Islam · Chronicles · Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk
ثم دخلت سنة ثلاث عشرة — تتمة ٢
Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk · Al-Tabari (d. 923) · chapter 62 of 356
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن محفز، عن أبيه، قال: قال رجل من أهل الحيرة للمثنى: ألا ندلك على قرية يأتيها تجار مدائن كسرى والسواد، وتجتمع بها في كل سنة مرة ومعهم فيها الأموال، كبيت المال، وهذه أيام سوقهم، فإن أنت قدرت أن تغير عليهم وهم لا يشعرون أصبت فيها مالا يكون غناء للمسلمين، وقووا به على عدوهم دهرهم، قال: وكم بين مدائن كسرى وبينها؟ قال: بعض يوم أو عامة يوم، قال: فكيف لي بها؟ قالوا: نأمرك إن أردتها أن تأخذ طريق البر، حتى تنتهي إلى الخنافس، فإن أهل الأنبار سيضربون إليها، ويخبرون عنك فيأمنون، ثم تعوج على أهل الأنبار فتأخذ الدهاقين بالأدلاء، فتسير سواد ليلتك من الأنبار حتى تأتيهم صبحا فتصبحهم غارة.
فخرج من أليس حتى أتى الخنافس، ثم عاج حتى رجع على الأنبار، فلما أحسه صاحبها تحصن وهو لا يدري من هو، وذلك ليلا، فلما عرفه نزل اليه فاطمعه المثنى، وخوفه واستكتمه، وقال: إني أريد أن أغير فابعث معي الأدلاء إلى بغداد، حتى أغير منها إلى المدائن قال: أنا أجيء معك، قال: لا أريد أن تجيء معي، ولكن ابعث معي من هو أدل منك، فزودهم الأطعمة والأعلاف، وبعث معهم الأدلة، فساروا حتى إذا كانوا بالنصف، قال لهم المثنى: كم بيني وبين هذه القرية؟
قالوا: أربعة أو خمسة فراسخ فقال لأصحابه: من ينتدب للحرس؟
فانتدب له قوم فقال لهم: أذكوا حرسكم، ونزل، وقال: أيها الناس، أقيموا وأطعموا وتوضئوا وتهيئوا وبعث الطلائع فحبسوا الناس ليسبقوا الأخبار، فلما فرغوا أسرى إليهم آخر الليل، فعبر إليهم، فصبحهم في أسواقهم، فوضع فيهم السيف فقتل، وأخذوا ما شاءوا، وقال المثنى: لا تأخذوا إلا الذهب والفضة، ولا تأخذوا من المتاع إلا ما يقدر الرجل منكم على حمله على دابته.
وهرب أهل الأسواق، وملأ المسلمون أيديهم من الصفراء والبيضاء والحر من كل شيء، ثم خرج كارا حتى نزل بنهر السيلحين بالأنبار، فنزل وخطب الناس، وقال: ايها الناس، انزلوا وقضوا أوطاركم، وتأهبوا للسير، واحمدوا الله وسلوه العافية، ثم انكشفوا قبيضا.
ففعلوا، فسمع همسا فيما بينهم: ما أسرع القوم في طلبنا! فقال: تناجوا بالبر والتقوى ولا تتناجوا بالإثم والعدوان، انظروا في الأمور وقدروها ثم تكلموا، أنه لم يبلغ النذير مدينتهم بعد، ولو بلغهم لحال الرعب بينهم وبين طلبكم إن للغارات روعات تنتشر عليها يوما إلى الليل، ولو طلبكم المحامون من رأي العين ما أدركوكم، وأنتم على العراب حتى تنتهوا إلى عسكركم وجماعتكم، ولو أدركوكم لقاتلتهم لاثنتين: التماس الأجر ورجاء النصر، فثقوا بالله وأحسنوا به الظن، فقد نصركم الله في مواطن كثيرة وهم أعد منكم، وسأخبركم عني وعن انكماشي والذي أريد بذلك، إن خليفة رسول الله ص أبا بكر أوصانا أن نقلل العرجة، ونسرع الكرة في الغارات، ونسرع في غير ذلك الأوبة وأقبل بهم ومعهم أدلاؤهم يقطعون بهم الصحاري والأنهار، حتى انتهى بهم إلى الأنبار، فاستقبلهم دهاقين الأنبار بالكرامة، واستبشروا بسلامته، وكان موعده الإحسان إليهم إذا استقام لهم من أمرهم ما يحبون.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: لما رجع المثنى من بغداد إلى الأنبار سرح المضارب العجلي وزيدا إلى الكباث، وعليه فارس العناب التغلبي، ثم خرج في آثارهم، فقدم الرجلان الكباث، وقد ارفضوا وأخلوا الكباث، وكان أهله كلهم من بني تغلب، فركبوا آثارهم يتبعونهم، فأدركوا أخرياتهم وفارس العناب يحميهم، فحماهم ساعة ثم هرب، وقتلوا في أخرياتهم وأكثروا، ورجع المثنى إلى عسكره بالأنبار، والخليفة عليهم فرات بن حيان فلما رجع المثنى الى الأنبار سرح فرات ابن حيان وعتيبة بن النهاس وأمرهما بالغارة على أحياء من تغلب والنمر بصفين، ثم اتبعهما وخلف على الناس عمرو بن أبي سلمى الهجيمي، فلما دنوا من صفين، افترق المثنى وفرات وعتيبة، وفر أهل صفين وعبروا الفرات إلى الجزيرة، وتحصنوا، وأرمل المثنى وأصحابه من الزاد، حتى أقبلوا على رواحلهم الا مالا بد منه فأكلوها حتى أخفافها وعظامها وجلودها ثم أدركوا عيرا من أهل دياف وحوران، فقتلوا العلوج وأصابوا ثلاثة نفر من بني تغلب خفراء، وأخذوا العير، وكان ظهرا فاضلا، وقال لهم: دلوني، فقال احدهم: آمنونى على اهلى وما لي، وأدلكم على حي من تغلب غدوت من عندهم اليوم، فآمنه المثنى وسار معه يومه، حتى إذا كان العشي هجم على القوم، فإذا النعم صادرة عن الماء، وإذا القوم جلوس بافنيه البيوت، فبث غارته، فقتلوا المقاتلة، وسبوا الذرية، واستاقوا الأموال، وإذا هم بنو ذي الرويحلة، فاشترى من كان بين المسلمين من ربيعة السبايا بنصيبه من الفيء، وأعتقوا سبيهم، وكانت ربيعة لا تسبى إذ العرب يتسابون في جاهليتهم وأخبر المثنى أن جمهور من سلك البلاد قد انتجعوا الشط، شاطئ دجلة، فخرج المثنى، وعلى مقدمته في غزواته هذه بعد البويب كلها حذيفة بن محصن الغلفاني، وعلى مجنبتيه النعمان بن عوف بن النعمان ومطر الشيبانيان، فسرح في أدبارهم حذيفة وأتبعه، فأدركوهم بتكريت دوينها من حيث طلبوهم يخوضون الماء، فأصابوا ما شاءوا من النعم، حتى أصاب الرجل خمسا من النعم، وخمسا من السبي، وخمس المال، وجاء به حتى ينزل على الناس بالأنبار، وقد مضى فرات وعتيبة في وجوههما، حتى أغاروا على صفين وبها النمر وتغلب متساندين، فأغاروا عليهم حتى رموا بطائفة منهم في الماء، فناشدوهم فلم يقلعوا عنهم، وجعلوا ينادونهم: الغرق الغرق! وجعل عتيبة وفرات يذمرون الناس، وينادونهم: تغريق بتحريق- يذكرونهم يوما من أيامهم في الجاهلية أحرقوا فيه قوما من بكر بن وائل في غيضة من الغياض- ثم انكفئوا راجعين إلى المثنى، وقد غرقوهم.
ولما تراجع الناس إلى عسكرهم بالأنبار وتوافى بها البعوث والسرايا، انحدر بهم المثنى إلى الحيرة، فنزل بها وكانت تكون لعمر رحمه الله العيون في كل جيش، فكتب إلى عمر بما كان في تلك الغزاة، وبلغه الذى قال عتيبة وفرات يوم بني تغلب والماء، فبعث إليهما فسألهما، فأخبراه أنهما قالا ذلك على وجه أنه مثل، وأنهما لم يفعلا ذلك على وجه طلب ذحل الجاهلية، فاستحلفهما، فحلفا أنهما ما أرادا بذلك إلا المثل وإعزاز الإسلام، فصدقهما وردهما حتى قدما على المثنى
** ذكر الخبر عما هيج أمر القادسية **
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله بن سواد بن نويرة، عن عزيز بن مكنف التميمي ثم الأسيدي، وطلحة بن الأعلم الحنفي، عن المغيرة بن عتيبة بن النهاس العجلي، وزياد بن سرجس الأحمري، عن عبد الرحمن بن ساباط الأحمري، قالوا جميعا، قال أهل فارس لرستم والفيرزان- وهما على أهل فارس: أين يذهب بكما! لم يبرح بكما الاختلاف حتى وهنتما أهل فارس، وأطمعتما فيهم عدوهم! وإنه لم يبلغ من خطركما أن يقركما فارس على هذا الرأي، وأن تعرضاها للهلكة، ما بعد بغداد وساباط وتكريت إلا المدائن، والله لتجتمعان أو لنبدأن بكما قبل أن يشمت بنا شامت.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن محفز عن أبيه، قال: قال أهل فارس لرستم والمسلمون يمخرون السواد:
ما تنتظرون والله إلا أن ينزل بنا ونهلك! والله ما جر هذا الوهن علينا غيركم يا معاشر القواد! لقد فرقتم بين أهل فارس وثبطتموهم عن عدوهم والله لولا أن في قتلكم هلاكنا لعجلنا لكم القتل الساعة، ولئن لم تنتهوا لنهلكنكم ثم نهلك وقد اشتفينا منكم.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: فقال الفيرزان ورستم لبوران ابنة كسرى: اكتبي لنا نساء كسرى وسراريه ونساء آل كسرى وسراريهم ففعلت، ثم أخرجت ذلك إليهم في كتاب، فأرسلوا في طلبهن فلم يبق منهن امرأة إلا أتوا بها، فأخذوهن بالرجال ووضعوا عليهن العذاب يستدلونهن على ذكر من أبناء كسرى، فلم يوجد عندهن منهم أحد، وقلن- أو من قال منهن: لم يبق إلا غلام يدعى يزدجرد من ولد شهريار بن كسرى، وأمه من أهل بادوريا فأرسلوا إليها فأخذوها به، وكانت قد أنزلته في أيام شيري حين جمعهن في القصر الأبيض، فقتل الذكور، فواعدت أخواله، ثم دلته إليهم في زبيل فسألوها عنه وأخذوها به، فدلتهم عليه، فأرسلوا إليه فجاءوا به فملكوه وهو ابن إحدى وعشرين سنة، واجتمعوا عليه، واطمأنت فارس واستوثقوا وتبارى الرؤساء في طاعته ومعونته فسمى الجنود لكل مسلحة كانت لكسرى أو موضع ثغر، فسمى جند الحيرة والأنبار والمسالح والأبلة وبلغ ذلك من أمرهم واجتماعهم على يزدجرد المثنى والمسلمين، فكتبوا إلى عمر بما ينتظرون ممن بين ظهرانيهم، فلم يصل الكتاب إلى عمر حتى كفر أهل السواد، من كان له منهم عهد ومن لم يكن له منهم عهد فخرج المثنى على حاميته حتى نزل بذي قار، وتنزل الناس بالطف في عسكر واحد حتى جاءهم كتاب عمر:
أما بعد، فاخرجوا من بين ظهري الأعاجم، وتفرقوا في المياه التي تلي الأعاجم على حدود أرضكم وأرضهم، ولا تدعوا في ربيعة أحدا ولا مضر ولا حلفائهم أحدا من أهل النجدات ولا فارسا إلا اجتلبتموه، فإن جاء طائعا وإلا حشرتموه، احملوا العرب على الجد إذ جد العجم، فلتلقوا جدهم بجدكم.
فنزل المثنى بذي قار، ونزل الناس بالجل وشراف إلى غضي- وغضي حيال البصرة- فكان جرير بن عبد الله بغضي وسبرة بن عمرو العنبري ومن أخذ أخذهم فيمن معه إلى سلمان، فكانوا في امواه الطف من أولها إلى آخرها مسالح بعضهم ينظر إلى بعض، ويغيث بعضهم بعضا إن كان كون، وذلك في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة.
حدثنا السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: كان أول ما عمل به عمر حين بلغه أن فارس قد ملكوا يزدجرد، أن كتب إلى عمال العرب على الكور والقبائل، وذلك في ذي الحجة سنة ثلاث عشرة مخرجه الى الحج، وحج سنواته كلها: لا تدعى أحدا له سلاح، أو فرس، أو نجدة، أو رأي إلا انتخبتموه، ثم وجهتموه إلي، والعجل العجل! فمضت الرسل إلى من أرسلهم إليهم مخرجه إلى الحج، ووافاه أهل هذا الضرب من القبائل التي طرقها على مكة والمدينة، فأما من كان من أهل المدينة على النصف ما بينه وبين العراق، فوافاه بالمدينة مرجعه من الحج، وأما من كان أسفل من ذلك فانضموا إلى المثنى، فأما من وافى عمر فإنهم أخبروه عمن وراءهم بالحث.
وقال أبو معشر، فيما حدثني الحارث، عن ابن سعد، عنه وقال ابن إسحاق- فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عنه: الذي حج بالناس سنة ثلاث عشرة عبد الرحمن بن عوف وقد حدثني المقدمي، عن إسحاق الفروي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: استعمل عمر على الحج عبد الرحمن بن عوف في السنة التي ولي فيها، فحج بالناس، ثم حج سنيه كلها بعد ذلك بنفسه.
وكان عامل عمر في هذه السنة- على ما ذكر- على مكة عتاب بن أسيد، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص، وعلى اليمن يعلى بن منية، وعلى عمان واليمامة حذيفة بن محصن، وعلى البحرين العلاء بن الحضرمي، وعلى الشام أبو عبيدة بن الجراح، وعلى فرج الكوفة وما فتح من أرضها المثنى ابن حارثة وكان على القضاء- فيما ذكر- علي بن أبي طالب وقيل:
لم يكن لعمر في أيامه قاض