموا واستبان لهم، ولكن الشقاء غلب عليهم.

كتب إلي السري، قال: حدثنا شعيب، عن سيف، عن خليد بن ذفرة النمري، عن عمير بن طلحة النمري، عن أبيه، أنه جاء اليمامة، فقال: أين مسيلمة؟ قالوا: مه رسول الله! فقال: لا، حتى أراه، فلما جاءه، قال: أنت مسيلمة؟ قال: نعم، قال: من يأتيك؟

قال: رحمن، قال: أفي نور أو في ظلمة؟ فقال: في ظلمة، فقال: أشهد أنك كذاب وأن محمدا صادق، ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر، فقتل معه يوم عقرباء.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن الكلبي مثله، إلا أنه قال: كذاب ربيعة أحب إلي من كذاب مضر.

وكتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن طلحة بن الأعلم، عن عبيد بن عمير، عن رجل منهم، قال: لما بلغ مسيلمة دنو خالد، ضرب عسكره بعقرباء، واستنفر الناس، فجعل الناس يخرجون إليه، وخرج مجاعة بن مرارة في سريه يطلب ثارا له في بني عامر وبني تميم قد خاف فواته، وبادر به الشغل، فأما ثأره في بني عامر فكانت خولة ابنة جعفر فيهم، فمنعوه منها، فاختلجها، وأما ثأره في بني تميم فنعم أخذوا له واستقبل خالد شرحبيل بن حسنة، فقدمه وأمر على المقدمة خالد بن فلان المخزومي، وجعل على المجنبتين زيدا وأبا حذيفة، وجعل مسيلمة على مجنبتيه المحكم والرجال، فسار خالد ومعه شرحبيل، حتى إذا كان من عسكر مسيلمة على ليله، هجم على جبيله هجوم- المقلل يقول:

أربعين، والمكثر يقول: ستين- فإذا هو مجاعة وأصحابه، وقد غلبهم الكرى، وكانوا راجعين من بلاد بني عامر، قد طووا إليهم، واستخرجوا خولة ابنة جعفر فهي معهم، فعرسوا دون أصل الثنية، ثنية اليمامة، فوجدوهم نياما وأرسان خيولهم بأيديهم تحت خدودهم وهم لا يشعرون بقرب الجيش منهم، فأنبهوهم، وقالوا: من أنتم؟ قالوا: هذا مجاعة وهذه حنيفة، قالوا:

وأنتم فلا حياكم الله! فأوثقوهم وأقاموا إلى أن جاءهم خالد بن الوليد، فأتوه بهم، فظن خالد أنهم جاءوه ليستقبلوه وليتقوه بحاجته، فقال: متى سمعتم بنا؟

قالوا: ما شعرنا بك، إنما خرجنا لثأر لنا فيمن حولنا من بني عامر وتميم، ولو فطنوا لقالوا: تلقيناك حين سمعنا بك فأمر بهم أن يقتلوا، فجادوا كلهم بأنفسهم دون مجاعة بن مرارة، وقالوا: إن كنت تريد بأهل اليمامة غدا خيرا أو شرا فاستبق هذا ولا تقتله، فقتلهم خالد وحبس مجاعة عنده كالرهينة.

كتب إلي السري، قال: حدثنا شعيب، عن سيف، عن طلحة، عن عكرمة، عن أبي هريرة، وعبد الله بن سعيد عن أبي سعيد عن أبي هريرة، قال: قد كان أبو بكر بعث إلى الرجال فأتاه فأوصاه بوصيته، ثم أرسله إلى أهل اليمامة، وهو يرى أنه على الصدق حين أجابه قالا:

قال أبو هريرة: جلست مع النبي ص في رهط معنا الرجال ابن عنفوة، فقال: [إن فيكم لرجلا ضرسه في النار أعظم من أحد،] فهلك القوم وبقيت أنا والرجال، فكنت متخوفا لها، حتى خرج الرجال مع مسيلمة، فشهد له بالنبوة، فكانت فتنة الرجال أعظم من فتنة مسيلمة،.

فبعث إليهم أبو بكر خالدا، فسار حتى إذا بلغ ثنية اليمامه، استقبل مجاعه ابن مرارة- وكان سيد بني حنيفة- في جبل من قومه، يريد الغارة على بني عامر، ويطلب دما، وهم ثلاثة وعشرون فارسا ركبانا قد عرسوا.

فبيتهم خالد في معرسهم، فقال: متى سمعتم بنا؟ فقالوا: ما سمعنا بكم، انما خرجنا لنثئر بدم لنا في بني عامر فأمر بهم خالد فضربت أعناقهم، واستحيا مجاعة، ثم سار إلى اليمامة، فخرج مسيلمة وبنو حنيفة حين سمعوا بخالد، فنزلوا بعقرباء، فحل بها عليهم- وهي طرف اليمامة دون الأموال- وريف اليمامة وراء ظهورهم وقال شرحبيل بن مسيلمة: يا بني حنيفة، اليوم يوم الغيرة، اليوم إن هزمتم تستردف النساء سبيات، وينكحن غير خطيبات، فقاتلوا عن أحسابكم، وامنعوا نساءكم فاقتتلوا بعقرباء، وكانت راية المهاجرين مع سالم مولى أبي حذيفة، فقالوا: تخشى علينا من نفسك شيئا! فقال: بئس حامل القرآن أنا إذا! وكانت راية الأنصار مع ثابت بن قيس بن شماس، وكانت العرب على راياتها ومجاعة أسير مع أم تميم في فسطاطها فجال المسلمون جولة، ودخل أناس من بني حنيفة على أم تميم، فأرادوا قتلها، فمنعها مجاعة قال: أنا لها جار، فنعمت الحرة هي! فدفعهم عنها، وتراد المسلمون، فكروا عليهم، فانهزمت بنو حنيفة، فقال المحكم بن الطفيل: يا بني حنيفة، ادخلوا الحديقة، فإني سأمنع أدباركم، فقاتل دونهم ساعة ثم قتله الله، قتله عبد الرحمن بن أبي بكر، ودخل الكفار الحديقة، وقتل وحشي مسيلمة، وضربه رجل من الأنصار فشاركه فيه.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، بنحو حديث سيف هذا، غير أنه قال: دعا خالد بمجاعة ومن أخذ معه حين أصبح، فقال: يا بني حنيفة، ما تقولون؟ قالوا: نقول: منا نبي ومنكم نبي، فعرضهم على السيف، حتى إذا بقي منهم رجل يقال له سارية بن عامر ومجاعة بن مرارة، قال له سارية: أيها الرجل، إن كنت تريد بهذه القرية غدا خيرا أو شرا، فاستبق هذا الرجل- يعني مجاعة- فأمر به خالد فأوثقه في الحديد، ثم دفعه إلى أم تميم امرأته، فقال: استوصي به خيرا، ثم مضى حتى نزل اليمامة على كثيب مشرف على اليمامة، فضرب به عسكره، وخرج أهل اليمامة مع مسيلمة وقد قدم في مقدمته الرحال- قال أبو جعفر، هكذا قال ابن حميد بالحاء- بن عنفوة بن نهشل، وكان الرحال رجلا من بني حنيفة قد كان أسلم، وقرأ سورة البقرة، فلما قدم اليمامة شهد لمسيلمة أن رسول الله ص قد كان أشركه في الأمر فكان أعظم على أهل اليمامة فتنة من مسيلمة، وكان المسلمون يسألون عن الرجال يرجون أنه يثلم على أهل اليمامة أمرهم بإسلامه، فلقيهم في أوائل الناس متكتبا، وقد قال خالد بن الوليد وهو جالس على سريره، وعنده أشراف الناس والناس على مصافهم، وقد رأى بارقة في بني حنيفة:

أبشروا يا معشر المسلمين، فقد كفاكم الله أمر عدوكم واختلف القوم إن شاء الله، فنظر مجاعة وهو خلفه موثقا في الحديد، فقال: كلا والله، ولكنها الهندوانية خشوا عليها من تحطمها، فأبرزوها للشمس لتلين لهم، فكان كما قال فلما التقى المسلمون كان أول من لقيهم الرجال بن عنفوة، فقتله الله

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن شيخ من بني حنيفة، عن أبي هريرة، [ان رسول الله ص قال يوما- وأبو هريرة ورجال بن عنفوة في مجلس عنده:

لضرس أحدكم أيها المجلس في النار يوم القيامة أعظم من أحد] .

قال أبو هريرة: فمضى القوم لسبيلهم، وبقيت انا ورجال بن عنفوة، فما زلت لها متخوفا، حتى سمعت بمخرج رجال، فأمنت وعرفت أن ما قال رسول الله ص حق.

ثم التقى الناس ولم يلقهم حرب قط مثلها من حرب العرب، فاقتتل الناس قتالا شديدا، حتى انهزم المسلمون وخلص بنو حنيفة إلى مجاعة وإلى خالد، فزال خالد عن فسطاطه ودخل أناس الفسطاط وفيه مجاعة عند أم تميم، فحمل عليها رجل بالسيف، فقال مجاعة: مه، أنا لها جار، فنعمت الحرة! عليكم بالرجال، فرعبلوا الفسطاط بالسيوف ثم إن المسلمين تداعوا، فقال ثابت بن قيس:

بئسما عودتم أنفسكم يا معشر المسلمين! اللهم إني أبرأ إليك مما يعبد هؤلاء- يعني أهل اليمامة- وأبرأ إليك مما يصنع هؤلاء- يعني المسلمين- ثم جالد بسيفه حتى قتل وقال زيد بن الخطاب حين انكشف الناس عن رحالهم: لا تحوز بعد الرحال، ثم قاتل حتى قتل ثم قام البراء بن مالك أخو أنس بن مالك- وكان إذا حضر الحرب أخذته العرواء حتى يقعد عليه الرجال، ثم ينتفض تحتهم حتى يبول في سراويله، فإذا بال يثور كما يثور الأسد- فلما رأى ما صنع الناس أخذه الذي كان يأخذه حتى قعد عليه الرجال، فلما بال وثب، فقال: أين يا معشر المسلمين! أنا البراء بن مالك، هلم إلي! وفاءت فئة من الناس، فقاتلوا القوم حتى قتلهم الله، وخلصوا إلى محكم اليمامة- وهو محكم بن الطفيل- فقال حين بلغه القتال: يا معشر بني حنيفة، الآن والله تستحقب الكرائم غير رضيات، وينكحن غير خطيبات، فما عندكم من حسب فأخرجوه فقاتل قتالا شديدا، ورماه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق بسهم فوضعه في نحره فقتله ثم زحف المسلمون حتى ألجئوهم إلى الحديقة، حديقة الموت، وفيها عدو الله مسيلمة الكذاب، فقال البراء: يا معشر المسلمين، ألقوني عليهم في الحديقة فقال الناس: لا تفعل يا براء، فقال: والله لتطرحني عليهم فيها، فاحتمل حتى إذا أشرف على الحديقة من الجدار، اقتحم فقاتلهم عن باب الحديقة، حتى فتحها المسلمون، ودخل المسلمون عليهم فيها، فاقتتلوا حتى قتل الله مسيلمة عدو الله، واشترك في قتله وحشي مولى جبير بن مطعم ورجل من الأنصار، كلاهما قد أصابه، أما وحشي فدفع عليه حربته، وأما الأنصاري فضربه بسيفه، فكان وحشي يقول: ربك أعلم أينا قتله!

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: وحدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن الفضل بن العباس بن ربيعة، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رجلا يومئذ يصرخ يقول، قتله العبد الأسود!

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، عن عبيد بن عمير، قال: كان الرجال بحيال زيد بن الخطاب، فلما دنا صفاهما، قال زيد: يا رجال، الله الله! فو الله لقد تركت الدين، وإن الذي أدعوك إليه لأشرف لك، وأكثر لدنياك فأبى، فاجتلدا فقتل الرجال وأهل البصائر من بني حنيفة في أمر مسيلمة، فتذامروا وحمل كل قوم في ناحيتهم، فجال المسلمون حتى بلغوا عسكرهم، ثم أعروه لهم، فقطعوا أطناب البيوت، وهتكوها، وتشاغلوا بالعسكر، وعالجوا مجاعة، وهموا بأم تميم، فأجارها، وقال: نعم أم المثوى! وتذامر زيد وخالد وأبو حذيفة، وتكلم الناس- وكان يوم جنوب له غبار- فقال زيد: لا والله لا أتكلم اليوم حتى نهزمهم أو ألقى الله فأكلمه بحجتي! عضوا على أضراسكم أيها الناس، واضربوا في عدوكم، وامضوا قدما ففعلوا، فردوهم إلى مصافهم حتى أعادوهم إلى أبعد من الغاية التي حيزوا إليها من عسكرهم، وقتل زيد رحمه الله وتكلم ثابت فقال: يا معشر المسلمين، أنتم حزب الله وهم أحزاب الشيطان، والعزة لله ولرسوله ولأحزابه، أروني كما أريكم، ثم جلد فيهم حتى حازهم.

وقال أبو حذيفة: يا أهل القرآن، زينوا القرآن بالفعال وحمل فحازهم حتى أنفذهم، وأصيب رحمه الله، وحمل خالد بن الوليد، وقال لحماته: لا أوتين من خلفي حتى كان بحيال مسيلمة يطلب الفرصة ويرقب مسيلمة.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مبشر بن الفضيل، عن سالم بن عبد الله، قال: لما أعطي سالم الراية يومئذ، قال: ما أعلمني لأي شيء أعطيتمونيها! قلتم: صاحب قرآن وسيثبت كما ثبت صاحبها قبله حتى مات! قالوا: أجل وقالوا: فانظر كيف تكون؟ فقال: بئس والله حامل القرآن أنا إن لم أثبت! وكان صاحب الراية قبله عبد الله بن حفص بن غانم.

وقال عبد الله بن سعيد بن ثابت وابن إسحاق: فلما قال مجاعة لبني حنيفة: ولكن عليكم بالرجال، إذا فئة من المسلمين قد تذامروا بينهم فتفانوا وتفانى المسلمون كلهم، وتكلم رجال من اصحاب رسول الله ص، وقال زيد بن الخطاب: والله لا أتكلم أو أظفر أو أقتل، واصنعوا كما أصنع أنا، فحمل وحمل أصحابه وقال ثابت بن قيس: بئسما عودتم أنفسكم يا معشر المسلمين! هكذا عني حتى أريكم الجلاد وقتل زيد بن الخطاب رحمه الله.

كتب إلي السري، قال: حدثنا شعيب، عن سيف، عن مبشر، عن سالم، قال: قال عمر لعبد الله بن عمر حين رجع: ألا هلكت قبل زيد! هلك زيد وأنت حي! فقال: قد حرصت على ذلك أن يكون، ولكن نفسي تأخرت، فأكرمه الله بالشهادة وقال سهل: قال: ما جاء بك وقد هلك زيد؟ ألا واريت وجهك عني! فقال: سأل الله الشهادة فأعطيها، وجهدت أن تساق إلي فلم أعطها.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن طلحة بن الأعلم، عن عبيد بن عمير: إن المهاجرين والأنصار جبنوا أهل البوادي وجبنهم أهل البوادي، فقال بعضهم لبعض: امتازوا كي نستحيا من الفرار اليوم، ونعرف اليوم من أين نؤتى! ففعلوا وقال أهل القرى: نحن أعلم بقتال أهل القرى يا معشر أهل البادية منكم، فقال لهم أهل البادية: إن أهل القرى لا يحسنون القتال، ولا يدرون ما الحرب! فسترون إذا امتزنا من اين يجيء الخلل! فامتازوا، فما رئى يوم كان أحد ولا أعظم نكاية مما رئى يومئذ، ولم يدر أي الفريقين كان أشد فيهم نكاية! إلا أن المصيبة كانت في المهاجرين والأنصار أكثر منها في أهل البادية، وأن البقية أبدا في الشدة.

ورمى عبد الرحمن بن أبي بكر المحكم بسهم فقتله وهو يخطب، فنحره وقتل زيد بن الخطاب الرجال بن عنفوة.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن الضحاك بن يربوع، عن أبيه، عن رجل من بني سحيم قد شهدها مع خالد، قال: لما اشتد القتال- وكانت يومئذ سجالا إنما تكون مرة على المسلمين ومرة على الكافرين- فقال خالد: أيها الناس امتازوا لنعلم بلاء كل حي، ولنعلم من أين نؤتى! فامتاز أهل القرى والبوادي، وامتازت القبائل من اهل البادية واهل الحاضر، فوقف بنو كل أب على رايتهم، فقاتلوا جميعا، فقال أهل البوادي يومئذ: الآن يستحر القتل في الأجزع الأضعف، فاستحر القتل في أهل القرى، وثبت مسيلمة، ودارت رحاهم عليه، فعرف خالد أنها لا تركد إلا بقتل مسيلمة، ولم تحفل بنو حنيفة بقتل من قتل منهم ثم برز خالد، حتى إذا كان أمام الصف دعا إلى البراز وانتمى، وقال: أنا ابن الوليد العود، أنا ابن عامر وزيد! ونادى بشعارهم يومئذ، وكان شعارهم يومئذ: يا محمداه! فجعل لا يبرز له أحد إلا قتله، وهو يرتجز:

أنا ابن أشياخ وسيفي السخت أعظم شيء حين يأتيك النفت ولا يبرز له شيء إلا أكله، ودارت رحا المسلمى وطحنت ثم نادى خالد حين دنا من مسيلمه -[وكان رسول الله ص قال: إن مع مسيلمة شيطانا لا يعصيه، فإذا اعتراه أزبد كأن شدقيه زبيبتان لا يهم بخير أبدا إلا صرفه عنه، فإذا رأيتم منه عورة، فلا تقيلوه العثرة]-

فلما دنا خالد منه طلب تلك، ورآه ثابتا ورحاهم تدور عليه، وعرف أنها لا تزول إلا بزواله، فدعا مسيلمة طلبا لعورته، فأجابه، فعرض عليه أشياء مما يشتهي مسيلمة، وقال: إن قبلنا النصف، فأي الأنصاف تعطينا؟ فكان إذا هم بجوابه أعرض بوجهه مستشيرا، فينهاه شيطانه ان يقبل، فأعرض بوجهه مرة من ذلك، وركبه خالد فأرهقه فأدبر، وزالوا فذمر خالد الناس، وقال: دونكم لا تقيلوهم! وركبوهم فكانت هزيمتهم، فقال مسيلمة حين قام، وقد تطاير الناس عنه، وقال قائلون:

فأين ما كنت تعدنا؟ فقال: قاتلوا عن أحسابكم، قال: ونادى المحكم:

يا بني حنيفة، الحديقة الحديقة! ويأتي وحشي على مسيلمة وهو مزبد متساند لا يعقل من الغيظ، فخرط عليه حربته فقتله، واقتحم الناس عليهم حديقة الموت من حيطانها وأبوابها، فقتل في المعركة، وحديقة الموت عشرة آلاف مقاتل.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن هارون، وطلحة، عن عمرو بن شعيب وابن إسحاق أنهم لما امتازوا وصبروا، وانحازت بنو حنيفة تبعهم المسلمون يقتلونهم، حتى بلغوا بهم إلى حديقة الموت، فاختلفوا في قتل مسيلمة عندها، فقال قائلون: فيها قتل، فدخلوها وأغلقوها عليهم، وأحاط المسلمون بهم وصرخ البراء بن مالك، فقال: يا معشر المسلمين، احملوني على الجدار حتى تطرحوني عليه، ففعلوا حتى إذا وضعوه على الجدار نظر وأرعد فنادى: أنزلوني، ثم قال: احملوني، ففعل ذلك مرارا ثم قال:

أف لهذا خشعا! ثم قال: احملوني، فلما وضعوه على الحائط اقتحم عليهم، فقاتلهم على الباب حتى فتحه للمسلمين وهم على الباب من خارج فدخلوا، فأغلق الباب عليهم، ثم رمى بالمفتاح من وراء الجدار، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يروا مثله، وأبير من في الحديقة منهم، وقد قتل الله مسيلمة، وقالت له بنو حنيفة: أين ما كنت تعدنا! قال: قاتلوا عن أحسابكم!

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن هارون وطلحة وابن إسحاق، قالوا: لما صرخ الصارخ أن العبد الأسود قتل مسيلمة، خرج خالد بمجاعة يرسف في الحديد ليريه مسيلمة، وأعلام جنده، فأتى على الرجال فقال: هذا الرجال!

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال:

لما فرغ المسلمون من مسيلمة أتى خالد فأخبر، فخرج بمجاعة يرسف معه في الحديد ليدله على مسيلمة، فجعل يكشف له القتلى حتى مر بمحكم بن الطفيل- وكان رجلا جسيما وسيما- فلما رآه خالد، قال: هذا صاحبكم قال: لا، هذا والله خير منه وأكرم، هذا محكم اليمامة قال: ثم مضى خالد يكشف له القتلى حتى دخل الحديقة، فقلب له القتلى، فإذا رويجل أصيفر أخينس فقال مجاعة: هذا صاحبكم، قد فرغتم منه، فقال خالد لمجاعة: هذا صاحبكم الذي فعل بكم ما فعل، قال: قد كان ذلك يا خالد، وإنه والله ما جاءك إلا سرعان الناس، وإن جماهير الناس لفي الحصون فقال: ويلك ما تقول! قال: هو والله الحق، فهلم لأصالحك على قومي.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن الضحاك، عن أبيه، قال: كان رجل من بني عامر بن حنيفة يدعى الأغلب بن عامر بن حنيفة، وكان أغلظ أهل زمانه عنقا، فلما انهزم المشركون يومئذ، وأحاط المسلمون بهم، تماوت، فلما أثبت المسلمون في القتلى أتى رجل من الأنصار يكنى أبا بصيرة ومعه نفر عليه، فلما رأوه مجدلا في القتلى وهم يحسبونه قتيلا، قالوا: يا أبا بصيرة، إنك تزعم- ولم تزل تزعم- أن سيفك قاطع، فاضرب عنق هذا الأغلب الميت، فإن قطعته فكل شيء كان يبلغنا حق، فاخترطه ثم مشى إليه ولا يرونه إلا ميتا، فلما دنا منه ثار، فحاضره، واتبعه أبو بصيرة، وجعل يقول: أنا أبو بصيرة الأنصاري! وجعل الأغلب يتمطر ولا يزداد منه إلا بعدا، فكلما قال ذلك أبو بصيرة، قال الأغلب: كيف ترى عدو أخيك الكافر! حتى أفلت كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: لما فرغ خالد من مسيلمة والجند، قال له عبد الله ابن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر: ارتحل بنا وبالناس فانزل على الحصون، فقال: دعاني أبث الخيول فألقط من ليس في الحصون، ثم أرى رأيي.

فبث الخيول فحووا ما وجدوا من مال ونساء وصبيان، فضموا هذا إلى العسكر، ونادى بالرحيل لينزل على الحصون، فقال له مجاعة: إنه والله ما جاءك إلا سرعان الناس، وإن الحصون لمملوءة رجالا، فهلم لك إلى الصلح على ما ورائي، فصالحه على كل شيء دون النفوس ثم قال: انطلق إليهم فأشاورهم وننظر في هذا الأمر، ثم أرجع إليك فدخل مجاعة الحصون، وليس فيها إلا النساء والصبيان ومشيخة فانية، ورجال ضعفى فظاهر الحديد على النساء وأمرهن أن ينشرن شعورهن، وأن يشرفن على رءوس الحصون حتى يرجع إليهن، ثم رجع فأتى خالدا فقال: قد أبوا أن يجيزوا ما صنعت، وقد أشرف لك بعضهم نقضا علي وهم مني براء فنظر خالد إلى رءوس الحصون وقد اسودت، وقد نهكت المسلمين الحرب، وطال اللقاء، وأحبوا أن يرجعوا على الظفر، ولم يدروا ما كان كائنا لو كان فيها رجال وقتال، وقد قتل من المهاجرين والانصار من اهل قصبه المدينة يومئذ ثلاثمائة وستون قال سهل: ومن المهاجرين من غير اهل المدينة والتابعين باحسان ثلاثمائة من هؤلاء وثلاثمائة من هؤلاء، ستمائه أو يزيدون وقتل ثابت بن قيس يومئذ، قتله رجل من المشركين قطعت رجله، فرمى بها قاتله فقتله، وقتل من بني حنيفة في الفضاء بعقرباء سبعة آلاف، وفي حديقة الموت سبعة آلاف، وفي الطلب نحو منها.

وقال ضرار بن الأزور في يوم اليمامة:

ولو سئلت عنا جنوب لأخبرت عشية سالت عقرباء وملهم

وسال بفرع الواد حتى ترقرقت حجارته فيها من القوم بالدم

عشية لا تغني الرماح مكانها ولا النبل إلا المشرفي المصمم

فإن تبتغي الكفار غير مليمة جنوب، فإني تابع الدين مسلم

أجاهد إذ كان الجهاد غنيمة ولله بالمرء المجاهد أعلم

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال:

قال مجاعة لخالد ما قال إذ قال له: فهلم لأصالحك عن قومي لرجل قد نهكته الحرب، وأصيب معه من أشراف الناس من أصيب، فقد رق وأحب الدعة والصلح فقال: هلم لأصالحك، فصالحه على الصفراء والبيضاء والحلقة ونصف السبي ثم قال: إني آتي القوم فأعرض عليهم ما قد صنعت قال: فانطلق إليهم، فقال للنساء: البسن الحديد ثم أشرفن على الحصون، ففعلن ثم رجع إلى خالد، وقد رأى خالد الرجال فيما يرى على الحصون عليهم الحديد فلما انتهى إلى خالد، قال: أبوا ما صالحتك عليه، ولكن إن شئت صنعت لك شيئا، فعزمت على القوم قال:

ما هو؟ قال: تأخذ مني ربع السبي وتدع ربعا قال خالد:

قد فعلت، قال: قد صالحتك، فلما فرغا فتحت الحصون، فإذا ليس فيها إلا النساء والصبيان، فقال خالد لمجاعة: ويحك خدعتني! قال:

قومي، ولم أستطع إلا ما صنعت.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، قال: قال مجاعة يومئذ ثانية: إن شئت أن تقبل مني نصف السبي والصفراء والبيضاء والحلقة والكراع عزمت وكتبت الصلح بيني وبينك.

ففعل خالد ذلك، فصالحه على الصفراء والبيضاء والحلقة والكراع وعلى نصف السبي وحائط من كل قرية يختاره خالد، ومزرعة يختارها خالد.

فتقاضوا على ذلك، ثم سرحه، وقال: أنتم بالخيار ثلاثا، والله لئن تتموا وتقبلوا لأنهدن إليكم، ثم لا أقبل منكم خصلة أبدا إلا القتل فأتاهم مجاعة فقال: أما الآن فاقبلوا، فقال سلمة بن عمير الحنفي: لا والله لا نقبل، نبعث إلى أهل القرى والعبيد فنقاتل ولا نقاضي خالدا، فإن الحصون حصينة والطعام كثير، والشتاء قد حضر فقال مجاعة: إنك امرؤ مشئوم، وغرك أني خدعت القوم حتى أجابوني إلى الصلح، وهل بقي منكم أحد فيه خير، أو به دفع! وإنما أنا بادرتكم قبل أن يصيبكم ما قال شرحبيل بن مسيلمة، فخرج مجاعة سابع سبعة حتى أتى خالدا، فقال: بعد شد ما رضوا، اكتب كتابك، فكتب:

هذا ما قاضى عليه خالد بن الوليد مجاعة بن مرارة وسلمة بن عمير وفلانا وفلانا، قاضاهم على الصفراء والبيضاء ونصف السبي والحلقة والكراع وحائط من كل قرية، ومزرعة، على أن يسلموا ثم أنتم آمنون بأمان الله، ولكم ذمة خالد بن الوليد وذمة أبي بكر خليفة رسول الله ص، وذمه المسلمين على الوفاء.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، عن عكرمة، عن أبي هريرة، قال: لما صالح خالد مجاعة، صالحه على الصفراء والبيضاء والحلقة وكل حائط رضانا في كل ناحية ونصف المملوكين.

فأبوا ذلك، فقال خالد: أنت بالخيار ثلاثة أيام، فقال سلمة بن عمير: يا بني حنيفة، قاتلوا عن أحسابكم، ولا تصالحوا على شيء، فإن الحصن حصين، والطعام كثير وقد حضر الشتاء فقال مجاعة:

يا بني حنيفة، أطيعوني واعصوا سلمة، فإنه رجل مشئوم، قبل أن يصيبكم ما قال شرحبيل بن مسيلمة قبل أن تستردف النساء غير رضيات، وينكحن غير خطيبات فأطاعوه وعصوا سلمة، وقبلوا قضيته وقد بعث أبو بكر رضي الله عنه بكتاب إلى خالد مع سلمة بن سلامة بن وقش، يأمره إن ظفره الله عز وجل أن يقتل من جرت عليه المواسى من بني حنيفة، فقدم فوجده قد صالحهم، فوفى لهم، وتم على ما كان منه، وحشرت بنو حنيفة إلى البيعة والبراءة مما كانوا عليه إلى خالد، وخالد في عسكره، فلما اجتمعوا قال سلمة بن عمير لمجاعة:

استأذن لي على خالد أكلمه في حاجة له عندي ونصيحة- وقد أجمع أن يفتك به- فكلمه فأذن له، فأقبل سلمة بن عمير، مشتملا على السيف يريد ما يريد، فقال: من هذا المقبل؟ قال مجاعة: هذا الذي كلمتك فيه، وقد أذنت له، قال: أخرجوه عني، فأخرجوه عنه، ففتشوه فوجدوا معه السيف، فلعنوه وشتموه وأوثقوه، وقالوا: لقد أردت أن تهلك قومك، وايم الله ما أردت إلا أن تستأصل بنو حنيفة، وتسبى الذرية والنساء، وايم الله لو أن خالدا علم أنك حملت السلاح لقتلك، وما نأمنه إن بلغه ذلك أن يقتلك وأن يقتل الرجال ويسبي النساء بما فعلت، ويحسب أن ذلك عن ملإ منا فأوثقوه وجعلوه في الحصن، وتتابع بنو حنيفة على البراء مما كانوا عليه، وعلى الإسلام، وعاهدهم سلمة على ألا يحدث حدثا ويعفوه، فأبوا ولم يثقوا بحمقه أن يقبلوا منه عهدا، فأفلت ليلا، فعمد إلى عسكر خالد، فصاح به الحرس، وفزعت بنو حنيفة، فاتبعوه فأدركوه في بعض الحوائط، فشد عليهم بالسيف، فاكتنفوه بالحجارة، وأجال السيف على حلقه فقطع أوداجه، فسقط في بئر فمات.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن الضحاك بن يربوع، عن أبيه، قال: صالح خالد بني حنيفة جميعا إلا ما كان بالعرض والقرية فإنهم سبوا عند انبثاث الغارة، فبعث إلى أبي بكر ممن جرى عليه القسم بالعرض والقرية من بني حنيفة أو قيس بن ثعلبة او يشكر، خمسمائة رأس.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: ثم إن خالدا قال لمجاعة: زوجني ابنتك، فقال له مجاعة: مهلا، إنك قاطع ظهري وظهرك معي عند صاحبك قال: أيها الرجل، زوجني، فزوجه، فبلغ ذلك أبا بكر، فكتب إليه كتابا يقطر الدم: لعمري يا بن أم خالد، إنك لفارغ تنكح النساء وبفناء بيتك دم ألف ومائتي رجل من المسلمين لم يجفف بعد! قال: فلما نظر خالد في الكتاب جعل يقول:

هذا عمل الأعيسر- يعني عمر بن الخطاب- وقد بعث خالد بن الوليد وفدا من بني حنيفة إلى أبي بكر، فقدموا عليه، فقال لهم أبو بكر:

ويحكم! ما هذا الذي استزل منكم ما استزل! قالوا: يا خليفة رسول الله، قد كان الذي بلغك مما أصابنا كان امرا لم يبارك الله عز وجل له ولا لعشيرته فيه، قال: على ذلك، ما الذي دعاكم به! قالوا: كان يقول:

يا ضفدع نقي نقي، لا الشارب تمنعين، ولا الماء تكدرين، لنا نصف الأرض، ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشا قوم يعتدون.

قال أبو بكر: سبحان الله! ويحكم! إن هذا لكلام ما خرج من إل ولا بر، فأين يذهب بكم! فلما فرغ خالد بن الوليد من اليمامة- وكان منزله الذي به التقى الناس أباض، واد من أودية اليمامة ثم تحول إلى واد من أوديتها يقال له الوبر- كان منزله بها

** ذكر خبر أهل البحرين وردة الحطم ومن تجمع معه بالبحرين **

قال أبو جعفر: وكان فيما بلغنا من خبر أهل البحرين وارتداد من ارتد منهم ما حدثنا عبيد الله بن سعد، قال: أخبرنا عمي يعقوب بن إبراهيم، قال: أخبرنا سيف، قال: خرج العلاء بن الحضرمي نحو البحرين، وكان من حديث البحرين ان النبي ص والمنذر بن ساوى اشتكيا في شهر واحد، ثم مات المنذر بعد النبي ص بقليل، وارتد بعده أهل البحرين، فأما عبد القيس ففاءت، وأما بكر فتمت على ردتها، وكان الذي ثنى عبد القيس الجارود حتى فاءوا.

حدثنا عبيد الله، قال: أخبرنا عمي، قال: أخبرنا سيف، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: [قدم الجارود بن المعلى على النبي ص مرتادا، فقال: أسلم يا جارود، فقال: إن لي دينا، قال له النبي ص: إن دينك يا جارود ليس بشيء، وليس بدين، فقال له الجارود: فإن أنا أسلمت فما كان من تبعة في الإسلام فعليك؟ قال: نعم فأسلم ومكث بالمدينة حتى فقه.

فلما أراد الخروج، قال: يا رسول الله، هل نجد عند أحد منكم ظهرا نتبلغ عليه؟ قال: ما أصبح عندنا ظهر، قال: يا رسول الله، إنا نجد بالطريق ضوال من هذه الضوال، قال: تلك حرق النار، فإياك وإياها] فلما قدم على قومه دعاهم إلى الإسلام فأجابوه كلهم، فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات النبي ص فقالت عبد القيس: لو كان محمد نبيا لما مات، وارتدوا، وبلغه ذلك فبعث فيهم فجمعهم، ثم قام فخطبهم، فقال: يا معشر عبد القيس، إني سائلكم عن أمر فأخبروني به إن علمتموه ولا تجيبوني إن لم تعلموا قالوا: سل عما بدا لك، قال: تعلمون أنه كان لله أنبياء فيما مضى؟ قالوا: نعم، قال: تعلمونه أو ترونه؟

قالوا: لا بل نعلمه، قال: فما فعلوا؟ قالوا: ماتوا، قال: فان محمدا ص مات كما ماتوا، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، قالوا: ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأنك سيدنا وأفضلنا وثبتوا على إسلامهم، ولم يبسطوا ولم يبسط إليهم وخلوا بين سائر ربيعة وبين المنذر والمسلمين، فكان المنذر مشتغلا بهم حياته، فلما مات المنذر حصر أصحاب المنذر في مكانين حتى تنقذهم العلاء.

قال أبو جعفر: وأما ابن إسحاق فإنه قال في ذلك ما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عنه، قال: لما فرغ خالد بن الوليد من اليمامة بعث أبو بكر رضي الله عنه العلاء بن الحضرمي وكان العلاء هو الذى كان رسول الله ص بعثه إلى المنذر بن ساوى العبدي، فأسلم المنذر، فأقام بها العلاء أميرا لرسول الله ص، فمات المنذر بن ساوى بالبحرين بعد متوفى رسول الله ص، وكان عمرو بن العاص بعمان، فتوفي رسول الله ص وعمرو بها فأقبل عمرو، فمر بالمنذر بن ساوى وهو بالموت فدخل عليه فقال المنذر له: كم كان رسول الله ص يجعل للميت من المسلمين من ماله عند وفاته؟ قال عمرو: فقلت له: كان يجعل له الثلث، قال: فما ترى لي أن أصنع في ثلث مالي؟ قال عمرو: فقلت له: إن شئت قسمته في أهل قرابتك، وجعلته في سبيل الخير، وإن شئت تصدقت به فجعلته صدقة محرمة تجري من بعدك على من تصدقت به عليه قال: ما أحب أن أجعل من مالي شيئا محرما كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي ولكن أقسمه، فأنفذه على من أوصيت به له يصنع به ما يشاء قال:: فكان عمرو يعجب لها من قوله وارتدت ربيعة بالبحرين فيمن ارتد من العرب، إلا الجارود بن عمرو بن حنش بن معلى، فإنه ثبت على الإسلام ومن معه من قومه، وقام حين بلغته وفاه رسول الله ص وارتداد العرب، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأكفر من لا يشهد واجتمعت ربيعة بالبحرين وارتدت، فقالوا: نرد الملك في آل المنذر، فملكوا المنذر بن النعمان بن المنذر، وكان يسمى الغرور، وكان يقول حين أسلم وأسلم الناس وغلبهم السيف: لست بالغرور، ولكني المغرور

حدثنا عبيد الله بن سعد، قال: أخبرنا عمي، قال: أخبرنا سيف، عن إسماعيل بن مسلم، عن عمير بن فلان العبدى، قال: لما مات النبي ص خرج الحطم بن ضبيعة أخو بني قيس بن ثعلبة فيمن اتبعه من بكر بن وائل على الردة، ومن تأشب إليه من غير المرتدين ممن لم يزل كافرا، حتى نزل القطيف وهجر، واستغوى الخط ومن فيها من الزط والسيابجة، وبعث بعثا إلى دارين، فأقاموا له ليجعل عبد القيس بينه وبينهم، وكانوا مخالفين لهم، يمدون المنذر والمسلمين، وأرسل إلى الغرور بن سويد، أخي النعمان بن المنذر، فبعثه الى جؤاثى، وقال: اثبت، فإني إن ظفرت ملكتك بالبحرين حتى تكون كالنعمان بالحيرة وبعث الى جؤاثى، فحصرهم وألحوا عليهم فاشتد على المحصورين الحصر، وفي المسلمين المحصورين رجل من صالح المسلمين يقال له عبد الله بن حذف، أحد بني أبي بكر بن كلاب، وقد اشتد عليه وعليهم الجوع حتى كادوا أن يهلكوا وقال في ذلك عبد الله بن حذف:

ألا أبلغ أبا بكر رسولا وفتيان المدينة أجمعينا

فهل لكم إلى قوم كرام قعود في جؤاثى محصرينا!

كأن دماءهم في كل فج شعاع الشمس يغشى الناظرينا

توكلنا على الرحمن إنا وجدنا الصبر للمتوكلينا

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بن عطية ابن بلال، عن سهم بن منجاب، عن منجاب بن راشد، قال: بعث أبو بكر العلاء بن الحضرمي على قتال أهل الردة بالبحرين، فلما أقبل إليها، فكان بحيال اليمامة، لحق به ثمامة بن أثال في مسلمة بني حنيفه من بني سحيم ومن أهل القرى من سائر بني حنيفة، وكان متلددا، وقد ألحق عكرمة بعمان ثم مهرة، وأمر شرحبيل بالمقام حيث انتهى إلى أن يأتيه أمر أبي بكر، ثم يغاور هو وعمرو بن العاص أهل الردة من قضاعة فأما عمرو بن العاص فكان يغاور سعدا وبليا وأمر هذا بكلب ولفها، فلما دنا منا ونحن في عليا البلاد لم يكن أحد له فرس من الرباب وعمرو بن تميم إلا جنبه، ثم استقبله، فأما بنو حنظلة فإنهم قدموا رجلا وأخروا أخرى وكان مالك بن نويرة في البطاح ومعه جموع يساجلنا ونساجله.

وكان وكيع بن مالك في القرعاء معه جموع يساجل عمرا وعمرو يساجله، وأما سعد بن زيد مناة فإنهم كانوا فرقتين، فأما عوف والأبناء فإنهم أطاعوا الزبرقان بن بدر، فثبتوا على إسلامهم وتموا وذبوا عنه، وأما المقاعس والبطون فإنهما اصاخا ولم يتابعا، إلا ما كان من قيس بن عاصم، فإنه قسم الصدقات التي كانت اجتمعت إليه في المقاعس والبطون حين شخص الزبرقان بصدقات عوف والأبناء، فكانت عوف والأبناء مشاغيل بالمقاعس والبطون فلما رأى قيس بن عاصم ما صنعت الرباب وعمرو من تلقي العلاء ندم على ما كان فرط منه، فتلقى العلاء بإعداد ما كان قسم من الصدقات، ونزع عن أمره الذي كان هم به، واستاق حتى أبلغها إياه، وخرج معه إلى قتال أهل البحرين، وقال في ذلك شعرا كما قال الزبرقان في صدقته حين أبلغها أبا بكر، وكان الذي قال الزبرقان في ذلك:

وفيت بأذواد الرسول وقد أبت سعاة فلم يردد بعيرا مجيرها

معا ومنعناها من الناس كلهم ترامي الأعادي عندنا ما يضيرها

فأديتها كي لا أخون بذمتي محانيق لم تدرس لركب ظهورها

أردت بها التقوى ومجد حديثها إذا عصبة سامى قبيلي فخورها

وإني لمن حي إذا عد سعيهم يرى الفخر منها حيها وقبورها

أصاغرهم لم يضرعوا وكبارهم رزان مراسيها، عفاف صدورها

ومن رهط كناد توفيت ذمتي ولم يثن سيفي نبحها وهريرها

ولله ملك قد دخلت وفارس طعنت إذا ما الخيل شد مغيرها

ففرجت أولاها بنجلاء ثرة بحيث الذي يرجو الحياة يضيرها

ومشهد صدق قد شهدت فلم أكن به خاملا واليوم يثنى مصيرها

أرى رهبة الأعداء مني جراءة ويبكي إذا ما النفس يوحى ضميرها

وقال قيس عند استقبال العلاء بالصدقة:

ألا أبلغا عني قريشا رسالة إذا ما أتتها بينات الودائع

حبوت بها في الدهر اعراض منقر وأيأست منها كل أطلس طامع

وجدت أبي والخال كانا بنجوة بقاع فلم يحلل بها من ادافع

فاكرمه العلاء، وخرج مع العلاء من عمرو وسعد الرباب مثل عسكره، وسلك بنا الدهناء، حتى إذا كنا في بحبوحتها والحنانات والعزافات عن يمينه وشماله، وأراد الله عز وجل أن يرينا آياته نزل وأمر الناس بالنزول، فنفرت الإبل في جوف الليل، فما بقي عندنا بعير ولا زاد ولا مزاد ولا بناء إلا ذهب عليها في عرض الرمل، وذلك حين نزل الناس، وقبل أن يحطوا، فما علمت جمعا هجم عليهم من الغم ما هجم علينا وأوصى بعضنا إلى بعض، ونادى منادي العلاء: اجتمعوا، فاجتمعنا إليه، فقال:

ما هذا الذي ظهر فيكم وغلب عليكم؟ فقال الناس: وكيف نلام ونحن إن بلغنا غدا لم تحم شمسه حتى نصير حديثا! فقال: أيها الناس، لا تراعوا، ألستم مسلمين! ألستم في سبيل الله! ألستم أنصار الله! قالوا: بلى، قال:

فابشروا، فو الله لا يخذل الله من كان في مثل حالكم ونادى المنادي بصلاة الصبح حين طلع الفجر فصلى بنا، ومنا المتيمم، ومنا من لم يزل على طهوره، فلما قضى صلاته جثا لركبتيه وجثا الناس، فنصب في الدعاء ونصبوا معه، فلمع لهم سراب الشمس، فالتفت إلى الصف، فقال: رائد ينظر ما هذا؟ ففعل ثم رجع، فقال: سراب، فأقبل على الدعاء، ثم لمع لهم آخر فكذلك، ثم لمع لهم آخر، فقال: ماء، فقام وقام الناس، فمشينا إليه حتى نزلنا عليه، فشربنا واغتسلنا، فما تعالى النهار حتى أقبلت الإبل تكرد من كل وجه، فأناخت إلينا، فقام كل رجل إلى ظهره، فأخذه، فما فقدنا سلكا فأرويناها وأسقيناها العلل بعد النهل، وتروينا ثم تروحنا- وكان أبو هريرة رفيقي- فلما غبنا عن ذلك المكان، قال لي: كيف علمك بموضع ذلك الماء؟ فقلت: أنا من أهدي العرب بهذه البلاد قال: فكن معي حتى تقيمني عليه، فكررت به، فأتيت به على ذلك المكان بعينه، فإذا هو لا غدير به، ولا أثر للماء، فقلت له: والله لولا أني لا أرى الغدير لأخبرتك أن هذا هو المكان، وما رأيت بهذا المكان ماء ناقعا قبل اليوم، وإذا إداوة مملوءة، فقال: يا أبا سهم، هذا والله المكان، ولهذا رجعت ورجعت بك وملأت إداوتي ثم وضعتها على شفيره، فقلت:

إن كان منا من المن وكانت آية عرفتها، وإن كان غياثا عرفته، فإذا من من المن، فحمد الله، ثم سرنا حتى ننزل هجر قال: فأرسل العلاء إلى الجارود ورجل آخر أن انضما في عبد القيس حتى تنزلا على الحطم مما يليكما، وخرج هو فيمن جاء معه وفيمن قدم عليه، حتى ينزل عليه مما يلي هجر، وتجمع المشركون كلهم إلى الحطم إلا أهل دارين، وتجمع المسلمون كلهم إلى العلاء بن الحضرمي، وخندق المسلمون والمشركون، وكانوا يتراوحون القتال ويرجعون إلى خندقهم، فكانوا كذلك شهرا، فبينا الناس ليلة إذ سمع المسلمون في عسكر المشركين ضوضاء شديدة، كأنها ضوضاء هزيمة أو قتال، فقال العلاء: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال عبد الله ابن حذف: أنا آتيكم بخبر القوم- وكانت أمه عجلية- فخرج حتى إذا دنا من خندقهم أخذوه، فقالوا له: من أنت؟ فانتسب لهم، وجعل ينادي: يا أبجراه! فجاء أبجر بن بجير، فعرفه فقال: ما شأنك؟

فقال: لا أضيعن الليلة بين اللهازم! علام أقتل وحولي عساكر من عجل وتيم اللات وقيس وعنزة! أيتلاعب بي الحطم ونزاع القبائل وأنتم شهود! فتخلصه، وقال: والله إني لأظنك بئس ابن الأخت لأخوالك الليلة! فقال: دعني من هذا وأطعمني، فإني قد مت جوعا فقرب له طعاما، فأكل ثم قال: زودني واحملني وجوزني انطلق إلى طيتي.

ويقول ذلك لرجل قد غلب عليه الشراب، ففعل وحمله على بعير، وزوده وجوزه، وخرج عبد الله بن حذف حتى دخل عسكر المسلمين، فأخبرهم أن القوم سكارى، فخرج المسلمون عليهم حتى اقتحموا عليهم عسكرهم، فوضعوا السيوف فيهم حيث شاءوا، واقتحموا الخندق هرابا، فمترد، وناج ودهش، ومقتول أو مأسور، واستولى المسلمون على ما في العسكر، لم يفلت رجل إلا بما عليه، فأما أبجر فأفلت، وأما الحطم فإنه بعل ودهش، وطار فؤاده، فقام إلى فرسه- والمسلمون خلالهم يجوسونهم- ليركبه، فلما وضع رجله في الركاب انقطع به، فمر به عفيف بن المنذر أحد بني عمرو بن تميم، والحطم يستغيث ويقول: ألا رجل من بني قيس بن ثعلبة يعقلني! فرفع صوته، فعرف صوته، فقال: أبو ضبيعة! قال: نعم، قال: أعطني رجلك أعقلك، فأعطاه رجله يعقله، فنفحها فأطنها من الفخذ، وتركه، فقال: أجهز علي، فقال: إني أحب ألا تموت حتى أمضك.

- وكان مع عفيف عدة من ولد أبيه، فأصيبوا ليلتئذ- وجعل الحطم لا يمر به في الليل أحد من المسلمين إلا قال: هل لك في الحطم أن تقتله؟ ويقول:

ذاك لمن لا يعرفه، حتى مر به قيس بن عاصم، فقال له ذلك، فمال عليه فقتله، فلما رأى فخذه نادره، قال: وا سوأتاه! لو علمت الذي به لم أحركه، وخرج المسلمون بعد ما أحرزوا الخندق على القوم يطلبونهم، فاتبعوهم، فلحق قيس بن عاصم أبجر- وكان فرس أبجر أقوى من فرس قيس- فلما خشي أن يفوته طعنه في العرقوب فقطع العصب، وسلم النسا، فكانت رادة، وقال عفيف بن المنذر:

فإن يرقإ العرقوب لا يرقإ النسا وما كل من يهوى بذلك عالم

ألم تر أنا قد فللنا حماتهم بأسرة عمرو والرباب الأكارم

وأسر عفيف بن المنذر الغرور بن سويد، فكلمته الرباب فيه، وكان أبوه ابن أخت التيم، وسألوه أن يجيره، فقال للعلاء: إني قد أجرت هذا، قال: ومن هذا؟ قال: الغرور، قال: أنت غررت هؤلاء، قال: أيها الملك، إني لست بالغرور، ولكني المغرور، قال: أسلم، فأسلم وبقي بهجر، وكان اسمه الغرور، وليس بلقب، وقتل عفيف المنذر بن سويد بن المنذر، أخا الغرور لأمه، وأصبح العلاء فقسم الأنفال، ونفل رجالا من أهل البلاء ثيابا، فكان فيمن نفل عفيف بن المنذر وقيس بن عاصم وثمامة بن أثال، فأما ثمامة فنفل ثيابا فيها خميصة ذات أعلام، كان الحطم يباهي فيها، وباع الثياب وقصد عظم الفلال لدارين، فركبوا فيها السفن، ورجع الآخرون إلى بلاد قومهم، فكتب العلاء بن الحضرمي إلى من أقام على إسلامه من بكر بن وائل فيهم، وأرسل إلى عتيبة بن النهاس وإلى عامر بن عبد الأسود بلزوم ما هم عليه والقعود لأهل الردة بكل سبيل، وأمر مسمعا بمبادرتهم، وأرسل إلى خصفة التميمي والمثنى بن حارثة الشيباني، فأقاموا لأولئك بالطريق، فمنهم من أناب، فقبلوا منه واشتملوا عليه، ومنهم من أبى ولج فمنع من الرجوع، فرجعوا عودهم على بدئهم، حتى عبروا إلى دارين، فجمعهم الله بها، وقال في ذلك رجل من بني ضبيعة بن عجل، يدعى وهبا، يعير من ارتد من بكر بن وائل:

ألم تر أن الله يسبك خلقه فيخبث أقوام ويصفو معشر

لحى الله أقواما أصيبوا بخنعة أصابهم زيد الضلال ومعمر!

ولم يزل العلاء مقيما في عسكر المشركين حتى رجعت إليه الكتب من عند من كان كتب إليه من بكر بن وائل، وبلغه عنهم القيام بأمر الله، والغضب لدينه، فلما جاءه عنهم من ذلك ما كان يشتهي، أيقن أنه لن يؤتى من خلفه بشيء يكرهه على أحد من أهل البحرين، وندب الناس إلى دارين، ثم جمعهم فخطبهم، وقال: إن الله قد جمع لكم أحزاب الشياطين وشرد الحرب في هذا البحر، وقد أراكم من آياته في البر لتعتبروا بها في البحر، فانهضوا إلى عدوكم، ثم استعرضوا البحر إليهم، فإن الله قد جمعهم، فقالوا: نفعل ولا نهاب والله بعد الدهناء هولا ما بقينا فارتحل وارتحلوا، حتى إذا أتى ساحل البحر اقتحموا على الصاهل، والجامل، والشاحج والناهق، والراكب والراجل، ودعا ودعوا، وكان دعاؤه ودعاؤهم: يا أرحم الراحمين، يا كريم، يا حليم، يا أحد، يا صمد يا حي يا محيي الموتى، يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت يا ربنا فأجازوا ذلك الخليج بإذن الله جميعا يمشون على مثل رملة ميثاء، فوقها ماء يغمر أخفاف الإبل، وإن ما بين الساحل ودارين مسيرة يوم وليلة لسفن البحر في بعض الحالات، فالتقوا بها، واقتتلوا قتالا شديدا، فما تركوا بها مخبرا وسبوا الذراري، واستاقوا الأموال، فبلغ نفل الفارس ستة آلاف، والراجل ألفين، قطعوا ليلهم وساروا يومهم، فلما فرغوا رجعوا عودهم على بدئهم حتى عبروا، وفي ذلك يقول عفيف بن المنذر:

ألم تر أن الله ذلل بحره وأنزل بالكفار إحدى الجلائل!

دعونا الذي شق البحار فجاءنا بأعجب من فلق البحار الأوائل

ولما رجع العلاء إلى البحرين، وضرب الإسلام فيها بجرانه، وعز الإسلام وأهله، وذل الشرك وأهله، أقبل الذين في قلوبهم ما فيها على الإرجاف، فأرجف مرجفون، وقالوا: ها ذاك مفروق، قد جمع رهطه.

شيبان وتغلب والنمر، فقال لهم أقوام من المسلمين: إذا تشغلهم عنا اللهازم- واللهازم يومئذ قد استجمع أمرهم على نصر العلاء وطابقوا وقال عبد الله ابن حذف في ذلك:

لا توعدونا بمفروق وأسرته إن يأتنا يلق فينا سنة الحطم

وإن ذا الحي من بكر وإن كثروا لأمة داخلون النار في أمم

فالنخل ظاهره خيل وباطنه خيل تكدس بالفتيان في النعم

وأقفل العلاء بن الحضرمي الناس، فرجع الناس إلا من أحب المقام، فقفلنا وقفل ثمامة بن أثال، حتى إذا كنا على ماء لبني قيس بن ثعلبة، فرأوا ثمامة، ورأوا خميصة الحطم عليه دسوا له رجلا، وقالوا: سله كيف صارت له؟ وعن الحطم: أهو قتله أو غيره؟ فأتاه، فسأله عنها، فقال: نفلتها قال: أأنت قتلت الحطم؟ قال: لا، ولوددت أني كنت قتلته، قال: فما بال هذه الخميصة معك؟ قال: ألم أخبرك! فرجع إليهم فأخبرهم، فتجمعوا له، ثم أتوه فاحتوشوه، فقال: ما لكم؟ قالوا:

أنت قاتل الحطم؟ قال: كذبتم، لست بقاتله ولكني نفلتها، قالوا:

هل ينفل إلا القاتل! قال: إنها لم تكن عليه، إنما وجدت في رحله، قالوا: كذبت فأصابوه.

قال: وكان مع المسلمين راهب في هجر، فأسلم يومئذ فقيل: ما دعاك إلى الإسلام؟ قال: ثلاثة أشياء، خشيت أن يمسخني الله بعدها إن أنا لم أفعل:

فيض في الرمال، وتمهيد أثباج البحار، ودعاء سمعته في عسكرهم في الهواء من السحر قالوا: وما هو؟ قال: اللهم أنت الرحمن الرحيم، لا إله غيرك، والبديع ليس قبلك شيء، والدائم غير الغافل، والحي الذي لا يموت، وخالق ما يرى وما لا يرى، وكل يوم أنت في شأن، وعلمت اللهم كل شيء بغير تعلم، فعلمت أن القوم لم يعانوا بالملائكة إلا وهم على أمر الله.

فلقد كان اصحاب رسول الله ص يسمعون من ذلك الهجري بعد وكتب العلاء إلى أبي بكر: أما بعد، فإن الله تبارك وتعالى فجر لنا الدهناء فيضا لا ترى غواربه، وأرانا آية وعبرة بعد غم وكرب، لنحمد الله ونمجده، فادع الله واستنصره لجنوده وأعوان دينه.

فحمد أبو بكر الله ودعاه، وقال: ما زالت العرب فيما تحدث عن بلدانها يقولون: إن لقمان حين سئل عن الدهناء: أيحتفرونها أو يدعونها؟

نهاهم، وقال: لا تبلغها الأرشية، ولم تقر العيون، وأن شأن هذا الفيض من عظيم الآيات، وما سمعنا به في أمة قبلها اللهم اخلف محمدا ص فينا.

ثم كتب إليه العلاء بهزيمة أهل الخندق وقتل الحطم، قتله زيد ومعمر:

أما بعد، فإن الله تبارك اسمه سلب عدونا عقولهم، وأذهب ريحهم بشراب أصابوه من النهار، فاقتحمنا عليهم خندقهم، فوجدناهم سكارى، فقتلناهم إلا الشريد، وقد قتل الله الحطم.

فكتب إليه أبو بكر: أما بعد، فإن بلغك عن بني شيبان بن ثعلبة تمام على ما بلغك، وخاض فيه المرجفون، فابعث إليهم جندا فأوطئهم وشرد بهم من خلفهم فلم يجتمعوا، ولم يصر ذلك من أرجافهم إلى شيء.

** ذكر الخبر عن ردة أهل عمان ومهرة واليمن **

قال أبو جعفر: وقد اختلف في تاريخ حرب المسلمين، فقال محمد ابن إسحاق- فيما حدثنا ابن حميد، عن سلمة عنه: كان فتح اليمامة واليمن والبحرين وبعث الجنود إلى الشام في سنة اثنتي عشرة.

وأما أبو زيد فحدثني عن أبي الحسن المدائني في خبر ذكره، عن أبي معشر ويزيد بن عياض بن جعدبة وأبي عبيدة بن محمد بن أبي عبيدة وغسان بن عبد الحميد وجويرية بن أسماء، بإسنادهم عن مشيختهم وغيرهم من علماء أهل الشام وأهل العراق، أن الفتوح في أهل الردة كلها كانت لخالد بن الوليد وغيره في سنة إحدى عشرة، إلا أمر ربيعة بن بجير، فإنه كان في سنة ثلاث عشرة.

وقصة ربيعة بن بجير التغلبي أن خالد بن الوليد- فيما ذكر في خبره هذا الذي ذكرت عنه- بالمصيخ والحصيد، قام وهو في جمع من المرتدين فقاتله، وغنم وسبى، وأصاب ابنة لربيعة بن بجير،، فسباها وبعث بالسبي إلى أبي بكر رحمه الله، فصارت ابنة ربيعة إلى علي بن أبي طالب ع.

فأما أمر عمان فإنه كان- فيما كتب إلي السري بن يحيى يخبرني عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد والغصن بن القاسم وموسى الجليوسى عن ابن محيريز، قال: نبغ بعمان ذو التاج لقيط بن مالك الأزدي، وكان يسامي في الجاهلية الجلندي، وادعى بمثل ما ادعى به من كان نبيا، وغلب على عمان مرتدا، وألجأ جيفرا وعبادا الى الاجبال والبحر، فبعث جيفر إلى أبي بكر يخبره بذلك، ويستجيشه عليه فبعث أبو بكر الصديق حذيفة بن محصن الغلفاني من حمير، وعرفجة البارقي من الأزد، حذيفة إلى عمان وعرفجة إلى مهرة وأمرهما إذا اتفقا أن يجتمعا على من بعثا إليه، وأن يبتدئا بعمان، وحذيفة على عرفجة في وجهه، وعرفجة على حذيفة في وجهه.

فخرجا متساندين، وأمرهما أن يجدا السير حتى يقدما عمان، فإذا كانا منها قريبا كاتبا جيفرا وعبادا، وعملا برأيهما فمضيا لما أمرا به، وقد كان أبو بكر بعث عكرمة إلى مسيلمة باليمامة، وأتبعه شرحبيل بن حسنة، وسمى لهما اليمامة، وأمرهما بما أمر به حذيفة وعرفجة فبادر عكرمة شرحبيل، وطلب حظوة الظفر، فنكبه مسيلمة، فأحجم عن مسيلمة، وكتب إلى أبي بكر بالخبر، وأقام شرحبيل عليه حيث بلغه الخبر، وكتب أبو بكر إلى شرحبيل بن حسنة، أن أقم بأدنى اليمامة حتى يأتيك أمري، وترك أن يمضيه لوجهه الذي وجهه له، وكتب إلى عكرمة يعنفه لتسرعه، ويقول: لا أرينك ولا أسمعن بك إلا بعد بلاء، والحق بعمان حتى تقاتل أهل عمان، وتعين حذيفة وعرفجة، وكل واحد منكم على خيله، وحذيفة ما دمتم في عمله على الناس، فإذا فرغتم فامض إلى مهرة، ثم ليكن وجهك منها إلى اليمن، حتى تلاقي المهاجر ابن أبي أمية باليمن وبحضرموت، وأوطئ من بين عمان واليمن ممن ارتد، وليبلغني بلاؤك.

فمضى عكرمة في أثر عرفجة وحذيفة فيمن كان معه حتى لحق بهما قبل أن ينتهيا إلى عمان، وقد عهد إليهم أن ينتهوا إلى رأي عكرمة بعد الفراغ في السير معه أو المقام بعمان، فلما تلاحقوا- وكانوا قريبا من عمان بمكان يدعى رجاما- راسلوا جيفرا وعبادا وبلغ لقيطا مجيء الجيش، فجمع جموعه وعسكر بدبا، وخرج جيفر وعباد من موضعهما الذي كانا فيه، فعسكرا بصحار، وبعثا إلى حذيفة وعرفجة وعكرمة في القدوم عليهما، فقدموا عليهما بصحار، فاستبرءوا ما يليهم حتى رضوا ممن يليهم، وكاتبوا رؤساء مع لقيط وبدءوا بسيد بني جديد، فكاتبهم وكاتبوه حتى ارفضوا عنه، ونهدوا إلى لقيط، فالتقوا على دبا، وقد جمع لقيط العيالات، فجعلهم وراء صفوفهم ليجربهم، وليحافظوا على حرمهم-- ودبا هي المصر والسوق العظمى- فاقتتلوا بدبا قتالا شديدا، وكاد لقيط يستعلي الناس، فبيناهم كذلك، وقد رأى المسلمون الخلل ورأى المشركون الظفر، جاءت المسلمين موادهم العظمى من بنى ناجيه، وعليهم الخريت بن راشد، ومن عبد القيس وعليهم سيحان بن صوحان، وشواذب عمان من بني ناجية وعبد القيس، فقوى الله بهم أهل الإسلام، ووهن الله بهم اهل الشرك، فولى المشركون الأدبار، فقتلوا منهم في المعركة عشرة آلاف، وركبوهم حتى أثخنوا فيهم، وسبوا الذراري، وقسموا الأموال على المسلمين، وبعثوا بالخمس إلى أبي بكر مع عرفجة، ورأى عكرمة وحذيفة أن يقيم حذيفة بعمان حتى يوطئ الأمور، ويسكن الناس، وكان الخمس ثمانمائه رأس، وغنموا السوق بحذافيرها فسار عرفجة إلى أبي بكر بخمس السبي والمغانم، وأقام حذيفة لتسكين الناس، ودعا القبائل حول عمان إلى سكون ما أفاء الله على المسلمين، وشواذب عمان، ومضى عكرمة في الناس، وبدأ بمهرة، وقال في ذلك عباد الناجي:

لعمري لقد لاقى لقيط بن مالك من الشر ما أخزى وجوه الثعالب

وبادى أبا بكر ومن هل فارتمى خليجان من تياره المتراكب

ولم تنهه الأولى ولم ينكأ العدا فألوت عليه خيله بالجنائب

** ذكر خبر مهرة بالنجد **

ولما فرغ عكرمة وعرفجة وحذيفة من ردة عمان، خرج عكرمة في جنده نحو مهرة، واستنصر من حول عمان وأهل عمان، وسار حتى يأتي مهرة، ومعه ممن استنصره من ناجية والأزد وعبد القيس وراسب وسعد من بني تميم بشر، حتى اقتحم على مهرة بلادها، فوافق بها جمعين من مهرة: أما أحدهما فبمكان من أرض مهرة يقال له:

جيروت، وقد امتلأ ذلك الحيز إلى نضدون- قاعين من قيعان مهرة- عليهم شخريت، رجل من بني شخراة، وأما الآخر فبالنجد، وقد انقادت مهرة جميعا لصاحب هذا الجمع، عليهم المصبح،، أحد بني محارب والناس كلهم معه، إلا ما كان من شخريت، فكانا مختلفين، كل واحد من الرئيسين يدعو الآخر إلى نفسه، وكل واحد من الجندين يشتهي أن يكون الفلج لرئيسهم، وكان ذلك مما أعان الله به المسلمين وقواهم على عدوهم، ووهنهم.

ولما رأى عكرمة قلة من مع شخريت دعاه إلى الرجوع إلى الإسلام، فكان لأول الدعاء، فأجابه ووهن الله بذلك المصبح ثم أرسل إلى المصبح يدعوه إلى الإسلام والرجوع عن الكفر، فاغتر بكثرة من معه، وازداد مباعدة لمكان شخريت، فسار إليه عكرمة، وسار معه شخريت، فالتقوا هم والمصبح بالنجد، فاقتتلوا أشد من قتال دبا.

ثم إن الله كشف جنود المرتدين، وقتل رئيسهم، وركبهم المسلمون فقتلوا منهم ما شاءوا، وأصابوا ما شاءوا، وأصابوا فيما أصابوا ألفي نجيبة، فخمس عكرمة الفيء، فبعث بالأخماس مع شخريت إلى أبي بكر، وقسم الأربعة الأخماس على المسلمين، وازداد عكرمة وجنده قوة بالظهر والمتاع والأداة، وأقام عكرمة حتى جمعهم على الذي يحب، وجمع أهل النجد، اهل رياض الروضة، وأهل الساحل، وأهل الجزائر، وأهل المر واللبان وأهل جيروت، وظهور الشحر والصبرات، وينعب، وذات الخيم، فبايعوا على الإسلام، فكتب بذلك مع البشير- وهو السائب أحد بني عابد من مخزوم- فقدم على أبي بكر بالفتح، وقدم شخريت بعده بالأخماس، وقال في ذلك علجوم المحاربي:

جزى الله شخريتا وأفناء هيشم وفرضم إذ سارت إلينا الحلائب

جزاء مسيء لم يراقب لذمة ولم يرجها فيما يرجى الأقارب

أعكرم لولا جمع قومي وفعلهم لضاقت عليك بالفضاء المذاهب

وكنا كمن اقتاد كفا بأختها وحلت علينا في الدهور النوائب

** ذكر خبر المرتدين باليمن **

قال أبو جعفر: كتب إلي السري بن يحيى، عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، عن عكرمة وسهل، عن القاسم بن محمد، قال: توفى رسول الله ص وعلى مكة وأرضها عتاب بن أسيد والطاهر بن أبي هالة، عتاب على بني كنانة، والطاهر على عك، وذلك ان النبي ص قال: اجعلوا عمالة عك في بني أبيها معد بن عدنان، وعلى الطائف وأرضها عثمان بن أبي العاص ومالك بن عوف النصري، عثمان على أهل المدر ومالك على أهل الوبر أعجاز هوازن، وعلى نجران وأرضها عمرو بن حزم وابو سفيان ابن حرب، عمرو بن حزم على الصلاة وأبو سفيان بن حرب على الصدقات، وعلى ما بين رمع وزبيد إلى حد نجران خالد بن سعيد بن العاص، وعلى همدان كلها عامر بن شهر، وعلى صنعاء فيروز الديلمي يسانده داذويه وقيس بن المكشوح، وعلى الجند يعلى بن أمية، وعلى مأرب أبو موسى الأشعري، وعلى الأشعريين مع عك الطاهر بن أبي هالة، ومعاذ بن جبل يعلم القوم، يتنقل في عمل كل عامل، فنزا بهم الأسود في حياه النبي ص، فحاربه النبي ع بالرسل والكتب حتى قتله الله، وعاد أمر النبي ع كما كان قبل وفاه النبي ع بليلة، إلا أن مجيئهم لم يحرك الناس، والناس مستعدون له.

فلما بلغهم موت النبي ص انتقضت اليمن والبلدان، وقد كانت تذبذبت خيول العنسي- فيما بين نجران إلى صنعاء في عرض ذلك البحر- لا تأوي إلى أحد، ولا يأوي إليها احد، فعمرو بن معد يكرب بحيال فروة بن مسيك، ومعاوية بن أنس في فالة العنسي يتردد، ولم يرجع من عمال النبي ص بعد وفاه النبي ص إلا عمرو بن حزم وخالد بن سعيد، ولجأ سائر العمال إلى المسلمين، واعترض عمرو بن معديكرب خالد بن سعيد، فسلبه الصمصامة.

ورجعت الرسل مع من رجع بالخبر، فرجع جرير بن عبد الله والأقرع بن عبد الله ووبر بن يحنس، فحارب أبو بكر المرتدة جميعا بالرسل والكتب، كما كان رسول الله ص حاربهم، إلى أن رجع أسامة بن زيد من الشام، وحزر ذلك ثلاثة أشهر، إلا ما كان من اهل ذي حمى وذي القصة ثم كان أول مصادم عند رجوع اسامه هم فخرج إلى الأبرق فلم يصمد لقوم فيفلهم إلا استنفر من لم يرتد منهم إلى آخرين، فيفل بطائفة من المهاجرين والأنصار والمستنفرة ممن لم يرتد إلى التي تليهم، حتى فرغ من آخر أمور الناس، ولا يستعين بالمرتدين.

فكان أول من كتب إليه عتاب بن أسيد، كتب إليه بركوب من ارتد من أهل عمله بمن ثبت على الإسلام، وعثمان بن أبي العاص بركوب من ارتد من أهل عمله بمن ثبت على الإسلام، فاما عتاب فانه بعث خالد ابن أسيد إلى أهل تهامة، وقد تجمعت بها جماع من مدلج، وتأشب إليهم شذاذ من خزاعة وأفناء كنانة، عليهم جندب بن سلمى، أحد بني شنوق، من بني مدلج، ولم يكن في عمل عتاب جمع غيره، فالتقوا بالأبارق، ففرقهم وقتلهم، واستحر القتل في بني شنوق، فما زالوا أذلاء قليلا، وبرئت عمالة عتاب، وأفلت جندب، فقال جندب في ذلك:

ندمت وأيقنت الغداة بأنني أتيت التي يبقى على المرء عارها

شهدت بأن الله لا شيء غيره بني مدلج فالله ربي وجارها

وبعث عثمان بن أبي العاص بعثا إلى شنوءة، وقد تجمعت بها جماع من الأزد وبجيلة وخثعم، عليهم حميضة بن النعمان، وعلى أهل الطائف عثمان بن ربيعة، فالتقوا بشنوءة، فهزموا تلك الجماع، وتفرقوا عن حميضة وهرب حميضة في البلاد، فقال في ذلك عثمان بن ربيعة:

فضضنا جمعهم والنقع كاب وقد تعدي على الغدر الفتوق

وأبرق بارق لما التقينا فعادت خلبا تلك البروق

** خبر الأخابث من عك **

قال أبو جعفر: وكان أول منتقض بعد النبي ص بتهامة عك والأشعرون، وذلك أنهم حين بلغهم موت النبي ص تجمع منهم طخارير، فأقبل إليهم طخارير من الأشعرين وخضم فانضموا إليهم، فأقاموا على الأعلاب طريق الساحل، وتأشب اليهم او زاع على غير رئيس، فكتب بذلك الطاهر بن أبي هالة إلى أبي بكر، وسار إليهم، وكتب أيضا بمسيره إليهم، ومعه مسروق العكي حتى انتهى إلى تلك الأوزاع، على الأعلاب، فالتقوا فاقتتلوا، فهزمهم الله، وقتلوهم كل قتلة، وأنتنت السبل لقتلهم، وكان مقتلهم فتحا عظيما وأجاب أبو بكر الطاهر قبل أن يأتيه كتابه بالفتح:

بلغني كتابك تخبرني فيه مسيرك واستنفارك مسروقا وقومه إلى الأخابث بالأعلاب، فقد أصبت، فعاجلوا هذا الضرب ولا ترفهوا عنهم، وأقيموا بالأعلاب حتى يأمن طريق الأخابث، ويأتيكم أمري: فسميت تلك الجموع من عك ومن تأشب إليهم إلى اليوم الأخابث، وسمي ذلك الطريق طريق الأخابث، وقال في ذلك الطاهر بن أبي هالة.

وو الله لولا الله لا شيء غيره لما فض بالأجراع جمع العثاعث

فلم تر عيني مثل يوم رأيته بجنب صحار في جموع الأخابث

قتلناهم ما بين قنة خامر الى القيمه الحمراء ذات النبائث

وفئنا بأموال الأخابث عنوة جهارا ولم نحفل بتلك الهثاهث

وعسكر طاهر على طريق الأخابث، ومعه مسروق في عك ينتظر أمر أبي بكر رحمه الله.

قال أبو جعفر: ولما بلغ أهل نجران وفاه رسول الله ص وهم يومئذ اربعون ألف مقاتل، من بني الأفعى، الأمة التي كانوا بها قبل بني الحارث، بعثوا وفدا ليجددوا عهدا، فقدموا إليه فكتب لهم كتابا:

بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من عبد الله أبي بكر خليفه رسول الله ص لأهل نجران، أجارهم من جنده ونفسه، وأجاز لهم ذمه محمد ص إلا ما رجع عنه محمد رسول الله ص بأمر الله عز وجل في أرضهم وأرض العرب، ألا يسكن بها دينان، أجارهم على أنفسهم بعد ذلك وملتهم وسائر أموالهم وحاشيتهم وعاديتهم، وغائبهم وشاهدهم، وأسقفهم ورهبانهم وبيعهم حيثما وقعت، وعلى ما ملكت أيديهم من قليل أو كثير، عليهم ما عليهم، فإذا أدوه فلا يحشرون ولا يعشرون ولا يغير أسقف من اسقفيته، ولا راهب من رهبانيته، ووفى لهم بكل ما كتب لهم رسول الله ص وعلى ما في هذا الكتاب من ذمة محمد رسول الله ص وجوار المسلمين.

وعليهم النصح والإصلاح فيما عليهم من الحق شهد المسور بن عمرو، وعمرو مولى أبي بكر.

ورد أبو بكر جرير بن عبد الله، وأمره أن يدعو من قومه من ثبت على أمر الله، ثم يستنفر مقويهم، فيقاتل بهم من ولى عن أمر الله، وأمره أن يأتي خثعم، فيقاتل من خرج غضبا لذي الخلصة، ومن أراد إعادته حتى يقتلهم الله، ويقتل من شاركهم فيه، ثم يكون وجهه إلى نجران، فيقيم بها حتى يأتيه أمره.

فخرج جرير فنفذ لما أمره به أبو بكر، فلم يقر له أحد إلا رجال في عدة قليلة، فقتلهم وتتبعهم، ثم كان وجهه إلى نجران، فأقام بها انتظارا أمر أبي بكر رحمه الله.

وكتب إلى عثمان بن أبي العاص أن يضرب بعثا على أهل الطائف على كل مخلاف بقدره، ويولي عليهم رجلا يأمنه ويثق بناحيته، فضرب على كل مخلاف عشرين رجلا، وأمر عليهم أخاه.

وكتب إلى عتاب بن أسيد، أن اضرب على أهل مكة وعملها خمسمائة مقو، وابعث عليهم رجلا تأمنه، فسمى من يبعث، وأمر عليهم خالد بن أسيد، وأقام أمير كل قوم، وقاموا على رجل ليأتيهم أمر أبي بكر، وليمر عليهم المهاجر

** ردة أهل اليمن ثانية **

قال أبو جعفر: فممن ارتد ثانية منهم، قيس بن عبد يغوث المكشوح، كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، قال: كان من حديث قيس في ردته الثانية، أنه حين وقع إليهم الخبر بموت رسول الله ص انتكث، وعمل في قتل فيروز وداذويه وجشيش، وكتب أبو بكر إلى عمير ذي مران وإلى سعيد ذي زود وإلى سميفع ذي الكلاع، وإلى حوشب ذي ظليم، وإلى شهر ذي يناف، يأمرهم بالتمسك بالذي هم عليه، والقيام بأمر الله والناس، ويعدهم الجنود:

من ابى بكر خليفه رسول الله ص إلى عمير بن أفلح ذي مران، وسعيد بن العاقب ذي زود، وسميفع بن ناكور ذي الكلاع وحوشب ذي ظليم، وشهر ذي يناف أما بعد، فأعينوا الأبناء على من ناوأهم وحوطوهم واسمعوا من فيروز، وجدوا معه، فإني قد وليته.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن المستنير بن يزيد، عن عروة بن غزية الدثيني، قال: لما ولي أبو بكر أمر فيروز، وهم قبل ذلك متساندون، هو وداذويه وجشيش وقيس، وكتب إلى وجوه من وجوه أهل اليمن، ولما سمع بذلك قيس أرسل إلى ذي الكلاع وأصحابه:

إن الأبناء نزاع في بلادكم، ونقلاء فيكم، وإن تتركوهم لن يزالوا عليكم، وقد أرى من الرأي أن أقتل رءوسهم، وأخرجهم من بلادنا فتبرءوا، فلم يمالئوه ولم ينصروا الأبناء، واعتزلوا وقالوا: لسنا مما هاهنا في شيء، أنت صاحبهم وهم أصحابك.

فتربص لهم قيس، واستعد لقتل رؤسائهم وتسيير عامتهم، فكاتب قيس تلك الفالة السيارة اللحجية، وهم يصعدون في البلاد ويصوبون، محاربين لجميع من خالفهم، فكاتبهم قيس في السر، وأمرهم أن يتعجلوا إليه، وليكون أمره وأمرهم واحدا، وليجتمعوا على نفي الأبناء من بلاد اليمن فكتبوا إليه بالاستجابة له، وأخبروه أنهم إليه سراع، فلم يفجأ أهل صنعاء إلا الخبر بدنوهم منها، فأتى قيس فيروز في ذلك كالفرق من هذا الخبر وأتى داذويه، فاستشارهما ليلبس عليهما، ولئلا يتهماه، فنظروا في ذلك واطمأنوا إليه ثم إن قيسا دعاهم من الغد إلى طعام، فبدأ بداذويه، وثنى بفيروز، وثلث بجشيش، فخرج داذويه حتى دخل عليه، فلما دخل عليه عاجله فقتله، وخرج فيروز يسير حتى إذا دنا سمع امرأتين على سطحين تتحدثان، فقالت إحداهما: هذا مقتول كما قتل داذويه، فلقيهما، فعاج حتى يرى أوي القوم الذي أربئوا، فأخبر برجوع فيروز، فخرجوا يركضون، وركض فيروز، وتلقاه جشيش، فخرج معه متوجها نحو جبل خولان- وهم أخوال فيروز- فسبقا الخيول إلى الجبل، ثم نزلا، فتوقلا وعليهما خفاف ساذجة، فما وصلا حتى تقطعت أقدامهما، فانتهيا إلى خولان وامتنع فيروز بأخواله، وآلى ألا ينتعل ساذجا، ورجعت الخيول إلى قيس، فثار بصنعاء فأخذها، وجبى ما حولها، مقدما رجلا ومؤخرا أخرى، وأتته خيول الأسود.

ولما أوى فيروز إلى أخواله خولان فمنعوه وتأشب إليه الناس، كتب إلى أبي بكر بالخبر فقال قيس: وما خولان! وما فيروز! وما قرار أووا إليه! وطابق على قيس عوام قبائل من كتب أبو بكر إلى رؤسائهم، وبقي الرؤساء معتزلين، وعمد قيس إلى الأبناء ففرقهم ثلاث فرق: أقر من أقام وأقر عياله، وفرق عيال الذين هربوا إلى فيروز فرقتين، فوجه إحداهما إلى عدن، ليحملوا في البحر، وحمل الأخرى في البر، وقال لهم جميعا: الحقوا بأرضكم، وبعث معهم من يسيرهم، فكان عيال الديلمي ممن سير في البر وعيال داذويه ممن سير في البحر، فلما رأى فيروز أن قد اجتمع عوام أهل اليمن على قيس، وأن العيال قد سيروا وعرضهم للنهب، ولم يجد إلى فراق عسكره في تنقذهم سبيلا، وبلغه ما قال قيس في استصغاره الأخوال والأبناء، فقال فيروز منتميا ومفاخرا وذكر الظعن:

ألا ناديا ظعنا إلى الرمل ذي النخل وقولا لها ألا يقال ولا عذلي

وما ضرهم قول العداة لو انه أتى قومه عن غير فحش ولا بخل

فدع عنك ظعنا بالطريق التي هوت لطيتها صمد الرمال إلى الرمل

وإنا وإن كانت بصنعاء دارنا لنا نسل قوم من عرانينهم نسلي

وللديلم الرزام من بعد باسل أبى الخفض واختار الحرور على الظل

وكانت منابيت العراق جسامها لرهطي إذا كسرى مراجله تغلي

وباسل أصلي إن نميت ومنصبي كما كل عود منتهاه إلى الأصل

هم تركوا مجراي سهلا وحصنوا فجاجي بحسن القول والحسب الجزل

فما عزنا في الجهل من ذي عداوة أبى الله إلا أن يعز على الجهل

ولا عاقنا في السلم عن آل أحمد ولا خس في الإسلام إذ أسلموا قبلي

وإن كان سجل من قبيلي أرشني فإني لراج أن يغرقهم سجلي

وقام فيروز في حربه، وتجرد لها، وأرسل إلى بني عقيل بن ربيعة بن عامر بن صعصعة رسولا بأنه متخفر بهم، يستمدهم ويستنصرهم في ثقله على الذين يزعجون أثقال الأبناء، وأرسل إلى عك رسولا يستمدهم ويستنصرهم على الذين يزعجون أثقال الأبناء فركبت عقيل وعليهم رجل من الحلفاء يقال له معاوية، فاعترضوا خيل قيس فتنقذوا أولئك العيال، وقتلوا الذين سيروهم، وقصروا عليهم القرى، إلى أن رجع فيروز إلى صنعاء، ووثبت عك، وعليهم مسروق، فساروا حتى تنقذوا عيالات الأبناء، وقصروا عليهم القرى، إلى أن رجع فيروز إلى صنعاء، وأمدت عقيل وعك فيروز بالرجال، فلما أتته أمدادهم- فيمن كان اجتمع إليه- خرج فيمن كان تأشب إليه ومن أمده من عك وعقيل، فناهد قيسا فالتقوا دون صنعاء، فاقتتلوا فهزم الله قيسا في قومه ومن أنهضوا، فخرج هاربا في جنده حتى عاد معهم، وعادوا إلى المكان الذي كانوا به مبادرين حين هربوا بعد مقتل العنسي، وعليهم قيس، وتذبذبت رافضة العنسي وقيس معهم فيما بين صنعاء ونجران، وكان عمرو بن معديكرب بإزاء فروة بن مسيك في طاعة العنسي.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن عمرو بن سلمة، قال: وكان من أمر فروة بن مسيك أنه كان قدم على رسول الله ص مسلما، وقال في ذلك:

لما رأيت ملوك حمير أعرضت كالرجل خان الرجل عرق نسائها

يممت راحلتي أمام محمد أرجو فواضلها وحسن ثنائها

وقال له رسول الله ص فيما قال له: هل ساءك ما لقي قومك يوم الرزم يا فروه او سرك؟ قال: ومن يصب في قومه بمثل الذي أصبت به في قومي يوم الرزم إلا ساءه ذلك! وكان يوم الرزم بينهم وبين همدان على يغوث، وثن كان يكون في هؤلاء مرة وفي هؤلاء مرة، فأرادت مراد أن تغلبهم عليه في مرتهم، فقتلتهم همدان، ورئيسهم الأجدع أبو مسروق، [فقال رسول الله ص: أما إن ذلك لم يزدهم في الإسلام إلا خيرا،] فقال: قد سرني إذ كان ذلك، فاستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقات مراد ومن نازلهم أو نزل دارهم وكان عمرو بن معديكرب قد فارق قومه سعد العشيرة في بني زبيد واخلافها، وانحاز إليهم، وأسلم معهم، فكان فيهم، فلما ارتد العنسي واتبعه عوام مذحج، اعتزل فروة فيمن أقام معه على الإسلام، وارتد عمرو فيمن ارتد، فخلفه العنسي، فجعله بإزاء فروة، فكان بحياله، ويمتنع كل واحد منهما لمكان صاحبه من البراح، فكانا يتهاديان الشعر، فقال عمرو يذكر إمارة فروة ويعيبها:

وجدنا ملك فروة شر ملك حمارا ساف منخره بقذر

وكنت إذا رأيت أبا عمير ترى الحولاء من خبث وغدر

فأجابه فروة:

أتاني عن أبي ثور كلام وقدما كان في الأبغال يجري

وكان الله يبغضه قديما على ما كان من خبث وغدر

فبيناهم كذلك قدم عكرمة أبين.

وكتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن سهل، عن القاسم وموسى بن الغصن، عن ابن محيريز، قال: فخرج عكرمة من مهرة سائرا نحو اليمن حتى ورد أبين، ومعه بشر كثير من مهرة، وسعد بن زيد، والأزد، وناجية، وعبد القيس، وحدبان من بني مالك بن كنانة، وعمرو بن جندب من العنبر، فجمع النخع بعد من أصاب من مدبريهم فقال لهم: كيف كنتم في هذا الأمر؟ فقالوا له: كنا في الجاهلية أهل دين، لا نتعاطى ما تتعاطى العرب بعضها من بعض، فكيف بنا إذا صرنا إلى دين عرفنا فضله، ودخلنا حبه! فسأل عنهم فإذا الأمر كما قالوا، ثبت عوامهم وهرب من كان فارق من خاصتهم، واستبرأ النخع وحمير، واقام لاجتماعهم، وأرز قيس بن عبد يغوث لهبوط عكرمة إلى اليمن إلى عمرو بن معديكرب، فلما ضامه وقع بينهما تنازع، فتعايرا، فقال عمرو بن معديكرب يعير قيسا غدره بالأبناء وقتله داذويه، ويذكر فراره من فيروز:

غدرت ولم تحسن وفاء ولم يكن ليحتمل الأسباب إلا المعود

وكيف لقيس أن ينوط نفسه إذا ما جرى والمضرحي المسود!

وقال قيس:

وفيت لقومي واحتشدت لمعشر أصابوا على الأحياء عمرا ومرثدا

وكنت لدى الأبناء لما لقيتهم كأصيد يسمو بالعزازة أصيدا

وقال عمرو بن معديكرب:

فما إن داذوي لكم بفخر ولكن داذوي فضح الذمارا

وفيروز غداة أصاب فيكم وأضرب في جموعكم استجارا

** ذكر خبر طاهر حين شخص مددا لفيروز **

قال أبو جعفر الطبري رحمه الله: قد كان أبو بكر رحمه الله كتب إلى طاهر بن أبي هالة بالنزول إلى صنعاء وإعانة الأبناء، وإلى مسروق، فخرجا حتى أتيا صنعاء، وكتب إلى عبد الله بن ثور بن أصغر، بأن يجمع إليه العرب ومن استجاب له من أهل تهامة، ثم يقيم بمكانه حتى يأتيه أمره.

وكان أول ردة عمرو بن معديكرب أنه كان مع خالد بن سعيد فخالفه، واستجاب للأسود، فسار إليه خالد بن سعيد حتى لقيه، فاختلفا ضربتين، فضربه خالد على عاتقه فقطع حمالة سيفه فوقع، ووصلت الضربة إلى عاتقه، وضربه عمرو فلم يصنع شيئا، فلما أراد خالد أن يثني عليه نزل فتوقل في الجبل، وسلبه فرسه وسيفه الصمصامة، ولحج عمرو فيمن لحج وصارت إلى سعيد بن العاص الأصغر مواريث آل سعيد بن العاص الأكبر فلما ولي الكوفة عرض عليه عمرو ابنته، فلم يقبلها، وأتاه في داره بعدة سيوف كان خالد أصابها باليمن، فقال: أيها الصمصامة؟ قال: هذا، قال: خذه فهو لك، فأخذه، ثم آكف بغلا له فضرب الإكاف فقطعه والبرذعة، وأسرع في البغل، ثم رده على سعيد، وقال: لو زرتني في بيتي وهو لي لوهبته لك، فما كنت لأقبله إذ وقع.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن المستنير بن يزيد عن عروة بن غزية وموسى، عن أبي زرعه السيبانى، قال: ولما فصل المهاجر بن أبي أمية من عند أبي بكر- وكان في آخر من فصل- اتخذ مكة طريقا، فمر بها فاتبعه خالد بن أسيد، ومر بالطائف فاتبعه عبد الرحمن بن أبي العاص، ثم مضى حتى إذا حاذى جرير بن عبد الله ضمه إليه، وانضم إليه عبد الله بن ثور حين حازاه، ثم قدم على أهل نجران، فانضم إليه فروة بن مسيك، وفارق عمرو بن معديكرب قيسا، وأقبل مستجيبا، حتى دخل على المهاجر على غير أمان، فأوثقه المهاجر، وأوثق قيسا، وكتب بحالهما إلى أبي بكر رحمه الله، وبعث بهما إليه فلما سار المهاجر من نجران إلى اللحجية، والتفت الخيول على تلك الفالة استأمنوا، فأبى أن يؤمنهم، فافترقوا فرقتين، فلقي المهاجر إحداهما بعجيب، فأتى عليهم، ولقيت خيوله الأخرى بطريق الأخابث، فأتوا عليهم- وعلى الخيول عبد الله- وقتل الشرداء بكل سبيل، فقدم بقيس وعمرو على أبي بكر، فقال: يا قيس، أعدوت على عباد الله تقتلهم وتتخذ المرتدين والمشركين وليجة من دون المؤمنين! وهم بقتله لو وجد أمرا جليا وانتفى قيس من أن يكون قارف من أمر داذويه شيئا، وكان ذلك عملا عمل في سر لم يكن به بينة، فتجافى له عن دمه، وقال لعمرو ابن معديكرب: أما تخزى أنك كل يوم مهزوم أو مأسور! لو نصرت هذا الدين لرفعك الله ثم خلى سبيله، وردهما إلى عشائرهما، وقال عمرو:

لا جرم! لأقبلن ولا أعود.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن المستنير وموسى قالا: سار المهاجر من عجيب، حتى ينزل صنعاء، وأمر أن يتبعوا شذاذ القبائل الذين هربوا، فقتلوا من قدروا عليه منهم كل قتلة، ولم يعف متمردا، وقبل توبة من أناب من غير المتمردة، وعملوا في ذلك على قدر ما رأوا من آثارهم، ورجوا عندهم وكتب إلى أبي بكر بدخوله صنعاء وبالذي يتبع من ذلك

** ذكر خبر حضرموت في ردتهم **

قال أبو جعفر: كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن سهل ابن يوسف، عن الصلت، عن كثير بن الصلت، قال: مات رسول الله ص وعماله على بلاد حضرموت: زياد بن لبيد البياضي على حضرموت وعكاشة بن محصن على السكاسك والسكون، والمهاجر على كندة- وكان بالمدينة لم يكن خرج حتى توفي رسول الله ص، فبعثه أبو بكر بعد إلى قتال من باليمن والمضي بعد إلى عمله.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن أبي السائب، عطاء ابن فلان المخزومي، عن أبيه، عن أم سلمة والمهاجر بن أبي أمية، أنه كان تخلف عن تبوك، فرجع رسول الله ص وهو عليه عاتب، فبينا أم سلمة تغسل راس رسول الله ص، قالت: كيف ينفعني شيء وأنت عاتب على أخي! فرأت منه رقة، فأومأت إلى خادمها، فدعته، فلم يزل برسول الله ص ينشر عذره حتى عذره ورضي عنه وأمره على كندة فاشتكى ولم يطق الذهاب، فكتب إلى زياد ليقوم له على عمله وبرأ بعد، فأتم له أبو بكر إمرته، وأمره بقتال من بين نجران إلى أقصى اليمن، ولذلك أبطأ زياد وعكاشة عن مناجزة كندة انتظارا له

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: كان سبب ردة كندة إجابتهم الأسود العنسي حتى لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الملوك الأربعة، وأنهم قبل ردتهم حين أسلموا وأسلم أهل بلاد حضرموت كلهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يوضع من الصدقات أن يوضع صدقة بعض حضرموت في كنده، وتوضع صدقة كندة في بعض حضرموت، وبعض حضرموت في السكون والسكون في بعض حضرموت فقال نفر من بني وليعة: يا رسول الله، إنا لسنا بأصحاب إبل، فإن رأيت أن يبعثوا إلينا بذلك على ظهر! فقال: إن رأيتم! قالوا: فإنا ننظر، فإن لم يكن لهم ظهر فعلنا فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء ذلك الإبان، دعا زياد الناس إلى ذلك، فحضروه، فقالت بنو وليعة: أبلغونا كما وعدتم رسول الله ص، فقالوا:

إن لكم ظهرا، فهلموا فاحتملوا، ولاحوهم، حتى لاحوا زيادا، وقالوا له: أنت معهم علينا فأبى الحضرميون، ولج الكنديون، فرجعوا إلى دارهم، وقدموا رجلا وأخروا أخرى، وأمسك عنهم زياد انتظارا للمهاجر، فلما قدم المهاجر صنعاء، كتب إلى أبي بكر بكل الذي صنع، وأقام حتى قدم عليه جواب كتابه من قبل أبي بكر، فكتب إليه أبو بكر وإلى عكرمة أن يسيرا حتى يقدما حضرموت، واقر زيادا على عمله، واذن لمن معك من بين مكة واليمن في القفل، إلا ان يؤثر قوم الجهاد وامده بعبيده ابن سعد ففعل، فسار المهاجر من صنعاء يريد حضرموت، وسار عكرمة من أبين يريد حضرموت، فالتقيا بمأرب، ثم فوزا من صهيد، حتى اقتحما حضرموت، فنزل أحدهما على الأشعث والآخر على وائل كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن أبيه، عن كثير بن الصلت، قال: وكان زياد بن لبيد حين رجع الكنديون ولجوا ولج الحضرميون، ولى صدقات بني عمرو بن معاوية بنفسه، فقدم عليهم وهم بالرياض، فصدق أول من انتهى إليه منهم، وهو غلام، يقال له شيطان بن حجر، فأعجبته بكرة من الصدقة، فدعا بنار فوضع عليها الميسم، وإذا الناقة لأخي الشيطان العداء بن حجر، وليست عليه صدقة، وكان أخوه قد أوهم حين أخرجها وظنها غيرها، فقال العداء: هذه شذرة باسمها، فقال الشيطان: صدق أخي، فإني لم أعطكموها إلا وأنا أراها غيرها، فأطلق شذرة وخذ غيرها، فإنها غير متروكة فرأى زياد أن ذلك منه اعتلال، واتهمه بالكفر ومباعدة الإسلام وتحري الشر.

فحمي وحمي الرجلان، فقال زياد: لا ولا تنعم، ولا هي لك، لقد وقع عليها ميسم الصدقة وصارت في حق الله، ولا سبيل إلى ردها، فلا تكونن شذرة عليكم كالبسوس، فنادى العداء: يا آل عمرو، بالرياض أضام واضطهد! إن الذليل من أكل في داره! ونادى: يا أبا السميط، فأقبل ابو السميط حارثة بن سراقه بن معديكرب، فقصد لزياد بن لبيد وهو واقف، فقال: أطلق لهذا الفتى بكرته، وخذ بعيرا مكانها، فإنما بعير مكان بعير، فقال: ما إلى ذلك سبيل! فقال: ذاك إذا كنت يهوديا! وعاج إليها، فأطلق عقالها، ثم ضرب على جنبها، فبعثها وقام دونها، وهو يقول:

يمنعها شيخ بخديه الشيب ملمع كما يلمع الثوب

فأمر به زياد شبابا من حضرموت والسكون، فمغثوه وتوطئوه، وكتفوه وكتفوا أصحابه، وارتهنوهم، وأخذوا البكره فعقلوها كما كانت، وقال زياد ابن لبيد في ذلك:

لم يمنع الشذرة أركوب والشيخ قد يثنيه أرجوب

وتصايح أهل الرياض وتنادوا، وغضبت بنو معاوية لحارثة، وأظهروا أمرهم، وغضبت السكون لزياد، وغضبت له حضرموت، وقاموا جميعا دونه وتوافى عسكران عظيمان من هؤلاء وهؤلاء، لا تحدث بنو معاوية لمكان أسرائهم شيئا، ولا يجد أصحاب زياد على بني معاوية سبيلا يتعلقون به عليهم، فأرسل إليهم زياد: إما أن تضعوا السلاح، وإما أن تؤذنوا بحرب، فقالوا: لا نضع السلاح أبدا حتى ترسلوا أصحابنا، فقال زياد: لا يرسلون أبدا حتى ترفضوا وأنتم صغرة قمأة يا أخابث الناس، ألستم سكان حضرموت وجيران السكون! فما عسيتم أن تكونوا وتصنعوا في دار حضرموت، وفي جنوب مواليكم! وقالت له السكون: ناهد القوم، فإنه لا يفطمهم إلا ذلك، فنهد إليهم ليلا، فقتل منهم، وطاروا عباديد، وتمثل زياد حين أصبح في عسكرهم:

وكنت امرأ لا أبعث الحرب ظالما فلما أبوا سامحت في حرب حاطب

ولما هرب القوم خلى عن النفر الثلاثة، ورجع زياد إلى منزله على الظفر ولما رجع الأسراء إلى أصحابهم ذمروهم فتذامروا، وقالوا:

لا تصلح البلدة علينا وعلى هؤلاء حتى تخلو لأحد الفريقين فأجمعوا وعسكروا جميعا، ونادوا بمنع الصدقة، فتركهم زياد لم يخرج إليهم، وتركوا المسير إليه وأرسل إليهم الحصين بن نمير، فما زال يسفر فيما بينهم وبين زياد وحضرموت والسكون حتى سكن بعضهم عن بعض، وهذه النفرة الثانية، وقال السكوني في ذلك:

لعمري وما عمرى بعرضه جانب ليجتلبن منها المرار بنو عمرو

كذبتم وبيت الله لا تمنعونها زيادا، وقد جئنا زيادا على قدر

فأقاموا بعد ذلك يسيرا ثم إن بني عمرو بن معاوية خصوصا خرجوا إلى المحاجر، إلى أحماء حموها، فنزل جمد محجرا، ومخوص محجرا، ومشرح محجرا، وأبضعة محجرا، وأختهم العمردة محجرا- وكانت بنو عمرو ابن معاوية على هؤلاء الرؤساء- ونزلت بنو الحارث بن معاوية محاجرها، فنزل الأشعث بن قيس محجرا، والسمط بن الأسود محجرا، وطابقت معاوية كلها على منع الصدقة، وأجمعوا على الردة إلا ما كان من شرحبيل بن السمط وابنه، فإنهما قاما في بني معاوية، فقالا: والله إن هذا لقبيح بأقوام أحرار التنقل، إن الكرام ليكونون على الشبهة فيتكرمون أن يتنقلوا منها إلى أوضح منها مخافة العار، فكيف بالرجوع عن الجميل، وعن الحق إلى الباطل والقبيح! اللهم انا لا نمالى قومنا على هذا، وإنا لنادمون على مجامعتهم إلى يومنا هذا- يعني يوم البكرة ويوم النفره- وخرج شرحبيل بن السمط وابنه السمط، حتى أتيا زياد بن لبيد، فانضما إليه، وخرج ابن صالح وامرؤ القيس بن عابس، حتى أتيا زيادا، فقالا له: بيت القوم، فإن أقواما من السكاسك قد انضموا إليهم، وقد تسرع إليهم قوم من السكون وشذاذ من حضرموت، لعلنا نوقع بهم وقعة تورث بيننا عداوة، وتفرق بيننا، وإن أبيت خشينا أن يرفض الناس عنا إليهم، والقوم غارون لمكان من أتاهم، راجون لمن بقي فقال: شأنكم فجمعوا جمعهم، فطرقوهم في محاجرهم، فوجدوهم حول نيرانهم جلوسا، فعرفوا من يريدون، فأكبوا على بني عمرو بن معاوية، وهم عدد القوم وشوكتهم، من خمسة أوجه في خمس فرق، فأصابوا مشرحا ومخوصا وجمدا وأبضعة وأختهم العمردة، أدركتهم اللعنة، وقتلوا فأكثروا، وهرب من أطاق الهرب، ووهنت بنو عمرو بن معاوية، فلم يأتوا بخير بعدها، وانكفأ زياد بالسبي والأموال، وأخذوا طريقا يفضي بهم إلى عسكر الأشعث وبني الحارث بن معاوية، فلما مروا بهم فيه استغاث نسوة بني عمرو بن معاوية ببني الحارث ونادينه: يا أشعث، يا أشعث! خالاتك خالاتك! فثار في بني الحارث فتنقذهم- وهذه الثالثة- وقال الأشعث:

منعت بني عمرو وقد جاء جمعهم بأمعز من يوم البضيض وأصبرا

وعلم الأشعث أن زيادا وجنده إذا بلغهم ذلك لم يقلعوا عنه ولا عن بني الحارث بن معاوية وبني عمرو بن معاوية، فجمع إليه بني الحارث بن معاوية وبني عمرو بن معاوية، ومن أطاعه من السكاسك والخصائص من قبائل ما حولهم، وتباين لهذه الوقعة من بحضرموت من القبائل، فثبت أصحاب زياد على طاعة زياد، ولجت كندة، فلما تباينت القبائل كتب زياد إلى المهاجر، وكاتبه الناس فتلقاه بالكتاب، وقد قطع صهيد- مفازة ما بين مأرب وحضرموت- واستخلف على الجيش عكرمة، وتعجل في سرعان الناس، ثم سار حتى قدم على زياد، فنهد إلى كندة وعليهم الأشعث، فالتقوا بمحجر الزرقان فاقتتلوا به فهزمت كندة، وقتلت وخرجوا هرابا، فالتجأت إلى النجير وقد رموه وحصنوه، وقال في يوم محجر الزرقان المهاجر:

كنا بزرقان إذ يشردكم بحر يزجي في موجه الحطبا

نحن قتلناكم بمحجركم حتى ركبتم من خوفنا السببا

إلى حصار يكون أهونه سبي الذراري وسوقها خببا

وسار المهاجر في الناس من محجر الزرقان حتى نزل على النجير، وقد اجتمعت إليه كندة، فتحصنوا فيه، ومعهم من استغووا من السكاسك وشذاذ من السكون وحضرموت والنجير، على ثلاثة سبل، فنزل زياد على أحدها، ونزل المهاجر على الآخر، وكان الثالث لهم يؤتون فيه ويذهبون فيه، إلى أن قدم عكرمة في الجيش، فأنزله على ذلك الطريق، فقطع عليهم المواد وردهم، وفرق في كندة الخيول، وأمرهم أن يوطئوهم وفيمن بعث يزيد بن قنان من بني مالك بن سعد، فقتل من بقرى بني هند إلى برهوت، وبعث فيمن بعث إلى الساحل خالد بن فلان المخزومي وربيعة الحضرمي، فقتلوا أهل محا وأحياء أخر، وبلغ كندة وهم في الحصار ما لقي سائر قومهم، فقالوا: الموت خير مما أنتم فيه، جزوا نواصيكم حتى كأنكم قوم قد وهبتم لله أنفسكم، فأنعم عليكم فبؤتم بنعمه، لعله أن ينصركم على هؤلاء الظلمة فجزوا نواصيهم، وتعاقدوا وتواثقوا ألا يفر بعضهم عن بعض، وجعل راجزهم يرتجز في جوف الليل فوق حصنهم:

صباح سوء لبني قتيرة وللأمير من بني المغيرة

وجعل راجز المسلمين زياد بن دينار يرد عليهم:

لا توعدونا واصبروا حصيره نحن خيول ولد المغيره

وفي الصباح تظفر العشيره.

فلما أصبحوا خرجوا على الناس، فاقتتلوا بأفنية النجير، حتى كثرت القتلى بحيال كل طريق من الطرق الثلاثة، وجعل عكرمة يرتجز يومئذ، ويقول:

أطعنهم وأنا على أوفاز طعنا أبوء به على مجاز

ويقول:

أنفذ قولي وله نفاذ وكل من جاورني معاذ

فهزمت كندة، وقد أكثروا فيهم القتل.

وقال هشام بن محمد: قدم عكرمة بن أبي جهل بعد ما فرغ المهاجر من أمر القوم مددا له، فقال زياد والمهاجر لمن معهما: إن إخوانكم قدموا مددا لكم، وقد سبقتموهم بالفتح فأشركوهم في الغنيمة ففعلوا وأشركوا من لحق بهم، وتواصوا بذلك، وبعثوا بالأخماس والأسرى، وسار البشير فسبقهم، وكانوا يبشرون القبائل ويقرءون عليهم الفتح.

وكتب إلي السري، قال: كتب أبو بكر رحمه الله إلى المهاجر مع المغيرة بن شعبة: إذا جاءكم كتابي هذا ولم تظفروا، فإن ظفرتم بالقوم فاقتلوا المقاتلة، واسبوا الذرية إن أخذتموهم عنوة، أو ينزلوا على حكمي، فإن جرى بينكم صلح قبل ذلك فعلى أن تخرجوهم من ديارهم، فإني أكره أن أقر أقواما فعلوا فعلهم في منازلهم، ليعلموا أن قد أساءوا، وليذوقوا وبال بعض الذي أتوا قال أبو جعفر: ولما رأى أهل النجير المواد لا تنقطع عن المسلمين، وأيقنوا أنهم غير منصرفين عنهم، خشعت أنفسهم، ثم خافوا القتل، وخاف الرؤساء على أنفسهم، ولو صبروا حتى يجيء المغيرة لكانت لهم في الثالثة الصلح على الجلاء نجاة فعجل الأشعث، فخرج إلى عكرمة بأمان، وكان لا يأمن غيره، وذلك أنه كانت تحته أسماء ابنة النعمان بن الجون، خطبها وهو يومئذ بالجند ينتظر المهاجر، فأهداها إليه أبوها قبل أن يبادوا، فأبلغه عكرمة المهاجر، واستأمنه له على نفسه، ونفر معه تسعة، على ان يؤمنهم وأهليهم وان يفتحوا لهم الباب، فأجابه إلى ذلك، وقال: انطلق فاستوثق لنفسك، ثم هلم كتابك أختمه.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن أبي إسحاق الشيباني، عن سعيد بن أبي بردة، عن عامر، أنه دخل عليه فاستأمنه على أهله وماله، وتسعة ممن أحب، وعلى أن يفتح لهم الباب فيدخلوا على قومه.

فقال له المهاجر: اكتب ما شئت واعجل، فكتب أمانه وأمانهم، وفيهم أخوه وبنو عمه وأهلوهم، ونسي نفسه، عجل ودهش ثم جاء بالكتاب فختمه، ورجع فسرب الذين في الكتاب.

وقال الأجلح والمجالد: لما لم يبق إلا أن يكتب نفسه وثب عليه جحدم بشفرة، وقال: نفسك أو تكتبني! فكتبه وترك نفسه.

قال أبو إسحاق: فلما فتح الباب اقتحمه المسلمون فلم يدعوا فيه مقاتلا إلا قتلوه، ضربوا أعناقهم صبرا، وأحصي ألف امرأة ممن في النجير والخندق، ووضع على السبي والفيء الأحراس، وشاركهم كثير.

وقال كثير بن الصلت: لما فتح الباب وفرغ ممن في النجير، وأحصي ما أفاء الله عليهم، دعا الأشعث بأولئك النفر، ودعا بكتابه فعرضهم، فأجاز من في الكتاب، فإذا الأشعث ليس فيه، فقال المهاجر: الحمد لله الذي أخطاك نوءك يا أشعث، يا عدو الله! قد كنت أشتهي أن يخزيك الله.

فشده وثاقا، وهم بقتله، فقال له عكرمة: أخره، وأبلغه أبا بكر، فهو أعلم بالحكم في هذا وإنه كان رجلا نسي اسمه أن يكتبه، وهو ولي المخاطبة أفذاك يبطل ذاك! فقال المهاجر: إن أمره لبين، ولكني أتبع المشورة وأوثرها وأخره وبعث به إلى أبي بكر مع السبي، فكان معهم يلعنه المسلمون ويلعنه سبايا قومه، وسماه نساء قومه عرف النار- كلام يمان يسمون به الغادر- وقد كان المغيرة تحير ليله للذي أراد الله، فجاء والقوم في دمائهم والسبي على ظهر، وسارت السبايا والأسرى، فقدم القوم على أبي بكر رحمه الله بالفتح والسبايا والأسرى فدعا بالاشعث، فقال: استزلك بنو وليعه، ولم تكن لتستزل لهم- ولا يرونك لذلك أهلا- وهلكوا وأهلكوك! أما تخشى ان تكون دعوه رسول الله ص قد وصل إليك منها طرف! ما تراني صانعا بك؟ قال: إني لا علم لي برأيك، وأنت أعلم برأيك، قال: فإني أرى قتلك قال: فإني أنا الذي راوضت القوم في عشرة، فما يحل دمي، قال: أفوضوا إليك؟ قال: نعم، قال:

ثم أتيتهم بما فوضوا إليك فختموه لك؟ قال: نعم، قال: فإنما وجب الصلح بعد ختم الصحيفة على من في الصحيفة، وإنما كنت قبل ذلك مراوضا فلما خشي أن يقع به قال: أو تحتسب في خيرا فتطلق إساري وتقيلني عثرتي، وتقبل إسلامي، وتفعل بي مثل ما فعلته بأمثالي وترد علي زوجتي- وقد كان خطب أم فروة بنت أبي قحافة مقدمه على رسول الله ص، فزوجه وأخرها إلى أن يقدم الثانية، فمات رسول الله ص، وفعل الأشعث ما فعل، فخشي ألا ترد عليه- تجدني خير أهل بلادي لدين الله! فتجافى له عن دمه، وقبل منه، ورد عليه أهله، وقال: انطلق فليبلغني عنك خير، وخلى عن القوم فذهبوا، وقسم أبو بكر في الناس الخمس، واقتسم الجيش الأربعة الأخماس.

قال أبو جعفر: وأما ابن حميد، فإنه قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، أن الأشعث لما قدم به على أبي بكر، قال: ماذا تراني أصنع بك، فإنك قد فعلت ما علمت! قال: تمن على فتفكتنى من الحديد وتزوجني أختك، فإني قد راجعت وأسلمت فقال أبو بكر: قد فعلت فزوجه أم فروة ابنة أبي قحافة، فكان بالمدينة حتى فتح العراق.

رجع الحديث إلى حديث سيف فلما ولي عمر رحمه الله، قال: انه ليقبح بالعرب أن يملك بعضهم بعضا، وقد وسع الله، وفتح الأعاجم.

واستشار في فداء سبايا العرب في الجاهلية والإسلام إلا امرأة ولدت لسيدها، وجعل فداء كل إنسان سبعة أبعرة وسته أبعرة الا حنيفه وكنده، فإنه خفف عنهم لقتل رجالهم، ومن لا يقدر على فداء لقيامهم وأهل دبا، فتتبعت رجالهم نساءهم بكل مكان فوجد الأشعث في بني نهد وبني غطيف امرأتين، وذلك أنه وقف فيها يسأل عن غراب وعقاب، فقيل:

ما تريد إلى ذلك؟ قال: إن نساءنا يوم النجير خطفهن العقبان والغربان والذئاب والكلاب فقال بنو غطيف: هذا غراب، قال: فما موضعه فيكم؟ قالوا: في الصيانة، قال: فنعم، وانصرف وقال عمر: لا ملك على عربي، للذي أجمع عليه المسلمون معه.

قالوا: ونظر المهاجر في أمر المرأة التي كان أبوها النعمان بن الجون أهداها لرسول الله ص، فوصفها أنها لم تشتك قط، فردها، [وقال: لا حاجة لنا بها، بعد أن أجلسها بين يديه وقال له:

لو كان لها عند الله خير لاشتكت] فقال المهاجر لعكرمة: متى تزوجتها؟

قال: وأنا بعدن، فأهديت إلي بالجند، فسافرت بها إلى مأرب، ثم أوردتها العسكر فقال بعضهم: دعها فإنها ليست بأهل أن يرغب فيها وقال بعضهم: لا تدعها فكتب المهاجر إلى أبي بكر رحمه الله يسأله عن ذلك، فكتب إليه أبو بكر: إن أباها النعمان بن الجون اتى رسول الله ص، فزينها له حتى أمره أن يجيئه بها، فلما جاءه بها قال: أزيدك أنها لم تيجع شيئا قط، [فقال: لو كان لها عند الله خير لاشتكت،] ورغب عنها، فارغبوا عنها فأرسلها وبقي في قريش بعد ما أمر عمر في السبي بالفداء عدة، منهم بشرى بنت قيس بن أبي الكيسم، عند سعد بن مالك، فولدت له عمر، وزرعة بنت مشرح عند عبد الله بن العباس ولدت له عليا.

وكتب أبو بكر إلى المهاجر يخيره اليمن أو حضرموت، فاختار اليمن، فكانت اليمن على أميرين: فيروز والمهاجر، وكانت حضرموت على أميرين: عبيدة بن سعد على كندة والسكاسك، وزياد بن لبيد على حضرموت.

وكتب أبو بكر إلى عمال الردة: أما بعد، فإن أحب من أدخلتم في أموركم إلي من لم يرتد ومن كان ممن لم يرتد، فأجمعوا على ذلك، فاتخذوا منها صنائع، وائذنوا لمن شاء في الانصراف، ولا تستعينوا بمرتد في جهاد عدو.

وقال الأشعث بن مئناس السكوني يبكي أهل النجير:

لعمري وما عمري علي بهين لقد كنت بالقتلى لحق ضنين

فلا غرو إلا يوم اقرع بينهم وما الدهر عندي بعدهم بأمين

فليت جنوب الناس تحت جنوبهم ولم تمش أنثى بعدهم لجنين

وكنت كذات البو ريعت فأقبلت على بوها إذ طربت بحنين

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن موسى بن عقبة، عن الضحاك بن خليفة، قال: وقع إلى المهاجر امرأتان مغنيتان، غنت إحداهما بشتم رسول الله ص، فقطع يدها، ونزع ثنيتها، فكتب إليه أبو بكر رحمه الله: بلغني الذي سرت به في المرأة التي تغنت وزمرت بشتيمة رسول الله ص، فلولا ما قد سبقتني فيها لأمرتك بقتلها، لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود، فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد، أو معاهد فهو محارب غادر.

وكتب إليه أبو بكر في التي تغنت بهجاء المسلمين: أما بعد، فانه بلغنى انك قطعت يدا امرأة في أن تغنت بهجاء المسلمين، ونزعت ثنيتها، فإن كانت ممن تدعي الإسلام فأدب وتقدمة دون المثلة، وإن كانت ذمية فلعمري لما صفحت عنه من الشرك أعظم، ولو كنت تقدمت إليك في مثل هذا لبلغت مكروها، فاقبل الدعة وإياك والمثلة في الناس، فإنها مأثم ومنفره الا في قصاص

. [ حوادث متفرقة

وفي هذه السنة- أعني سنة إحدى عشرة- انصرف معاذ بن جبل من اليمن.

وستقضى أبو بكر فيها عمر بن الخطاب، فكان على القضاء أيام خلافته كلها.

وفيها أمر أبو بكر رحمه الله على الموسم عتاب بن أسيد- فيما ذكره الذين أسند إليهم خبره علي بن محمد الذين ذكرت قبل في كتابي هذا أسماءهم.

وقال علي بن محمد: وقال قوم: بل حج بالناس في سنة إحدى عشرة عبد الرحمن بن عوف عن تأمير أبي بكر إياه بذلك

Source. Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk (تاريخ الرسل والملوك), Al-Tabari (d. 923) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0310Tabari.Tarikh.Shamela0009783BK1-ara1.mARkdown (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com