Islam · Chronicles · Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk
ثم دخلت سنة ثمان عشرة
Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk · Al-Tabari (d. 923) · chapter 68 of 356
** ذكر الأحداث التي كانت في سنة ثمان عشرة **
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة- أعني سنه ثمان عشرة- أصابت الناس مجاعة شديدة ولزبة، وجدوب وقحوط، وذلك هو العام الذي يسمى عام الرماده.
** ذكر القحط وعام الرمادة **
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: دخلت سنة ثمان عشرة، وفيها كان عام الرمادة وطاعون عمواس، فتفانى فيها الناس.
وحدثني أحمد بن ثابت الرازي، قال: حدثت عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: كانت الرماده سنه ثمان عشره
قال:
وكان في ذلك العام طاعون عمواس.
كتب إلي السري يقول: حدثنا شعيب، عن سيف، عن الربيع وأبي المجالد وأبي عثمان وأبي حارثة، قالوا: وكتب أبو عبيدة إلى عمر: إن نفرا من المسلمين أصابوا الشراب، منهم ضرار، وأبو جندل، فسألناهم فتأولوا، وقالوا: خيرنا فاخترنا، قال: «فهل أنتم منتهون» ! ولم يعزم علينا.
فكتب إليه عمر: فذلك بيننا وبينهم، «فهل أنتم منتهون» ، يعني فانتهوا وجمع الناس، فاجتمعوا على أن يضربوا فيها ثمانين جلده، ويضمنوا الفسق من تأول عليها بمثل هذا، فإن أبى قتل.
فكتب عمر إلى أبي عبيدة أن ادعهم، فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم، وإن زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين فبعث إليهم فسألهم على رءوس الناس، فقالوا: حرام، فجلدهم ثمانين ثمانين، وحد القوم، وندموا على لجاجتهم،
وقال: ليحدثن فيكم يا أهل الشام حادث، فحدثت الرمادة.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن شبرمة عن الشعبي بمثله.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، قال: لما قدم على عمر كتاب أبي عبيدة في ضرار وأبي جندل، كتب إلى أبي عبيدة في ذلك، وأمره أن يدعو بهم على رءوس الناس فيسألهم:
أحرام الخمر أم حلال؟ فإن قالوا: حرام، فاجلدوهم ثمانين جلدة، واستتبهم، وإن قالوا: حلال، فاضرب أعناقهم فدعا بهم فسألهم، فقالوا: بل حرام، فجلدهم، فاستحيوا فلزموا البيوت ووسوس أبو جندل، فكتب أبو عبيدة إلى عمر: إن أبا جندل قد وسوس، إلا أن يأتيه الله على يديك بفرج، فاكتب إليه وذكره، فكتب إليه عمر وذكره، فكتب إليه: من عمر إلى أبي جندل «إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء*» ، فتب وارفع رأسك، وابرز ولا تقنط، فإن الله عز وجل، يقول: «يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم» فلما قرأه عليه أبو عبيدة تطلق وأسفر عنه وكتب إلى الآخرين بمثل ذلك فبرزوا، وكتب إلى الناس: عليكم أنفسكم، ومن استوجب التغيير فغيروا عليه، ولا تعيروا أحدا فيفشوا فيكم البلاء.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله، عن عطاء نحوا منه، إلا أنه لم يذكر أنه كتب إلى الناس ألا يعيروهم، وقال:
قالوا: جاشت الروم، دعونا نغزوهم، فإن قضى الله لنا الشهادة فذلك، وإلا عمدت للذي يريد فاستشهد ضرار بن الأزور في قوم، وبقي الآخرون فحدوا وقال أبو الزهراء القشيري في ذلك:
ألم تر أن الدهر يعثر بالفتى وليس على صرف المنون بقادر
صبرت ولم أجزع وقد مات إخوتي ولست عن الصهباء يوما بصابر
رماها أمير المؤمنين بحتفها فخلانها يبكون حول المعاصر
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن الربيع بن النعمان وأبي المجالد جراد بن عمرو وأبي عثمان يزيد بن أسيد الغساني، وأبي حارثة محرز العبشمي بإسنادهم، ومحمد بن عبد الله، عن كريب، قالوا:
أصابت الناس في إمارة عمر رضي الله عنه سنة بالمدينة وما حولها، فكانت تسفى إذا ريحت ترابا كالرماد، فسمي ذلك العام عام الرمادة، فآلى عمر ألا يذوق سمنا ولا لبنا ولا لحما حتى يحيى الناس من أول الحيا، فكان بذلك حتى أحيا الناس من أول الحيا، فقدمت السوق عكة من سمن ووطب من لبن، فاشتراهما غلام لعمر بأربعين، ثم أتى عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، قد أبر الله يمينك، وعظم أجرك، قدم السوق وطب من لبن وعكة من سمن، فابتعتهما بأربعين، فقال عمر: أغليت بهما، فتصدق بهما، فإني أكره أن آكل إسرافا وقال عمر: كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسسني ما مسهم!
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف السلمي، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال: كانت في آخر سنة سبع عشرة وأول سنه ثمان عشره، وكانت الرمادة جوعا أصاب الناس بالمدينة وما حولها فأهلكهم حتى جعلت الوحش تأوي إلى الإنس، وحتى جعل الرجل يذبح الشاة فيعافها من قبحها، وإنه لمقفر.
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن عبد الرحمن بن كعب، قال: كان الناس بذلك وعمر كالمحصور عن أهل الأمصار، حتى أقبل بلال بن الحارث المزني، فاستأذن عليه، فقال:
أنا رسول رسول الله إليك، يقول لك رسول الله ص: لقد عهدتك كيسا، وما زلت على رجل، فما شأنك! فقال: متى رأيت هذا؟
قال: البارحة، فخرج فنادى في الناس: الصلاة جامعة! فصلى بهم ركعتين،
ثم قام فقال: أيها الناس، أنشدكم الله، هل تعلمون مني أمرا غيره خير منه؟ قالوا: اللهم لا، قال: فإن بلال بن الحارث يزعم ذية وذية، فقالوا:
صدق بلال، فاستغث بالله وبالمسلمين، فبعث إليهم- وكان عمر عن ذلك محصورا- فقال عمر: الله أكبر! بلغ البلاء مدته فانكشف، ما أذن لقوم في الطلب إلا وقد رفع عنهم البلاء، فكتب إلى أمراء الأمصار:
أغيثوا أهل المدينة ومن حولها، فإنه قد بلغ جهدهم، وأخرج الناس إلى الاستسقاء، فخرج وخرج معه بالعباس ماشيا، فخطب فأوجز، ثم صلى، ثم جثا لركبتيه، وقال: اللهم إياك نعبد وإياك نستعين، اللهم اغفر لنا وارحمنا وارض عنا ثم انصرف، فما بلغوا المنزل راجعين حتى خاضوا الغدران
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن مبشر بن الفضيل، عن جبير بن صخر، عن عاصم بن عمر بن الخطاب، قال: قحط الناس زمان عمر عاما، فهزل المال، فقال أهل بيت من مزينة من أهل البادية لصاحبهم: قد بلغنا، فاذبح لنا شاة، قال: ليس فيهن شيء، فلم يزالوا به حتى ذبح لهم شاة، فسلخ عن عظم أحمر، فنادى: يا محمداه! فأري فيما يرى النائم ان رسول الله ص أتاه، فقال: أبشر بالحيا! ائت عمر فأقرئه مني السلام، وقل له: إن عهدي بك وأنت وفي العهد، شديد العقد، فالكيس الكيس يا عمر! فجاء حتى أتى باب عمر، فقال لغلامه:
استاذن لرسول رسول الله ص، فأتى عمر فأخبره، ففزع وقال:
رأيت به مسا! قال: لا، قال: فأدخله، فدخل فأخبره الخبر، فخرج فنادى في الناس، وصعد المنبر، وقال: أنشدكم بالذي هداكم للإسلام، هل رأيتم مني شيئا تكرهونه! قالوا: اللهم لا، قالوا: ولم ذاك؟ فأخبرهم، ففطنوا ولم يفطن، فقالوا: إنما استبطأك في الاستسقاء، فاستسق بنا، فنادى في الناس، فقام فخطب فأوجز، ثم صلى ركعتين فأوجز، ثم قال:
اللهم عجزت عنا أنصارنا، وعجز عنا حولنا وقوتنا، وعجزت عنا أنفسنا، ولا حول ولا قوة إلا بك، اللهم فاسقنا، وأحي العباد والبلاد! كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن الربيع بن النعمان وجراد أبي المجالد وأبي عثمان وأبي حارثة، كلهم عن رجاء- وزاد أبو عثمان وأبو حارثة: عن عبادة وخالد، عن عبد الرحمن بن غنم- قالوا: كتب عمر إلى أمراء الأمصار يستغيثهم لأهل المدينة ومن حولها، ويستمدهم، فكان أول من قدم عليه أبو عبيدة بن الجراح في أربعة آلاف راحلة من طعام، فولاه قسمتها فيمن حول المدينة، فلما فرغ ورجع إليه أمر له بأربعة آلاف درهم، فقال: لا حاجة لي فيها يا أمير المؤمنين، إنما أردت الله وما قبله، فلا تدخل علي الدنيا، فقال: خذها فلا بأس بذلك إذ لم تطلبه، فأبى فقال: خذها فإني قد وليت لرسول الله ص مثل هذا، فقال لي مثل ما قلت لك، فقلت له كما قلت لي فأعطاني فقبل أبو عبيدة وانصرف إلى عمله، وتتابع الناس واستغنى أهل الحجاز، وأحيوا مع أول الحيا.
وقالوا بإسنادهم: وجاء كتاب عمرو بن العاص جواب كتاب عمر في الاستغاثة: إن البحر الشامي حفر لمبعث رسول الله ص حفيرا، فصب في بحر العرب، فسده الروم والقبط، فإن أحببت أن يقوم سعر الطعام بالمدينة كسعره بمصر، حفرت له نهرا وبنيت له قناطير فكتب إليه عمر: أن افعل وعجل ذلك، فقال له أهل مصر: خراجك زاج، وأميرك راض، وإن تم هذا انكسر الخراج فكتب إلى عمر بذلك، وذكر أن فيه انكسار خراج مصر وخرابها فكتب إليه عمر: اعمل فيه وعجل، أخرب الله مصر في عمران المدينة وصلاحها، فعالجه عمرو وهو بالقلزم، فكان سعر المدينة كسعر مصر، ولم يزد ذلك مصر إلا رخاء، ولم ير أهل المدينة بعد الرمادة مثلها، حتى حبس عنهم البحر مع مقتل عثمان رضى الله عنه فذلوا وتقاصروا وخشعوا
قال أبو جعفر: وزعم الواقدي أن الرقة والرها وحران فتحت في هذه السنة على يدي عياض بن غنم، وأن عين الوردة فتحت فيها على يدي عمير ابن سعد وقد ذكرت قول من خالفه في ذلك فيما مضى، وزعم أن عمر رضي الله عنه حول المقام في هذه السنة في ذي الحجة إلى موضعه اليوم، وكان ملصقا بالبيت قبل ذلك وقال: مات في طاعون عمواس خمسة وعشرون ألفا.
قال أبو جعفر: وقال بعضهم: وفي هذه السنة استقضى عمر شريح ابن الحارث الكندي على الكوفة، وعلى البصرة كعب بن سور الأزدي.
قال: وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وكانت ولاته في هذه السنة على الأمصار الولاه الذين كانوا عليها في سنه سبع عشره