John Shaqi

Islam · Chronicles · Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk

ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين

Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk · Al-Tabari (d. 923) · chapter 73 of 356

فكان فيها فتح إصطخر في قول أبي معشر، حدثني بذلك أحمد بن ثابت الرازي، قال: حدثنا محدث، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: كانت إصطخر الأولى وهمذان سنة ثلاث وعشرين وقال الواقدي مثل ذلك وقال سيف: كان فتح إصطخر بعد توج الآخرة.

** ذكر الخبر عن فتح توج **

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: خرج أهل البصرة الذين وجهوا إلى فارس أمراء على فارس، ومعهم سارية بن زنيم ومن بعث معهم إلى ما وراء ذلك، وأهل فارس مجتمعون بتوج، فلم يصمدوا لجمعهم بجموعهم، ولكن قصد كل أمير كورة منهم قصد إمارته وكورته التي أمر بها، وبلغ ذلك أهل فارس، فافترقوا إلى بلدانهم، كما افترق المسلمون ليمنعوها، وكانت تلك هزيمتهم وتشتت أمورهم وتفريق جموعهم، فتطير المشركون من ذلك، وكأنما كانوا ينظرون إلى ما صاروا إليه، فقصد مجاشع بن مسعود لسابور وأردشير خرة فيمن معه من المسلمين، فالتقوا بتوج وأهل فارس، فاقتتلوا ما شاء الله ثم إن الله عز وجل هزم أهل توج للمسلمين، وسلط عليهم المسلمين، فقتلوهم كل قتلة، وبلغوا منهم ما شاءوا، وغنمهم ما في عسكرهم فحووه، وهذه توج الآخرة، ولم يكن لها بعدها شوكة، والأولى التي تنقذ فيها جنود العلاء أيام طاوس، الوقعة التي اقتتلوا فيها، والوقعتان الأولى والآخرة كلتاهما متساجلتان.

ثم دعوا إلى الجزية والذمة، فراجعوا وأقروا، وخمس مجاشع الغنائم، وبعث بها، ووفد وفدا، وقد كانت البشراء والوفود يجازون وتقضى لهم حوائجهم، لسنة جرت بذلك من رسول الله ص

كتب إلي السري عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن سوقة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، قال: خرجنا مع مجاشع بن مسعود غازين توج، فحاصرناها، وقاتلناهم ما شاء الله، فلما افتتحناها وحوينا نهبها نهبا كثيرا، وقتلنا قتلى عظيمة، وكان علي قميص قد تخرق، فأخذت إبرة وسلكا وجعلت أخيط قميصي بها ثم إني نظرت إلى رجل في القتلى عليه قميص فنزعته، فأتيت به الماء، فجعلت أضربه بين حجرين حتى ذهب ما فيه، فلبسته، فلما جمعت الرثة، قام مجاشع خطيبا، فحمد الله، وأثنى عليه، فقال: أيها الناس لا تغلوا، فإنه من غل جاء بما غل يوم القيامة ردوا ولو المخيط فلما سمعت ذلك نزعت القميص فألقيته في الأخماس

** فتح إصطخر **

قال: وقصد عثمان بن أبي العاص لإصطخر، فالتقى هو وأهل إصطخر بجور فاقتتلوا ما شاء الله ثم إن الله عز وجل فتح لهم جور، وفتح المسلمون إصطخر، فقتلوا ما شاء الله، وأصابوا ما شاءوا، وفر من فر ثم إن عثمان دعا الناس إلى الجزاء والذمة، فراسلوه وراسلهم، فأجابه الهربذ وكل من هرب أو تنحى، فتراجعوا وباحوا بالجزاء، وقد كان عثمان لما هزم القوم جمع إليه ما أفاء الله عليهم، فخمسه، وبعث بالخمس إلى عمر، وقسم أربعة أخماس المغنم في الناس، وعفت الجند عن النهاب، وأدوا الأمانة، واستدقوا الدنيا فجمعهم عثمان، ثم قام فيهم، وقال: إن هذا الأمر لا يزال مقبلا، ولا يزال أهله معافين مما يكرهون، ما لم يغلوا، فإذا غلوا رأوا ما ينكرون ولم يسد الكثير مسد القليل اليوم

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن أبي سفيان، عن الحسن، قال: قال عثمان بن أبي العاص يوم إصطخر: إن الله إذا أراد بقوم خيرا كفهم، ووفر أمانتهم، فاحفظوها، فإن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، فإذا فقدتموها جدد لكم في كل يوم فقدان شيء من أموركم.

ثم إن شهرك خلع في آخر إمارة عمر وأول إمارة عثمان، ونشط أهل فارس، ودعاهم إلى النقض، فوجه إليه عثمان بن أبي العاص ثانيه، وبعث معه جنود أمد بهم، عليهم عبيد الله بن معمر، وشبل بن معبد البجلي، فالتقوا بفارس، فقال شهرك لابنه وهو في المعركة، وبينهم وبين قرية تدعى ريشهر ثلاثة فراسخ، وكان بينهم وبين قرارهم اثنا عشر فرسخا:

يا بني، اين يكون غداؤنا؟ هاهنا أو ريشهر؟ فقال: يا أبت إن تركونا فلا يكون غداؤنا هاهنا ولا ريشهر، ولا يكونن إلا في المنزل، ولكن والله ما أراهم يتركوننا فما فرغا من كلامهما حتى أنشب المسلمون القتال، فاقتتلوا قتالا شديدا، قتل فيه شهرك وابنه، وقتل الله جل وعز منهم مقتلة عظيمة وولي قتل شهرك الحكم بن أبي العاص بن بشر بن دهمان، أخو عثمان.

وأما أبو معشر فإنه قال: كانت فارس الأولى وإصطخر الآخرة في سنة ثمان وعشرين قال: وكانت فارس الآخرة وجور سنة تسع وعشرين، حدثني بذلك أحمد بن ثابت الرازي، قال: حدثني من سمع إسحاق بن عيسى، يذكر ذلك عن أبي معشر وحدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه المروزي، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا سليمان بن صالح، قال: حدثني عبيد الله، قال: أخبرنا عبيد الله بن سليمان، قال: كان عثمان بن أبي العاص أرسل إلى البحرين، فأرسل أخاه الحكم بن أبي العاص في ألفين إلى توج، وكان كسرى قد فر عن المدائن، ولحق بجور من فارس.

قال: فحدثني زياد مولى الحكم بن أبي العاص، عن الحكم بن أبي العاص، قال: قصد إلي شهرك- قال عبيد: وكان كسرى أرسله- قال الحكم: فصعد إلي في الجنود فهبطوا من عقبه، عليهم الحديد، فخشيت ان تعشوا أبصار الناس، فأمرت مناديا، فنادى أن من كان عليه عمامة فليلفها على عينيه، ومن لم يكن عليه عمامة فليغمض بصره، وناديت أن حطوا عن دوابكم فلما رأى شهرك ذلك حط أيضا ثم ناديت: أن اركبوا، فصففنا لهم وركبوا، فجعلت الجارود العبدي على الميمنة وأبا صفرة على الميسرة- يعني أبا المهلب- فحملوا على المسلمين فهزموهم، حتى ما أسمع لهم صوتا، فقال لي الجارود: أيها الأمير، ذهب الجند، فقلت: إنك سترى أمرك، فما لبثنا أن رجعت خيلهم، ليس عليها فرسانها، والمسلمون يتبعونهم يقتلونهم، فنثرت الرءوس بين يدي، ومعي بعض ملوكهم- يقال له المكعبر، فارق كسرى ولحق بي- فأتيت برأس ضخم، فقال المكعبر: هذا رأس الأزدهاق- يعني شهرك- فحوصروا في مدينة سابور، فصالحهم- وملكهم أذربيان- فاستعان الحكم بأذربيان على قتال أهل إصطخر، ومات عمر رضي الله عنه، فبعث عثمان عبيد الله بن معمر مكانه، فبلغ عبيد الله أن أذربيان يريد أن يغدر بهم، فقال له: إني أحب أن تتخذ لأصحابي طعاما، وتذبح لهم بقرة، وتجعل عظامها في الجفنة التي تليني، فإني أحب أن أتمشش العظام ففعل، فجعل يأخذ العظم الذي لا يكسر الا بالفئوس، فكسره بيده، فيتمخخه- وكان من أشد الناس- فقام الملك، فأخذ برجله، وقال: هذا مقام العائذ فأعطاه عهدا، فاصابت عبيد الله منجنيفه، فأوصاهم، فقال: إنكم ستفتحون هذه المدينة إن شاء الله فاقتلوهم بي فيها ساعة ففعلوا فقتلوا منهم بشرا كثيرا.

وكان عثمان بن أبي العاص لحق الحكم، وقد هزم شهرك، فكتب إلى عمر:

أن بيني وبين الكوفة فرجة أخاف أن يأتيني العدو منها وكتب صاحب الكوفة بمثل ذلك: إن بيني وبين كذا فرجة فاتفق عنده الكتابان، فبعث أبا موسى في سبعمائة، فانزلهم البصره

** ذكر فتح فسا ودارابجرد **

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: وقصد ساريه بن زنيم، فسا ودارابجرد، حتى انتهى إلى عسكرهم، فنزل عليهم وحاصرهم ما شاء الله ثم إنهم استمدوا، فتجمعوا وتجمعت إليهم أكراد فارس، فدهم المسلمين أمر عظيم، وجمع كثير، فرأى عمر في تلك الليلة فيما يرى النائم معركتهم وعددهم في ساعة من النهار، فنادى من الغد: الصلاة جامعة! حتى إذا كان في الساعة التي رأى فيها ما رأى خرج إليهم، وكان أريهم والمسلمون بصحراء، إن أقاموا فيها أحيط بهم، وإن أرزوا إلى جبل من خلفهم لم يؤتوا إلا من وجه واحد ثم قام فقال:

يأيها الناس، إني رأيت هذين الجمعين- وأخبر بحالهما- ثم قال: يا سارية، الجبل، الجبل! ثم أقبل عليهم، وقال: إن لله جنودا، ولعل بعضها أن يبلغهم، ولما كانت تلك الساعة من ذلك اليوم أجمع سارية والمسلمون على الإسناد إلى الجبل، ففعلوا وقاتلوا القوم من وجه واحد، فهزمهم الله لهم، وكتبوا بذلك إلى عمر واستيلائهم على البلد ودعاء أهله وتسكينهم.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن أبي عمر دثار بن أبي شبيب، عن أبي عثمان وأبي عمرو بن العلاء، عن رجل من بنى مازن، قال: كان عمر قد بعث سارية بن زنيم الدؤلى إلى فسا ودارابجرد، فحاصرهم ثم إنهم تداعوا فأصحروا له، وكثروه فأتوه من كل جانب، فقال عمر وهو يخطب في يوم جمعة: يا سارية بن زنيم، الجبل، الجبل! ولما كان ذلك اليوم وإلى جنب المسلمين جبل، إن لجئوا إليه لم يؤتوا إلا من وجه واحد، فلجئوا إلى الجبل، ثم قاتلوهم فهزموهم، فأصاب مغانمهم، وأصاب في المغانم سفطا فيه جوهر، فاستوهبه المسلمين لعمر، فوهبوه له، فبعث به مع رجل، وبالفتح وكان الرسل والوفد يجازون وتقضى لهم حوائجهم، فقال له سارية: استقرض ما تبلغ به وما تخلفه لأهلك على جائزتك فقدم الرجل البصرة، ففعل، ثم خرج فقدم على عمر، فوجده يطعم الناس، ومعه عصاه التي يزجر بها بعيره، فقصد له، فأقبل عليه بها، فقال: اجلس، فجلس حتى إذا أكل القوم انصرف عمر، وقام فأتبعه، فظن عمر أنه رجل لم يشبع، فقال حين انتهى إلى باب داره: ادخل- وقد أمر الخباز أن يذهب بالخوان إلى مطبخ المسلمين- فلما جلس في البيت أتي بغدائه خبز وزيت وملح جريش، فوضع وقال:

ألا تخرجين يا هذه فتأكلين؟ قالت: إني لأسمع حس رجل، فقال: أجل، فقالت: لو أردت أن أبرز للرجال اشتريت لي غير هذه الكسوة، فقال:

أوما ترضين أن يقال: أم كلثوم بنت علي وامرأة عمر! فقالت: ما أقل غناء ذلك عني! ثم قال للرجل: ادن فكل، فلو كانت راضية لكان أطيب مما ترى، فأكلا حتى إذا فرغ قال: رسول سارية بن زنيم يا أمير المؤمنين.

فقال: مرحبا وأهلا، ثم أدناه حتى مست ركبته ركبته، ثم سأله عن المسلمين، ثم سأله عن سارية بن زنيم، فاخبره، ثم اخبره بقصة الدرج، فنظر إليه ثم صاح به، ثم قال: لا ولا كرامة حتى تقدم على ذلك الجند فتقسمه بينهم فطرده، فقال: يا أمير المؤمنين، إني قد أنضيت إبلي واستقرضت في جائزتي، فأعطني ما أتبلغ به، فما زال عنه حتى أبدله بعيرا ببعيره من إبل الصدقة، وأخذ بعيره فأدخله في إبل الصدقة، ورجع الرسول مغضوبا عليه محروما حتى قدم البصرة، فنفذ لأمر عمر، وقد كان سأله أهل المدينة عن سارية، وعن الفتح وهل سمعوا شيئا يوم الوقعة؟ فقال:

نعم، سمعنا: يا سارية، الجبل، وقد كدنا نهلك، فلجأنا إليه، ففتح الله علينا.

كتب إلي السري، عن شعيب عن سيف، عن المجالد، عن الشعبي، مثل حديث عمرو

** ذكر فتح كرمان **

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: وقصد سهيل بن عدي إلى كرمان، ولحقه عبد الله بن عبد الله بن عتبان، وعلى مقدمة سهيل بن عدي النسير بن عمرو العجلي، وقد حشد له أهل كرمان، واستعانوا بالقفس، فاقتتلوا في أدنى أرضهم، ففضهم الله، فأخذوا عليهم بالطريق، وقتل النسير مرزبانها، فدخل سهيل من قبل طريق القرى اليوم إلى جيرفت، وعبد الله بن عبد الله من مفازة شير، فأصابوا ما شاءوا من بعير أو شاء، فقوموا الإبل والغنم فتحاصوها بالأثمان لعظم البخت على العراب، وكرهوا أن يزيدوا، وكتبوا إلى عمر، فكتب إليهم: إن البعير العربي إنما قوم بتعيير اللحم، وذلك مثله، فإذا رأيتم أن في البخت فضلا فزيدوا فإنما هي من قيمه.

وأما المدائني، فإنه ذكر أن علي بن مجاهد أخبره عن حنبل بن أبي حريدة- وكان قاضي قهستان- عن مرزبان قهستان، قال: فتح كرمان عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي في خلافة عمر بن الخطاب، ثم أتى الطبسين من كرمان، ثم قدم على عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، إني افتتحت الطبسين فأقطعنيهما، فأراد أن يفعل، فقيل لعمر: إنهما رستاقان عظيمان، فلم يقطعه إياهما، وهما بابا خراسان.

** ذكر فتح سجستان **

قالوا: وقصد عاصم بن عمرو لسجستان، ولحقه عبد الله بن عمير، فاستقبلوهم فالتقوا هم وأهل سجستان في أدنى أرضهم، فهزموهم ثم أتبعوهم، حتى حصروهم بزرنج، ومخروا أرض سجستان ما شاءوا ثم إنهم طلبوا الصلح على زرنج وما احتازوا من الأرضين، فأعطوه، وكانوا قد اشترطوا في صلحهم ان فدا فدها حمى، فكان المسلمون إذا خرجوا تناذروا خشية أن يصيبوا منها شيئا، فيخفروا فتم أهل سجستان على الخراج والمسلمون على الإعطاء، فكانت سجستان أعظم من خراسان، وأبعد فروجا، يقاتلون القندهار والترك وأمما كثيرة، وكانت فيما بين السند إلى نهر بلخ بحياله، فلم تزل أعظم البلدين، وأصعب الفرجين، وأكثرهما عددا وجندا، حتى زمان معاوية، فهرب الشاه من أخيه- واسم أخي الشاه يومئذ رتبيل- إلى بلد فيها يدعى آمل، ودانوا لسلم بن زياد، وهو يومئذ على سجستان، ففرح بذلك وعقد لهم، وأنزلهم بتلك البلاد، وكتب إلى معاوية بذلك يري أنه قد فتح عليه فقال معاوية: إن ابن أخي ليفرح بأمر إنه ليحزنني وينبغي له أن يحزنه، قالوا: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: لأن آمل بلدة بينها وبين زرنج صعوبة وتضايق، وهؤلاء قوم نكر غدر، فيضطرب الحبل غدا، فأهون ما يجيء منهم أن يغلبوا على بلاد آمل بأسرها وتم لهم على عهد ابن زياد، فلما وقعت الفتنة بعد معاوية كفر الشاه، وغلب على آمل، وخاف رتبيل الشاه فاعتصم منه بمكانه الذي هو به اليوم، ولم يرضه ذلك حين تشاغل الناس عنه حتى طمع في زرنج، فغزاها فحصرهم حتى أتتهم الأمداد من البصرة، فصار رتبيل والذين جاءوا معه، فنزلوا تلك البلاد شجا لم ينتزع إلى اليوم، وقد كانت تلك البلاد مذللة إلى أن مات معاوية

** فتح مكران **

قالوا: وقصد الحكم بن عمرو التغلبي لمكران، حتى انتهى إليها، ولحق به شهاب بن المخارق بن شهاب، فانضم إليه، وأمده سهيل بن عدي، وعبد الله بن عبد الله بن عتبان بأنفسهما، فانتهوا إلى دوين النهر، وقد انفض أهل مكران إليه حتى نزلوا على شاطئه، فعسكروا، وعبر إليهم راسل ملكهم ملك السند، فازدلف بهم مستقبل المسلمين.

فالتقوا فاقتتلوا بمكان من مكران من النهر على أيام، بعد ما كان قد انتهى إليه أوائلهم، وعسكروا به ليلحق أخراهم، فهزم الله راسل وسلبه، وأباح المسلمين عسكره، وقتلوا في المعركة مقتلة عظيمة، وأتبعوهم يقتلونهم أياما، حتى انتهوا إلى النهر ثم رجعوا فأقاموا بمكران.

وكتب الحكم إلى عمر بالفتح، وبعث بالأخماس مع صحار العبدي، واستأمره في الفيلة، فقدم صحار على عمر بالخبر والمغانم، فسأله عمر عن مكران- وكان لا يأتيه أحد إلا سأله عن الوجه الذي يجيء منه- فقال: يا أمير المؤمنين، أرض سهلها جبل، وماؤها وشل، وتمرها دقل، وعدوها بطل، وخيرها قليل، وشرها طويل، والكثير بها قليل، والقليل بها ضائع، وما وراءها شر منها فقال: أسجاع أنت أم مخبر؟

قال: لا بل مخبر، قال: لا، والله لا يغزوها جيش لي ما أطعت، وكتب إلى الحكم بن عمرو وإلى سهيل ألا يجوزن مكران أحد من جنودكما، واقتصرا على ما دون النهر، وأمره ببيع الفيلة بأرض الإسلام، وقسم أثمانها على من أفاءها الله عليه.

وقال الحكم بن عمرو في ذلك:

لقد شبع الأرامل غير فخر بفيء جاءهم من مكران

أتاهم بعد مسغبة وجهد وقد صفر الشتاء من الدخان

فإني لا يذم الجيش فعلي ولا سيفي يذم ولا سناني

غداة أدفع الأوباش دفعا إلى السند العريضة والمداني

ومهران لنا فيما أردنا مطيع غير مسترخي العنان

فلولا ما نهى عنه أميري قطعناه إلى البدد الزواني

** خبر بيروذ من الأهواز **

قالوا: ولما فصلت الخيول إلى الكور اجتمع ببيروذ جمع عظيم من الأكراد وغيرهم، وكان عمر قد عهد إلى أبي موسى حين سارت الجنود إلى الكور أن يسير حتى ينتهي إلى ذمة البصرة، كي لا يؤتى المسلمون من خلفهم، وخشي أن يستلحم بعض جنوده أو ينقطع منهم طرف، أو يخلفوا في أعقابهم، فكان الذي حذر من اجتماع أهل بيروذ، وقد أبطأ أبو موسى حتى تجمعوا، فخرج أبو موسى حتى ينزل ببيروذ على الجمع الذي تجمعوا بها في رمضان، فالتقوا بين نهر تيرى ومناذر، وقد توافى إليها أهل النجدات من أهل فارس والأكراد، ليكيدوا المسلمين، وليصيبوا منهم عورة، ولم يشكوا في واحده من اثنتين فقام المهاجرين زياد وقد تحنط واستقتل، فقال لأبي موسى: أقم على كل صائم لما رجع فأفطر فرجع أخوه فيمن رجع لإبرار القسم، وإنما أراد بذلك توجيه أخيه عنه لئلا يمنعه من الاستقتال، وتقدم فقاتل حتى قتل، ووهن الله المشركين حتى تحصنوا في قلة وذلة، وأقبل اخوه الربيع، فقال: هيئ يا والع الدنيا، واشتد جزعه عليه، فرق أبو موسى للربيع للذي رآه دخله من مصاب أخيه، فخلفه عليهم في جند، وخرج أبو موسى حتى بلغ إصبهان، فلقي بها جنود أهل الكوفة محاصري جي، ثم انصرف إلى البصرة، بعد ظفر الجنود، وقد فتح الله على الربيع بن زياد أهل بيروذ من نهر تيرى، وأخذ ما كان معهم من السبي، فتنقى أبو موسى رجالا منهم ممن كان لهم فداء- وقد كان الفداء أرد على المسلمين من أعيانهم وقيمتهم فيما بينهم- ووفد الوفود والأخماس، فقام رجل من عنزة فاستوفده، فأبى، فخرج فسعى به فاستجلبه عمر، وجمع بينهما فوجد أبا موسى أعذر إلا في أمر خادمه، فضعفه فرده إلى عمله، وفجر الآخر، وتقدم إليه في ألا يعود لمثلها.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: لما رجع أبو موسى عن إصبهان بعد دخول الجنود الكور، وقد هزم الربيع اهل بيروذ، وجمع السبي والأموال، فغدا على ستين غلاما من أبناء الدهاقين تنقاهم وعزلهم، وبعث بالفتح إلى عمر، ووفد وفدا فجاءه رجل من عنزة، فقال: اكتبني في الوفد، فقال: قد كتبنا من هو أحق منك، فانطلق مغاضبا مراغما، وكتب أبو موسى إلى عمر: إن رجلا من عنزة يقال له ضبة بن محصن، كان من أمره وقص قصته.

فلما قدم الكتاب والوفد والفتح على عمر قدم العنزي فأتى عمر فسلم عليه، فقال: من أنت؟ فأخبره، فقال: لا مرحبا ولا أهلا! فقال:

أما المرحب فمن الله، وأما الأهل فلا أهل، فاختلف إليه ثلاثا، يقول له هذا ويرد عليه هذا، حتى إذا كان في اليوم الرابع، دخل عليه، فقال: ماذا نقمت على أميرك؟ قال: تنقى ستين غلاما من أبناء الدهاقين لنفسه، وله جارية تدعى عقيلة، تغدى جفنة وتعشى جفنة، وليس منا رجل يقدر على ذلك، وله قفيزان، وله خاتمان، وفوض الى زياد ابن أبي سفيان- وكان زياد يلي أمور البصرة- وأجاز الحطيئة بألف.

فكتب عمر كل ما قال فبعث إلى أبي موسى، فلما قدم حجبه أياما، ثم دعا به، ودعا ضبة بن محصن، ودفع إليه الكتاب، فقال: اقرأ ما كتبت، فقرأ: أخذ ستين غلاما لنفسه فقال أبو موسى: دللت عليهم وكان لهم فداء ففديتهم، فأخذته فقسمته بين المسلمين، فقال ضبة: والله ما كذب ولا كذبت، وقال: له قفيزان، فقال أبو موسى: قفيز لأهلي أقوتهم، وقفيز للمسلمين في أيديهم، يأخذون به أرزاقهم، فقال ضبة: والله ما كذب ولا كذبت، فلما ذكر عقيلة سكت أبو موسى ولم يعتذر، وعلم أن ضبة قد صدقه قال: وزياد يلي أمور الناس ولا يعرف هذا ما يلي، قال: وجدت له نبلا ورأيا، فأسندت إليه عملي.

قال: وأجاز الحطيئه بألف، قال: سددت قمه بمالي أن يشتمني، فقال: قد فعلت ما فعلت فرده عمر وقال: إذا قدمت فأرسل إلي زيادا وعقيلة، ففعل، فقدمت عقيلة قبل زياد، وقدم زياد فقام بالباب، فخرج عمر وزياد بالباب قائم، وعليه ثياب بياض كتان، فقال له: ما هذه الثياب؟ فأخبره، فقال: كم أثمانها؟ فأخبره بشيء يسير، وصدقه، فقال له: كم عطاؤك؟ قال ألفان، قال: ما صنعت في أول عطاء خرج لك؟ قال: اشتريت والدتي فأعتقتها، واشتريت في الثاني ربيبي عبيدا فأعتقته، فقال: وفقت، وسأله عن الفرائض والسنن والقرآن، فوجده فقيها فرده، وأمر أمراء البصرة أن يشربوا برأيه، وحبس عقيلة بالمدينة وقال عمر: ألا إن ضبة العنزي غضب على أبي موسى في الحق أن أصابه، وفارقه مراغما أن فاته أمر من أمور الدنيا، فصدق عليه وكذب، فأفسد كذبه صدقه، فإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى النار وكان الحطيئة قد لقيه فأجازه في غزاة بيروذ، وكان أبو موسى قد ابتدأ حصارهم وغزاتهم حتى فلهم، ثم جازهم ووكل بهم الربيع، ثم رجع إليهم بعد الفتح فولي القسم.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن أبي عمرو، عن الحسن، عن أسيد بن المتشمس بن أخي الأحنف بن قيس، قال: شهدت مع أبي موسى يوم إصبهان فتح القرى، وعليها عبد الله بن ورقاء الرياحي وعبد الله بن ورقاء الأسدي ثم إن أبا موسى صرف إلى الكوفة، واستعمل على البصرة عمر بن سراقة المخزومي، بدوي.

ثم إن أبا موسى رد على البصرة، فمات عمر وأبو موسى على البصرة على صلاتها، وكان عملها مفترقا غير مجموع، وكان عمر ربما بعث إليه فأمد به بعض الجنود، فيكون مددا لبعض الجيوش

** ذكر خبر سلمة بن قيس الأشجعي والأكراد **

حدثني عبد الله بن كثير العبدي، قال: حدثنا جعفر بن عون، قال: أخبرنا أبو جناب، قال: حدثنا أبو المحجل الرديني، عن مخلد البكري وعلقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، أن أمير المؤمنين كان إذا اجتمع إليه جيش من أهل الإيمان أمر عليهم رجلا من أهل العلم والفقه، فاجتمع إليه جيش، فبعث عليهم سلمة بن قيس الأشجعي فقال: سر باسم الله، قاتل في سبيل الله من كفر بالله، فإذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى ثلاث خصال: ادعوهم إلى الإسلام فإن أسلموا فاختاروا دارهم فعليهم في أموالهم الزكاة، وليس لهم في فيء المسلمين نصيب، وإن اختاروا أن يكونوا معكم فلهم مثل الذي لكم، وعليهم مثل الذي عليكم، فإن أبوا فادعوهم إلى الخراج، فإن أقروا بالخراج فقاتلوا عدوهم من ورائهم، وفرغوهم لخراجهم، ولا تكلفوهم فوق طاقتهم، فإن أبوا فقاتلوهم، فإن الله ناصركم عليهم، فإن تحصنوا منكم في حصن فسألوكم أن ينزلوا على حكم الله وحكم رسوله، فلا تنزلوهم على حكم الله، فإنكم لا تدرون ما حكم الله ورسوله فيهم! وإن سألوكم أن ينزلوا على ذمة الله وذمة رسوله فلا تعطوهم ذمة الله وذمة رسوله، وأعطوهم ذمم أنفسكم، فإن قاتلوكم فلا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا قال سلمة: فسرنا حتى لقينا عدونا من المشركين، فدعوناهم إلى ما أمر به أمير المؤمنين فأبوا أن يسلموا، فدعوناهم إلى الخراج فأبوا أن يقروا، فقاتلناهم فنصرنا الله عليهم، فقتلنا المقاتلة، وسبينا الذرية، وجمعنا الرثة، فرأى سلمة بن قيس شيئا من حلية، فقال: إن هذا لا يبلغ فيكم شيئا، فتطيب أنفسكم أن نبعث به إلى أمير المؤمنين، فإن له بردا ومئونة؟ قالوا: نعم، قد طابت أنفسنا قال: فجعل تلك الحلية في سفط، ثم بعث برجل من قومه، فقال: اركب بها، فإذا أتيت البصرة فاشتر على جوائز أمير المؤمنين راحلتين، فأوقرهما زادا لك ولغلامك، ثم سر إلى أمير المؤمنين.

قال: ففعلت، فأتيت أمير المؤمنين وهو يغدي الناس متكئا على عصا كما يصنع الراعي وهو يدور على القصاع، يقول: يا يرفأ، زد هؤلاء لحما، زد هؤلاء خبزا، زد هؤلاء مرقة، فلما دفعت إليه، قال: اجلس، فجلست في أدنى الناس، فإذا طعام فيه خشونة طعامي، الذي معي أطيب منه فلما فرغ الناس من قصاعهم قال: يا يرفأ، ارفع قصاعك ثم أدبر، فاتبعته فدخل دارا، ثم دخل حجرة، فاستأذنت وسلمت، فأذن لي، فدخلت عليه فإذا هو جالس على مسح متكئ على وسادتين من أدم محشوتين ليفا، فنبذ إلي بإحداهما، فجلست عليها، وإذا بهو في صفة فيها بيت عليه ستير، فقال: يا أم كلثوم، غداءنا! فأخرجت إليه خبزة بزيت في عرضها ملح لم يدق، فقال: يا أم كلثوم، ألا تخرجين إلينا تأكلين معنا من هذا؟ قالت: إني أسمع عندك حس رجل، قال: نعم ولا أراه من أهل البلد- قال: فذلك حين عرفت أنه لم يعرفني- قالت: لو أردت أن أخرج إلى الرجال لكسوتني كما كسا ابن جعفر امرأته، وكما كسا الزبير امرأته، وكما كسا طلحة امرأته! قال: او ما يكفيك أن يقال: أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب وامرأة أمير المؤمنين عمر! فقال:

كل، فلو كانت راضية لأطعمتك أطيب من هذا قال: فأكلت قليلا- وطعامي الذي معي أطيب منه- وأكل، فما رأيت أحدا أحسن أكلا منه ما يتلبس طعامه بيده ولا فمه، ثم قال: اسقونا، فجاءوا بعس من سلت فقال: أعط الرجل، قال: فشربت قليلا، سويقي الذي معي أطيب منه، ثم أخذه فشربه حتى قرع القدح جبهته، وقال: الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا، وسقانا فأروانا قال: قلت: قد أكل أمير المؤمنين فشبع، وشرب فروى، حاجتي يا أمير المؤمنين! قال: وما حاجتك؟ قال: قلت: أنا رسول سلمة بن قيس، قال: مرحبا بسلمة بن قيس ورسوله، حدثني عن المهاجرين كيف هم؟ قال: قلت: هم يا أمير المؤمنين كما تحب من السلامة والظفر على عدوهم قال: كيف أسعارهم؟ قال: قلت:

أرخص أسعار قال: كيف اللحم فيهم فإنها شجرة العرب ولا تصلح العرب إلا بشجرتها؟ قال: قلت: البقرة فيهم بكذا، والشاة فيهم بكذا يا أمير المؤمنين، سرنا حتى لقينا عدونا من المشركين فدعوناهم إلى ما أمرتنا به من الإسلام فأبوا، فدعوناهم إلى الخراج فأبوا، فقاتلناهم فنصرنا الله عليهم، فقتلنا المقاتلة، وسبينا الذرية، وجمعنا الرثة، فرأى سلمة في الرثة حلية، فقال للناس: إن هذا لا يبلغ فيكم شيئا، فتطيب أنفسكم أن أبعث به إلى أمير المؤمنين؟ فقالوا: نعم فاستخرجت سفطي، فلما نظر إلى تلك الفصوص من بين أحمر وأصفر وأخضر، وثب ثم جعل يده في خاصرته، ثم قال: لا أشبع الله إذا بطن عمر! قال: فظن النساء أني أريد أن أغتاله، فجئن إلى الستر، فقال: كف ما جئت به، يا يرفأ، جأ عنقه قال: فأنا أصلح سفطي وهو يجأ عنقي! قلت: يا أمير المؤمنين أبدع بي فاحملني، قال: يا يرفا أعطه راحلتين من الصدقة، فإذا لقيت أفقر إليهما منك فادفعهما إليه قلت: أفعل يا أمير المؤمنين، فقال: أما والله لئن تفرق المسلمون في مشاتيهم قبل أن يقسم هذا فيهم لأفعلن بك وبصاحبك الفاقرة.

قال: فارتحلت حتى أتيت سلمة، فقلت: ما بارك الله لي فيما اختصصتني به، اقسم هذا في الناس قبل ان تصيبني وإياك فاقرة، فقسمه فيهم، والفص يباع بخمسة دراهم وستة دراهم، وهو خير من عشرين ألفا.

وأما السري فإنه ذكر- فيما كتب به إلي يذكر عن شعيب، عن سيف، عن أبي جناب، عن سليمان بن بريدة- قال: لقيت رسول سلمه ابن قيس الأشجعي، قال: كان عمر بن الخطاب إذا اجتمع إليه جيش من العرب ثم ذكر نحو حديث عبد الله بن كثير عن جعفر بن عون، غير أنه قال في حديثه عن شعيب عن سيف: وأعطوهم ذمم أنفسكم قال:

فلقينا عدونا من الأكراد، فدعوناهم.

وقال أيضا: وجمعنا الرثة، فوجد فيها سلمة حقتين جوهرا، فجعلها في سفط.

وقال أيضا: او ما كفاك أن يقال: أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب امرأة عمر بن الخطاب! قالت: إن ذلك عني لقليل الغناء، قال: كل.

وقال أيضا: فجاءوا بعس من سلت، كلما حركوه فار فوقه مما فيه، وإذا تركوه سكن ثم قال: اشرب، فشربت قليلا، شرابي الذي معي أطيب منه، فأخذ القدح فضرب به جبهته ثم قال: إنك لضعيف الأكل، ضعيف الشرب.

وقال أيضا: قلت: رسول سلمة، قال: مرحبا بسلمة وبرسوله، وكأنما خرجت من صلبه، حدثني عن المهاجرين

وقال أيضا: ثم قال: لا أشبع الله إذا بطن عمر! قال: وظن النساء أني قد اغتلته، فكشفن الستر، وقال: يا يرفأ، جأ عنقه، فوجأ عنقي وأنا أصيح، وقال: النجاء، وأظنك ستبطئ وقال: أما والله الذي لا إله غيره لئن تفرق الناس إلى مشاتيهم وسائر الحديث نحو حديث عبد الله بن كثير.

وحدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا شهاب بن خراش الحوشبي، قال: حدثنا الحجاج بن دينار، عن منصور ابن المعتمر، عن شقيق بن سلمة الأسدي، قال: حدثنا الذي جرى بين عمر بن الخطاب وسلمة بن قيس، قال: ندب عمر بن الخطاب الناس إلى سلمة بن قيس الأشجعي بالحيرة، فقال: انطلقوا باسم الله ثم ذكر نحو حديث عبد الله بن كثير، عن جعفر.

قال أبو جعفر: وحج عمر بأزواج رسول الله ص في هذه السنة، وهي آخر حجة حجها بالناس، حدثني بذلك الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، عن الواقدى

** ذكر الخبر عن وفاه عمر **

وفي هذه السنة كانت وفاته.

** ذكر الخبر عن مقتله: **

حدثني سلم بن جنادة، قال: حدثنا سليمان بن عبد العزيز بن أبي ثابت بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، قال: حدثنا أبي، عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، عن المسور بن مخرمة. - وكانت أمه عاتكة بنت عوف- قال: خرج عمر بن الخطاب يوما يطوف في السوق، فلقيه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، وكان نصرانيا، فقال: يا أمير المؤمنين، أعدني على المغيرة بن شعبة، فإن علي خراجا كثيرا، قال: وكم خراجك؟ قال: درهمان في كل يوم، قال: وأيش صناعتك؟ قال: نجار، نقاش، حداد، قال: فما أرى خراجك بكثير على ما تصنع من الأعمال، قد بلغني أنك تقول: لو اردت ان اعمل رحا تطحن بالريح فعلت، قال: نعم، قال: فاعمل لي رحا، قال: لئن سلمت لاعملن لك رحا يتحدث بها من بالمشرق والمغرب، ثم انصرف عنه، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: لقد توعدني العبد آنفا! قال: ثم انصرف عمر إلى منزله، فلما كان من الغد جاءه كعب الأحبار فقال له: يا أمير المؤمنين، اعهد، فإنك ميت في ثلاثة أيام، قال: وما يدريك؟ قال: أجده في كتاب الله عز وجل التوراة، قال عمر: آلله انك لتجد عمر ابن الخطاب في التوراة؟ قال: اللهم لا، ولكني أجد صفتك وحليتك، وأنه قد فنى أجلك- قال: وعمر لا يحس وجعا ولا ألما- فلما كان من الغد جاءه كعب، فقال: يا أمير المؤمنين، ذهب يوم وبقي يومان، قال: ثم جاءه من غد الغد، فقال: ذهب يومان وبقي يوم وليلة، وهي لك إلى صبيحتها قال: فلما كان الصبح خرج عمر إلى الصلاة، وكان يوكل بالصفوف رجالا، فإذا استوت جاء هو فكبر قال: ودخل أبو لؤلؤة في الناس، في يده خنجر له رأسان نصابه في وسطه، فضرب عمر ست ضربات، إحداهن تحت سرته، وهي التي قتلته، وقتل معه كليب ابن أبي البكير الليثي- وكان خلفه- فلما وجد عمر حر السلاح سقط، وقال: أفي الناس عبد الرحمن بن عوف؟ قالوا: نعم يا أمير المؤمنين، هو ذا، قال: تقدم فصل بالناس، قال: فصلى عبد الرحمن بن عوف، وعمر طريح، ثم احتمل فأدخل داره، فدعا عبد الرحمن بن عوف، فقال: إني أريد أن أعهد إليك، فقال: يا أمير المؤمنين نعم، إن أشرت علي قبلت منك، قال: وما تريد؟ قال: أنشدك الله، أتشير علي بذلك؟ قال: اللهم لا، قال: والله لا أدخل فيه أبدا، قال: فهب لي صمتا حتى اعهد الى النفر الذين توفى رسول الله ص وهو عنهم راض ادع لي عليا وعثمان والزبير وسعدا قال: وانتظروا أخاكم طلحة ثلاثا فإن جاء وإلا فاقضوا أمركم، أنشدك الله يا علي إن وليت من أمور الناس شيئا أن تحمل بني هاشم على رقاب الناس، أنشدك الله يا عثمان إن وليت من أمور الناس شيئا أن تحمل بني أبي معيط على رقاب الناس، أنشدك الله يا سعد إن وليت من أمور الناس شيئا أن تحمل أقاربك على رقاب الناس، قوموا فتشاوروا ثم اقضوا أمركم، وليصل بالناس صهيب ثم دعا أبا طلحة الأنصاري، فقال: قم على بابهم، فلا تدع أحدا يدخل إليهم، وأوصي الخليفة من بعدي بالأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان، أن يحسن إلى محسنهم، وأن يعفو عن مسيئهم، وأوصي الخليفة من بعدي بالعرب، فإنها مادة الإسلام، أن يؤخذ من صدقاتهم حقها فيوضع في فقرائهم، وأوصي الخليفة من بعدي بذمة رسول الله ص أن يوفي لهم بعهدهم، اللهم هل بلغت! تركت الخليفة من بعدي على أنقى من الراحة، يا عبد الله بن عمر اخرج فانظر من قتلني؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قتلك أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، قال: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل سجد لله سجدة واحدة، يا عبد الله بن عمر، اذهب إلى عائشة فسلها أن تأذن لي أن أدفن مع النبي ص وأبي بكر، يا عبد الله بن عمر، إن اختلف القوم فكن مع الأكثر، وإن كانوا ثلاثة وثلاثة فاتبع الحزب الذي فيه عبد الرحمن، يا عبد الله ائذن للناس، قال: فجعل يدخل عليه المهاجرون والأنصار فيسلمون عليه، ويقول لهم: أعن ملإ منكم كان هذا؟ فيقولون: معاذ الله! قال: ودخل في الناس كعب، فلما نظر إليه عمر أنشأ يقول:

فأوعدني كعب ثلاثا أعدها ولا شك أن القول ما قال لي كعب

وما بي حذار الموت إني لميت ولكن حذار الذنب يتبعه الذنب

قال: فقيل له: يا أمير المؤمنين لو دعوت الطبيب! قال: فدعي طبيب من بني الحارث بن كعب، فسقاه نبيذا فخرج النبيذ مشكلا، قال: فاسقوه لبنا، قال: فخرج اللبن محضا، فقيل له: يا أمير المؤمنين، اعهد، قال: قد فرغت.

قال: ثم توفي ليلة الأربعاء لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين.

قال: فخرجوا به بكرة يوم الأربعاء، فدفن في بيت عائشة مع النبي ص وأبي بكر قال: وتقدم صهيب فصلى عليه، وتقدم قبل ذلك رجلان من أصحاب رسول الله ص: علي وعثمان، قال: فتقدم واحد من عند رأسه، والآخر من عند رجليه، فقال عبد الرحمن: لا إله إلا الله، ما أحرصكما على الإمرة! أما علمتما أن أمير المؤمنين قال: ليصل بالناس صهيب! فتقدم صهيب فصلى عليه قال: ونزل في قبره الخمسة.

قال أبو جعفر: وقد قيل إن وفاته كانت في غرة المحرم سنة أربع وعشرين.

** ذكر من قال ذلك: **

حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد ابن عمر، قال: حدثني أبو بكر بن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن أبيه قال: طعن عمر رضى الله تعالى عنه يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، ودفن يوم الأحد صباح هلال المحرم سنة أربع وعشرين، فكانت ولايته عشر سنين وخمسة أشهر وإحدى وعشرين ليلة، من متوفى أبي بكر، على رأس اثنتين وعشرين سنة وتسعة أشهر وثلاثة عشر يوما من الهجرة وبويع لعثمان بن عفان يوم الاثنين لثلاث مضين من المحرم قال: فذكرت ذلك لعثمان الأخنسي، فقال: ما أراك إلا وهلت، توفي عمر رضي الله تعالى عنه لأربع ليال بقين من ذي الحجة، وبويع لعثمان بن عفان لليلة بقيت من ذي الحجة، فاستقبل بخلافته المحرم سنة أربع وعشرين.

وحدثني أحمد بن ثابت الرازي، قال: حدثنا محدث، عن إسحاق ابن عيسى، عن أبي معشر، قال: قتل عمر يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة تمام سنة ثلاث وعشرين، وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام، ثم بويع عثمان بن عفان.

قال أبو جعفر: وأما المدائني، فإنه قال فيما حدثني عمر عنه، عن شريك، عن الأعمش- أو عن جابر الجعفي- عن عوف بن مالك الأشجعي وعامر بن أبي محمد، عن أشياخ من قومه، وعثمان بن عبد الرحمن، عن ابني شهاب الزهري، قالوا: طعن عمر يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي الحجة.

قال: وقال غيرهم: لست بقين من ذي الحجة.

وأما سيف، فإنه قال فيما كتب إلي به السري يذكر أن شعيبا حدثه عنه، عن خليد بن ذفره ومجالد، قال: استخلف عثمان لثلاث مضين من المحرم سنة أربع وعشرين، فخرج فصلى بالناس العصر، وزاد: ووفد فاستن به.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبي، قال: اجتمع أهل الشورى على عثمان، لثلاث مضين من المحرم، وقد دخل وقت العصر، وقد أذن مؤذن صهيب، واجتمعوا بين الأذان والإقامة، فخرج فصلى بالناس، وزاد الناس مائة، ووفد أهل الأمصار، وصنع فيهم.

وهو أول من صنع ذلك.

وحدثت عن هشام بن محمد، قال: قتل عمر لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام

** ذكر نسب عمر رضي الله عنه **

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق.

وحدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، عن محمد بن عمر وهشام ابن محمد وحدثني عمر، قال: حدثنا علي بن محمد، قالوا جميعا في نسب عمر: هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي وكنيته أبو حفص، وأمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم

** تسميته بالفاروق **

قال أبو جعفر: وكان يقال له الفاروق.

وقد اختلف السلف فيمن سماه بذلك،

فقال بعضهم: سماه بذلك رسول الله ص.

** ذكر من قال ذلك: **

حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا أبو حزرة يعقوب بن مجاهد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي عمرو ذكوان، قال: قلت لعائشة: من سمى عمر الفاروق؟ قالت: النبي ص.

وقال بعضهم: أول من سماه بهذا الاسم أهل الكتاب.

** ذكر من قال ذلك: **

حدثنا الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، قال: قال ابن شهاب: بلغنا أن أهل الكتاب كانوا أول من قال لعمر: الفاروق، وكان المسلمون يأثرون ذلك من قولهم، ولم يبلغنا أن رسول الله ص ذكر من ذلك شيئا

** ذكر صفته **

حدثنا هناد بن السري، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، قال: خرج عمر في يوم عيد- أو في جنازة زينب- آدم طوالا أصلع أعسر يسرا، يمشي كأنه راكب.

حدثنا هناد، قال: حدثنا شريك، عن عاصم، عن زر، قال: رأيت عمر يأتي العيد ماشيا حافيا اعمر أيسر متلببا بردا قطريا، مشرفا على الناس كأنه على دابة، وهو يقول: أيها الناس، هاجروا ولا تهجروا.

وحدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا عمر بن عمران بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال: رأيت عمر رجلا أبيض أمهق، تعلوه حمرة، طوالا أصلع.

وحدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا شعيب بن طلحة، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، قال: سمعت ابن عمر يصف عمر يقول: رجل أبيض، تعلوه حمرة، طوال، اشيب، اصلع.

وحدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد ابن عمر، قال: أخبرنا خالد بن أبي بكر، قال: كان عمر يصفر لحيته، ويرجل رأسه بالحناء

** ذكر مولده ومبلغ عمره **

حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، قال:

سمعت عمر بن الخطاب، يقول: ولدت قبل الفجار الأعظم الآخر بأربع سنين.

قال أبو جعفر: واختلف السلف في مبلغ سني عمر،

فقال بعضهم: كان يوم قتل ابن خمس وخمسين سنة.

** ذكر بعض من قال ذلك: **

حدثني زيد بن أخزم الطائي، قال: حدثنا أبو قتيبة، عن جرير ابن حازم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قتل عمر بن الخطاب وهو ابن خمس وخمسين سنة.

وحدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا نعيم ابن حماد، قال: حدثنا الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: توفي عمر وهو ابن خمس وخمسين سنة.

وحدثت عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن ابن شهاب أن عمر توفي على رأس خمس وخمسين سنة.

وقال آخرون: كان يوم توفي ابن ثلاث وخمسين سنة وأشهر.

** ذكر من قال ذلك: **

حدثت بذلك عن هشام بن محمد بن الكلبي.

وقال آخرون توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة

** ذكر من قال ذلك: **

حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن عامر، قال: مات عمر وهو ابن ثلاث وستين سنة.

وقال آخرون: توفي وهو ابن إحدى وستين سنة.

** ذكر من قال ذلك: **

حدثت بذلك، عن أبي سلمة التبوذكي، عن أبي هلال، عن قتادة.

وقال آخرون: توفي وهو ابن ستين سنة.

** ذكر من قال ذلك: **

حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: توفي عمر وهو ابن ستين سنة.

قال محمد بن عمر: وهذا أثبت الأقاويل عندنا،

وذكر عن المدائني أنه قال: توفي عمر وهو ابن سبع وخمسين سنة

** ذكر أسماء ولده ونسائه **

حدثني ابو زيد عمر بن شبة، عن علي بن محمد والحارث، عن محمد بن سعد، عن محمد بن عمر وحدثت عن هشام بن محمد- اجتمعت معاني أقوالهم، واختلفت الألفاظ بها- قالوا: تزوج عمر في الجاهلية زينب ابنة مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، فولدت له عبد الله وعبد الرحمن الأكبر وحفصة.

وقال علي بن محمد: وتزوج مليكة ابنة جرول الخزاعي في الجاهلية، فولدت له عبيد الله بن عمر، ففارقها في الهدنة، فخلف عليها بعد عمر أبو الجهم بن حذيفة

وأما محمد بن عمر، فإنه قال: زيد الأصغر وعبيد الله الذي قتل يوم صفين مع معاوية، أمهما أم كلثوم بنت جرول بن مالك بن المسيب بن ربيعة بن أصرم بن ضبيس بن حرام بن حبشية بن سلول بن كعب ابن عمرو بن خزاعة، وكان الإسلام فرق بينها وبين عمر.

قال علي بن محمد: وتزوج قريبة ابنة أبي أمية المخزومي في الجاهلية، ففارقها أيضا في الهدنة، فتزوجها بعده عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق.

قالوا: وتزوج أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله ابن عمرو بن مخزوم في الإسلام، فولدت له فاطمة فطلقها قال المدائني:

وقد قيل: لم يطلقها.

وتزوج جميلة أخت عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح- واسمه قيس بن عصمة بن مالك بن ضبيعة بن زيد بن الأوس من الأنصار في الإسلام- فولدت له عاصما، فطلقها وتزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وأمها فاطمه بنت رسول الله ص، وأصدقها- فيما قيل- أربعين ألفا، فولدت له زيدا ورقية.

وتزوج لهية، امرأة من اليمن، فولدت له عبد الرحمن قال المدائني:

ولدت له عبد الرحمن الأصغر قال: ويقال كانت أم ولد قال الواقدي:

لهية هذه أم ولد وقال أيضا: ولدت له لهية عبد الرحمن الأوسط وقال:

عبد الرحمن الاصغر أمه أم ولد.

وكانت عنده فكيهة، وهي أم ولد وفي أقوالهم فولدت له زينب وقال الواقدي: هي أصغر ولد عمر.

وتزوج عاتكة ابنه زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت قبله عند عبد الله ابن أبي بكر، فلما مات عمر تزوجها الزبير بن العوام.

قال المدائني: وخطب أم كلثوم بنت أبي بكر وهي صغيرة، وأرسل فيها إلى عائشة، فقالت: الأمر إليك، فقالت أم كلثوم: لا حاجة لي فيه، فقالت لها عائشة: ترغبين عن أمير المؤمنين! قالت: نعم، إنه خشن العيش، شديد على النساء، فأرسلت عائشة إلى عمرو بن العاص فأخبرته، فقال: أكفيك، فأتى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، بلغني خبر أعيذك بالله منه، قال: وما هو؟ قال: خطبت أم كلثوم بنت أبي بكر! قال: نعم، أفرغبت بي عنها، أم رغبت بها عني؟ قال: لا واحدة، ولكنها حدثة نشأت تحت كنف أم المؤمنين في لين ورفق، وفيك غلظة، ونحن نهابك، وما نقدر أن نردك عن خلق من أخلاقك، فكيف بها إن خالفتك في شيء، فسطوت بها! كنت قد خلفت أبا بكر في ولده بغير ما يحق عليك.

قال: فكيف بعائشة وقد كلمتها؟ قال: أنا لك بها، وأدلك على خير منها، أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، تعلق منها بسبب من رسول الله ص.

قال المدائني: وخطب أم أبان بنت عتبة بن ربيعة، فكرهته، وقالت:

يغلق بابه، ويمنع خيره، ويدخل عابسا، ويخرج عابسا

** ذكر وقت إسلامه **

قال أبو جعفر: ذكر أنه أسلم بعد خمسة وأربعين رجلا وإحدى وعشرين امرأة.

** ذكر من قال ذلك: **

حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني محمد بن عبد الله، عن أبيه، قال: ذكرت له حديث عمر، فقال: أخبرني عبد الله بن ثعلبة بن صعير، قال: أسلم عمر بعد خمسة وأربعين رجلا وإحدى وعشرين امرأة

** ذكر بعض سيره **

حدثني أبو السائب، قال: حدثنا ابن فضيل، عن ضرار، عن حصين المري، قال: قال عمر: إنما مثل العرب مثل جمل أنف اتبع قائده، فلينظر قائده حيث يقوده، فاما انا فو رب الكعبة لأحملنهم على الطريق.

وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن يونس، عن الحسن، قال: قال عمر: إذا كنت في منزلة تسعني وتعجز عن الناس فو الله ما تلك لي بمنزلة حتى أكون أسوة للناس.

حدثنا خلاد بن أسلم، قال: حدثنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا قطن، قال: حدثنا أبو يزيد المديني، قال: حدثنا مولى لعثمان ابن عفان، قال: كنت رديفا لعثمان بن عفان، حتى أتى على حظيرة الصدقة في يوم شديد الحر شديد السموم، فإذا رجل عليه إزار ورداء، قد لف رأسه برداء يطرد الإبل يدخلها الحظيرة، حظيرة إبل الصدقة، فقال عثمان: من ترى هذا؟ قال: فانتهينا إليه، فإذا هو عمر بن الخطاب، فقال: هذا والله القوي الأمين.

حدثني جعفر بن محمد الكوفي وعباس بن أبي طالب، قالا: حدثنا أبو زكرياء يحيى بن مصعب الكلبي، قال: حدثنا عمر بن نافع، عن أبي بكر العبسي، قال: دخلت حير الصدقة مع عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، قال: فجلس عثمان في الظل يكتب، وقام علي راسه يمل عليه ما يقول عمر، وعمر في الشمس قائم في يوم حار شديد الحر، عليه بردان أسودان، متزرا بواحد، وقد لف على رأسه آخر، يعد إبل الصدقة، يكتب ألوانها وأسنانها، فقال علي لعثمان- وسمعته يقول: نعت بنت شعيب في كتاب الله: يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين، ثم أشار علي بيده إلى عمر، فقال: [هذا القوي الأمين!]

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا إسماعيل، عن يونس، عن الحسن، قال: قال عمر: لئن عشت إن شاء الله لأسيرن في الرعية حولا، فإني أعلم أن للناس حوائج تقطع دوني، أما عمالهم فلا يرفعونها إلي، وأما هم فلا يصلون إلي، فأسير إلى الشام، فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الجزيرة فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى مصر فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البحرين فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الكوفة فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البصرة فأقيم بها شهرين، والله لنعم الحول هذا!

حدثني محمد بن عوف، قال: حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، قال: حدثنا صفوان بن عمرو، قال: حدثنى ابو المخارق زهير ابن سالم، أن كعب الأحبار، قال: نزلت على رجل يقال له مالك- وكان جارا لعمر بن الخطاب- فقلت له: كيف بالدخول على أمير المؤمنين؟ فقال: ليس عليه باب ولا حجاب، يصلي الصلاة ثم يقعد فيكلمه من شاء.

حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا سفيان، عن يحيى، قال: أخبرني سالم، عن أسلم، قال: بعثني عمر بإبل من إبل الصدقة إلى الحمى، فوضعت جهازي على ناقة منها، فلما أردت أن أصدرها، قال: اعرضها علي، فعرضتها عليه، فرأى متاعي على ناقة منها حسناء، فقال: لا أم لك! عمدت إلى ناقة تغني أهل بيت المسلمين! فهلا ابن لبون بوالا، أو ناقة شصوصا!

حدثنى عمر بن اسماعيل بن مجالد الهمذاني، قال: حدثنا أبو معاوية عن أبي حيان، عن أبي الزنباع، عن أبي الدهقانة، قال: قيل لعمر بن الخطاب: ان هاهنا رجلا من أهل الأنبار له بصر بالديوان، لو اتخذته كاتبا! فقال عمر: لقد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين!

حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، عن جده، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس، فقال: والذي بعث محمدا بالحق، لو أن جملا هلك ضياعا بشط الفرات خشيت أن يسأل الله عنه آل الخطاب قال أبو زيد: آل الخطاب يعنى نفسه، ما يعنى غيرها.

حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي عمران الجوني، قال: كتب عمر إلى أبي موسى: إنه لم يزل للناس وجوه يرفعون حوائجهم، فأكرم من قبلك من وجوه الناس، وبحسب المسلم الضعيف من العدل، أن ينصف في الحكم وفي القسم.

وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت مطرفا، عن الشعبي، قال: أتى أعرابي عمر، فقال: إن ببعيري نقبا ودبرا فاحملني، فقال له عمر، ما ببعيرك نقب ولا دبر، قال: فولى وهو يقول:

أقسم بالله أبو حفص عمر ما مسها من نقب ولا دبر

فاغفر له اللهم إن كان فجر.

فقال: اللهم اغفر لي! ثم دعا الأعرابي فحمله.

وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا إسماعيل، قال: أخبرنا أيوب، عن محمد، قال: نبئت أن رجلا كان بينه وبين عمر قرابة، فسأله فزبره، وأخرجه فكلم فيه، فقيل: يا أمير المؤمنين، فلان سألك فزبرته وأخرجته، فقال: إنه سألني من مال الله، فما معذرتي إن لقيته ملكا خائنا! فلولا سألني من مالي! قال: فأرسل إليه بعشرة آلاف.

وكان عمر رحمه الله إذا بعث عاملا له على عمل يقول- ما حدثنا به محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا شعبه، عن يحيى بن حضين، سمع طارق بن شهاب يقول: قال عمر في عماله: اللهم إني لم أبعثهم ليأخذوا أموالهم، ولا ليضربوا أبشارهم، من ظلمه أميره فلا إمرة عليه دوني.

وحدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس يوم الجمعة، فقال: اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار أني إنما بعثتهم ليعلموا الناس دينهم وسنه نبيهم، وان يقسموا فيهم فيئهم، وأن يعدلوا، فإن أشكل عليهم شيء رفعوه إلي.

وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، قال: سمعت أبا حصين، قال: كان عمر إذا استعمل العمال خرج معهم يشيعهم، فيقول: إني لم أستعملكم على أمه محمد ص على أشعارهم، ولا على أبشارهم، إنما استعملتكم عليهم لتقيموا بهم الصلاة، وتقضوا بينهم بالحق، وتقسموا بينهم بالعدل، وإني لم أسلطكم على أبشارهم ولا على أشعارهم، ولا تجلدوا العرب فتذلوها، ولا تجمروها فتفتنوها، ولا تغفلوا عنها فتحرموها، جردوا القرآن، وأقلوا الرواية عن محمد ص، وانا شريككم وكان يقتص من عماله، وإذا شكي إليه عامل له جمع بينه وبين من شكاه، فإن صح عليه أمر يجب أخذه به أخذه به

وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: أخبرنا سعيد الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي فراس، قال: خطب عمر ابن الخطاب، فقال: يا ايها الناس، إني والله ما أرسل إليكم عمالا ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكني أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم، فمن فعل به شيء سوى ذلك فليرفعه الى، فو الذى نفس عمر بيده لأقصنه منه فوثب عمرو بن العاص، فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيتك إن كان رجل من أمراء المسلمين على رعية، فأدب بعض رعيته، إنك لتقصه منه! قال: إي والذي نفس عمر بيده إذا لأقصنه منه، وكيف لا أقصه منه وقد رايت رسول الله ص يقص من نفسه! ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تجمروهم فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم

وكان عمر رضي الله عنه- فيما ذكر عنه- يعس بنفسه، ويرتاد منازل المسلمين، ويتفقد أحوالهم بيديه.

** ذكر الخبر الوارد عنه بذلك: **

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو عامر، قال: حدثنا قرة بن خالد، عن بكر بن عبد الله المزني، قال: جاء عمر بن الخطاب إلى باب عبد الرحمن بن عوف فضربه، فجاءت المرأة ففتحته، ثم قالت له: لا تدخل حتى أدخل البيت وأجلس مجلسي، فلم يدخل حتى جلست، ثم قالت: ادخل، فدخل، ثم قال: هل من شيء؟ فأتته بطعام فأكل، وعبد الرحمن قائم يصلي، فقال له: تجوز أيها الرجل، فسلم عبد الرحمن حينئذ، ثم أقبل عليه، فقال: ما جاء بك في هذه الساعة يا أمير المؤمنين؟ قال: رفقة نزلت في ناحية السوق خشيت عليهم سراق المدينة، فانطلق فلنحرسهم، فانطلقا فأتيا السوق، فقعدا على نشز من الأرض يتحدثان، فرفع لهما مصباح، فقال عمر: ألم أنه عن المصابيح بعد النوم! فانطلقا، فإذا هم قوم على شراب لهم، فقال: انطلق فقد عرفته، فلما أصبح أرسل إليه فقال: يا فلان، كنت وأصحابك البارحة على شراب؟ قال: وما علمك يا أمير المؤمنين؟ قال: شيء شهدته، فقال: او لم ينهك الله عن التجسس! قال: فتجاوز عنه. قال بكر بن عبد الله المزني: وإنما نهى عمر عن المصابيح، لأن الفأرة تأخذ الفتيلة فترمي بها في سقف البيت فيحترق، وكان إذ ذاك سقف البيت من الجريد.

وحدثني أحمد بن حرب، قال: حدثنا مصعب بن عبد الله الزبيري، قال: حدثني أبي، عن ربيعة بن عثمان، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رحمه الله إلى حرة واقم، حتى إذا كنا بصرار، إذا نار تؤرث، فقال: يا أسلم، إني أرى هؤلاء ركبا قصر بهم الليل والبرد، انطلق بنا، فخرجنا نهرول حتى دنونا منهم، فإذا امرأة معها صبيان لها، وقدر منصوبة على النار، وصبيانها يتضاغون، فقال عمر: السلام عليكم يا أصحاب الضوء- وكره أن يقول: يا أصحاب النار- قالت: وعليك السلام، قال: أأدنو؟ قالت: ادن بخير أو دع، فدنا فقال: ما بالكم؟ قالت: قصر بنا الليل والبرد، قال: فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟ قالت: الجوع، قال: وأي شيء في هذه القدر؟ قالت: ماء أسكتهم به حتى يناموا، الله بيننا وبين عمر! قال: أي رحمك الله، ما يدري عمر بكم! قالت: يتولى أمرنا ويغفل عنا! فأقبل علي، فقال: انطلق بنا، فخرجنا نهرول، حتى أتينا دار الدقيق، فأخرج عدلا فيه كبه شحم، فقال: احمله على، فقلت: أنا أحمله عنك، قال: احمله علي، مرتين أو ثلاثا، كل ذلك أقول: أنا أحمله عنك، فقال لي في آخر ذلك: أنت تحمل عني وزري يوم القيامة، لا أم لك! فحملته عليه، فانطلق وانطلقت معه نهرول، حتى انتهينا إليها، فألقى ذلك عندها، وأخرج من الدقيق شيئا، فجعل يقول لها: ذري علي، وأنا أحرك لك، وجعل ينفخ تحت القدر- وكان ذا لحية عظيمة- فجعلت أنظر إلى الدخان من خلل لحيته حتى أنضج وأدم القدر ثم أنزلها، وقال: ابغني شيئا، فأتته بصحفة فأفرغها فيها، ثم جعل يقول: أطعميهم، وأنا أسطح لك، فلم يزل حتى شبعوا، ثم خلى عندها فضل ذلك، وقام وقمت معه، فجعلت تقول: جزاك الله خيرا! أنت أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين! فيقول: قولي خيرا، إنك إذا جئت أمير المؤمنين وجدتني هناك إن شاء الله ثم تنحى ناحية عنها، ثم استقبلها وربض مربض السبع، فجعلت أقول له: إن لك شأنا غير هذا، وهو لا يكلمني حتى رأيت الصبية يصطرعون ويضحكون ثم ناموا وهدءوا، فقام وهو يحمد الله، ثم أقبل علي فقال: يا أسلم، إن الجوع أسهرهم وأبكاهم، فأحببت ألا أنصرف حتى أرى ما رأيت منهم.

وكان عمر إذا أراد أن يأمر المسلمين بشيء أو ينهاهم عن شيء مما فيه صلاحهم بدأ بأهله، وتقدم إليهم بالوعظ لهم، والوعيد على خلافهم أمره كالذي حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر بالمدينة، عن سالم، قال: كان عمر إذا صعد المنبر فنهى الناس عن شيء جمع أهله، فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير- يعني إلى اللحم- وأقسم بالله لا أجد أحدا منكم فعله إلا أضعفت عليه العقوبة.

قال أبو جعفر: وكان رضي الله عنه شديدا على أهل الريب، وفي حق الله صليبا حتى يستخرجه، ولينا سهلا فيما يلزمه حتى يؤديه، وبالضعيف رحيما رءوفا

حدثني عبيد الله بن سعيد الزهري، قال: حدثنا عمي، قال: حدثنا أبي، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عجلان، أن زيد بن أسلم حدثه عن أبيه، أن نفرا من المسلمين كلموا عبد الرحمن بن عوف، فقالوا: كلم عمر بن الخطاب، فإنه قد أخشانا حتى والله ما نستطيع أن نديم إليه أبصارنا.

قال: فذكر ذلك عبد الرحمن بن عوف لعمر، فقال: اوقد قالوا ذلك! فو الله لقد لنت لهم حتى تخوفت الله في ذلك، ولقد اشتددت عليهم حتى خشيت الله في ذلك، وايم الله لأنا أشد منهم فرقا منهم مني!

وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو بكر، عن عاصم، قال: استعمل عمر رجلا على مصر، فبينا عمر يوما مار في طريق من طرق المدينة إذ سمع رجلا وهو يقول: الله يا عمر! تستعمل من يخون وتقول: ليس علي شيء، وعاملك يفعل كذا! قال: فأرسل إليه، فلما جاءه أعطاه عصا وجبة صوف وغنما، فقال: ارعها- واسمه عياض بن غنم- فإن أباك كان راعيا، قال: ثم دعاه، فذكر كلاما، فقال: إن أنا رددتك! فرده إلى عمله، وقال: لي عليك ألا تلبس رقيقا، ولا تركب برذونا!

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو أسامة، عن عبد الله بن الوليد، عن عاصم، عن ابن خزيمة بن ثابت الأنصاري، قال: كان عمر إذا استعمل عاملا كتب له عهدا، وأشهد عليه رهطا من المهاجرين والانصار، واشترط عليه ألا يركب برذونا، ولا يأكل نقيا، ولا يلبس رقيقا، ولا يتخذ بابا دون حاجات الناس.

وحدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، عن سلام بن مسكين، قال: حدثنا عمران، أن عمر بن الخطاب كان إذا احتاج أتى صاحب بيت المال، فاستقرضه، قال: فربما أعسر فيأتيه صاحب بيت المال يتقاضاه فيلزمه، فيحتال له عمر، وربما خرج عطاؤه فقضاه.

وعن أبي عامر العقدي، قال: حدثنا عيسى بن حفص، قال: حدثني رجل من بني سلمة، عن ابن البراء بن معرور أن عمر رضي الله عنه خرج يوما حتى أتى المنبر، وقد كان اشتكى شكوى له، فنعت له العسل، وفي بيت المال عكة، فقال: إن أذنتم لي فيها أخذتها، وإلا فهي علي حرام

** تسمية عمر رضي الله عنه أمير المؤمنين **

قال أبو جعفر: أول من دعي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ثم جرت بذلك السنة، واستعمله الخلفاء إلى اليوم.

** ذكر الخبر بذلك: **

حدثني أحمد بن عبد الصمد الأنصاري، قال: حدثنى أم عمرو بنت حسان الكوفية، عن أبيها، قال: لما ولي عمر قيل: يا خليفة خليفه رسول الله، فقال عمر رضي الله عنه: هذا أمر يطول، كلما جاء خليفة قالوا: يا خليفة خليفه خليفه رسول الله! بل أنتم المؤمنون وأنا أميركم، فسمي أمير المؤمنين.

قال أحمد بن عبد الصمد: سألتها كم أتى عليك من السنين؟ قالت:

مائة وثلاث وثلاثون سنة.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا أبو حمزة، عن جابر، قال: قال رجل لعمر بن الخطاب: يا خليفة الله، قال: خالف الله بك! فقال: جعلني الله فداءك! قال: إذا يهينك الله!

** وضعه التأريخ **

قال أبو جعفر: وكان أول من وضع التأريخ وكتبه- فيما حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، عن محمد بن عمر- في سنة ست عشرة في شهر ربيع الأول منها، وقد مضى ذكري سبب كتابه ذلك، وكيف كان الأمر فيه.

وعمر رضي الله عنه أول من أرخ الكتب، وختم بالطين.

وهو أول من جمع الناس على إمام يصلي بهم التراويح في شهر رمضان، وكتب بذلك إلى البلدان، وأمرهم به، وذلك- فيما حدثني به الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، عن محمد بن عمر- في سنة أربع عشرة، وجعل للناس قارئين: قارئا يصلي بالرجال وقارئا يصلي بالنساء

** حمله الدرة وتدوينه الدواوين **

وهو أول من حمل الدرة، وضرب بها، وهو أول من دون للناس في الإسلام الدواوين، وكتب الناس على قبائلهم، وفرض لهم العطاء.

حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا محمد بن عمر، قال: حدثني عائذ بن يحيى، عن أبي الحويرث، عن جبير بن الحويرث بن نقيد، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استشار المسلمين في تدوين الدواوين، فقال له علي بن أبي طالب: تقسم كل سنة ما اجتمع إليك من مال، فلا تمسك منه شيئا وقال عثمان بن عفان: أرى مالا كثيرا يسع الناس، وإن لم يحصوا حتى تعرف من أخذ ممن لم يأخذ، خشيت أن ينتشر الأمر فقال له الوليد بن هشام بن المغيرة: يا أمير المؤمنين قد جئت الشام، فرأيت ملوكها قد دونوا ديوانا، وجندوا جندا، فدون ديوانا، وجند جندا فأخذ بقوله، فدعا عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم، وكانوا من نساب قريش- فقال: اكتبوا الناس على منازلهم، فكتبوا فبدءوا ببني هاشم، ثم أتبعوهم أبا بكر وقومه، ثم عمر وقومه على الخلافة، فلما نظر فيه عمر قال: لوددت والله أنه هكذا، ولكن ابدءوا بقرابه رسول الله ص، الأقرب فالأقرب، حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله

حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، قال: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين عرض عليه الكتاب، وبنو تيم على أثر بني هاشم وبنو عدي على أثر بني تيم، فأسمعه يقول:

ضعوا عمر موضعه، وابدءوا بالأقرب فالأقرب من رسول الله، فجاءت بنو عدي إلى عمر، فقالوا: أنت خليفة رسول الله، قال: أو خليفة أبي بكر، وأبو بكر خليفة رسول الله، قالوا: وذاك، فلو جعلت نفسك حيث جعلك هؤلاء القوم! قال: بخ بخ بني عدي! أردتم الأكل على ظهري، وأن أذهب حسناتي لكم! لا والله حتى تأتيكم الدعوة، وأن أطبق عليكم الدفتر ولو أن تكتبوا في آخر الناس، إن لي صاحبين سلكا طريقا، فإن خالفتهما خولف بي، والله ما أدركنا الفضل في الدنيا، ولا نرجو ما نرجو من الآخرة من ثواب الله على ما عملنا الا بمحمد ص، فهو شرفنا، وقومه أشرف العرب، ثم الأقرب فالأقرب، ان العرب شرفت برسول الله، ولعل بعضها يلقاه إلى آباء كثيرة، وما بيننا وبين أن نلقاه إلى نسبه ثم لا نفارقه إلى آدم إلا آباء يسيرة، مع ذلك والله لئن جاءت الأعاجم بالأعمال، وجئنا بغير عمل، فهم أولى بمحمد منا يوم القيامة، فلا ينظر رجل إلى قرابة، وليعمل لما عند الله، فإن من قصر به عمله لم يسرع به نسبه.

حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني حزام بن هشام الكعبي، عن أبيه، قال: رأيت عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه يحمل ديوان خزاعة حتى ينزل قديدا، فنأتيه بقديد، فلا يغيب عنه امرأة بكر ولا ثيب، فيعطيهن في أيديهن، ثم يروح فينزل عسفان، فيفعل مثل ذلك أيضا حتى توفي.

حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عبد الله بن جعفر الزهري وعبد الملك بن سليمان، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن السائب بن يزيد، قال: سمعت عمر ابن الخطاب، يقول: والله الذي لا إله إلا هو، ثلاثا، ما من أحد إلا له في هذا المال حق أعطيه أو منعه، وما أحد أحق به من أحد إلا عبد مملوك، وما أنا فيه إلا كأحدهم، ولكنا على منازلنا من كتاب الله، وقسمنا من رسول الله ص، والرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته، والله لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو مكانه.

قال إسماعيل بن محمد: فذكرت ذلك لأبي، فعرف الحديث.

حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري، عن السائب بن يزيد، قال: رأيت خيلا عند عمر بن الخطاب موسومة في أفخاذها: حبيس في سبيل الله.

حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني قيس بن الربيع، عن عطاء بن السائب، عن زاذان، عن سلمان، أن عمر قال له: أملك أنا أم خليفة؟ فقال له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهما أو أقل أو أكثر، ثم وضعته في غير حقه، فأنت ملك غير خليفة، فاستعبر عمر.

حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني أسامة بن زيد، قال: حدثني نافع مولى آل الزبير، قال: سمعت أبا هريرة يقول: يرحم الله ابن حنتمة! لقد رأيته عام الرمادة، وإنه ليحمل على ظهره جرابين وعكة زيت في يده، وإنه ليعتقب هو وأسلم، فلما رآني قال: من أين يا أبا هريرة؟ قلت: قريبا، فأخذت أعقبه، فحملناه حتى انتهينا إلى صرار، فإذا صرم نحو من عشرين بيتا من محارب، فقال عمر: ما أقدمكم؟ قالوا: الجهد، وأخرجوا لنا جلد الميتة مشويا كانوا يأكلونه، ورمة العظام مسحوقة كانوا يستفونها، فرأيت عمر طرح رداءه، ثم اتزر، فما زال يطبخ لهم حتى شبعوا، فأرسل أسلم إلى المدينة فجاء بأبعرة فحملهم عليها حتى أنزلهم الجبانة، ثم كساهم وكان يختلف إليهم وإلى غيرهم حتى رفع الله ذلك.

حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرني موسى بن يعقوب، عن عمه، عن هشام بن خالد، قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: لا تذرن إحداكن الدقيق حتى يسخن الماء ثم تذره قليلا قليلا، وتسوطه بمسوطها، فإنه أريع له، وأحرى ألا يتقرد.

حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن مصعب القرقساني، قال: حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن راشد بن سعد، أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أتي بمال، فجعل يقسمه بين الناس، فازدحموا عليه، فأقبل سعد بن أبي وقاص يزاحم الناس، حتى خلص إليه، فعلاه عمر بالدرة، وقال: إنك أقبلت لا تهاب سلطان الله في الأرض، فأحببت أن أعلمك أن سلطان الله لن يهابك.

حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا عمر بن سليمان بن أبي حثمه، عن ابيه، قال: قالت الشفا ابنة عبد الله- ورأيت فتيانا يقصدون في المشي، ويتكلمون رويدا، فقالت: ما هذا؟ قالوا: نساك، فقالت: كان والله عمر إذا تكلم أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع، هو والله الناسك حقا.

حدثني عمر، قال: حدثنا علي بن محمد، قال: حدثنا عبد الله ابن عامر، قال: أعان عمر رجلا على حمل شيء، فدعا له الرجل، وقال: نفعك بنوك يا أمير المؤمنين! فقال: بل أغناني الله عنهم.

حدثني عمر، قال: حدثنا علي بن محمد، عن عمر بن مجاشع.

قال: قال عمر بن الخطاب: القوة في العمل ألا تؤخر عمل اليوم لغد، والأمانة ألا تخالف سريرة علانية، واتقوا الله عز وجل، فإنما التقوى بالتوقي، ومن يتق الله يقه.

حدثني عمر، قال: حدثنا علي، عن عوانة، عن الشعبي- وغير عوانة زاد أحدهما على الآخر- أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يطوف في الأسواق، ويقرأ القرآن، ويقضي بين الناس حيث أدركه الخصوم.

حدثني عمر، قال: حدثنا علي، عن محمد بن صالح، أنه سمع موسى بن عقبة يحدث أن رهطا أتوا عمر، فقالوا: كثر العيال، واشتدت المئونة، فزدنا في أعطياتنا، قال: فعلتموها، جمعتم بين الضرائر، واتخذتم الخدم في مال الله عز وجل! أما والله لوددت أني وإياكم في سفينة في لجة البحر، تذهب بنا شرقا وغربا، فلن يعجز الناس أن يولوا رجلا منهم، فإن استقام اتبعوه، وإن جنف قتلوه، فقال طلحة: وما عليك لو قلت: إن تعوج عزلوه! فقال: لا، القتل أنكل لمن بعده، احذروا فتى قريش وابن كريمها الذي لا ينام إلا على الرضا، ويضحك عند الغضب، وهو يتناول من فوقه ومن تحته.

حدثني عمر، قال: حدثنا علي، عن عبد الله بن داود الواسطي، عن زيد بن أسلم، قال: قال عمر: كنا نعد المقرض بخيلا، إنما كانت المواساة.

حدثني عمر، قال: حدثنا علي، عن ابن دأب، عن أبي معبد الأسلمي، عن ابن عباس، أن عمر قال لناس من قريش: بلغني أنكم تتخذون مجالس، لا يجلس اثنان معا حتى يقال: من صحابة فلان؟ من جلساء فلان؟ حتى تحوميت المجالس، وايم الله إن هذا لسريع في دينكم، سريع في شرفكم، سريع في ذات بينكم، ولكأني بمن يأتي بعدكم يقول:

هذا رأي فلان، قد قسموا الإسلام أقساما، أفيضوا مجالسكم بينكم، وتجالسوا معا، فإنه أدوم لألفتكم، وأهيب لكم في الناس اللهم ملوني ومللتهم، وأحسست من نفسي وأحسوا مني، ولا أدري بأينا يكون الكون، وقد أعلم أن لهم قبيلا منهم، فاقبضني إليك.

حدثني عمر، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد، عن أبيه، قال: اتخذ عبد الله بن أبي ربيعة أفراسا بالمدينة، فمنعه عمر بن الخطاب، فكلموه في أن يأذن له، قال: لا آذن له، إلا أن يجيء بعلفها من غير المدينة فارتبط أفراسا، وكان يحمل إليها علفا من أرض له باليمن.

حدثني عمر، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا أبو إسماعيل الهمداني، عن مجالد، قال: بلغني أن قوما ذكروا لعمر بن الخطاب رجلا، فقالوا:

يا أمير المؤمنين، فاضل لا يعرف من الشر شيئا، قال: ذاك أوقع له فيه!

** ذكر بعض خطبه رضي الله تعالى عنه **

حدثني عمر، قال: حدثنا علي، عن أبي معشر، عن ابن المنكدر وغيره، وأبي معاذ الأنصاري عن الزهري، ويزيد بن عياض عن عبد الله ابن أبي بكر، وعلي بن مجاهد عن ابن إسحاق، عن يزيد بن عياض، عن عبد الله بن أبي إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، أن عمر رضى الله تعالى عنه خطب فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم ذكر الناس بالله عز وجل واليوم الآخر، ثم قال: يا ايها الناس، إني قد وليت عليكم، ولولا رجاء أن أكون خيركم لكم، وأقواكم عليكم، وأشدكم استضلاعا بما ينوب من مهم أموركم، ما توليت ذلك منكم، ولكفى عمر مهما محزنا انتظار موافقة الحساب بأخذ حقوقكم كيف آخذها، ووضعها أين أضعها، وبالسير فيكم كيف أسير! فربي المستعان، فإن عمر أصبح لا يثق بقوة ولا حيلة إن لم يتداركه الله عز وجل برحمته وعونه وتأييده.

ثم خطب فقال:

إن الله عز وجل قد ولاني أمركم، وقد علمت أنفع ما بحضرتكم لكم، وإني أسأل الله أن يعينني عليه، وأن يحرسني عنده، كما حرسني عند غيره، وأن يلهمني العدل في قسمكم كالذي أمر به، وإني امرؤ مسلم وعبد ضعيف، إلا ما أعان الله عز وجل، ولن يغير الذي وليت من خلافتكم من خلقي شيئا إن شاء الله، إنما العظمة لله عز وجل، وليس للعباد منها شيء، فلا يقولن أحد منكم: إن عمر تغير منذ ولي أعقل الحق من نفسي وأتقدم، وأبين لكم أمري، فأيما رجل كانت له حاجة أو ظلم مظلمة، أو عتب علينا في خلق، فليؤذني، فإنما أنا رجل منكم، فعليكم بتقوى الله في سركم وعلانيتكم، وحرماتكم وأعراضكم، وأعطوا الحق من أنفسكم، ولا يحمل بعضكم بعضا على أن تحاكموا إلي، فإنه ليس بيني وبين أحد من الناس هوادة، وأنا حبيب إلي صلاحكم، عزيز علي عتبكم وأنتم أناس عامتكم حضر في بلاد الله، وأهل بلد لا زرع فيه ولا ضرع إلا ما جاء الله به إليه.

وإن الله عز وجل قد وعدكم كرامة كثيرة، وأنا مسئول عن أمانتي وما أنا فيه، ومطلع على ما بحضرتي بنفسي إن شاء الله، لا أكله إلى أحد، ولا أستطيع ما بعد منه إلا بالأمناء وأهل النصح منكم للعامة، ولست أجعل أمانتي إلى أحد سواهم إن شاء الله.

وخطب أيضا، فقال بعد ما حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ص:

أيها الناس، إن بعض الطمع فقر، وإن بعض اليأس غنى، وإنكم تجمعون ما لا تأكلون، وتأملون ما لا تدركون، وأنتم مؤجلون في دار غرور كنتم على عهد رسول الله ص، تؤخذون بالوحي، فمن أسر شيئا أخذ بسريرته، ومن أعلن شيئا أخذ بعلانيته، فأظهروا لنا أحسن أخلاقكم، والله أعلم بالسرائر، فإنه من اظهر شيئا وزعم أن سريرته حسنة لم نصدقه، ومن أظهر لنا علانية حسنة ظننا به حسنا واعلموا أن بعض الشح شعبة من النفاق، ف أنفقوا خيرا لأنفسكم، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون.

أيها الناس، أطيبوا مثواكم، وأصلحوا أموركم، واتقوا الله ربكم، ولا تلبسوا نساءكم القباطي، فإنه إن لم يشف فإنه يصف.

أيها الناس، إني لوددت أن أنجو كفافا لا لي ولا علي، وإني لأرجو إن عمرت فيكم يسيرا أو كثيرا أن أعمل بالحق فيكم إن شاء الله، وألا يبقى أحد من المسلمين وإن كان في بيته إلا أتاه حقه ونصيبه من مال الله، ولا يعمل إليه نفسه، ولم ينصب إليه يوما وأصلحوا أموالكم التي رزقكم الله، ولقليل في رفق خير من كثير في عنف، والقتل حتف من الحتوف، يصيب البر والفاجر، والشهيد من احتسب نفسه وإذا أراد أحدكم بعيرا فليعمد إلى الطويل العظيم فليضربه بعصاه، فإن وجده حديد الفؤاد فليشتره

قالوا: وخطب أيضا فقال:

إن الله سبحانه وبحمده قد استوجب عليكم الشكر، واتخذ عليكم الحج فيما آتاكم من كرامة الآخرة والدنيا، عن غير مسألة منكم له، ولا رغبة منكم فيه إليه، فخلقكم تبارك وتعالى ولم تكونوا شيئا لنفسه وعبادته، وكان قادرا أن يجعلكم لأهون خلقه عليه، فجعل لكم عامة خلقه، ولم يجعلكم لشيء غيره، وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض، وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، وحملكم في البر والبحر، ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون ثم جعل لكم سمعا وبصرا ومن نعم الله عليكم نعم عم بها بني آدم، ومنها نعم اختص بها أهل دينكم، ثم صارت تلك النعم خواصها وعوامها في دولتكم وزمانكم وطبقتكم، وليس من تلك النعم نعمة وصلت إلى امرئ خاصة إلا لو قسم ما وصل إليه منها بين الناس كلهم أتعبهم شكرها، وفدحهم حقها، إلا بعون الله مع الإيمان بالله ورسوله، فأنتم مستخلفون في الأرض، قاهرون لأهلها، قد نصر الله دينكم، فلم تصبح أمة مخالفة لدينكم إلا أمتان، أمة مستعبدة للإسلام وأهله، يجزون لكم، يستصفون معايشهم وكدائحهم ورشح جباههم، عليهم المئونة ولكم المنفعة، وأمة تنتظر وقائع الله وسطواته في كل يوم وليلة، قد ملأ الله قلوبهم رعبا، فليس لهم معقل يلجئون إليه، ولا مهرب يتقون به، قد دهمتهم جنود الله عز وجل ونزلت بساحتهم، مع رفاغة العيش، واستفاضة المال، وتتابع البعوث، وسد الثغور بإذن الله، مع العافية الجليلة العامة التي لم تكن هذه الأمة على أحسن منها مذ كان الإسلام، والله المحمود، مع الفتوح العظام في كل بلد فما عسى أن يبلغ مع هذا شكر الشاكرين وذكر الذاكرين واجتهاد المجتهدين، مع هذه النعم التي لا يحصى عددها، ولا يقدر قدرها، ولا يستطاع أداء حقها إلا بعون الله ورحمته ولطفه! فنسأل الله الذي لا إله إلا هو الذي أبلانا هذا، أن يرزقنا العمل بطاعته، والمسارعة إلى مرضاته.

واذكروا عباد الله بلاء الله عندكم، واستتموا نعمة الله عليكم وفي مجالسكم مثنى وفرادى، فإن الله عز وجل قال لموسى: «أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله» وقال لمحمد ص:

«واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض» فلو كنتم إذ كنتم مستضعفين محرومين خير الدنيا على شعبة من الحق، تؤمنون بها، وتستريحون إليها، مع المعرفة بالله ودينه، وترجون بها الخير فيما بعد الموت، لكان ذلك، ولكنكم كنتم أشد الناس معيشة، وأثبتهم بالله جهالة فلو كان هذا الذي استشلاكم به لم يكن معه حظ في دنياكم، غير أنه ثقة لكم في آخرتكم التي إليها المعاد والمنقلب، وأنتم من جهد المعيشة على ما كنتم عليه أحرياء أن تشحوا على نصيبكم منه، وأن تظهروه على غيره، فبله ما إنه قد جمع لكم فضيلة الدنيا وكرامة الآخرة، ومن شاء أن يجمع له ذلك منكم، فأذكركم الله الحائل بين قلوبكم الا ما عرفتم حق الله فعلمتم له، وقسرتم أنفسكم على طاعته، وجمعتم مع السرور بالنعم خوفا لها ولانتقالها، ووجلا منها ومن تحويلها، فإنه لا شيء أسلب للنعمة من كفرانها، وإن الشكر أمن للغير، ونماء للنعمة، واستيجاب للزيادة، هذا لله علي من أمركم ونهيكم واجب

** من ندب عمر ورثاه رضي الله عنه ذكر بعض ما رثي به **

حدثني عمر، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا أبو عبد الله البرجمي، عن هشام بن عروة، أن باكية بكت على عمر، فقالت: واحرى على عمر! حر انتشر، فملأ البشر وقالت أخرى: واحرى على عمر! حر انتشر، حتى شاع في البشر.

حدثني عمر، قال حدثنا علي، قال: حدثنا ابن دأب وسعيد بن خالد، عن صالح بن كيسان، عن المغيرة بن شعبة، قال: لما مات عمر رضي الله عنه بكته ابنة أبي حثمه، فقالت: وا عمراه! أقام الأود، وأبرأ العمد، أمات الفتن، وأحيا السنن، خرج نقي الثوب، بريئا من العيب.

قال: وقال المغيرة بن شعبة: لما دفن عمر أتيت عليا وأنا أحب أن أسمع منه في عمر شيئا، فخرج ينفض رأسه ولحيته وقد اغتسل، وهو ملتحف بثوب، لا يشك أن الأمر يصير إليه، [فقال: يرحم الله ابن الخطاب! لقد صدقت ابنة أبي حثمة، لقد ذهب بخيرها، ونجا من شرها، أما والله ما قالت، ولكن قولت] .

وقالت عاتكة ابنة زيد بن عمر بن الخطاب رضى الله عنه:

فجعنى فيروز لا در دره بأبيض تال للكتاب منيب

رءوف على الأدنى غليظ على العدا أخي ثقة في النائبات مجيب

متى ما يقل لا يكذب القول فعله سريع إلى الخيرات غير قطوب

وقالت أيضا:

عين جودي بعبرة ونحيب لا تملي على الإمام النجيب

فجعتني المنون بالفارس المعلم يوم الهياج والتلبيب

عصمه الناس والمعين على الدهر وغيث المنتاب والمحروب

قل لأهل السراء والبؤس موتوا قد سقته المنون كأس شعوب

وقالت امرأة تبكيه:

سيبكيك نساء الحي يبكين شجيات

ويخمشن وجوها كالدنانير نقيات

ويلبسن ثياب الحزن بعد القصبيات

** شيء من سيره مما لم يمض ذكره **

حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا علي بن محمد، عن ابن جعدبة، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن سعيد بن المسيب، قال: حج عمر، فلما كان بضجنان قال: لا إله إلا الله العظيم العلي، المعطي ما شاء من شاء! كنت أرعى إبل الخطاب بهذا الوادي في مدرعة صوف، وكان فظا يتعبني إذا عملت، ويضربني إذا قصرت، وقد أمسيت وليس بيني وبين الله أحد، ثم تمثل:

لا شيء فيما ترى تبقى بشاشته يبقى الإله ويودى المال والولد

لم تغن عن هرمز يوما خزائنه والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا

ولا سليمان إذ تجري الرياح له والإنس والجن فيما بينها ترد

أين الملوك التي كانت نوافلها من كل أوب إليها راكب يفد

حوضا هنالك مورودا بلا كذب لا بد من ورده يوما كما وردوا

حدثني عمر بن شبة، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا أبو الوليد المكي، قال: بينما عمر جالس إذ أقبل رجل أعرج يقود ناقة تظلع، حتى وقف عليه، فقال:

إنك مسترعى وإنا رعية وإنك مدعو بسيماك يا عمر

إذا يوم شر شره لشراره فقد حملتك اليوم أحسابها مضر

فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله. وشكا الرجل ظلع ناقته، فقبض عمر الناقة وحمله على جمل أحمر وزوده، وانصرف ثم خرج عمر في عقب ذلك حاجا، فبينا هو يسير إذ لحق راكبا يقول:

ما ساسنا مثلك يا بن الخطاب أبر بالأقصى ولا بالأصحاب

بعد النبي صاحب الكتاب.

فنخسه عمر بمخصرة معه، وقال: فأين أبو بكر! حدثني عمر، قال: حدثنا علي بن محمد، عن محمد بن صالح، عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، قال: استعمل عمر عتبة بن أبي سفيان على كنانة، فقدم معه بمال، فقال: ما هذا يا عتبة؟ قال: مال خرجت به معى وتجرت فيه، قال: ومالك تخرج المال معك في هذا الوجه! فصيره في بيت المال فلما قام عثمان قال لأبي سفيان: إن طلبت ما أخذ عمر من عتبة رددته عليه، فقال أبو سفيان: إنك إن خالفت صاحبك قبلك ساء رأي الناس فيك، إياك أن ترد على من كان قبلك، فيرد عليك من بعدك.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن الربيع بن النعمان وأبي المجالد جراد بن عمرو وأبي عثمان وأبي حارثة وأبي عمرو مولى إبراهيم بن طلحة، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قالوا: إن هند ابنة عتبة قامت إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فاستقرضته من بيت المال أربعة آلاف تتجر فيها وتضمنها، فأقرضها، فخرجت فيها إلى بلاد كلب، فاشترت وباعت، فبلغها أن أبا سفيان وعمرو بن أبي سفيان قد أتيا معاوية، فعدلت إليه من بلاد كلب، فأتت معاوية، وكان أبو سفيان قد طلقها، قال:

ما أقدمك أي أمه؟ قالت: النظر إليك أي بني، إنه عمر، وإنما يعمل لله، وقد أتاك أبوك فخشيت أن تخرج إليه من كل شيء، وأهل ذلك هو، فلا يعلم الناس من أين أعطيته فيؤنبونك ويؤنبك عمر، فلا يستقيلها أبدا، فبعث إلى أبيه وإلى أخيه بمائة دينار، وكساهما وحملهما، فتعظمها عمرو، فقال أبو سفيان: لا تعظمها، فإن هذا عطاء لم تغب عنه هند، ومشورة قد حضرتها هند، ورجعوا جميعا، فقال أبو سفيان لهند: أربحت؟ فقالت:

الله أعلم، معي تجارة إلى المدينة فلما أتت المدينة وباعت شكت الوضيعة، فقال لها عمر: لو كان مالي لتركته لك، ولكنه مال المسلمين، وهذه مشورة لم يغب عنها أبو سفيان، فبعث إليه فحبسه حتى اوفته، وقال لأبي سفيان:

بكم أجازك معاوية؟ فقال: بمائة دينار وحدثني عمر، قال: حدثنا علي، عن مسلمة بن محارب، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن أبي صعصعة عن الأحنف، قال: أتى عبد الله بن عمير عمر، وهو يفرض للناس- واستشهد أبوه يوم حنين- فقال: يا أمير المؤمنين، افرض لي، فلم يلتفت إليه، فنخسه، فقال عمر: حس! وأقبل عليه فقال: من أنت؟ قال: عبد الله بن عمير، قال: يا يرفأ، أعطه ستمائه، فاعطاه خمسمائة، فلم يقبلها، وقال: أمر لي أمير المؤمنين بستمائة، ورجع إلى عمر فأخبره، فقال عمر: يا يرفا، أعطه ستمائه وحلة، فأعطاه فلبس الحلة التي كساه عمر، ورمى بما كان عليه، فقال له عمر: يا بني، خذ ثيابك هذه فتكون لمهنة أهلك، وهذه لزينتك.

حدثني عمر، قال: حدثنا علي، قال حدثنا: أبو الوليد المكي، عن رجل من ولد طلحة، عن ابن عباس، قال: خرجت مع عمر في بعض أسفاره، فإنا لنسير ليلة، وقد دنوت منه، إذ ضرب مقدم رحله بسوطه، وقال:

كذبتم وبيت الله يقتل أحمد ولما نطاعن دونه ونناضل

ونسلمه حتى نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل

ثم قال، أستغفر الله، ثم سار فلم يتكلم قليلا، ثم قال:

وما حملت من ناقة فوق رحلها أبر وأوفى ذمة من محمد

وأكسى لبرد الخال قبل ابتذاله وأعطى لرأس السابق المتجرد

ثم قال: استغفر الله، يا بن عباس، ما منع عليا من الخروج معنا؟

قلت: لا ادرى، قال: يا بن عباس، ابوك عم رسول الله ص، وأنت ابن عمه، فما منع قومكم منكم؟ قلت: لا أدري، قال: لكني أدري، يكرهون ولايتكم لهم! قلت: لم، ونحن لهم كالخير؟ قال: اللهم غفرا، يكرهون أن تجتمع فيكم النبوة والخلافة، فيكون بجحا بجحا، لعلكم تقولون: إن أبا بكر فعل ذلك، لا والله ولكن أبا بكر أتى أحزم ما حضره، ولو جعلها لكم ما نفعكم مع قربكم، أنشدني لشاعر الشعراء زهير قوله:

إذا ابتدرت قيس بن عيلان غاية من المجد من يسبق إليها يسود

فأنشدته وطلع الفجر، فقال: اقرأ الواقعة، فقرأتها، ثم نزل فصلى، وقرأ بالواقعة.

حدثني ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق.

عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبعض أصحابه يتذاكرون الشعر، فقال بعضهم: فلان أشعر، وقال بعضهم: بل فلان أشعر، قال: فأقبلت، فقال عمر: قد جاءكم أعلم الناس بها، فقال عمر: من شاعر الشعراء يا بن عباس؟ قال: فقلت:

زهير بن أبي سلمى، فقال عمر: هلم من شعره ما نستدل به على ما ذكرت، فقلت: امتدح قوما من بني عبد الله بن غطفان، فقال:

لو كان يقعد فوق الشمس من كرم قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا

قوم أبوهم سنان حين تنسبهم طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا

إنس إذا أمنوا، جن إذا فزعوا مرزءون بها ليل إذا حشدوا

محسدون على ما كان من نعم لا ينزع الله منهم ماله حسدوا

فقال عمر: أحسن، وما أعلم أحدا أولى بهذا الشعر من هذا الحي من بني هاشم! لفضل رسول الله ص وقرابتهم منه، فقلت: وفقت يا أمير المؤمنين، ولم تزل موفقا، فقال: يا بن عباس، أتدري ما منع قومكم منهم بعد محمد؟ فكرهت أن أجيبه، فقلت: إن لم أكن أدري فأمير المؤمنين يدريني، فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة، فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت فقلت: يا أمير المؤمنين، إن تأذن لي في الكلام، وتمط عني الغضب تكلمت.

فقال: تكلم يا بن عباس، فقلت: أما قولك يا أمير المؤمنين: اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت، فلو أن قريشا اختارت لأنفسها حيث اختار الله عز وجل لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود وأما قولك: إنهم كرهوا أن تكون لنا النبوة والخلافة، فإن الله عز وجل وصف قوما بالكراهية فقال: «ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم» .

فقال عمر: هيهات والله يا بن عباس! قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أفرك عنها، فتزيل منزلتك مني، فقلت: وما هي يا أمير المؤمنين؟ فإن كانت حقا فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك، وإن كانت باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه، فقال عمر: بلغني أنك تقول: إنما صرفوها عنا حسدا وظلما! فقلت: أما قولك يا أمير المؤمنين: ظلما، فقد تبين للجاهل والحليم، وأما قولك: حسدا، فإن إبليس حسد آدم، فنحن ولده المحسودون، فقال عمر: هيهات! أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلا حسدا ما يحول، وضغنا وغشا ما يزول فقلت: مهلا يا أمير المؤمنين، لا تصف قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا بالحسد والغش، فإن قلب رسول الله ص من قلوب بني هاشم فقال عمر: إليك عنى يا بن عباس، فقلت: أفعل، فلما ذهبت لأقوم استحيا منى فقال: يا بن عباس، مكانك، فو الله إني لراع لحقك، محب لما سرك، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن لي عليك حقا وعلى كل مسلم، فمن حفظه فحفظه أصاب، ومن أضاعه فحظه أخطأ.

ثم قام فمضى.

حدثنى احمد بن عمرو، قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، قال: حدثنا عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، قال:

مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه في السوق ومعه الدرة، فخفقني بها خفقة، فأصاب طرف ثوبي، فقال: أمط عن الطريق، فلما كان في العام المقبل لقيني فقال: يا سلمة، تريد الحج؟ فقلت: نعم، فأخذ بيدي، فانطلق بي الى منزله فأعطاني ستمائه درهم، وقال: استعن بها على حجك، واعلم أنها بالخفقة التي خفقتك، قلت: يا أمير المؤمنين ما ذكرتها! قال: وأنا ما نسيتها.

حدثني عبد الحميد بن بيان، قال أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن سلمة بن كهيل، قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أيها الرعية: إن لنا عليكم حقا النصيحة بالغيب، والمعاونة على الخير، إنه ليس من حلم أحب إلى الله ولا أعم نفعا من حلم إمام ورفقه أيها الرعية، إنه ليس من جهل أبغض إلى الله ولا أعم شرا من جهل إمام وخرقه أيها الرعية، إنه من يأخذ بالعافية لمن بين ظهرانيه، يؤتى الله العافية من فوقه

حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثنا يحيى بن معين، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا عيسى بن يزيد بن دأب، عن عبد الرحمن ابن أبي زيد، عن عمران بن سوادة، قال: صليت الصبح مع عمر، فقرأ:

سبحان وسورة معها، ثم انصرف وقمت معه، فقال: أحاجة؟ قلت:

حاجة، قال: فالحق، قال: فلحقت، فلما دخل أذن لي، فإذا هو على سرير ليس فوقه شيء، فقلت: نصيحة، فقال: مرحبا بالناصح غدوا وعشيا، قلت: عابت أمتك منك أربعا، قال: فوضع رأس درته في ذقنه، ووضع أسفلها على فخذه، ثم قال: هات، قلت: ذكروا أنك حرمت العمرة في أشهر الحج، ولم يفعل ذلك رسول الله ص ولا أبو بكر رضي الله عنه، وهي حلال، قال: هي حلال، لو أنهم اعتمروا في أشهر الحج رأوها مجزية من حجهم، فكانت قائبة قوب عامها، فقرع حجهم، وهو بهاء من بهاء الله، وقد أصبت قلت: وذكروا أنك حرمت متعة النساء وقد كانت رخصة من الله نستمتع بقبضة ونفارق عن ثلاث.

قال: ان رسول الله ص أحلها في زمان ضرورة، ثم رجع الناس إلى السعة، ثم لم أعلم أحدا من المسلمين عمل بها ولا عاد إليها، فالآن من شاء نكح بقبضة وفارق عن ثلاث بطلاق، وقد أصبت قال: قلت:

وأعتقت الأمة أن وضعت ذا بطنها بغير عتاقة سيدها، قال: ألحقت حرمة بحرمة، وما أردت إلا الخير، واستغفر الله قلت: وتشكوا منك نهر الرعية وعنف السياق قال: فشرع الدرة، ثم مسحها حتى أتى على آخرها، ثم قال: أنا زميل محمد- وكان زامله في غزوه قرقره الكدر- فو الله إني لأرتع فأشبع، وأسقي فأروي، وأنهز اللفوت، وأزجر العروض، وأذب قدري، وأسوق خطوي، وأضم العنود، وألحق القطوف، وأكثر الزجر، وأقل الضرب، وأشهر العصا، وأدفع باليد، لولا ذلك لاغدرت.

قال: فبلغ ذلك معاوية، فقال: كان والله عالما برعيتهم

حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن محمد، قال: نبئت أن عثمان قال: إن عمر كان يمنع أهله وأقرباءه ابتغاء وجه الله، وإني أعطي أهلي وأقربائي ابتغاء وجه الله، ولن يلقى مثل عمر ثلاثة.

وحدثني علي بن سهل، قال: حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن عبد الله ابن أبي سليمان، عن أبيه، قال: قدمت المدينة، فدخلت دارا من دورها، فإذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عليه إزار قطري، يدهن إبل الصدقة بالقطران.

وحدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن حبيب، عن أبي وائل، قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لأخذت فضول أموال الأغنياء، فقسمتها على فقراء المهاجرين.

وحدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا منصور بن أبي الأسود، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد، قال: كان الوفد إذا قدموا على عمر رضي الله عنه سألهم عن أميرهم، فيقولون خيرا، فيقول: هل يعود مرضاكم؟ فيقولون: نعم، فيقول: هل يعود العبد؟

فيقولون: نعم، فيقول: كيف صنيعه بالضعيف؟ هل يجلس على بابه؟

فإن قالوا لخصلة منها: لا، عزله

وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا الحكم بن بشير، قال: حدثنا عمرو، قال: كان عمر بن الخطاب يقول: أربع من أمر الإسلام لست مضيعهن ولا تاركهن لشيء أبدا: القوة في مال الله وجمعه حتى إذا جمعناه وضعناه حيث أمر الله، وقعدنا آل عمر ليس في أيدينا ولا عندنا منه شيء.

والمهاجرون الذين تحت ظلال السيوف، ألا يحبسوا ولا يجمروا، وأن يوفر فيء الله عليهم وعلى عيالاتهم، وأكون أنا للعيال حتى يقدموا والأنصار الذين أعطوا الله عز وجل نصيبا، وقاتلوا الناس كافة، أن يقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم، وأن يشاوروا في الأمر والأعراب الذين هم أصل العرب ومادة الإسلام، أن تؤخذ منهم صدقتهم على وجهها، ولا يؤخذ منهم دينار ولا درهم، وأن يرد على فقرائهم ومساكينهم.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن ابن جريج، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: قال عمر: إني لأعلم أن الناس لا يعدلون بهذين الرجلين اللذين كان رسول الله ص يكون نجيا بينهما وبين جبريل يتبلغ عنه ويمل عليهما

** قصة الشورى **

حدثني عمر بن شبة، قال: حدثنا علي بن محمد، عن وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم ومحمد بن عبد الله الأنصاري، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب وابى مخنف، عن يوسف بن يزيد، عن عباس بن سهل ومبارك بن فضالة، عن عبيد الله بن عمر ويونس بن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودي، أن عمر بن الخطاب لما طعن قيل له: يا أمير المؤمنين، لو استخلفت! قال: من أستخلف؟ [لو كان أبو عبيدة بن الجراح حيا استخلفته، فإن سألني ربي قلت: سمعت نبيك يقول: إنه أمين هذه الأمة، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا استخلفته، فإن سألني ربي قلت: سمعت نبيك يقول: إن سالما شديد الحب لله] فقال له رجل: أدلك عليه؟ عبد الله بن عمر، فقال: قاتلك الله، والله ما أردت الله بهذا، ويحك! كيف أستخلف رجلا عجز عن طلاق امرأته! لا أرب لنا في أموركم، ما حمدتها فأرغب فيها لأحد من أهل بيتي، إن كان خيرا فقد أصبنا منه، وان كان شرا فشرعنا آل عمر، بحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد، ويسأل عن أمر أمة محمد، أما لقد جهدت نفسي، وحرمت أهلي، وإن نجوت كفافا لا وزر ولا أجر إني لسعيد، وانظر فإن استخلفت فقد استخلف من هو خير مني، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني، ولن يضيع الله دينه فخرجوا ثم راحوا، فقالوا: يا أمير المؤمنين، لو عهدت عهدا! فقال: قد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن أنظر فأولي رجلا أمركم، هو أحراكم أن يحملكم على الحق- وأشار إلى علي- ورهقتني غشية، فرأيت رجلا دخل جنة قد غرسها، فجعل يقطف كل غضة ويانعة فيضمه إليه ويصيره تحته، فعلمت أن الله غالب أمره، ومتوف عمر، فما أريد أن أتحملها حيا وميتا، عليكم هؤلاء الرهط الذين [قال رسول الله ص: إنهم من أهل الجنة،] سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل منهم، ولست مدخله، ولكن الستة: علي وعثمان ابنا عبد مناف، وعبد الرحمن وسعد خالا رسول الله ص، والزبير بن العوام حوارى رسول الله ص وابن عمته، وطلحة الخير بن عبيد الله، فليختاروا منهم رجلا، فإذا ولوا واليا فأحسنوا مؤازرته وأعينوه، إن ائتمن أحدا منكم فليؤد إليه أمانته وخرجوا، فقال العباس لعلي: لا تدخل معهم، قال: أكره الخلاف، قال: إذا ترى ما تكره! فلما أصبح عمر دعا عليا وعثمان وسعدا وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام، فقال: إني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم، ولا يكون هذا الأمر الا فيكم، وقد قبض رسول الله ص وهو عنكم راض، إني لا أخاف الناس عليكم إن استقمتم، ولكني أخاف عليكم اختلافكم فيما بينكم، فيختلف الناس، فانهضوا إلى حجرة عائشة بإذن منها، فتشاوروا واختاروا رجلا منكم ثم قال: لا تدخلوا حجرة عائشة، ولكن كونوا قريبا، ووضع رأسه وقد نزفه الدم.

فدخلوا فتناجوا، ثم ارتفعت أصواتهم، فقال عبد الله بن عمر: سبحان الله! إن أمير المؤمنين لم يمت بعد، فأسمعه فانتبه فقال: ألا أعرضوا عن هذا أجمعون، فإذا مت فتشاوروا ثلاثة أيام، وليصل بالناس صهيب، ولا يأتين اليوم الرابع إلا وعليكم أميرا منكم، ويحضر عبد الله بن عمر مشيرا، ولا شيء له من الأمر، وطلحة شريككم في الأمر، فإن قدم في الأيام الثلاثة فأحضروه أمركم، وإن مضت الأيام الثلاثة قبل قدومه فاقضوا أمركم، ومن لي بطلحة؟ فقال سعد بن أبي وقاص: أنا لك به، ولا يخالف إن شاء الله.

فقال عمر: أرجو ألا يخالف إن شاء الله، وما أظن أن يلي إلا أحد هذين الرجلين: علي أو عثمان، فإن ولي عثمان فرجل فيه لين، وإن ولي علي ففيه دعابة، وأحر به أن يحملهم على طريق الحق، وإن تولوا سعدا فأهلها هو، وإلا فليستعن به الوالي، فإني لم أعزله عن خيانة ولا ضعف، ونعم ذو الرأي عبد الرحمن بن عوف! مسدد رشيد، له من الله حافظ، فاسمعوا منه.

وقال لأبي طلحة الأنصاري: يا أبا طلحة، إن الله عز وجل طالما أعز الإسلام بكم، فاختر خمسين رجلا من الأنصار، فاستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم وقال للمقداد بن الأسود: إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلا منهم، وقال لصهيب:

صل بالناس ثلاثة أيام، وأدخل عليا وعثمان والزبير وسعدا وعبد الرحمن بن عوف وطلحة إن قدم، وأحضر عبد الله بن عمر ولا شيء له من الأمر، وقم على رءوسهم، فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلا وأبى واحد فاشدخ رأسه- أو اضرب رأسه بالسيف- وإن اتفق أربعة فرضوا رجلا منهم وأبى اثنان، فاضرب رءوسهما، فإن رضي ثلاثة رجلا منهم وثلاثة رجلا منهم، فحكموا عبد الله ابن عمر، فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلا منهم، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس.

فخرجوا، [فقال علي لقوم كانوا معه من بني هاشم: إن أطيع فيكم قومكم لم تؤمروا أبدا] وتلقاه العباس، فقال: عدلت عنا! فقال: وما علمك؟ قال: قرن بي عثمان، وقال: كونوا مع الأكثر، فإن رضي رجلان رجلا، ورجلان رجلا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن، وعبد الرحمن صهر عثمان، لا يختلفون، فيوليها عبد الرحمن عثمان، أو يوليها عثمان عبد الرحمن، فلو كان الآخران معي لم ينفعانى، بله إني لا أرجو إلا أحدهما فقال له العباس: لم أرفعك في شيء إلا رجعت إلي مستأخرا بما أكره، أشرت عليك عند وفاه رسول الله ص أن تسأله فيمن هذا الأمر، فأبيت، وأشرت عليك بعد وفاته أن تعاجل الأمر فأبيت، وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى ألا تدخل معهم فأبيت، احفظ عني واحدة، كلما عرض عليك القوم، فقل: لا، إلا أن يولوك، واحذر هؤلاء الرهط، فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم لنا به غيرنا، وايم الله لا يناله إلا بشر لا ينفع معه خير [فقال علي: أما لئن بقي عثمان لأذكرنه ما أتى ولئن مات ليتداولنها بينهم، ولئن فعلوا ليجدني حيث يكرهون،] ثم تمثل:

حلفت برب الراقصات عشية غدون خفافا فابتدرن المحصبا

ليختلين رهط ابن يعمر مارئا نجيعا بنو الشداخ وردا مصلبا

والتفت فرأى أبا طلحة فكره مكانه، فقال أبو طلحة: لم ترع أبا الحسن فلما مات عمر وأخرجت جنازته، تصدى علي وعثمان: أيهما يصلي عليه، فقال عبد الرحمن: كلا كما يحب الإمرة، لستما من هذا في شيء، هذا إلى صهيب، استخلفه عمر، يصلي بالناس ثلاثا حتى يجتمع الناس على إمام فصلى عليه صهيب، فلما دفن عمر جمع المقداد أهل الشورى في بيت المسور بن مخرمة- ويقال في بيت المال، ويقال في حجرة عائشة بإذنها- وهم خمسة، معهم ابن عمر، وطلحة غائب، وأمروا أبا طلحة أن يحجبهم، وجاء عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة فجلسا بالباب، فحصبهما سعد وأقامهما، وقال: تريدان أن تقولا: حضرنا وكنا في أهل الشورى! فتنافس القوم في الأمر، وكثر بينهم الكلام، فقال أبو طلحة: أنا كنت لأن تدفعوها أخوف مني لأن تنافسوها! لا والذي ذهب بنفس عمر، لا أزيدكم على الأيام الثلاثة التي أمرتم، ثم أجلس في بيتي، فأنظر ما تصنعون! فقال عبد الرحمن: أيكم يخرج منها نفسه ويتقلدها على أن يوليها أفضلكم؟

فلم يجبه أحد، فقال: فأنا أنخلع منها، فقال عثمان: أنا أول من رضى، فانى [سمعت رسول الله ص يقول: أمين في الأرض أمين في السماء،] فقال القوم: قد رضينا- وعلي ساكت-[فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟

قال: أعطني موثقا لتؤثرن الحق ولا تتبع الهوى، ولا تخص ذا رحم، ولا تالوا الأمة!] فقال: أعطوني مواثيقكم على أن تكونوا معي على من بدل وغير، وأن ترضوا من اخترت لكم، علي ميثاق الله ألا أخص ذا رحم لرحمه، ولا آلو المسلمين فأخذ منهم ميثاقا وأعطاهم مثله، فقال لعلي، إنك تقول: إني أحق من حضر بالأمر لقرابتك وسابقتك وحسن أثرك في الدين ولم تبعد، ولكن أرأيت لو صرف هذا الأمر عنك فلم تحضر، من كنت ترى من هؤلاء الرهط أحق بالأمر؟ قال: عثمان وخلا بعثمان، فقال: تقول: شيخ من بني عبد مناف، وصهر رسول الله ص وابن عمه، لي سابقة وفضل- لم تبعد- فلن يصرف هذا الأمر عني، ولكن لو لم تحضر فأي هؤلاء الرهط تراه أحق به؟ قال: علي ثم خلا بالزبير، فكلمه بمثل ما كلم به عليا وعثمان، فقال: عثمان ثم خلا بسعد، فكلمه، فقال: عثمان فلقي علي سعدا، فقال: «واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا» ، أسألك برحم ابني هذا من رسول الله ص، وبرحم عمي حمزة منك ألا تكون مع عبد الرحمن لعثمان ظهيرا علي، فإني أدلي بما لا يدلي به عثمان ودار عبد الرحمن لياليه يلقى اصحاب رسول الله ص ومن وافى المدينة من أمراء الأجناد وأشراف الناس، يشاورهم، ولا يخلو برجل إلا أمره بعثمان، حتى إذا كانت الليلة التي يستكمل في صبيحتها الأجل، أتى منزل المسور بن مخرمة بعد ابهيرار من الليل، فأيقظه فقال: ألا أراك نائما ولم أذق في هذه الليلة كثير غمض! انطلق فادع الزبير وسعدا.

فدعاهما فبدأ بالزبير في مؤخر المسجد في الصفة التي تلي دار مروان، فقال له: خل ابني عبد مناف وهذا الأمر، قال: نصيبي لعلي، وقال لسعد: أنا وأنت كلالة، فاجعل نصيبك لي فأختار، قال: إن اخترت نفسك فنعم، وإن اخترت عثمان فعلي أحب إلي، أيها الرجل بايع لنفسك وأرحنا، وارفع رءوسنا، قال: يا أبا إسحاق، إني قد خلعت نفسي منها على أن أختار، ولو لم أفعل وجعل الخيار إلي لم أردها، إني أريت كروضة خضراء كثيرة العشب، فدخل فحل فلم أر فحلا قط أكرم منه، فمر كأنه سهم لا يلتفت إلى شيء مما في الروضة حتى قطعها، لم يعرج ودخل بعير يتلوه فاتبع أثره حتى خرج من الروضة، ثم دخل فحل عبقري يجر خطامه، يلتفت يمينا وشمالا ويمضي قصد الأولين حتى خرج، ثم دخل بعير رابع فرتع في الروضة، ولا والله لا أكون الرابع، ولا يقوم مقام أبي بكر وعمر بعدهما أحد فيرضى الناس عنه قال سعد: فإني أخاف أن يكون الضعف قد أدركك، فامض لرأيك، فقد عرفت عهد عمر.

وانصرف الزبير وسعد، وأرسل المسور بن مخرمة إلى علي، فناجاه طويلا، وهو لا يشك أنه صاحب الأمر، ثم نهض، وأرسل المسور إلى عثمان فكان في نجيهما، حتى فرق بينهما أذان الصبح فقال عمرو بن ميمون: قال لي عبد الله بن عمر: يا عمرو، من أخبرك أنه يعلم ما كلم به عبد الرحمن بن عوف عليا وعثمان فقد قال بغير علم، فوقع قضاء ربك على عثمان فلما صلوا الصبح جمع الرهط، وبعث إلى من حضره من المهاجرين وأهل السابقة والفضل من الأنصار، وإلى أمراء الأجناد، فاجتمعوا حتى التج المسجد بأهله، فقال: أيها الناس، إن الناس قد أحبوا أن يلحق أهل الأمصار بأمصارهم وقد علموا من أميرهم فقال سعيد بن زيد: إنا نراك لها أهلا، فقال:

أشيروا علي بغير هذا، فقال عمار: إن أردت ألا يختلف المسلمون فبايع عليا فقال المقداد بن الأسود: صدق عمار، ان إن بايعت عليا قلنا: سمعنا وأطعنا قال ابن أبي سرح: إن أردت ألا تختلف قريش فبايع عثمان.

فقال عبد الله بن أبي ربيعة: صدق، إن بايعت عثمان قلنا: سمعنا وأطعنا.

فشتم عمار ابن أبي سرح، وقال: متى كنت تنصح المسلمين! فتكلم بنو هاشم وبنو أمية، فقال عمار: أيها الناس، إن الله عز وجل أكرمنا بنبيه، وأعزنا بدينه، فأنى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم! فقال رجل من بنى مخزوم: لقد عدوت طورك يا بن سمية، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها! فقال سعد بن أبي وقاص: يا عبد الرحمن، افرغ قبل أن يفتتن الناس، فقال عبد الرحمن: إني قد نظرت وشاورت، فلا تجعلن أيها الرهط على أنفسكم سبيلا ودعا عليا، فقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده؟ قال: أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي، ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي، قال:

نعم، فبايعه، [فقال علي: حبوته حبو دهر، ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر إليك، والله كل يوم هو في شأن،] فقال عبد الرحمن: يا علي لا تجعل على نفسك سبيلا، فإني قد نظرت وشاورت الناس، فإذا هم لا يعدلون بعثمان فخرج علي وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجله فقال المقداد: يا عبد الرحمن، أما والله لقد تركته من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون فقال: يا مقداد، والله لقد اجتهدت للمسلمين، قال: إن كنت أردت بذلك الله فأثابك الله ثواب المحسنين فقال المقداد: ما رأيت مثل ما أوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم إني لأعجب من قريش أنهم تركوا رجلا ما أقول إن أحدا أعلم ولا أقضى منه بالعدل، أما والله لو أجد عليه أعوانا! فقال عبد الرحمن:

يا مقداد، اتق الله، فإني خائف عليك الفتنة، فقال رجل للمقداد: رحمك الله! من أهل هذا البيت ومن هذا الرجل؟ قال: أهل البيت بنو عبد المطلب، والرجل علي بن أبي طالب [فقال علي: إن الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر إلى بيتها فتقول: إن ولي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا، وما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم] وقدم طلحة في اليوم الذى بويع فيه لعثمان، فقيل له: بايع عثمان، فقال: أكل قريش راض به؟ قال:

نعم، فأتى عثمان فقال له عثمان: أنت على رأس أمرك، إن أبيت رددتها، قال:

أتردها؟ قال: نعم، قال: أكل الناس بايعوك؟ قال: نعم، قال: قد رضيت، لا ارغب عما قد أجمعوا عليه، وبايعه.

وقال المغيرة بن شعبة لعبد الرحمن: يا أبا محمد، قد أصبت إذ بايعت عثمان! وقال لعثمان: لو بايع عبد الرحمن غيرك ما رضينا، فقال عبد الرحمن:

كذبت يا أعور، لو بايعت غيره لبايعته، ولقلت هذه المقالة.

وقال الفرزدق،

صلى صهيب ثلاثا ثم أرسلها على ابن عفان ملكا غير مقصور

خلافة من أبي بكر لصاحبه كانوا أخلاء مهدي ومأمور

وكان المسور بن مخرمة يقول: ما رأيت رجلا بذ قوما فيما دخلوا فيه بأشد مما بذهم عبد الرحمن بن عوف.

قال أبو جعفر: وأما المسور بن مخرمة، فإن الرواية عندنا عنه ما حدثني سلم بن جنادة أبو السائب، قال: حدثنا سليمان بن عبد العزيز ابن أبي ثابت بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، قال: حدثنا أبي، عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، عن المسور بن مخرمة- وكانت أمه عاتكة ابنة عوف- في الخبر الذي قد مضى ذكري أوله في مقتل عمر بن الخطاب، قال: ونزل في قبره- يعني في قبر عمر- الخمسة، يعني أهل الشورى قال: ثم خرجوا يريدون بيوتهم، فناداهم عبد الرحمن: إلى أين؟

هلموا! فتبعوه، وخرج حتى دخل بيت فاطمة ابنة قيس الفهرية، أخت الضحاك بن قيس الفهري- قال بعض أهل العلم: بل كانت زوجته، وكانت نجودا، يريد ذات رأي- قال: فبدأ عبد الرحمن بالكلام، فقال: يا هؤلاء، إن عندي رأيا، وإن لكم نظرا، فاسمعوا تعلموا، وأجيبوا تفقهوا، فإن حابيا خير من زاهق، وإن جرعة من شروب بارد أنفع من عذب موب، أنتم أئمة يهتدى بكم، وعلماء يصدر إليكم، فلا تفلوا المدى بالاختلاف بينكم، ولا تغمدوا السيوف عن أعدائكم، فتوتروا ثأركم، وتؤلتوا أعمالكم، لكل أجل كتاب، ولكل بيت إمام بأمره يقومون، وبنهيه يرعون. قلدوا أمركم واحدا منكم تمشوا الهوينى وتلحقوا الطلب، لولا فتنة عمياء، وضلالة حيراء، يقول أهلها ما يرون، وتحلهم الحبوكرى ما عدت نياتكم معرفتكم، ولا أعمالكم نياتكم احذروا نصيحة الهوى، ولسان الفرقة، فإن الحيلة في المنطق أبلغ من السيوف في الكلم، علقوا أمركم رحب الذراع فيما حل، مأمون الغيب فيما نزل، رضا منكم وكلكم رضا، ومقترعا منكم وكلكم منتهى، لا تطيعوا مفسدا ينتصح، ولا تخالفوا مرشدا ينتصر، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

ثم تكلم عثمان بن عفان، فقال: الحمد لله الذي اتخذ محمدا نبيا، وبعثه رسولا، صدقه وعده، ووهب له نصره على كل من بعد نسبا، أو قرب رحما، ص، جعلنا الله له تابعين وبأمره مهتدين، فهو لنا نور، ونحن بأمره نقوم، عند تفرق الأهواء، ومجادلة الأعداء، جعلنا الله بفضله أئمة وبطاعته أمراء، لا يخرج أمرنا منا، ولا يدخل علينا غيرنا إلا من سفه الحق، ونكل عن القصد، واحر بها يا بن عوف ان تترك، واحذر بها أن تكون إن خولف أمرك وترك دعاؤك، فأنا أول مجيب لك، وداع إليك، وكفيل بما أقول زعيم، وأستغفر الله لي ولكم.

ثم تكلم الزبير بن العوام بعده، فقال: أما بعد، فإن داعي الله لا يجهل، ومجيبه لا يخذل، عند تفرق الأهواء ولي الأعناق، ولن يقصر عما قلت إلا غوى، ولن يترك ما دعوت إليه إلا شقي، لولا حدود لله فرضت، وفرائض لله حدت، تراح على أهلها، وتحيا لا تموت، لكان الموت من الإمارة نجاة، والفرار من الولاية عصمة، ولكن لله علينا إجابة الدعوة، وإظهار السنة، لئلا نموت ميتة عمية، ولا نعمى عمى جاهلية، فأنا مجيبك إلى ما دعوت، ومعينك على ما أمرت، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله لي ولكم ثم تكلم سعد بن أبي وقاص، فقال: الحمد لله بديئا كان، وآخرا يعود، أحمده لما نجاني من الضلالة، وبصرني من الغواية، فبهدى الله فاز من نجا، وبرحمته أفلح من زكا، وبمحمد بن عبد الله ص أنارت الطرق، واستقامت السبل، وظهر كل حق، ومات كل باطل، إياكم أيها النفر وقول الزور، وأمنية أهل الغرور، فقد سلبت الأماني قوما قبلكم ورثوا ما ورثتم، ونالوا ما نلتم، فاتخذهم الله عدوا، ولعنهم لعنا كبيرا.

قال الله عز وجل: «لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون» «كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون» إني نكبت قرني فأخذت سهمي الفالج، وأخذت لطلحة بن عبيد الله ما ارتضيت لنفسي، فأنا به كفيل، وبما أعطيت عنه زعيم، والأمر إليك يا بن عوف، بجهد النفس، وقصد النصح، وعلى الله قصد السبيل، وإليه الرجوع، وأستغفر الله لي ولكم، وأعوذ بالله من مخالفتكم.

ثم تكلم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فقال: الحمد لله الذي بعث محمدا منا نبيا، وبعثه إلينا رسولا، فنحن بيت النبوة، ومعدن الحكمة، وأمان أهل الأرض، ونجاة لمن طلب، لنا حق إن نعطه نأخذه، وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل ولو طال السرى، لو عهد إلينا رسول الله ص عهدا لأنفذنا عهده، ولو قال لنا قولا لجادلنا عليه حتى نموت لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق وصلة رحم، ولا حول ولا قوة إلا بالله اسمعوا كلامي، وعوا منطقي، عسى أن تروا هذا الأمر من بعد هذا المجمع تنتضى فيه السيوف، وتخان فيه العهود، حتى تكونوا جماعة، ويكون بعضكم أئمة لأهل الضلالة، وشيعة لأهل الجهالة، ثم أنشأ يقول:

فإن تك جاسم هلكت فإني بما فعلت بنو عبد بن ضخم

مطيع في الهواجر كل عي بصير بالنوى من كل نجم

فقال عبد الرحمن: أيكم يطيب نفسا أن يخرج نفسه من هذا الأمر ويوليه غيره؟ قال: فأمسكوا عنه، قال: فإني أخرج نفسي وابن عمي، فقلده القوم الأمر، وأحلفهم عند المنبر، فحلفوا ليبايعن من بايع، وإن بايع بإحدى يديه الأخرى فأقام ثلاثا في داره التي عند المسجد التي يقال لها اليوم رحبة القضاء- وبذلك سميت رحبة القضاء- فأقام ثلاثا يصلي بالناس صهيب.

قال: وبعث عبد الرحمن إلى علي، فقال له: إن لم أبايعك فأشر علي، فقال: عثمان، ثم بعث إلى عثمان، فقال: إن لم أبايعك، فمن تشير علي؟

قال: علي، ثم قال لهما: انصرفا فدعا الزبير، فقال: إن لم أبايعك، فمن تشير علي، قال: عثمان، ثم دعا سعدا، فقال: من تشير علي؟

فأما أنا وأنت فلا نريدها، فمن تشير علي؟ قال: عثمان فلما كانت الليلة الثالثة، قال: يا مسور، قلت: لبيك، قال: إنك لنائم، والله ما اكتحلت بغماض منذ ثلاث اذهب فادع لي عليا وعثمان، قال: قلت: يا خال، بأيهما أبدأ؟ قال: بأيهما شئت، قال: فخرجت فأتيت عليا- وكان هواي فيه- فقلت: أجب خالي، فقال: بعثك معي إلى غيري؟ قلت: نعم، قال: إلى من؟ قلت: إلى عثمان، قال: فأينا أمرك أن تبدأ به؟ قلت: قد سألته فقال: بأيهما شئت، فبدأت بك، وكان هواي فيك قال: فخرج معي حتى أتينا المقاعد، فجلس عليها علي، ودخلت على عثمان فوجدته يوتر مع الفجر، فقلت: أجب خالي، فقال: بعثك معي إلى غيري؟ قلت: نعم، إلى علي، قال: بأينا أمرك أن تبدأ؟ قلت: سألته فقال: بأيهما شئت، وهذا علي على المقاعد، فخرج معي حتى دخلنا جميعا على خالي وهو في القبلة قائم يصلي، فانصرف لما رآنا، ثم التفت إلى علي وعثمان، فقال:

إني قد سألت عنكما وعن غيركما، فلم أجد الناس يعدلون بكما، هل أنت يا علي مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر؟ [فقال: اللهم لا، ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي] فالتفت إلى عثمان، فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم نعم، فأشار بيده إلى كتفيه، وقال: إذا شئتما! فنهضنا حتى دخلنا المسجد، وصاح صائح: الصلاة جامعة- قال عثمان: فتأخرت والله حياء لما رأيت من إسراعه إلى علي، فكنت في آخر المسجد- قال: وخرج عبد الرحمن بن عوف وعليه عمامته التي عممه بها رسول الله ص، متقلدا سيفه، حتى ركب المنبر، فوقف وقوفا طويلا، ثم دعا بما لم يسمعه الناس.

ثم تكلم، فقال: أيها الناس، إني قد سألتكم سرا وجهرا عن إمامكم، فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين: إما علي وإما عثمان، فقم إلي يا علي، فقام إليه علي، فوقف تحت المنبر، فأخذ عبد الرحمن بيده، فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر؟ قال:

اللهم لا، ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي، قال: فأرسل يده ثم نادى:

قم إلي يا عثمان، فأخذ بيده- وهو في موقف علي الذي كان فيه- فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم نعم، قال: فرفع رأسه إلى سقف المسجد، ويده في يد عثمان، ثم قال:

اللهم اسمع واشهد، اللهم إني قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان قال: وازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غشوه عند المنبر، فقعد عبد الرحمن مقعد النبي ص من المنبر، وأقعد عثمان على الدرجة الثانية، فجعل الناس يبايعونه، وتلكأ علي، فقال عبد الرحمن:

«فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما» ، فرجع علي يشق الناس، حتى بايع وهو يقول: خدعة وأيما خدعة! قال عبد العزيز: وإنما سبب قول علي: خدعة، أن عمرو بن العاص كان قد لقي عليا في ليالي الشورى، فقال: إن عبد الرحمن رجل مجتهد، وإنه متى أعطيته العزيمة كان أزهد له فيك، ولكن الجهد والطاقة، فإنه أرغب له فيك قال: ثم لقي عثمان، فقال: إن عبد الرحمن رجل مجتهد، وليس والله يبايعك إلا بالعزيمة، فاقبل، فلذلك قال علي: خدعة.

قال: ثم انصرف بعثمان إلى بيت فاطمة ابنة قيس، فجلس والناس معه، فقام المغيرة بن شعبة خطيبا، فقال: يا أبا محمد، الحمد لله الذي وفقك، والله ما كان لها غير عثمان- وعلي جالس- فقال عبد الرحمن: يا بن الدباغ، ما أنت وذاك! والله ما كنت أبايع أحدا إلا قلت فيه هذه المقالة! قال: ثم جلس عثمان في جانب المسجد، ودعا بعبيد الله بن عمر- وكان محبوسا في دار سعد بن أبي وقاص، وهو الذي نزع السيف من يده بعد قتله جفينة والهرمزان وابنة أبي لؤلؤة، وكان يقول: والله لأقتلن رجالا ممن شرك في دم أبي- يعرض بالمهاجرين والأنصار- فقام إليه سعد، فنزع السيف من يده، وجذب شعره حتى أضجعه إلى الأرض، وحبسه في داره حتى أخرجه عثمان إليه، فقال عثمان لجماعة من المهاجرين والأنصار: أشيروا علي في هذا الذي فتق في الإسلام ما فتق، فقال علي: أرى أن تقتله، فقال بعض المهاجرين: قتل عمر أمس ويقتل ابنه اليوم! فقال عمرو بن العاص:

يا أمير المؤمنين، إن الله قد أعفاك أن يكون هذا الحدث كان ولك على المسلمين سلطان، إنما كان هذا الحدث ولا سلطان لك، قال عثمان: أنا وليهم، وقد جعلتها دية، واحتملتها في مالي.

قال: وكان رجل من الأنصار يقال له زياد بن لبيد البياضي إذا رأى عبيد الله بن عمر، قال:

الا يا عبيد الله مالك مهرب ولا ملجأ من ابن أروى ولا خفر

أصبت دما والله في غير حله حراما وقتل الهرمزان له خطر

على غير شيء غير أن قال قائل أتتهمون الهرمزان على عمر

فقال سفيه- والحوادث جمة نعم أتهمه قد أشار وقد أمر

وكان سلاح العبد في جوف بيته يقلبها والأمر بالأمر يعتبر

قال: فشكا عبيد الله بن عمر إلى عثمان زياد بن لبيد وشعره، فدعا عثمان زياد بن لبيد، فنهاه قال: فأنشأ زياد يقول في عثمان:

أبا عمرو عبيد الله رهن فلا تشكك بقتل الهرمزان

فإنك إن غفرت الجرم عنه وأسباب الخطا فرسا رهان

أتعفو إذ عفوت بغير حق فما لك بالذي تحكي يدان!

فدعا عثمان زياد بن لبيد فنهاه وشذبه.

كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أن عبد الرحمن بن أبي بكر قال غداة طعن عمر:

مررت على أبي لؤلؤة عشي أمس، ومعه جفينة والهرمزان، وهم نجي، فلما رهقتهم ثاروا، وسقط منهم خنجر له رأسان، نصابه في وسطه، فانظروا بأي شيء قتل، وقد تخلل أهل المسجد، وخرج في طلبه رجل من بني تميم، فرجع إليهم التميمي، وقد كان ألظ بأبي لؤلؤة منصرفه عن عمر، حتى اخذه فقتله، وجاء بالخنجر الذى وصفه عبد الرحمن بن أبي بكر، فسمع بذلك عبيد الله بن عمر، فأمسك حتى مات عمر، ثم اشتمل على السيف، فأتى الهرمزان فقتله، فلما عضه السيف قال: لا إله إلا الله ثم مضى حتى أتى جفينة- وكان نصرانيا من أهل الحيرة ظئرا لسعد بن مالك، أقدمه إلى المدينة للصلح الذي بينه وبينهم، وليعلم بالمدينة الكتابة- فلما علاه بالسيف صلب بين عينيه وبلغ ذلك صهيبا، فبعث إليه عمرو بن العاص، فلم يزل به وعنه، ويقول: السيف بأبي وأمي! حتى ناوله إياه، وثاوره سعد فأخذ بشعره، وجاءوا إلى صهيب

** عمال عمر رضي الله عنه على الأمصار **

وكان عامل عمر بن الخطاب رضي الله عنه- في السنة التي قتل فيها، وهي سنة ثلاث وعشرين- على مكة نافع بن عبد الحارث الخزاعي، وعلى الطائف سفيان بن عبد الله الثقفي، وعلى صنعاء يعلى بن منيه، حليف بنى نوفل ابن عبد مناف، وعلى الجند عبد الله بن أبي ربيعة، وعلى الكوفة المغيرة بن شعبة، وعلى البصرة أبو موسى الأشعري، وعلى مصر عمرو بن العاص، وعلى حمص عمير بن سعد، وعلى دمشق معاوية بن أبي سفيان، وعلى البحرين وما والاهما عثمان بن أبي العاص الثقفي.

وفي هذه السنة- أعني سنة ثلاث وعشرين- توفي، فيما زعم الواقدي- قتادة ابن النعمان الظفري، وصلى عليه عمر بن الخطاب.

وفيها غزا معاوية الصائفة حتى بلغ عمورية، ومعه من اصحاب رسول الله ص عبادة بن الصامت وأبو أيوب خالد بن زيد وأبو ذر وشداد بن أوس.

وفيها فتح معاوية عسقلان على صلح.

وقيل: كان على قضاء الكوفة في السنة التي توفي فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه شريح، وعلى البصرة كعب بن سور، وأما مصعب بن عبد الله فإنه ذكر أن مالك بن أنس روى عن ابن شهاب، أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لم يكن لهما قاض

Source. Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk (تاريخ الرسل والملوك), Al-Tabari (d. 923) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0310Tabari.Tarikh.Shamela0009783BK1-ara1.mARkdown (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com