John Shaqi

Islam · Chronicles · Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk

ثم دخلت سنة أربع عشره — تتمة ٢

Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk · Al-Tabari (d. 923) · chapter 64 of 356

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عبيدة، عن إبراهيم، قال: كان سعد استكثر له سلبه، فكتب فيه إلى عمر، فكتب إليه عمر: إني قد نفلت من قتل رجلا سلبه، فدفعه إليه فباعه بسبعين ألفا.

وعن سيف، عن البرمكان، والمجالد عن الشعبي، قال: لحق به زهرة، فرفع له الكرة فما يخطئها بنشابة، فالتقيا فضربه زهرة فجد له- ولزهرة يومئذ ذؤابة وقد سود في الجاهلية، وحسن بلاؤه في الإسلام وله سابقة، وهو يومئذ شاب- فتدرع زهرة ما كان على الجالنوس، فبلغ بضعة وسبعين ألفا فلما رجع إلى سعد نزع سلبه، وقال: ألا انتظرت إذني! وتكاتبا، فكتب عمر إلى سعد: تعمد إلى مثل زهرة- وقد صلي بمثل ما صلي به، وقد بقي عليك من حربك ما بقي- تكسر قرنه، وتفسد قلبه! أمض له سلبه، وفضله على اصحابه عند العطاء بخمسمائة.

وعن سيف، عن عبيد، عن عصمة، قال: كتب عمر إلى سعد: أنا أعلم بزهرة منك، وإن زهرة لم يكن ليغيب من سلب سلبه شيئا، فإن كان الذي سعى به إليك كاذبا فلقاه الله مثل زهرة، في عضديه يا رقان، وإني قد نفلت كل من قتل رجلا سلبه، فدفعه إليه فباعه بسبعين ألفا.

وعن سيف، عن عبيدة، عن إبراهيم وعامر، أن أهل البلاء يوم القادسية فضلوا عند العطاء بخمسمائة خمسمائة في أعطياتهم، خمسة وعشرين رجلا، منهم زهرة، وعصمة الضبي، والكلج وأما أهل الأيام، فإنه فرض لهم على ثلاثة آلاف فضلوا على أهل القادسية.

وعن سيف، عن عبيدة، عن يزيد الضخم، قال: فقيل لعمر: لو ألحقت بهم أهل القادسية! فقال: لم أكن لألحق بهم من لم يدركهم وقيل له في أهل القادسية: لو فضلت من بعدت داره على من قاتلهم بفنائه! قال:

وكيف أفضلهم عليهم على بعد دارهم، وهم شجن العدو، وما سويت بينهم حتى استطبتهم، فهلا فعل المهاجرون بالأنصار إذ قاتلوا بفنائهم مثل هذا! وعن سيف، عن المجالد، عن الشعبي، وسعيد بن المرزبان عن رجل من بني عبس، قال: لما زال رستم عن مكانه ركب بغلا، فلما دنا منه هلال نزع له نشابة، فأصاب قدمه فشكها في الركاب، وقال: بپايه، فأقبل عليه هلال فنزل، فدخل تحت البغل، فلما لم يصل إليه قطع عليه المال، ثم نزل إليه ففلق هامته.

وعن سيف، عن عبيدة، عن شقيق، قال: حملنا على الأعاجم يوم القادسية حملة رجل واحد، فهزمهم الله، فلقد رأيتني أشرت إلى أسوار منهم فجاء إلي وعليه السلاح التام، فضربت عنقه، ثم أخذت ما كان عليه.

وعن سيف، عن سعيد بن المرزبان، عن رجل من بني عبس، قال:

أصاب أهل فارس يومئذ بعد ما انهزموا ما أصاب الناس قبلهم، قتلوا حتى إن كان الرجل من المسلمين ليدعو الرجل منهم فيأتيه حتى يقوم بين يديه، فيضرب عنقه، وحتى إنه ليأخذ سلاحه فيقتله به، وحتى إنه ليأمر الرجلين أحدهما بصاحبه، وكذلك في العدة.

وعن سيف، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عمن شهدها، قال: أبصر سلمان بن ربيعة الباهلي أناسا من الأعاجم تحت راية لهم قد حفروا لها، وجلسوا تحتها، وقالوا: لا نبرح حتى نموت، فحمل عليهم فقتل من كان تحتها وسلبهم وكان سلمان فارس الناس يوم القادسية، وكان أحد الذين مالوا بعد الهزيمة على من ثبت، والآخر عبد الرحمن ابن ربيعة ذو النور، ومال على آخرين قد تكتبوا، ونصبوا للمسلمين فطحنهم بخيله.

وعن سيف، عن الغصن، عن القاسم، عن البهي، أن الشعبي قال: كان يقال: لسلمان أبصر بالمفاصل من الجازر بمفاصل الجزور.

فكان موضع المحبس اليوم دار عبد الرحمن بن ربيعة، والتي بينها وبين دار المختار دار سلمان، وإن الأشعث بن قيس استقطع فناء كان قدامها، هو اليوم في دار المختار، فأقطعه فقال له: ما جرأك علي يا أشعث؟ والله لئن حزتها لأضربنك بالجنثي- يعني سيفه- فانظر ما يبقى منك بعد، فصدف عنها ولم يتعرض لها.

وعن سيف، عن المهلب ومحمد وطلحة وأصحابه، قالوا: وثبت بعد الهزيمة بضع وثلاثون كتيبة، استقتلوا واستحيوا من الفرار، فأبادهم الله، فصمد لهم بضعة وثلاثون من رؤساء المسلمين، ولم يتبعوا فالة القوم، فصمد سلمان بن ربيعة لكتيبة وعبد الرحمن بن ربيعة ذو النور لأخرى، وصمد لكل كتيبة منها رأس من رؤساء المسلمين

وكان قتال أهل هذه الكتائب، من أهل فارس على وجهين، فمنهم من كذب فهرب، ومنهم من ثبت حتى قتل، فكان ممن هرب من أمراء تلك الكتائب الهرمزان وكان بإزاء عطارد، وأهود وكان بإزاء حنظلة بن الربيع، وهو كاتب النبي صلى الله عليه وسلم، وزاذ بن بهيش وكان بإزاء عاصم بن عمرو، وقارن وكان بإزاء القعقاع بن عمرو، وكان ممن استقتل شهريار بن كنار وكان بإزاء سلمان.

وابن الهربذ وكان بإزاء عبد الرحمن، والفرخان الأهوازي وكان بإزاء بسر بن ابى رهم الجهنى، وخسرو شنوم الهمذاني وكان بحيال ابن الهذيل الكاهلي.

ثم إن سعدا أتبع بعد ذلك القعقاع وشرحبيل من صوب في هزيمته أو صعد عن العسكر وأتبع زهرة بن الحوية الجالنوس ذكر حديث ابن إسحاق:

قال أبو جعفر الطبري رحمه الله: رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق.

قال: ومات المثنى بن حارثة، وتزوج سعد بن أبي وقاص امرأته سلمى ابنة خصفة وذلك في سنة أربع عشرة وأقام تلك الحجة للناس عمر بن الخطاب ودخل أبو عبيدة بن الجراح تلك السنة دمشق، فشتا بها، فلما أصافت الروم سار هرقل في الروم حتى نزل أنطاكية ومعه من المستعربة لخم وجذام وبلقين وبلي وعاملة، وتلك القبائل من قضاعه، غسان بشر كثير، ومعه من أهل أرمينية مثل ذلك، فلما نزلها أقام بها، وبعث الصقلار، خصيا له، فسار بمائة ألف مقاتل، معه من أهل أرمينية اثنا عشر ألفا، عليهم جرجة، ومعه من المستعربة من غسان وتلك القبائل من قضاعة اثنا عشر ألفا عليهم جبلة بن الأيهم الغساني، وسائرهم من الروم، وعلى جماعة الناس الصقلار خصي هرقل، وسار اليهم المسلمون وهم أربعة وعشرون ألفا عليهم أبو عبيدة بن الجراح، فالتقوا باليرموك في رجب سنة خمس عشرة، فاقتتل الناس قتالا شديدا حتى دخل عسكر المسلمين، وقاتل نساء من نساء قريش بالسيوف حين دخل العسكر- منهن أم حكيم بنت الحارث بن هشام- حتى سابقن الرجال، وقد كان انضم إلى المسلمين حين ساروا إلى الروم ناس من لخم وجذام، فلما رأوا جد القتال فروا ونجوا إلى ما كان قربهم من القرى، وخذلوا المسلمين.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عروة بن الزبير، عن أبيه، قال: قال قائل من المسلمين حين رأى من لخم وجذام ما رأى:

القوم لخم وجذام في الهرب ونحن والروم بمرج نضطرب

فإن يعودوا بعدها لا نصطحب.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن وهب ابن كيسان، عن عبد الله بن الزبير، قال: كنت مع أبي الزبير عام اليرموك، فلما تعبى المسلمون للقتال، لبس الزبير لأمته، ثم جلس على فرسه، ثم قال لموليين له: احبسا عبد الله بن الزبير معكما في الرحل، فإنه غلام صغير.

قال: ثم توجه فدخل في الناس، فلما اقتتل الناس والروم نظرت إلى ناس وقوف على تل لا يقاتلون مع الناس قال: فأخذت فرسا للزبير كان خلفه في الرحل فركبته، ثم ذهبت إلى أولئك الناس فوقفت معهم، فقلت: أنظر ما يصنع الناس، فإذا أبو سفيان بن حرب في مشيخة من قريش من مهاجرة الفتح وقوفا لا يقاتلون، فلما رأوني رأوا غلاما حدثا، فلم يتقوني.

قال: فجعلوا والله إذا مال المسلمون وركبتهم الحرب، للروم يقولون: ايه ايه بلا صفر! فإذا مالت الروم وركبهم المسلمون، قالوا: يا ويح بلا صفر! فجعلت أعجب من قولهم، فلما هزم الله الروم ورجع الزبير، جعلت أحدثه خبرهم قال: فجعل يضحك ويقول: قاتلهم الله، أبوا إلا ضغنا! وماذا لهم إن يظهر علينا الروم! لنحن خير لهم منهم.

ثم إن الله تبارك وتعالى أنزل نصره، فهزمت الروم وجموع هرقل التي جمع، فأصيب من الروم أهل أرمينية والمستعربة سبعون ألفا، وقتل الله الصقلار وباهان، وقد كان هرقل قدمه مع الصقلار حين لحق به، فلما هزمت الروم بعث أبو عبيدة عياض بن غنم في طلبهم، فسلك الأعماق حتى بلغ ملطية، فصالحه أهلها على الجزية، ثم انصرف، ولما سمع هرقل بذلك بعث إلى مقاتلتها ومن فيها، فساقهم إليه، وأمر بملطية فحرقت وقتل من المسلمين يوم اليرموك من قريش من بني أمية بن عبد شمس عمرو بن سعيد بن العاص وأبان بن سعيد بن العاص، ومن بني مخزوم عبد الله بن سفيان بن عبد الأسد، ومن بني سهم سعيد بن الحارث بن قيس.

قال: وفي آخر سنة خمس عشرة، قتل الله رستم بالعراق، وشهد أهل اليرموك حين فرغوا منه يوم القادسية مع سعد بن أبي وقاص، وذلك أن سعدا حين حسر عنه الشتاء، سار من شراف يريد القادسية، فسمع به رستم، فخرج إليه بنفسه، فلما سمع بذلك سعد وقف، وكتب إلى عمر يستمده، فبعث إليه عمر المغيرة بن شعبة الثقفي في أربعمائة رجل مددا من المدينة، وامده بقيس ابن مكشوح المرادى في سبعمائة، فقدموا عليه من اليرموك وكتب إلى أبي عبيدة: أن أمد سعد بن أبي وقاص أمير العراق بألف رجل من عندك، ففعل أبو عبيدة، وأمر عليهم عياض بن غنم الفهري، وأقام تلك الحجة للناس عمر بن الخطاب سنة خمس عشرة.

وقد كان لكسرى مرابطة في قصر بني مقاتل، عليها النعمان بن قبيصة، وهو ابن حية الطائي ابن عم قبيصة بن إياس بن حية الطائي صاحب الحيرة، فكان في منظرة له، فلما سمع بسعد بن أبي وقاص سأل عنه عبد الله بن سنان ابن جرير الأسدي، ثم الصيداوي، فقيل له: رجل من قريش، فقال: اما إذ كان قرشيا فليس بشيء، والله لأجاهدنه القتال، إنما قريش عبيد من غلب، والله ما يمنعون خفيرا، ولا يخرجون من بلادهم إلا بخفير، فغضب حين قال ذلك عبد الله بن سنان الأسدي، فأمهله حتى إذا دخل عليه وهو نائم، فوضع الرمح بين كتفيه فقتله، ثم لحق بسعد فأسلم وقال في قتله النعمان بن قبيصة:

لقد غادر الأقوام ليلة أدلجوا بقصر العبادي ذا الفعال مجدلا

دلفت له تحت العجاج بطعنة فأصبح منها في النجيع مرملا

أقول له والرمح في نغض كتفه أبا عامر عنك اليمين تحللا

سقيت بها النعمان كأسا روية وعاطيته بالرمح سما مثملا

تركت سباع الجو يعرفن حوله وقد كان عنها لابن حية معزلا

كفيت قريشا إذ تغيب جمعها وهدمت للنعمان عزا مؤثلا

ولما لحق سعد بن أبي وقاص المغيرة بن شعبة وقيس بن مكشوح فيمن معهما، سار إلى رستم حين سمع به حتى نزل قادس- قرية إلى جانب العذيب- فنزل الناس بها، ونزل سعد في قصر العذيب، وأقبل رستم في جموع فارس ستين ألفا مما أحصي لنا في ديوانه، سوى التباع والرقيق، حتى نزل القادسية وبينه وبين الناس جسر القادسية، وسعد في منزله وجع، قد خرج به قرح شديد، ومعه أبو محجن بن حبيب الثقفي محبوس في القصر، حبسه في شرب الخمر، فلما أن نزل بهم رستم بعث إليهم أن ابعثوا إلي رجلا منكم جليدا أكلمه، فبعثوا إليه المغيره بن شعبه، فجاءه وفد فرق رأسه أربع فرق: فرقة من بين يديه إلى قفاه، وفرقة إلى أذنيه، ثم عقص شعره، ولبس بردا له، ثم أقبل حتى انتهى إلى رستم، ورستم من وراء الجسر العتيق مما يلي العراق، والمسلمون من ناحيته الأخرى مما يلي الحجاز فيما بين القادسية والعذيب، فكلمه رستم، فقال: إنكم معشر العرب كنتم أهل شقاء وجهد، وكنتم تأتوننا من بين تاجر وأجير ووافد، فأكلتم من طعامنا، وشربتم من شرابنا، واستظللتم من ظلالنا، فذهبتم فدعوتم أصحابكم، ثم أتيتمونا بهم، وإنما مثلكم مثل رجل كان له حائط من عنب، فرأى فيه ثعلبا واحدا، فقال: ما ثعلب واحد! فانطلق الثعلب، فدعا الثعالب إلى الحائط، فلما اجتمعن فيه جاء الرجل فسد الجحر الذي دخلن منه، ثم قتلهن جميعا.

وقد أعلم أن الذي حملكم على هذا معشر العرب الجهد الذي قد أصابكم، فارجعوا عنا عامكم هذا، فإنكم قد شغلتمونا عن عمارة بلادنا، وعن عدونا، ونحن نوقر لكم ركائبكم قمحا وتمرا، ونأمر لكم بكسوة، فارجعوا عنا عافاكم الله! فقال المغيرة بن شعبة: لا تذكر لنا جهدا إلا وقد كنا في مثله أو أشد منه، أفضلنا في أنفسنا عيشا الذي يقتل ابن عمه، ويأخذ ماله فيأكله، نأكل الميتة والدم والعظام، فلم نزل كذلك حتى بعث الله فينا نبيا، وأنزل عليه الكتاب، فدعانا إلى الله وإلى ما بعثه به، فصدقه منا مصدق، وكذبه منا آخر، فقاتل من صدقه من كذبه، حتى دخلنا في دينه، من بين موقن به، وبين مقهور، حتى استبان لنا أنه صادق، وأنه رسول من عند الله.

فأمرنا أن نقاتل من خالفنا، وأخبرنا أن من قتل منا على دينه فله الجنة، ومن عاش ملك وظهر على من خالفه، فنحن ندعوك إلى أن تؤمن بالله ورسوله، وتدخل في ديننا، فإن فعلت كانت لك بلادك، لا يدخل عليك فيها إلا من أحببت، وعليك الزكاة والخمس، وإن أبيت ذلك فالجزية، وإن أبيت ذلك قاتلناك حتى يحكم الله بيننا وبينك.

قال له رستم: ما كنت أظن أني أعيش حتى أسمع منكم هذا معشر العرب.

لا أمسي غدا حتى أفرغ منكم وأقتلكم كلكم ثم أمر بالعتيق أن يسكر، فبات ليلته يسكر بالبراذع والتراب والقصب حتى أصبح، وقد تركه طريقا مهيعا، وتعبى له المسلمون، فجعل سعد على جماعة الناس خالد بن عرفطة حليف بني أمية بن عبد شمس، وجعل على ميمنه الناس جرير ابن عبد الله البجلي، وجعل على ميسرتهم قيس بن المكشوح المرادي.

ثم زحف إليهم رستم، وزحف إليه المسلمون، وما عامة جننهم- فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله ابن أبي بكر- غير براذع الرحال، قد عرضوا فيها الجريد، يترسون بها عن أنفسهم، وما عامة ما وضعوه على رءوسهم إلا أنساع الرحال، يطوي الرجل نسع رحله على رأسه يتقي به، والفرس فيما بينهم من الحديد واليلامق، فاقتتلوا قتالا شديدا، وسعد في القصر ينظر، معه سلمى بنت خصفة، وكانت قبله عند المثنى بن حارثة، فجالت الخيل، فرعبت سلمى حين رات الخيل جالت، فقالت: وا مثنياه ولا مثنى لي اليوم! فغار سعد فلطم وجهها، فقالت:

أغيرة وجبنا! فلما رأى أبو محجن ما تصنع الخيل حين جالت، وهو ينظر من قصر العذيب وكان مع سعد فيه، قال:

كفى حزنا أن تردي الخيل بالقنا وأترك مشدودا علي وثاقيا

إذا قمت عناني الحديد واغلقت مصاريع دوني لا نجيب المناديا

وقد كنت ذا مال كثير وإخوة فقد تركونى واحدا لا اخاليا

فكلم زبراء أم ولد سعد- وكان عندها محبوسا، وسعد في رأس الحصن ينظر إلى الناس- فقال: يا زبراء، أطلقيني ولك علي عهد الله وميثاقه، لئن لم أقتل لأرجعن إليك حتى تجعلي الحديد في رجلي، فأطلقته وحملته على فرس لسعد بلقاء وخلت سبيله، فجعل يشد على العدو وسعد ينظر فجعل سعد يعرف فرسه وينكرها، فلما أن فرغوا من القتال، وهزم الله جموع فارس، رجع أبو محجن إلى زبراء، فأدخل رجله في قيده، فلما نزل سعد من رأس الحصن رأى فرسه تعرق، فعرف أنها قد ركبت، فسأل عن ذلك زبراء، فأخبرته خبر أبي محجن فخلى سبيله

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: وقد كان عمرو بن معديكرب شهد القادسية مع المسلمين.

وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود النخعي، عن أبيه، قال: شهدت القادسية، فلقد رأيت غلاما منا من النخع يسوق ستين أو ثمانين رجلا من أبناء الأحرار.

فقلت: لقد أذل الله أبناء الأحرار! حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أبي خالد، مولى بجيلة، عن قيس بن أبي حازم البجلي- وكان ممن شهد القادسية مع المسلمين- قال: كان معنا يوم القادسية رجل من ثقيف، فلحق بالفرس مرتدا، فأخبرهم أن بأس الناس في الجانب الذي به بجيلة قال: وكنا ربع الناس، فوجهوا إلينا ستة عشر فيلا وإلى سائر الناس فيلين، وجعلوا يلقون تحت أرجل خيولنا حسك الحديد، ويرشقوننا بالنشاب، فكأنه المطر علينا، وقرنوا خيلهم بعضها إلى بعض لئلا يفروا قال: وكان عمرو بن معديكرب يمر بنا فيقول: يا معشر المهاجرين، كونوا أسودا، فإنما الأسد من أغنى شأنه، فإنما الفارسي تيمن إذا ألقى نيزكه.

قال: وكان إسوار منهم لا يكاد تسقط له نشابة، فقلنا له: يا أبا ثور، اتق ذلك الفارسي فإنه لا تقع له نشابة، فتوجه إليه ورماه الفارسي بنشابة فأصاب قوسه، وحمل عليه عمرو فاعتنقه فذبحه، واستلبه سوارين من ذهب ومنطقة من ذهب ويلمقا من ديباج، وقتل الله رستم، وأفاء على المسلمين عسكره وما فيه، وإنما المسلمون ستة آلاف أو سبعة آلاف، وكان الذي قتل رستم هلال بن علفة التيمي رآه فتوجه إليه، فرماه رستم بنشابة فأصاب قدمه وهو يتبعه، فشكها إلى ركاب سرجه، ورستم يقول بالفارسيه: بپايه، أي كما أنت، وحمل عليه هلال بن علفة فضربه فقتله، ثم احتز رأسه فعلقه، وولت الفرس فاتبعهم المسلمون يقتلونهم، فلما بلغت الفرس الخرارة نزلوا فشربوا من الخمر، وطعموا من الطعام، ثم خرجوا يتعجبون من رميهم، وأنه لم يعمل في العرب وخرج جالنوس فرفعوا له كرة فهو يرميها ويشكها بالنشاب، ولحق بهم فرسان من المسلمين وهم هنالك، فشد على جالنوس زهرة بن حوية التميمي فقتله، وانهزمت الفرس، فلحقوا بدير قرة وما وراءه، ونهض سعد بالمسلمين حتى نزل بدير قرة على من هنالك من الفرس، وقد قدم عليهم وهم بدير قرة عياض بن غنم في مدده من أهل الشام، وهم الف رجل، فأسهم له سعد ولأصحابه مع المسلمين فيما أصابوا بالقادسية، وسعد وجع من قرحته تلك، وقال جرير ابن عبد الله:

أنا جرير كنيتي أبو عمرو قد نصر الله وسعد في القصر

وقال رجل من المسلمين أيضا:

نقاتل حتى أنزل الله نصره وسعد بباب القادسية معصم

فأبنا وقد آمت نساء كثيرة ونسوة سعد ليس فيهن أيم

قال: ولما بلغ ذلك من قولهما سعدا، خرج إلى الناس فاعتذر إليهم، وأراهم ما به من القرح في فخذيه وأليتيه، فعذره الناس، ولم يكن سعد لعمري يجبن، فقال سعد يجيب جريرا فيما قال:

وما أرجو بجيلة غير أني أؤمل أجرهم يوم الحساب

فقد لقيت خيولهم خيولا وقد وقع الفوارس في ضراب

وقد دلفت بعرصتهم فيول كأن زهاءها إبل جراب

ثم إن الفرس هربت من دير قرة إلى المدائن يريدون نهاوند، واحتملوا معهم الذهب والفضة والديباج والفرند والحرير والسلاح وثياب كسرى وبناته، وخلوا ما سوى ذلك، وأتبعهم سعد الطلب من المسلمين، فبعث خالد بن عرفطة حليف بني أمية، ووجه معه عياض بن غنم في أصحابه، وجعل على مقدمة الناس هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وعلى ميمنتهم جرير بن عبد الله البجلي، وعلى ميسرتهم زهرة بن حوية التميمي، وتخلف سعد لما به من الوجع، فلما أفاق سعد من وجعه ذلك اتبع الناس بمن بقي معه من المسلمين، حتى أدركهم دون دجلة على بهرسير، فلما وضعوا على دجلة العسكر والأثقال طلبوا المخاضة، فلم يهتدوا لها، حتى أتى سعدا علج من أهل المدائن، فقال: أدلكم على طريق تدركونهم قبل أن يمعنوا في السير! فخرج بهم على مخاضة بقطربل، فكان أول من خاض المخاضة هاشم ابن عتبة في رجله، فلما جاز اتبعته خيله، ثم أجاز خالد بن عرفطة بخيله، ثم أجاز عياض بن غنم بخيله، ثم تتابع الناس فخاضوا حتى أجازوا، فزعموا أنه لم يهتد لتلك المخاضة بعد ثم ساروا حتى انتهوا إلى مظلم ساباط، فأشفق الناس أن يكون به كمين للعدو، فتردد الناس، وجبنوا عنه، فكان أول من دخله بجيشه هاشم بن عتبة، فلما أجاز ألاح للناس بسيفه، فعرف الناس أن ليس به شيء يخافونه، فأجاز بهم خالد بن عرفطة، ثم لحق سعد بالناس، حتى انتهوا إلى جلولاء وبها جماعة من الفرس، فكانت وقعة جلولاء بها، فهزم الله الفرس، وأصاب المسلمون بها من الفيء أفضل مما أصابوا بالقادسية، وأصيبت ابنة لكسرى، يقال لها منجانة، ويقال: بل ابنة ابنه وقال شاعر من المسلمين:

يا رب مهر حسن مطهم يحمل أثقال الغلام المسلم

ينجو إلى الرحمن من جهنم يوم جلولاء ويوم رستم

ويوم زحف الكوفة المقدم ويوم لاقى ضيقة مهزم

وخر دين الكافرين للفم

ثم كتب سعد إلى عمر بما فتح الله على المسلمين، فكتب إليه عمر: أن قف ولا تطلبوا غير ذلك فكتب إليه سعد أيضا: انما هي سربه أدركناها والأرض بين أيدينا، فكتب إليه عمر: أن قف مكانك ولا تتبعهم، واتخذ للمسلمين دار هجرة ومنزل جهاد، ولا تجعل بيني وبين المسلمين بحرا فنزل سعد بالناس الأنبار، فاجتووها وأصابتهم بها الحمى، فلم توافقهم، فكتب سعد إلى عمر يخبره بذلك، فكتب إلى سعد أنه لا تصلح العرب إلا حيث يصلح البعير والشاة في منابت العشب، فانظر فلاة في جنب البحر فارتد للمسلمين بها منزلا.

قال: فسار سعد حتى نزل كويفة عمرو بن سعد، فلم توافق الناس مع الذباب والحمى فبعث سعد رجلا من الأنصار يقال له الحارث بن سلمة- ويقال: بل عثمان بن حنيف، أخا بني عمرو بن عوف- فارتاد لهم موضع الكوفة اليوم، فنزلها سعد بالناس، وخط مسجدها، وخط فيها الخطط للناس.

وقد كان عمر بن الخطاب خرج في تلك السنة إلى الشام فنزل الجابية، وفتحت عليه إيلياء، مدينة بيت المقدس، وبعث فيها أبو عبيدة بن الجراح حنظلة بن الطفيل السلمي إلى حمص، ففتحها الله على يديه، واستعمل سعد بن أبي وقاص على المدائن رجلا من كندة، يقال له شرحبيل بن السمط، وهو الذي يقول فيه الشاعر:

الا ليتنى والمرء سعد بن مالك وربراء وابن السمط في لجة البحر

** ذكر أحوال أهل السواد **

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر، قال: قال رجل منا يوم القادسية مع الفتح:

نقاتل حتى أنزل الله نصره وسعد بباب القادسية معصم

فأبنا وقد آمت نساء كثيرة ونسوة سعد ليس فيهن أيم

فبعث بها في الناس، فبلغت سعدا، فقال: اللهم إن كان كاذبا، أو قال الذي قال رياء وسمعة وكذبا، فاقطع عني لسانه ويده.

وقال قبيصة: فو الله إنه لواقف بين الصفين يومئذ، إذ أقبلت نشابة لدعوة سعد، حتى وقعت في لسانه فيبس شقه، فما تكلم بكلمة حتى لحق بالله.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن المقدام بن شريح الحارثي، عن أبيه، قال: قال جرير يومئذ:

أنا جرير كنيتي أبو عمرو قد نصر الله وسعد في القصر

فأشرف عليه سعد، فقال:

وما أرجو بجيلة غير أني أؤمل أجرها يوم الحساب

وقد لقيت خيولهم خيولا وقد وقع الفوارس في الضراب

فلولا جمع قعقاع بن عمرو وحمال للجوا في الكذاب

هم منعوا جموعكم بطعن وضرب مثل تشقيق الإهاب

ولولا ذاك ألفيتم رعاعا تشل جموعكم مثل الذباب

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن القاسم بن سليم بن عبد الرحمن السعدي، عن عثمان بن رجاء السعدي، قال: كان سعد بن مالك أجرأ الناس وأشجعهم، إنه نزل قصرا غير حصين بين الصفين، فأشرف منه على الناس، ولو أعراه الصف فواق ناقه أخذ برمته، فو الله ما أكرثه هول تلك الأيام ولا أقلقه

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن سليمان بن بشير، عن أم كثير، امرأة همام بن الحارث النخعي، قالت: شهدنا القادسية مع سعد مع أزواجنا، فلما أتانا أن قد فرغ من الناس شددنا علينا ثيابنا، وأخذنا الهراوى، ثم أتينا القتلى، فما كان من المسلمين سقيناه ورفعناه، وما كان من المشركين أجهزنا عليه، وتبعنا الصبيان نوليهم ذلك، ونصرفهم به.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عطية- وهو ابن الحارث- عمن أدرك ذلك، قال: لم يكن من قبائل العرب أحد أكثر امرأة يوم القادسية من بجيلة والنخع، وكان في النخع سبعمائة امرأة فارغة، وفي بجيلة ألف، فصاهر هؤلاء الف من احياء العرب، وهؤلاء سبعمائة، وكانت النخع تسمى أصهار المهاجرين، وبجيلة، وإنما جرأهم على الانتقال بأثقالهم توطئة خالد، والمثنى بعد خالد، وأبي عبيد بعد المثنى، وأهل الأيام، فلاقوا بأسا بعد ذلك شديدا.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد والمهلب وطلحة، قالوا: وكان بكير بن عبد الله الليثي وعتبة بن فرقد السلمي وسماك بن خرشة الأنصاري- وليس بأبي دجانة- قد خطبوا امرأة يوم القادسية، وكان مع الناس نساؤهم، وكانت مع النخع سبعمائة امرأة فارغة، وكانوا يسمون أختان المهاجرين حتى كان قريبا، فتزوجهن المهاجرون قبل الفتح وبعد الفتح، حتى استوعبوهن، فصار اليهن سبعمائة رجل من الأفناء، فلما فرغ الناس خطب هؤلاء النفر هذه المرأة- وهي أروى ابنة عامر الهلالية- هلال النخع، وكانت أختها هنيدة تحت القعقاع بن عمرو التميمي، فقالت لأختها: استشيري زوجك أيهم يراه لنا! ففعلت، وذلك بعد الوقعة وهم بالقادسية، فقال القعقاع: سأصفهم في الشعر فانظري لأختك، وقال:

إن كنت حاولت الدراهم فانكحي سماكا أخا الأنصار أو ابن فرقد

وإن كنت حاولت الطعان فيممي بكيرا إذا ما الخيل جالت عن الردي

وكلهم في ذروة المجد نازل فشأنكم إن البيان عن الغد

وقالوا: وكانت العرب توقع وقعة العرب وأهل فارس في القادسية فيما بين العذيب إلى عدن أبين، وفيما بين الأبلة وأيلة، يرون أن ثبات ملكهم وزواله بها، وكانت في كل بلد مصيخة إليها، تنظر ما يكون من أمرها، حتى إن كان الرجل ليريد الأمر فيقول: لا أنظر فيه حتى أنظر ما يكون من أمر القادسية فلما كانت وقعة القادسية سارت بها الجن، فأتت بها ناسا من الإنس، فسبقت أخبار الإنس إليهم، قالوا: فبدرت امرأة ليلا على جبل بصنعاء، لا يدرى من هي؟ وهي تقول:

حييت عنا عكرم ابنة خالد وما خير زاد بالقليل المصرد

وحيتك عني الشمس عند طلوعها وحياك عني كل ناج مفرد

وحيتك عني عصبة نخعية حسان الوجوه آمنوا بمحمد

أقاموا لكسرى يضربون جنوده بكل رقيق الشفرتين مهند

إذا ثوب الداعي أناخوا بكلكل من الموت تسود الغياطل مجرد

وسمع أهل اليمامة مجتازا يغني بهذه الأبيات:

وجدنا الأكثرين بني تميم غداة الروع أصبرهم رجالا

هم ساروا بأرعن مكفهر إلى لجب فزرتهم رعالا

بحور للأكاسر من رجال كأسد الغاب تحسبهم جبالا

تركن لهم بقادس عز فخر وبالخيفين أياما طوالا

مقطعة أكفهم وسوق بمردى حيث قابلت الرجالا

قال: وسمع بنحو ذلك في عامة بلاد العرب.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد والمهلب وطلحة، قالوا: وكتب سعد بالفتح وبعدة من قتلوا وبعدة من أصيب من المسلمين، وسمى لعمر من يعرف مع سعد بن عميلة الفزاري، وشاركهم النضر بن السري عن ابن الرفيل بن ميسور، وكان كتابه: أما بعد، فإن الله نصرنا على أهل فارس، ومنحهم سنن من كان قبلهم من أهل دينهم، بعد قتال طويل وزلزال شديد، وقد لقوا المسلمين بعدة لم ير الراءون مثل زهائها فلم ينفعهم الله بذلك، بل سلبهموه ونقله عنهم إلى المسلمين، واتبعهم المسلمون على الأنهار وعلى طفوف الآجام وفي الفجاج، وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد القارئ، وفلان، وفلان، ورجال من المسلمين لا نعلمهم، الله بهم عالم، كانوا يدوون بالقرآن إذا جن عليهم الليل دوي النحل، وهم آساد الناس، لا يشبههم الأسود، ولم يفضل من مضى منهم من بقي إلا بفضل الشهادة إذ لم تكتب لهم.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد بن سعيد، قال: لما أتى عمر بن الخطاب نزول رستم القادسية، كان يستخبر الركبان عن أهل القادسية من حين يصبح إلى انتصاف النهار، ثم يرجع إلى أهله ومنزله قال: فلما لقي البشير سأله من أين؟ فأخبره، قال: يا عبد الله حدثني، قال: هزم الله العدو، وعمر يخب معه ويستخبره والآخر يسير على ناقته ولا يعرفه، حتى دخل المدينة، فإذا الناس يسلمون عليه بامره المؤمنين، فقال: فهلا أخبرتني رحمك الله، أنك أمير المؤمنين! وجعل عمر يقول: لا عليك يا أخي!

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وزياد، قالوا: وأقام المسلمون في انتظار بلوغ البشير وأمر عمر، يقومون أقباضهم، ويحزرون جندهم، ويرمون أمورهم قالوا: وتتابع أهل العراق من أصحاب الأيام الذين شهدوا اليرموك ودمشق، ورجعوا ممدين لأهل القادسية، فتوافوا بالقادسية من الغد ومن بعد الغد، وجاء أولهم يوم أغواث، وآخرهم من بعد الغد من يوم الفتح، وقدمت أمداد فيها مراد وهمدان، ومن أفناء الناس، فكتبوا فيهم إلى عمر يسألونه عما ينبغي أن يسار به فيهم- وهذا الكتاب الثاني بعد الفتح- مع نذير بن عمرو ولما أتى عمر الفتح قام في الناس فقرأ عليهم الفتح، وقال: إني حريص على ألا أدع حاجة إلا سددتها ما اتسع بعضنا لبعض، فإذا عجز ذلك عنا تآسينا في عيشنا حتى نستوي في الكفاف، ولوددت انكم علمتم من نفس مثل الذي وقع فيها لكم، ولست معلمكم إلا بالعمل، إني والله ما أنا بملك فأستعبدكم، وإنما أنا عبد الله عرض علي الأمانة، فإن أبيتها ورددتها عليكم واتبعتكم حتى تشبعوا في بيوتكم، وترووا سعدت، وإن أنا حملتها واستتبعتها إلى بيتي شقيت، ففرحت قليلا، وحزنت طويلا، وبقيت لا أقال ولا أرد فأستعتب قالوا: وكتبوا إلى عمر مع أنس بن الحليس: إن أقواما من أهل السواد ادعوا عهودا، ولم يقم على عهد أهل الأيام لنا، ولم يف به أحد علمناه إلا أهل بانقيا وبسما وأهل أليس الآخرة وادعى أهل السواد أن فارس أكرهوهم وحشروهم، فلم يخالفوا إلينا، ولم يذهبوا في الأرض.

وكتب مع أبي الهياج الأسدي- يعني ابن مالك- إن أهل السواد جلوا، فجاءنا من أمسك بعهده ولم يجلب علينا، فتممنا لهم ما كان بين المسلمين قبلنا وبينهم، وزعموا أن أهل السواد قد لحقوا بالمدائن، فأحدث إلينا فيمن تم وفيمن جلا وفيمن ادعى أنه استكره وحشر فهرب ولم يقاتل، أو استسلم، فإنا بأرض رغيبة، والأرض خلاء من أهلها، وعددنا قليل، وقد كثر أهل صلحنا، وإن أعمر لنا وأوهن لعدونا تألفهم فقام عمر في الناس فقال: إنه من يعمل بالهوى والمعصية يسقط حظه ولا يضر إلا نفسه، ومن يتبع السنة وينته إلى الشرائع، ويلزم السبيل النهج ابتغاء ما عند الله لأهل الطاعة، أصاب أمره، وظفر بحظه، وذلك بأن الله عز وجل يقول: «ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا» ، وقد ظفر أهل الأيام والقوادس بما يليهم، وجلا أهله، وأتاهم من أقام على عهدهم، فما رأيكم فيمن زعم أنه استكره وحشر، وفيمن لم يدع ذلك ولم يقم وجلا، وفيمن أقام ولم يدع شيئا، ولم يجل، وفيمن استسلم فأجمعوا على أن الوفاء لمن أقام وكف لم يزده غلبه إلا خيرا، وأن من ادعى فصدق أو وفي فبمنزلتهم، وإن كذب نبذ إليهم وأعادوا صلحهم، وأن يجعل أمر من جلا إليهم، فإن شاءوا وادعوهم وكانوا لهم ذمة، وإن شاءوا تموا على منعهم من أرضهم ولم يعطوهم إلا القتال، وأن يخيروا من أقام واستسلم: الجزاء، أو الجلاء، وكذلك الفلاح.

وكتب جواب كتاب أنس بن الحليس: أما بعد، فإن الله جل وعلا أنزل في كل شيء رخصة في بعض الحالات إلا في أمرين: العدل في السيرة والذكر، فأما الذكر فلا رخصة فيه في حالة، ولم يرض منه إلا بالكثير، وأما العدل فلا رخصة فيه في قريب ولا بعيد، ولا في شدة ولا رخاء، والعدل- وان رئى لينا- فهو أقوى وأطفأ للجور، وأقمع للباطل من الجور، وان رئى شديدا فهو انكش للكفر، فمن تم على عهده من أهل السواد، ولم يعن عليكم بشيء، فلهم الذمة، وعليهم الجزية، وأما من ادعى أنه استكره ممن لم يخالفهم إليكم أو يذهب في الأرض، فلا تصدقوهم بما ادعوا من ذلك إلا أن تشاءوا، وإن لم تشاءوا فانبذوا إليهم، وابلغوهم مأمنهم وأجابهم في كتاب أبي الهياج أما من أقام ولم يجل وليس له عهد فلهم ما لأهل العهد بمقامهم لكم وكفهم عنكم إجابة، وكذلك الفلاحون إذا فعلوا ذلك، وكل من ادعى ذلك فصدق فلهم الذمة، وإن كذبوا نبذ إليهم، وأما من أعان وجلا، فذلك أمر جعله الله لكم، فإن شئتم فادعوهم إلى أن يقيموا لكم في أرضهم، ولهم الذمة، وعليهم الجزية، وإن كرهوا ذلك، فاقسموا ما أفاء الله عليكم منهم.

فلما قدمت كتب عمر على سعد بن مالك والمسلمين عرضوا على من يليهم ممن جلا وتنحى عن السواد أن يتراجعوا، ولهم الذمة وعليهم الجزية، فتراجعوا وصاروا ذمة كمن تم ولزم عهده، إلا أن خراجهم أثقل، فأنزلوا من ادعى الاستكراه وهرب منزلتهم وعقدوا لهم، وأنزلوا من أقام منزلة ذي العهد وكذلك الفلاحين، ولم يدخلوا في الصلح ما كان لآل كسرى، ولا ما كان لمن خرج معهم، ولم يجبهم إلى واحدة من اثنتين: الإسلام، أو الجزاء، فصارت فيئا لمن أفاء الله عليه، فهي والصوافي الأولى ملك لمن أفاء الله عليه، وسائر السواد ذمة وأخذوهم بخراج كسرى، وكان خراج كسرى على رءوس الرجال على ما في أيديهم من الحصة والأموال، وكان مما أفاء الله عليهم ما كان لآل كسرى، ومن صوب معهم وعيال من قاتل معهم وماله، وما كان لبيوت النيران والآجام ومستنقع المياه، وما كان للسكك، وما كان لآل كسرى، فلم يتأت قسم ذلك الفيء الذي كان لآل كسرى ومن صوب معهم، لأنه كان متفرقا في كل السواد، فكان يليه لأهل الفيء من وثقوا به، وتراضوا عليه، فهو الذي يتداعاه أهل الفيء لأعظم السواد، وكانت الولاة عند تنازعهم فيها تهاون بقسمه بينهم، فذلك الذي شبه على الجهلة أمر السواد، ولو أن الحلماء جامعوا السفهاء الذين سألوا الولاة قسمه لقسموه بينهم، ولكن الحلماء أبوا، فتابع الولاة الحلماء، وترك قول السفهاء.

كذلك صنع علي رحمه الله، وكل من طلب إليه قسم ذلك فإنما تابع الحلماء، وترك قول السفهاء، وقالوا: لئلا يضرب بعضهم وجوه بعض.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، عن عامر الشعبي، قال: قلت له: السواد ما حاله؟ قال أخذ عنوة، وكذلك كل أرض إلا الحصون، فجلا أهلها، فدعوا إلى الصلح والذمة، فأجابوا وتراجعوا، فصاروا ذمة، وعليهم الجزاء، ولهم المنعة، وذلك هو السنة، كذلك صنع رسول الله ص بدومة، وبقي ما كان لآل كسرى ومن خرج معهم فيئا لمن أفاءه الله عليه.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن طلحة وسفيان، عن ماهان، قالوا: فتح الله السواد عنوة- وكذلك كل أرض بينها وبين نهر بلخ- إلا حصنا، ودعوا إلى الصلح، فصاروا ذمه، وصارت لهم أرضوهم ولم يدخلوا في ذلك أموال آل كسرى ومن اتبعهم، فصارت فيئا لمن أفاءه الله عليه، ولا يكون شيء من الفتوح فيئا حتى يقسم، وهو قوله: «ما غنمتم من شيء» ، مما اقتسمتم.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: عامة ما أخذ المسلمون عنوة فدعوهم إلى الرجوع والذمة، وعرضوا عليهم الجزاء فقبلوه ومنعوهم.

وعن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشعبي، قال: قلت له: إن أناسا يزعمون أن أهل السواد عبيد، فقال: فعلام يؤخذ الجزاء من العبيد؟

أخذ السواد عنوة، وكل أرض علمتها إلا حصنا في جبل أو نحوه.

فدعوا إلى الرجوع فرجعوا، وقبل منهم الجزاء، وصاروا ذمة، وإنما يقسم من الغنائم ما تغنم، فأما ما لم يغنم وأجاب أهله إلى الجزاء من قبل أن يتغنم، فلهم جرت السنة بذلك.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن أبي ضمرة، عن عبد الله بن المستورد، عن محمد بن سيرين، قال: البلدان كلها أخذت عنوة إلا حصون قليلة، عاهدوا قبل أن ينزلوا ثم دعوا- يعني الذين أخذوا عنوة- إلى الرجوع والجزاء، فصاروا ذمة أهل السواد والجبل كله أمر لم يزل يصنع في أهل الفيء، وإنما عمل عمر والمسلمون في هذا الجزاء والذمة على اجريا ما عمل به رسول الله ص في ذلك، وقد كان بعث خالد بن الوليد من تبوك إلى دومة الجندل، فأخذها عنوة، وأخذ ملكها أكيدر بن عبد الملك أسيرا، فدعاه إلى الذمة والجزاء، وقد أخذت بلاده عنوة، وأخذ أسيرا، وكذلك فعل بابني عريض، وقد أخذا فادعيا أنهما أوداؤه، فعقد لهما على الجزاء والذمة، وكذلك كان أمر يحنه ابن رؤبة صاحب أيلة وليس المعمول به من الأشياء كرواية الخاصة، من روى غير ما عمل به الأئمة العدول المسلمون، فقد كذب وطعن عليهم.

وعن سيف، عن حجاج الصواف، عن مسلم مولى حذيفة، قال:

تزوج المهاجرون والأنصار في أهل السواد- يعني في أهل الكتابين منهم، ولو كانوا عبيدا لم يستحلوا ذلك، ولم يحل لهم أن ينكحوا إماء أهل الكتاب، لأن الله تعالى يقول: «ومن لم يستطع منكم طولا

» الآية، ولم يقل:

فتياتهم من أهل الكتابين.

وعن سيف، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، قال:

بعث عمر بن الخطاب إلى حذيفة بعد ما ولاه المدائن وكثر المسلمات: إنه بلغني أنك تزوجت امرأة من أهل المدائن من أهل الكتاب فطلقها فكتب إليه: لا أفعل حتى تخبرني: أحلال أم حرام، وما أردت بذلك! فكتب إليه: لا بل حلال، ولكن في نساء الأعاجم خلابة، فإن أقبلتم عليهن غلبنكم على نسائكم فقال: الآن، فطلقها.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن أشعث بن سوار، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: شهدت القادسية مع سعد، فتزوجنا نساء أهل الكتاب، ونحن لا نجد كثير مسلمات، فلما قفلنا، فمنا من طلق، ومنا من أمسك.

وعن سيف، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، قال: أخذ السواد عنوة، فدعوا إلى الرجوع والجزاء، فأجابوا إليه، فصاروا ذمة، إلا ما كان لآل كسرى، وأتباعهم، فصار فيئا لأهله، وهو الذي يتحجى أهل الكوفة إلى أن جهل ذلك، فحسبوه السواد كله، وأما سوادهم، فذلك.

وعن سيف، عن المستنير بن يزيد، عن إبراهيم بن يزيد النخعي، قال: أخذ السواد عنوة، فدعوا إلى الرجوع، فمن أجاب فعليه الجزية وله الذمة، ومن أبى صار ماله فيئا، فلا يحل بيع شيء من ذلك الفيء فيما بين الجبل إلى العذيب من أرض السواد ولا في الجبل.

وعن سيف، عن محمد بن قيس، عن الشعبي، بمثله: لا يحل بيع شيء من ذلك الفيء فيما بين الجبل والعذيب.

وعن سيف، عن عمرو بن محمد، عن عامر، قال: أقطع الزبير وخباب وابن مسعود وابن ياسر وابن هبار أزمان عثمان، فإن يكن عثمان أخطأ فالذين قبلوا منه الخطأ أخطأ، وهم الذين أخذنا عنهم ديننا وأقطع عمر طلحة وجرير بن عبد الله والربيل بن عمرو، وأقطع أبا مفزر دار الفيل في عدد ممن أخذنا عنهم، وإنما القطائع على وجه النفل من خمس ما أفاء الله.

وكتب عمر إلى عثمان بن حنيف مع جرير: أما بعد، فاقطع جرير ابن عبد الله قدر ما يقوته لا وكس ولا شطط فكتب عثمان إلى عمر:

إن جريرا قدم علي بكتاب منك تقطعه ما يقوته، فكرهت أن أمضي ذلك حتى أراجعك فيه فكتب إليه عمر: أن قد صدق جرير، فأنفذ ذلك، وقد أحسنت في مؤامرتي وأقطع أبا موسى وأقطع علي رحمه الله كردوس بن هانئ الكردوسية، وأقطع سويد بن غفلة الجعفي.

وعن سيف، عن ثابت بن هريم، عن سويد بن غفلة، قال:

استقطعت عليا رحمه الله، فقال: اكتب: هذا ما أقطع علي سويدا أرضا لداذويه، ما بين كذا إلى كذا وما شاء الله.

وعن سيف، عن المستنير، عن إبراهيم بن يزيد، قال: قال عمر: إذا عاهدتم قوما فأبرءوا إليهم من معرة الجيوش فكانوا يكتبون في الصلح لمن عاهدوا: ونبرأ إليكم من معرة الجيوش.

وقال الواقدي: كانت وقعة القادسية وافتتاحها سنة ست عشرة، وكان بعض أهل الكوفة يقول: كانت وقعة القادسية سنة خمس عشرة.

قال: والثبت عندنا أنها كانت في سنة أربع عشرة.

وأما محمد بن إسحاق فإنه قال: كانت سنة خمس عشرة،

وقد مضى ذكري الرواية عنه بذلك

** ذكر بناء البصرة **

قال أبو جعفر: وفي سنة أربع عشرة أمر عمر بن الخطاب رحمه الله- فيما زعم الواقدي- الناس بالقيام في المساجد في شهر رمضان بالمدينة، وكتب إلى الأمصار يأمر المسلمين بذلك.

وفي هذه السنة- أعني سنة أربع عشرة- وجه عمر بن الخطاب عتبة ابن غزوان إلى البصرة، وأمره بنزولها بمن معه، وقطع مادة أهل فارس عن الذين بالمدائن ونواحيها منهم في قول المدائني وروايته.

وزعم سيف أن البصرة مصرت في ربيع سنة ست عشرة، وأن عتبة بن غزوان إنما خرج إلى البصرة من المدائن بعد فراغ سعد من جلولاء وتكريت والحصنين، وجهه إليها سعد بأمر عمر.

كتب إلي السري، عن شعيب، عنه فحدثني عمر بن شبة، قال: حدثنا علي بن محمد، عن أبي مخنف، عن مجالد، عن الشعبي، قال:

قتل مهران سنة أربع عشرة في صفر، فقال عمر لعتبة- يعني ابن غزوان-:

قد فتح الله جل وعز على إخوانكم الحيرة وما حولها، وقتل عظيم من عظمائها ولست آمن أن يمدهم إخوانهم من أهل فارس، فإني أريد أن أوجهك إلى أرض الهند، لتمنع أهل تلك الجيزة من إمداد إخوانهم على إخوانكم، وتقاتلهم، لعل الله أن يفتح عليكم فسر على بركة الله، واتق الله ما استطعت، واحكم بالعدل، وصل الصلاة لوقتها، وأكثر ذكر الله فأقبل عتبة في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وضوى إليه قوم من الاعراب واهل البوادى، فقدم البصره في خمسمائة، يزيدون قليلا أو ينقصون قليلا، فنزلها في شهر ربيع الأول- أو الآخر- سنة أربع عشرة، والبصرة يومئذ تدعى أرض الهند فيها حجارة بيض خشن، فنزل الخريبة، وليس بها إلا سبع دساكر، بالزابوقة والخريبة وموضع بني تميم والأزد: ثنتان بالخريبة، وثنتان بالأزد، وثنتان في موضع بني تميم وواحدة بالزابوقة فكتب إلى عمر، ووصف له منزله فكتب إليه عمر: اجمع للناس موضعا واحدا، ولا تفرقهم، فأقام عتبة أشهرا لا يغزو ولا يلقى أحدا.

وأما محمد بن بشار، فإنه حدثنا، قال: حدثنا صفوان بن عيسى الزهري، قال: حدثنا عمرو بن عيسى أبو نعامة العدوي، قال: سمعت خالد بن عمير وشويسا أبا الرقاد، قالا: بعث عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان، فقال له: انطلق أنت ومن معك، حتى إذا كنتم في أقصى أرض العرب وأدنى أرض العجم، فأقيموا فأقبلوا حتى إذا كانوا بالمربد وجدوا هذا الكذان قالوا: ما هذه البصرة؟ فساروا حتى بلغوا حيال الجسر الصغير، فإذا فيه حلفاء وقصب نابتة، فقالوا: هاهنا أمرتم، فنزلوا دون صاحب الفرات، فاتوه فقالوا: ان هاهنا قوما معهم راية، وهم يريدونك، فأقبل في أربعة آلاف إسوار، فقال: ما هم إلا ما أرى، اجعلوا في أعناقهم الحبال، وأتوني بهم، فجعل عتبة يزجل، وقال: إني شهدت الحرب مع النبي ص، حتى إذا زالت الشمس، قال: احملوا، فحملوا عليهم فقتلوهم أجمعين، فلم يبق منهم أحد إلا صاحب الفرات، أخذوه أسيرا، فقال عتبة بن غزوان: ابغوا لنا منزلا هو أنزه من هذا- وكان يوم عكاك وومد- فرفعوا له منبرا، فقام يخطب، فقال: إن الدنيا قد تصرمت وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء ألا وإنكم منتقلون منها إلى دار القرار، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم وقد ذكر لي:

لو أن صخرة ألقيت من شفير جهنم هوت سبعين خريفا، ولتملأنه، أوعجبتم! ولقد ذكر لي أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عاما، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ بزحام، ولقد رأيتني وأنا سابع سبعة مع النبي ص، ما لنا طعام إلا ورق السمر، حتى تقرحت أشداقنا، والتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد، فما منا من أولئك السبعة من أحد إلا وهو أمير مصر من الأمصار، وسيجربون الناس بعدنا.

وعن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: لما توجه عتبة بن غزوان المازني من بني مازن بن منصور من المدائن إلى فرج الهند، نزل على الشاطئ بحيال جزيرة العرب، فأقام قليلا ثم أرز، ثم شكوا ذلك حتى أمره عمر بأن ينزل الحجر بعد ثلاثة أوطان إذا اجتووا الطين، فنزلوا في الرابعة البصرة- والبصرة كل أرض حجارتها جص- وأمر لهم بنهر يجرى من دجلة، فساقوا إليها نهرا للشفة، وكان إيطان أهل البصرة البصرة اليوم وإيطان أهل الكوفة الكوفة اليوم في شهر واحد فأما أهل الكوفة فكان مقامهم قبل نزولها المدائن إلى أن وطنوها، وأما أهل البصرة فكان مقامهم على شاطئ دجلة ثم أرزوا مرات حتى استقروا وبدءوا، فخنسوا فرسخا وجروا معهم نهرا، ثم فرسخا ثم جروه ثم فرسخا، ثم جروه ثم أتوا الحجر، ثم جروه، واختطت على نحو من خطط الكوفة، وكان على أنزال البصرة أبو الجرباء عاصم بن الدلف، أحد بني غيلان بن مالك بن عمرو بن تميم.

وقد كان قطبة بن قتادة- فيما حدثني عمر، قال: حدثنا المدائني عن النضر بن إسحاق السلمي، عن قطبة بن قتادة السدوسي- يغير بناحية الخريبة من البصرة، كما كان المثنى بن حارثة الشيباني يغير بناحية الحيرة.

فكتب إلى عمر يعلمه مكانه، وأنه لو كان معه عدد يسير ظفر بمن قبله من العجم، فنفاهم من بلادهم وكانت الأعاجم بتلك الناحية قد هابوه بعد وقعة خالد بنهر المرأة، فكتب إليه عمر: إنه أتاني كتابك أنك تغير على من قبلك من الأعاجم، وقد أصبت ووفقت، أقم مكانك، واحذر على من معك من أصحابك حتى يأتيك أمري فوجه عمر شريح بن عامر، أحد بني سعد بن بكر إلى البصرة، فقال له: كن ردءا للمسلمين بهذه الجيزة، فأقبل إلى البصرة، فترك بها قطبة، ومضى إلى الأهواز حتى انتهى إلى دارس، وفيها مسلحة للأعاجم، فقتلوه، وبعث عمر عتبة بن غزوان.

حدثنا عمر، قال: حدثني علي، عن عيسى بن يزيد، عن عبد الملك بن حذيفة ومحمد بن الحجاج، عن عبد الملك بن عمير، قال: إن عمر قال لعتبة بن غزوان إذ وجهه إلى البصرة: يا عتبة، إني قد استعملتك على أرض الهند، وهي حومة من حومة العدو، وأرجو أن يكفيك الله ما حولها، وأن يعينك عليها وقد كتبت إلى العلاء بن الحضرمي أن يمدك بعرفجة بن هرثمة، وهو ذو مجاهدة العدو ومكايدته، فإذا قدم عليك فاستشره وقربه، وادع إلى الله، فمن أجابك فاقبل منه، ومن أبى فالجزية عن صغار وذلة، وإلا فالسيف في غير هوادة واتق الله فيما وليت، وإياك أن تنازعك نفسك إلى كبر يفسد عليك اخوتك، وقد صحبت رسول الله ص فعززت به بعد الذلة، وقويت به بعد الضعف، حتى صرت أميرا مسلطا وملكا مطاعا، تقول فيسمع منك، وتأمر فيطاع أمرك، فيا لها نعمة، إن لم ترفعك فوق قدرك وتبطرك على من دونك! احتفظ من النعمة احتفاظك من المعصية، ولهي أخوفهما عندي عليك أن تستدرجك وتخدعك، فتسقط سقطة تصير بها إلى جهنم، أعيذك بالله ونفسي من ذلك إن الناس أسرعوا إلى الله حين رفعت لهم الدنيا فأرادوها، فأرد الله ولا ترد الدنيا، واتق مصارع الظالمين.

حدثني عمر بن شبة، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا أبو إسماعيل الهمداني وأبو مخنف، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي، قال: قدم عتبة بن غزوان البصره في ثلاثمائة، فلما رأى منبت القصب، وسمع نقيق الضفادع قال: إن أمير المؤمنين أمرني أن أنزل أقصى البر من أرض العرب، وأدنى أرض الريف من أرض العجم، فهذا حيث واجب علينا فيه طاعة إمامنا فنزل الخريبة وبالأبلة خمسمائة من الأساورة يحمونها وكانت مرفأ السفن من الصين وما دونها، فسار عتبة فنزل دون الإجانة، فأقام نحوا من شهر، ثم خرج إليه أهل الأبلة فناهضهم عتبة، وجعل قطبة بن قتادة السدوسي وقسامة بن زهير المازني في عشرة فوارس، وقال لهما: كونا في ظهرنا، فتردا المنهزم، وتمنعا من أرادنا من ورائنا ثم التقوا فما اقتتلوا مقدار جزر جزور وقسمها، حتى منحهم الله أكتافهم، وولوا منهزمين، حتى دخلوا المدينة، ورجع عتبة إلى عسكره، فأقاموا أياما، وألقى الله في قلوبهم الرعب فخرجوا عن المدينة، وحملوا ما خف لهم، وعبروا إلى الفرات، وخلوا المدينة، فدخلها المسلمون فأصابوا متاعا وسلاحا وسبيا وعينا، فاقتسموا العين، فأصاب كل رجل منهم درهمان، وولى عتبة نافع بن الحارث أقباض الأبلة، فأخرج خمسه، ثم قسم الباقي بين من أفاءه الله عليه، وكتب بذلك مع نافع بن الحارث.

وعن بشير بن عبيد الله، قال: قتل نافع بن الحارث يوم الأبلة تسعه، وابو بكر ستة.

وعن داود بن أبي هند، قال: أصاب المسلمون بالابله من الدراهم ستمائه درهم، فأخذ كل رجل درهمين، ففرض عمر لأصحاب الدرهمين ممن أخذهما من فتح الأبلة في الفين من العطاء، وكانوا ثلاثمائة رجل، وكان فتح الأبلة في رجب، أو في شعبان من هذه السنة

وعن الشعبي، قال: شهد فتح الأبلة مائتان وسبعون، فيهم أبو بكرة، ونافع بن الحارث، وشبل بن معبد، والمغيرة بن شعبة، ومجاشع بن مسعود، وأبو مريم البلوي، وربيعة بن كلدة بن أبي الصلت الثقفي، والحجاج.

وعن عباية بن عبد عمرو، قال: شهدت فتح الأبلة مع عتبة، فبعث نافع بن الحارث إلى عمر رحمه الله بالفتح، وجمع لنا اهل دست ملسان، فقال عتبة: أرى أن نسير إليهم، فسرنا فلقينا مرزبان دست ميسان، فقاتلناه، فانهزم أصحابه وأخذ أسيرا، فأخذ قباؤه ومنطقته، فبعث به عتبة مع انس ابن حجية اليشكري.

وعن أبي المليح الهذلي، قال: بعث عتبة أنس بن حجية إلى عمر بمنطقه مرزبان دست ميسان، فقال له: كيف المسلمون؟ قال: انثالت عليهم الدنيا، فهم يهيلون الذهب والفضة فرغب الناس في البصرة، فأتوها.

وعن علي بن زيد، قال: لما فرغ عتبة من الأبلة، جمع له مرزبان دست ميسان، فسار إليه عتبة من الأبلة، فقتله، ثم سرح مجاشع بن مسعود إلى الفرات وبها مدينة ووفد عتبة إلى عمر، وأمر المغيرة أن يصلي بالناس حتى يقدم مجاشع من الفرات، فإذا قدم فهو الأمير فظفر مجاشع بأهل الفرات، ورجع إلى البصرة وجمع الفيلكان، عظيم من عظماء أبزقباذ للمسلمين، فخرج إليه المغيرة بن شعبة، فلقيه بالمرغاب، فظفر به، فكتب إلى عمر بالفتح، فقال عمر لعتبة: من استعملت على البصرة؟ قال: مجاشع بن مسعود، قال:

تستعمل رجلا من أهل الوبر على أهل المدر؟ تدري ما حدث! قال: لا، فأخبره بما كان من أمر المغيرة، وأمره أن يرجع إلى عمله، فمات عتبة في الطريق، واستعمل عمر المغيرة بن شعبة.

وعن عبد الرحمن بن جوشن، قال: شخص عتبة بعد ما قتل مرزبان دست ميسان، ووجه مجاشعا إلى الفرات، واستخلفه على عمله، وامر المغيره ابن شعبة بالصلاة حتى يرجع مجاشع من الفرات، وجمع أهل ميسان، فلقيهم المغيرة، وظهر عليهم قبل قدوم مجاشع من الفرات، وبعث بالفتح إلى عمر.

الطبري، بإسناده عن قتادة، قال: جمع أهل ميسان للمسلمين، فسار إليهم المغيرة، وخلف المغيرة الأثقال، فلقي العدو دون دجلة، فقالت أردة بنت الحارث بن كلدة: لو لحقنا بالمسلمين فكنا معهم! فاعتقدت لواء من خمارها، واتخذ النساء من خمرهن رايات، وخرجن يردن المسلمين، فانتهين إليهم، والمشركون يقاتلونهم، فلما رأى المشركون الرايات مقبلة، ظنوا أن مددا أتى المسلمين فانكشفوا، وأتبعهم المسلمون فقتلوا منهم عدة وعن حارثة بن مضرب، قال: فتحت الأبلة عنوة، فقسم بينهم عتبة- ككة- يعني خبزا أبيض وعن محمد بن سيرين مثله.

قال الطبرى، وكان ممن سبي من ميسان يسار أبو الحسن البصري، وأرطبان جد عبد الله بن عون بن أرطبان.

وعن المثنى بن موسى بن سلمة بن المحبق، عن أبيه، عن جده، قال:

شهدت فتح الأبلة، فوقع لي في سهمي قدر نحاس، فلما نظرت إذا هي ذهب فيها ثمانون ألف مثقال، فكتب في ذلك إلى عمر، فكتب أن يصبر يمين سلمة بالله لقد أخذها وهي عنده نحاس، فإن حلف سلمت إليه، وإلا قسمت بين المسلمين قال: فحلفت، فسلمت لي قال المثنى: فأصول أموالنا اليوم منها وعن عمرة ابنة قيس، قالت: لما خرج الناس لقتال أهل الأبلة خرج زوجي وابني معهم، فأخذوا الدرهمين ومكوك زبيب، وإنهم مضوا حتى إذا كانوا حيال الأبلة، قالوا للعدو، نعبر إليكم أو تعبرون إلينا؟ قال: بل اعبروا إلينا، فأخذوا خشب العشر فأوثقوه، وعبروا إليهم، فقال المشركون: لا تأخذوا أولهم حتى يعبر آخرهم فلما صاروا على الأرض كبروا تكبيرة، ثم كبروا الثانية، فقامت دوابهم على أرجلها، ثم كبروا الثالثة، فجعلت الدابة تضرب بصاحبها الأرض، وجعلنا ننظر إلى رءوس تندر، ما نرى من يضربها، وفتح الله على أيديهم.

المدائني، قال: كانت عند عتبة صفية بنت الحارث بن كلدة، وكانت أختها أردة بنت الحارث عند شبل بن معبد البجلي، فلما ولي عتبة البصرة انحدر معه أصهاره: أبو بكرة، ونافع، وشبل بن معبد، وانحدر معهم زياد، فلما فتحوا الأبلة لم يجدوا قاسما يقسم بينهم، فكان زياد قاسمهم، وهو ابن أربع عشرة سنة، له ذؤابة، فأجروا عليه كل يوم درهمين.

وقيل: إن إمارة عتبة البصرة كانت سنة خمس عشرة، وقيل ست عشرة، والأول أصح، فكانت إمارته عليها ستة أشهر.

واستعمل عمر على البصرة المغيرة بن شعبة فبقي سنتين، ثم رمي بما رمي، واستعمل أبا موسى، وقيل استعمل بعد عتبة أبا موسى، وبعده المغيرة.

وفيها- أعني سنة أربع عشرة- ضرب عمر ابنه عبيد الله وأصحابه في شراب شربوه وأبا محجن.

وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب، وكان على مكة عتاب بن أسيد في قول، وعلى اليمن يعلى بن منية، وعلى الكوفة سعد بن أبي وقاص، وعلى الشام أبو عبيدة بن الجراح، وعلى البحرين عثمان بن أبي العاص- وقيل:

العلاء بن الحضرمي- وعلى عمان حذيفة بن محصن

Source. Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk (تاريخ الرسل والملوك), Al-Tabari (d. 923) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0310Tabari.Tarikh.Shamela0009783BK1-ara1.mARkdown (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com