Islam · Chronicles · Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين
Tarikh al-Rusul wa-l-Muluk · Al-Tabari (d. 923) · chapter 90 of 356
** ذكر ما كان فيها من الأحداث **
فمما كان فيها مقتل محمد بن أبي بكر بمصر، وهو عامل عليها، وقد ذكرنا سبب تولية علي إياه مصر، وعزل قيس بن سعد عنها، ونذكر الآن سبب قتله، وأين قتل؟ وكيف كان أمره؟ ونبدأ بذكر من تتمة حديث الزهري الذي قد ذكرنا أوله قبل، وذلك ما حدثنا عبد الله، عن يونس، عن الزهري، قال: لما حدث قيس بن سعد بمجيء محمد بن أبي بكر، وأنه قادم عليه أميرا، تلقاه وخلا به وناجاه، فقال: إنك جئت من عند امرئ لا رأي له، وليس عزلكم إياي بمانعي أن أنصح لكم، وأنا من أمركم هذا على بصيرة، وإني في ذلك على الذي كنت أكايد به معاوية وعمرا وأهل خربتا، فكايدهم به، فإنك إن تكايدهم بغيره تهلك ووصف قيس ابن سعد المكايدة التي كان يكايدهم بها، واغتشه محمد بن أبي بكر، وخالف كل شيء أمره به فلما قدم محمد بن أبي بكر وخرج قيس قبل المدينة بعث محمد أهل مصر إلى خربتا، فاقتتلوا، فهزم محمد بن أبي بكر، فبلغ ذلك معاوية وعمرا، فسارا بأهل الشام حتى افتتحا مصر، وقتلا محمد بن أبي بكر، ولم تزل في حيز معاوية، حتى ظهر وقدم قيس بن سعد المدينة، فأخافه مروان والأسود بن أبي البختري، حتى إذا خاف أن يؤخذ أو يقتل ركب راحلته، وظهر إلى علي فكتب معاوية إلى مروان والأسود يتغيظ عليهما ويقول: أمددتما عليا بقيس بن سعد ورأيه ومكايدته، فو الله لو أنكما أمددتماه بمائة ألف مقاتل ما كان بأغيظ إلي من إخراجكما قيس بن سعد إلى علي فقدم قيس بن سعد على علي، فلما باثه الحديث، وجاءهم قتل محمد بن أبي بكر، عرف أن قيس بن سعد كان يوازي أمورا عظاما من المكايدة، وأن من كان يشير عليه بعزل قيس بن سعد لم ينصح له.
وأما ما قال في ابتداء أمر محمد بن أبي بكر في مصيره إلى مصر وولايته إياها أبو مخنف، فقد تقدم ذكرنا له، ونذكر الآن بقية خبره في روايته ما روي من ذلك عن يزيد بن ظبيان الهمداني، قال: ولما قتل أهل خربتا ابن مضاهم الكلبي الذي وجهه إليهم محمد بن أبي بكر، خرج معاوية بن حديج الكندي ثم السكوني، فدعا إلى الطلب بدم عثمان، فأجابه ناس آخرون، وفسدت مصر على محمد بن أبي بكر، فبلغ عليا وثوب أهل مصر على محمد بن أبي بكر، واعتمادهم إياه، فقال: ما لمصر إلا أحد الرجلين! صاحبنا الذي عزلناه عنها- يعني قيسا- أو مالك بن الحارث- يعني الأشتر قال: وكان علي حين انصرف من صفين رد الأشتر على عمله بالجزيرة، وقد كان قال لقيس بن سعد: أقم معى على شرطى حتى نفرغ من أمر هذه الحكومة، ثم أخرج إلى أذربيجان، فإن قيسا مقيم مع علي على شرطته فلما انقضى أمر الحكومة كتب علي إلى مالك بن الحارث الأشتر، وهو يومئذ بنصيبين: أما بعد، فإنك ممن استظهرته على إقامة الدين، وأقمع به نخوة الأثيم، وأشد به الثغر المخوف وكنت وليت محمد بن أبي بكر مصر، فخرجت عليه بها خوارج، وهو غلام حدث ليس بذي تجربة للحرب، ولا بمجرب للأشياء، فاقدم علي لننظر في ذلك فيما ينبغي، واستخلف على عملك أهل الثقة والنصيحة من أصحابك والسلام.
[فأقبل مالك إلى علي حتى دخل عليه، فحدثه حديث أهل مصر، وخبره خبر أهلها، وقال: ليس لها غيرك، اخرج رحمك الله! فإني إن لم أوصك اكتفيت برأيك واستعن بالله على ما أهمك، فاخلط الشدة باللين، وارفق ما كان الرفق أبلغ، واعتزم بالشدة حين لا يغني عنك إلا الشدة] .
قال: فخرج الأشتر من عند علي فأتى رحله، فتهيأ للخروج إلى مصر، وأتت معاوية عيونه، فأخبروه بولاية علي الأشتر، فعظم ذلك عليه، وقد كان طمع في مصر، فعلم أن الاشتر ان قدمها كان أشد عليه من محمد ابن أبي بكر، فبعث معاوية إلى الجايستار- رجل من أهل الخراج- فقال له: إن الأشتر قد ولي مصر، فإن أنت كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت، فاحتل له بما قدرت عليه فخرج الجايستار حتى أتى القلزم وأقام به، وخرج الأشتر من العراق إلى مصر، فلما انتهى إلى القلزم استقبله الجايستار، فقال: هذا منزل، وهذا طعام وعلف، وأنا رجل من أهل الخراج، فنزل به الأشتر، فأتاه الدهقان بعلف وطعام، حتى إذا طعم أتاه بشربة من عسل قد جعل فيها سما فسقاه اياه، فلما شربها مات وأقبل معاوية يقول لأهل الشام: إن عليا وجه الأشتر إلى مصر، فادعوا الله أن يكفيكموه قال: فكانوا كل يوم يدعون الله على الأشتر، وأقبل الذي سقاه إلى معاوية فأخبره بمهلك الأشتر، فقام معاوية في الناس خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد، فإنه كانت لعلي بن أبي طالب يدان يمينان، قطعت إحداهما يوم صفين- يعني عمار بن ياسر- وقطعت الأخرى اليوم- يعني الأشتر.
قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج، عن مولى للأشتر، قال:
لما هلك الأشتر وجدنا في ثقله رسالة علي إلى أهل مصر:
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى أمة المسلمين الذين غضبوا لله حين عصي في الأرض، وضرب الجور بأرواقه على البر والفاجر، فلا حق يستراح إليه، ولا منكر يتناهى عنه سلام عليكم، فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو [أما بعد فقد بعثت إليكم عبدا من عبيد الله لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل عن الأعادي حذار الدوائر، أشد على الكفار من حريق النار، وهو مالك بن الحارث أخو مذحج، فاسمعوا له وأطيعوا، فإنه سيف من سيوف الله، لا نابي الضريبة، ولا كليل الحد، فإن أمركم أن تقدموا فأقدموا، وإن أمركم أن تنفروا فانفروا، فإنه لا يقدم ولا يحجم إلا بأمري، وقد آثرتكم به على نفسي لنصحه لكم، وشدة شكيمته على عدوكم، عصمكم الله بالهدى، وثبتكم على اليقين] والسلام.
قال: ولما بلغ محمد بن ابى بكر ان عليا قد بعث الأشتر شق عليه، فكتب علي إلى محمد بن أبي بكر عند مهلك الأشتر، وذلك حين بلغه موجدة محمد بن أبي بكر لقدوم الأشتر عليه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى محمد بن أبي بكر، سلام عليك، أما بعد، فقد بلغني موجدتك من تسريحي الأشتر إلى عملك، وإني لم أفعل ذلك استبطاء لك في الجهاد، ولا ازديادا مني لك في الجد، ولو نزعت ما تحت يدك من سلطانك لوليتك ما هو ايسر عليك في المئونة، وأعجب إليك ولاية منه إن الرجل الذي كنت وليته مصر كان لنا نصيحا، وعلى عدونا شديدا، وقد استكمل أيامه، ولاقى حمامه، ونحن عنه راضون، فرضي الله عنه، وضاعف له الثواب، وأحسن له المآب اصبر لعدوك، وشمر للحرب، وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وأكثر ذكر الله، والاستعانة به، والخوف منه، يكفك ما أهمك، ويعنك على ما ولاك، أعاننا الله وإياك على ما لا ينال إلا برحمته والسلام عليك.
فكتب إليه محمد بن أبي بكر جواب كتابه:
بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله علي أمير المؤمنين من محمد بن أبي بكر، سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله غيره، أما بعد، فإني قد انتهى إلي كتاب أمير المؤمنين، ففهمته وعرفت ما فيه، وليس أحد من الناس بأرضى مني برأي أمير المؤمنين، ولا أجهد على عدوه، ولا أرأف بوليه مني، وقد خرجت فعسكرت، وآمنت الناس إلا من نصب لنا حربا، وأظهر لنا خلافا، وأنا متبع أمر أمير المؤمنين وحافظه، وملتجئ إليه، وقائم به، والله المستعان على كل حال، والسلام عليك.
قال أبو مخنف: حدثني أبو جهضم الأزدي- رجل من أهل الشام- عن عبد الله بن حوالة الأزدي، أن أهل الشام لما انصرفوا من صفين كانوا ينتظرون ما يأتي به الحكمان، فلما انصرفا وتفرقا بايع أهل الشام معاوية بالخلافة، ولم يزدد إلا قوة، واختلف الناس بالعراق على علي، فما كان لمعاوية هم إلا مصر، وكان لأهلها هائبا خائفا، لقربهم منه، وشدتهم على من كان على رأي عثمان، وقد كان على ذلك علم أن بها قوما قد ساءهم قتل عثمان، وخالفوا عليا، وكان معاوية يرجو أن يكون إذا ظهر عليها ظهر على حرب علي، لعظم خراجها قال: فدعا معاوية من كان معه من قريش: عمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة وبسر بن أبي أرطاة والضحاك بن قيس وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، ومن غيرهم أبا الأعور عمرو بن سفيان السلمي وحمزة بن مالك الهمداني، وشرحبيل بن السمط الكندي فقال لهم: أتدرون لم دعوتكم؟ إني قد دعوتكم لأمر مهم أحب أن يكون الله قد أعان عليه، فقال القوم كلهم- أو من قال منهم: إن الله لم يطلع على الغيب أحدا، وما يدرينا ما تريد! فقال عمرو بن العاص:
أرى والله أمر هذه البلاد الكثير خراجها، والكثير عددها وعدد أهلها، أهمك أمرها، فدعوتنا إذا لتسألنا عن رأينا في ذلك، فإن كنت لذلك دعوتنا، وله جمعتنا، فاعزم وأقدم، ونعم الرأي رأيت! ففي افتتاحها عزك وعز أصحابك، وكبت عدوك، وذل أهل الخلاف عليك قال له معاوية مجيبا: أهمك يا بن العاص ما أهمك- وذلك لأن عمرو بن العاص كان صالح معاوية حين بايعه على قتال علي بن أبي طالب، على أن له مصر طعمة ما بقي- فأقبل معاوية على أصحابه فقال: إن هذا- يعني عمرا- قد ظن ثم حقق ظنه، قالوا له: لكنا لا ندري، قال معاوية: فإن أبا عبد الله قد أصاب، قال عمرو: وأنا أبو عبد الله، قال: إن أفضل الظنون ما أشبه اليقين.
ثم إن معاوية حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فقد رأيتم كيف صنع الله بكم في حربكم عدوكم، جاءوكم وهم لا يرون إلا أنهم سيقيضون بيضتكم، ويخربون بلادكم، ما كانوا يرون إلا أنكم في أيديهم، فردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا مما أحبوا، وحاكمناهم إلى الله، فحكم لنا عليهم ثم جمع لنا كلمتنا، وأصلح ذات بيننا، وجعلهم أعداء متفرقين يشهد بعضهم على بعض بالكفر، ويسفك بعضهم دم بعض والله إني لأرجو أن يتم لنا هذا الأمر، وقد رأيت أن نحاول اهل مصر، فكيف ترون ارتياءنا لها! فقال عمرو: قد أخبرتك عما سألتني عنه، وقد أشرت عليك بما سمعت، فقال معاوية: إن عمرا قد عزم وصرم، ولم يفسر، فكيف لي أن أصنع! قال له عمرو: فإني أشير عليك كيف تصنع، أرى ان تبعث جيشا كثيفا، عليهم رجل حازم صارم تأمنه وتثق به، فيأتي مصر حتى يدخلها فإنه سيأتيه من كان من أهلها على رأينا فيظاهره على من بها من عدونا، فإذا اجتمع بها جندك ومن بها من شيعتك على من بها من أهل حربك، رجوت أن يعين الله بنصرك، ويظهر فلجك قال له معاوية:
هل عندك شيء دون هذا يعمل به فيما بيننا وبينهم؟ قال: ما أعلمه، قال:
بلى، فإن غير هذا عندي، أرى أن نكاتب من بها من شيعتنا، ومن بها من أهل عدونا، فأما شيعتنا فآمرهم بالثبات على أمرهم، ثم أمنيهم قدومنا عليهم، وأما من بها من عدونا فندعوهم الى صلحنا، ونمنيهم شكرنا، ونخوفهم حربنا، فان صلح لنا ما قبلهم بغير قتال فذاك ما أحببنا، والا كان حربهم من وراء ذلك كله انك يا بن العاص امرؤ بورك لك في العجلة، وأنا امرؤ بورك لي في التوؤده، قال: فاعمل بما أراك الله، فو الله ما أرى أمرك وأمرهم يصير إلا إلى الحرب العوان قال: فكتب معاوية عند ذلك إلى مسلمة بن مخلد الأنصاري وإلى معاوية بن خديج الكندي- وكانا قد خالفا عليا: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإن الله قد ابتعثكما لأمر عظيم أعظم به أجركما، ورفع به ذكركما، وزينكما به في المسلمين، طلبكما بدم الخليفة المظلوم، وغضبكما لله إذ ترك حكم الكتاب، وجاهدتما أهل البغي والعدوان، فأبشروا برضوان الله، وعاجل نصر أولياء الله، والمواساة لكما في الدنيا وسلطاننا حتى ينتهى في ذلك ما يرضيكما، ونودى به حقكما الى ما يصير امر كما إليه فاصبروا وصابروا عدوكما، وادعوا المدبر إلى هداكما وحفظكما، فإن الجيش قد أضل عليكما، فانقشع كل ما تكرهان، وكان كل ما تهويان، والسلام عليكما.
وكتب هذا الكتاب وبعث به مع مولى له يقال له سبيع.
فخرج الرسول بكتابه حتى قدم عليهما مصر ومحمد بن أبي بكر أميرها، وقد ناصب هؤلاء الحرب بها، وهو غير متخون بها يوم الإقدام عليه فدفع كتابه إلى مسلمة بن مخلد وكتاب معاوية بن حديج، فقال مسلمة: امض بكتاب معاوية إليه حتى يقرأه، ثم القني به حتى أجيبه عني وعنه، فانطلق الرسول بكتاب معاوية بن حديج إليه، فأقرأه اياه، فلما قراه قال: ان مسلمه ابن مخلد قد أمرني ان اراد إليه الكتاب إذا قرأته لكي يجيب معاوية عنك وعنه قال: قل له فليفعل، ودفع إليه الكتاب، فأتاه ثم كتب مسلمة عن نفسه وعن معاوية بن حديج: أما بعد، فان هذا الأمر الذى بذلنا له نفسنا، واتبعنا أمر الله فيه، أمر نرجو به ثواب ربنا، والنصر ممن خالفنا، وتعجيل النقمة لمن سعى على إمامنا، وطأطأ الركض في جهادنا، ونحن بهذا الحيز من الأرض قد نفينا من كان به من أهل البغي، وأنهضنا من كان به من أهل القسط والعدل، وقد ذكرت المواساة في سلطانك ودنياك، وبالله إن ذلك لأمر ما له نهضنا، ولا إياه أردنا، فإن يجمع الله لنا ما نطلب، ويؤتنا ما تمنينا، فإن الدنيا والآخرة لله رب العالمين، وقد يؤتيهما الله معا عالما من خلقه، كما قال في كتابه، ولا خلف لموعوده، قال: «فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين» ، عجل علينا خيلك ورجلك، فإن عدونا قد كان علينا حربا، وكنا فيهم قليلا، فقد أصبحوا لنا هائبين، وأصبحنا لهم مقرنين، فإن يأتنا الله بمدد من قبلك يفتح الله عليكم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل، والسلام عليك قال: فجاءه هذا الكتاب وهو يومئذ بفلسطين، فدعا النفر الذين سماهم في الكتاب فقال: ماذا ترون؟ قالوا: الرأي أن تبعث جندا من قبلك، فإنك تفتتحها بإذن الله قال معاوية: فتجهز يا أبا عبد الله إليها- يعني عمرو بن العاص- قال: فبعثه في ستة آلاف رجل، وخرج معاوية وودعه وقال له عند وداعه إياه: أوصيك يا عمرو بتقوى الله والرفق فانه يمن، وبالمهل والتوؤده، فإن العجلة من الشيطان، وبأن تقبل ممن أقبل، وأن تعفو عمن أدبر، فإن قبل فبها ونعمت، وإن أبى فإن السطوة بعد المعذرة أبلغ في الحجة، وأحسن في العاقبة، وادع الناس إلى الصلح والجماعة، فإذا أنت ظهرت فليكن أنصارك آثر الناس عندك، وكل الناس فأول حسنا قال: فخرج عمرو يسير حتى نزل أداني أرض مصر، فاجتمعت العثمانية إليه، فأقام بهم، وكتب إلى محمد بن أبي بكر:
أما بعد، فتنح عنى بدمك يا بن أبي بكر، فإني لا أحب أن يصيبك مني ظفر، إن الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك، ورفض أمرك، وندموا على اتباعك، فهم مسلموك لو قد التقت حلقتا البطان، فاخرج منها، فإني لك من الناصحين، والسلام.
وبعث إليه عمرو أيضا بكتاب معاوية إليه:
أما بعد، فإن غب البغي والظلم عظيم الوبال، وإن سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه من النقمة في الدنيا، ومن التبعة الموبقة في الآخرة، وإنا لا نعلم أحدا كان أعظم على عثمان بغيا، ولا أسوأ له عيبا، ولا أشد عليه خلافا منك، سعيت عليه في الساعين، وسفكت دمه في السافكين، ثم أنت تظن أني عنك نائم أو ناس لك، حتى تأتي فتأمر على بلاد أنت فيها جاري، وجل أهلها أنصاري، يرون رأيي، ويرقبون قولي، ويستصرخوني عليك.
وقد بعثت إليك قوما حناقا عليك، يستسقون دمك، ويتقربون إلى الله بجهادك، وقد أعطوا الله عهدا ليمثلن بك، ولو لم يكن منهم إليك ما عدا قتلك ما حذرتك ولا أنذرتك، ولأحببت أن يقتلوك بظلمك وقطيعتك وعدوك على عثمان يوم يطعن بمشاقصك بين خششائه وأوداجه، ولكن أكره أن أمثل بقرشي، ولن يسلمك الله من القصاص أبدا أينما كنت والسلام.
قال: فطوى محمد كتابيهما، وبعث بهما إلى علي، وكتب معهما:
أما بعد، فإن ابن العاص قد نزل أداني أرض مصر، واجتمع إليه أهل البلد جلهم ممن كان يرى رأيهم، وقد جاء في جيش لجب خراب، وقد رأيت ممن قبلي بعض الفشل، فإن كان لك في أرض مصر حاجة فأمدني بالرجال والأموال، والسلام عليك.
فكتب إليه علي:
أما بعد، فقد جاءني كتابك تذكر أن ابن العاص قد نزل بأداني أرض مصر في لجب من جيشه خراب، وأن من كان بها على مثل رأيه قد خرج إليه، وخروج من يرى رأيه إليه خير لك من إقامتهم عندك.
وذكرت أنك قد رأيت في بعض من قبلك فشلا، فلا تفشل، وان فشلوا فحصن قريتك، واضمم إليك شيعتك، واندب إلى القوم كنانة بن بشر المعروف بالنصيحة والنجدة والبأس، فإني نادب إليك الناس على الصعب والذلول، فاصبر لعدوك، وامض على بصيرتك، وقاتلهم على نيتك، وجاهدهم صابرا محتسبا، وإن كانت فئتك أقل الفئتين، فإن الله قد يعز القليل، ويخذل الكثير وقد قرأت كتاب الفاجر ابن الفاجر معاوية، والفاجر ابن الكافر عمرو، المتحابين في عمل المعصية، والمتوافقين المرتشيين في الحكومة، المنكرين في الدنيا، قد استمتعوا بخلاقهم كما استمتع الذين من قبلهم بخلاقهم، فلا يهلك إرعادهما وإبراقهما، وأجبهما إن كنت لم تجبهما بما هما أهله، فإنك تجد مقالا ما شئت، والسلام.
قال أبو مخنف: فحدثني محمد بن يوسف بن ثابت الأنصاري، عن شيخ من أهل المدينة، قال: كتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية بن أبي سفيان جواب كتابه:
أما بعد، فقد أتاني كتابك تذكرني من أمر عثمان أمرا لا أعتذر إليك منه، وتأمرني بالتنحي عنك كأنك لي ناصح، وتخوفني المثلة كأنك شفيق، وأنا أرجو أن تكون لي الدائرة عليكم، فأجتاحكم في الوقعة، وإن تؤتوا النصر ويكن لكم الأمر في الدنيا، فكم لعمري من ظالم قد نصرتم، وكم من مؤمن قتلتم ومثلتم به! وإلى الله مصيركم ومصيرهم، وإلى الله مرد الأمور، وهو أرحم الراحمين، والله المستعان على ما تصفون.
والسلام.
وكتب محمد إلى عمرو بن العاص:
أما بعد، فقد فهمت ما ذكرت في كتابك يا بن العاص، زعمت أنك تكره أن يصيبني منك ظفر، وأشهد أنك من المبطلين وتزعم أنك لي نصيح، وأقسم أنك عندي ظنين، وتزعم أن أهل البلد قد رفضوا رأيي وأمري، وندموا على اتباعى، فأولئك لك وللشيطان الرجيم أولياءه فحسبنا الله رب العالمين، وتوكلنا على الله رب العرش العظيم، والسلام.
قال: أقبل عمرو بن العاص حتى قصد مصر، فقام محمد بن أبي بكر في الناس، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله، ثم قال: أما بعد معاشر المسلمين والمؤمنين، فإن القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة، وينعشون الضلال، ويشبون نار الفتنة، ويتسلطون بالجبرية، قد نصبوا لكم العداوة، وساروا إليكم بالجنود عباد الله! فمن اراد الجنه والمغفره فليخرج الى هؤلاء القوم فليجاهدهم في الله، انتدبوا إلى هؤلاء القوم رحمكم الله مع كنانه ابن بشر.
قال: فانتدب معه نحو من ألفي رجل، وخرج محمد في ألفي رجل.
واستقبل عمرو بن العاص كنانة وهو على مقدمة محمد، فأقبل عمرو نحو كنانة، فلما دنا من كنانة سرح الكتائب كتيبة بعد كتيبة، فجعل كنانة لا تأتيه كتيبة من كتائب أهل الشام إلا شد عليها بمن معه، فيضربها حتى يقربها لعمرو بن العاص ففعل ذلك مرارا، فلما رأى ذلك عمرو بعث إلى معاوية بن حديج السكوني، فأتاه في مثل الدهم، فأحاط بكنانة وأصحابه، واجتمع أهل الشام عليهم من كل جانب، فلما رأى ذلك كنانة بن بشر نزل عن فرسه، ونزل أصحابه وكنانة يقول: «وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين» فصار بهم بسيفه حتى استشهد رحمه الله وأقبل عمرو بن العاص نحو محمد بن أبي بكر، وقد تفرق عنه أصحابه لما بلغهم قتل كنانة، حتى بقي وما معه أحد من أصحابه فلما رأى ذلك محمد خرج يمشي في الطريق حتى انتهى إلى خربة في ناحية الطريق، فأوى إليها، وجاء عمرو بن العاص حتى دخل الفسطاط وخرج معاوية بن حديج في طلب محمد حتى انتهى إلى علوج في قارعة الطريق، فسألهم: هل مر بكم أحد تنكرونه؟ فقال أحدهم: لا والله، إلا أني دخلت تلك الخربة، فإذا أنا برجل فيها جالس، فقال ابن حديج: هو هو ورب الكعبة، فانطلقوا يركضون حتى دخلوا عليه، فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشا، فأقبلوا به نحو فسطاط مصر قال: ووثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص- وكان في جنده فقال: أتقتل أخي صبرا! ابعث إلى معاوية بن حديج فانهه، فبعث إليه عمرو بن العاص يأمره أن يأتيه بمحمد بن أبي بكر، فقال معاوية: أكذاك! قتلتم كنانة بن بشر وأخلي أنا عن محمد بن أبي بكر! هيهات، «أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر» .
فقال لهم محمد: اسقوني من الماء، قال له معاوية بن حديج: لا سقاه الله إن سقاك قطرة أبدا! إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائما محرما، فتلقاه الله بالرحيق المختوم، والله لأقتلنك يا ابن أبي بكر فيسقيك الله الحميم والغساق! قال له محمد: يا ابن اليهودية النساجة، ليس ذلك إليك وإلى من ذكرت، إنما ذلك إلى الله عز وجل يسقى أولياءه، ويظمئ اعداءه، أنت وضرباؤك ومن تولاه، أما والله لو كان سيفي في يدي ما بلغتم مني هذا، قال له معاوية:
أتدري ما أصنع بك؟ أدخلك في جوف حمار، ثم أحرقه عليك بالنار، فقال له محمد: إن فعلتم بي ذلك، فطالما فعل ذلك بأولياء الله! وإني لأرجو هذه النار التي تحرقني بها أن يجعلها الله علي بردا وسلاما كما جعلها على خليله إبراهيم، وأن يجعلها عليك وعلى أوليائك كما جعلها على نمرود وأوليائه، إن الله يحرقك ومن ذكرته قبل وإمامك- يعني معاوية، وهذا- وأشار إلى عمرو بن العاص- بنار تلظى عليكم، كلما خبت زادها الله سعيرا قال له معاوية: إني إنما أقتلك بعثمان، قال له محمد: وما أنت وعثمان! إن عثمان عمل بالجور، ونبذ حكم القرآن، وقد قال الله تعالى: «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون» ، فنقمنا ذلك عليه فقتلناه، وحسنت أنت له ذلك ونظراؤك، فقد برأنا الله إن شاء الله من ذنبه، وأنت شريكه في إثمه وعظم ذنبه، وجاعلك على مثاله قال: فغضب معاوية فقدمه فقتله، ثم ألقاه في جيفة حمار، ثم أحرقه بالنار، فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعا شديدا، وقنتت عليه في دبر الصلاة تدعو على معاوية وعمرو، ثم قبضت عيال محمد إليها، فكان القاسم بن محمد بن أبي بكر في عيالها.
وأما الواقدي فإنه ذكر لي أن سويد بن عبد العزيز حدثه عن ثابت ابن عجلان، عن القاسم بن عبد الرحمن، أن عمرو بن العاص خرج في أربعة آلاف، فيهم معاوية بن حديج، وأبو الأعور السلمي، فالتقوا بالمسناة، فاقتتلوا قتالا شديدا، حتى قتل كنانه بن بشر بن عتاب التجيبي، ولم يجد محمد بن أبي بكر مقاتلا، فانهزم، فاختبأ عند جبلة بن مسروق، فدل عليه معاوية بن حديج، فأحاط به، فخرج محمد فقاتل حتى قتل.
قال الواقدي: وكانت المسناة في صفر سنة ثمان وثلاثين، وأذرح في شعبان منها في عام واحد.
رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف وكتب عمرو بن العاص إلى معاوية عند قتله محمد بن أبي بكر وكنانة بن بشر:
أما بعد، فإنا لقينا محمد بن أبي بكر وكنانة بن بشر في جموع جمة من أهل مصر، فدعوناهم إلى الهدى والسنة وحكم الكتاب، فرفضوا الحق، وتوركوا في الضلال، فجاهدناهم، واستنصرنا الله عليهم، فضرب الله وجوههم وأدبارهم، ومنحونا أكتافهم، فقتل الله محمد بن ابى بكر وكنانه ابن بشر وأماثل القوم، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليك
وفيها قتل محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس
. (ذكر الخبر عن مقتله) :
اختلف أهل السير في وقت مقتله، فقال الواقدي: قتل في سنه ست وثلاثين قال: وكان سبب قتله أن معاوية وعمرا سارا إليه وهو بمصر قد ضبطها، فنزلا بعين شمس، فعالجا الدخول، فلم يقدروا عليه، فخدعا محمد بن أبي حذيفة على أن يخرج في ألف رجل إلى العريش، فخرج وخلف الحكم بن الصلت على مصر، فلما خرج محمد بن أبي حذيفة إلى العريش تحصن، وجاء عمرو فنصب المجانيق حتى نزل في ثلاثين من أصحابه، فأخذوا فقتلوا قال: وذاك قبل أن يبعث علي إلى مصر قيس بن سعد.
وأما هشام بن محمد الكلبي فإنه ذكر أن محمد بن أبي حذيفة إنما أخذ بعد أن قتل محمد بن أبي بكر ودخل عمرو بن العاص مصر وغلب عليها، وزعم أن عمرا لما دخل هو وأصحابه مصر أصابوا محمد بن أبي حذيفة، فبعثوا به إلى معاوية وهو بفلسطين، فحبسه في سجن له، فمكث فيه غير كثير، ثم إنه هرب من السجن- وكان ابن خال معاوية- فأرى معاوية الناس أنه قد كره انفلاته، فقال لأهل الشام: من يطلبه؟ قال: وقد كان معاوية يحب فيما يرون أن ينجو، فقال رجل من خثعم- يقال له عبد الله ابن عمرو بن ظلام، وكان رجلا شجاعا، وكان عثمانيا: أنا أطلبه فخرج في حالة حتى لحقه بأرض البلقاء بحوران وقد دخل في غار هناك، فجاءت حمر تدخله، وقد أصابها المطر، فلما رأت الحمر الرجل في الغار فزعت، فنفرت، فقال حصادون كانوا قريبا من الغار: والله إن لنفر هذه الحمر من الغار لشأنا فذهبوا لينظروا، فإذا هم به، فخرجوا، ويوافقهم عبد الله بن عمرو بن ظلام الخثعمي، فسألهم عنه، ووصفه لهم، فقالوا له: ها هو ذا في الغار، قال: فجاء حتى استخرجه، وكره أن يرجعه إلى معاوية فيخلي سبيله فضرب عنقه
قال هشام، عن أبي مخنف: قال: وحدثني الحارث بن كعب بن فقيم، عن جندب، عن عبد الله بن فقيم، عم الحارث بن كعب يستصرخ من قبل محمد بن أبي بكر إلى علي- ومحمد يومئذ أميرهم- فقام علي في الناس وقد أمر فنودي: الصلاة جامعة! فاجتمع الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد ص، ثم قال: أما بعد، فإن هذا صريخ محمد بن أبي بكر وإخوانكم من أهل مصر، قد سار إليهم ابن النابغة عدو الله، وولى من عادى الله، فلا يكونن أهل الضلال إلى باطلهم والركون إلى سبيل الطاغوت أشد اجتماعا منكم على حقكم هذا، فإنهم قد بدءوكم وإخوانكم بالغزو، فاعجلوا إليهم بالمؤاساة والنصر عباد الله، إن مصر أعظم من الشام، أكثر خيرا، وخير أهلا، فلا تغلبوا على مصر، فإن بقاء مصر في أيديكم عز لكم، وكبت لعدوكم، اخرجوا إلى الجرعة بين الحيرة والكوفة، فوافوني بها هناك غدا إن شاء الله قال: فلما كان من الغد خرج يمشي، فنزلها بكرة، فأقام بها حتى انتصف النهار يومه ذلك، فلم يوافه منهم رجل واحد، فرجع فلما كان من العشي بعث إلى أشراف الناس، فدخلوا عليه القصر وهو حزين كئيب، [فقال: الحمد لله على ما قضى من أمري، وقدر من فعلي، وابتلاني بكم أيتها الفرقة ممن لا يطيع إذا أمرت، ولا يجيب إذا دعوت، لا أبا لغيركم! ما تنتظرون بصبركم، والجهاد على حقكم! الموت والذل لكم في هذه الدنيا على غير الحق، فو الله لئن جاء الموت- وليأتين- ليفرقن بيني وبينكم، وأنا لصحبتكم قال، وبكم غير ضنين، لله أنتم! لا دين يجمعكم، ولا حمية تحميكم، إذا أنتم سمعتم بعدوكم يرد بلادكم، ويشن الغارة عليكم او ليس عجبا أن معاوية يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه على غير عطاء ولا معونة! ويجيبونه في السنة المرتين والثلاث إلى أي وجه شاء، وأنا أدعوكم- وأنتم أولو النهي وبقية الناس- على المعونة وطائفة منكم على العطاء، فتقومون عني وتعصونني، وتختلفون علي!] فقام إليه مالك بن كعب الهمداني ثم الأرحبي، فقال: يا أمير المؤمنين، اندب الناس فإنه لا عطر بعد عروس، لمثل هذا اليوم كنت أدخر نفسي، والأجر لا يأتي إلا بالكرة اتقوا الله وأجيبوا إمامكم، وانصروا دعوته، وقاتلوا عدوه، أنا أسير إليها يا أمير المؤمنين، قال: فأمر علي مناديه سعدا، فنادى في الناس: ألا انتدبوا إلى مصر مع مالك بن كعب.
ثم إنه خرج وخرج معه علي، فنظر فإذا جميع من خرج نحو الفى رجل، فقال: سر فو الله ما إخالك تدرك القوم حتى ينقضي أمرهم، قال:
فخرج بهم، فسار خمسا ثم إن الحجاج بن غزية الأنصاري، ثم النجاري قدم على علي من مصر، وقدم عبد الرحمن بن شبيب الفزاري، فأما الفزاري فكان عينه بالشام، وأما الأنصاري فكان مع محمد بن أبي بكر، فحدثه الأنصاري بما رأى وعاين وبهلاك محمد، وحدثه الفزاري أنه لم يخرج من الشام حتى قدمت البشراء من قبل عمرو بن العاص تترى، يتبع بعضها بعضا بفتح مصر وقتل محمد بن أبي بكر، وحتى أذن بقتله على المنبر، وقال: يا أمير المؤمنين، قلما رأيت قوما قط أسر، ولا سرورا قط أظهر من سرور رأيته بالشام حين أتاهم هلاك محمد بن أبي بكر [فقال علي: أما إن حزننا عليه على قدر سرورهم به، لا بل يزيد أضعافا] قال: وسرح علي عبد الرحمن بن شريح الشبامي إلى مالك بن كعب، فرده من الطريق قال:
وحزن علي على محمد بن أبي بكر حتى رئى ذلك في وجهه، وتبين فيه، وقام في الناس خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله ص، وقال: ألا إن مصر قد افتتحها الفجرة أولو الجور والظلم الذين صدوا عن سبيل الله، وبغوا الإسلام عوجا ألا وإن محمد بن أبي بكر قد استشهد رحمه الله، فعند الله نحتسبه أما والله إن كان ما علمت لممن ينتظر القضاء، ويعمل للجزاء، ويبغض شكل الفاجر، ويحب هدى المؤمن، إني والله ما ألوم نفسي على التقصير، وانى لمقاساه الحرب لجد خبير، وإني لأقدم على الأمر وأعرف وجه الحزم، وأقوم فيكم بالرأي المصيب، فأستصرخكم معلنا، وأناديكم نداء المستغيث معربا، فلا تسمعون لي قولا، ولا تطيعون لي أمرا، حتى تصير بي الأمور إلى عواقب المساءة، فأنتم القوم لا يدرك بكم الثأر، ولا تنقض بكم الأوتار، دعوتكم الى غياث إخوانكم منذ بضع وخمسين ليلة فتجرجرتم جرجرة الجمل الأشدق، وتثاقلتم إلى الأرض تثاقل من ليس له نية في جهاد العدو، ولا اكتساب الأجر، ثم خرج الى منكم جنيد متذانب كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون.
فأف لكم! ثم نزل وكتب إلى عبد الله بن عباس وهو بالبصرة:
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس، سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإن مصر قد افتتحت، ومحمد بن أبي بكر قد استشهد، فعند الله نحتسبه وندخره، وقد كنت قمت في الناس في بدئه، وأمرتهم بغياثه قبل الوقعة، ودعوتهم سرا وجهرا، وعودا وبدءا، فمنهم من أتى كارها، ومنهم من اعتل كاذبا، ومنهم القاعد حالا، أسأل الله أن يجعل لي منهم فرجا ومخرجا، وأن يريحني منهم عاجلا والله لولا طمعي عند لقاء عدوى في الشهاده لأحببت الا أبقى مع هؤلاء يوما واحدا عزم الله لنا ولك على الرشد، وعلى تقواه وهداه، إنه على كل شيء قدير والسلام.
فكتب إليه ابن عباس:
بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، من عبد الله بن عباس سلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، أما بعد، فقد بلغني كتابك تذكر فيه افتتاح مصر، وهلاك محمد بن أبي بكر، فالله المستعان على كل حال، ورحم الله محمد بن أبي بكر وآجرك يا أمير المؤمنين! وقد سألت الله أن يجعل لك من رعيتك التي ابتليت بها فرجا ومخرجا، وأن يعزك بالملائكة عاجلا بالنصرة، فإن الله صانع لك ذلك، ومعزك ومجيب دعوتك وكابت عدوك أخبرك يا أمير المؤمنين أن الناس ربما تثاقلوا ثم ينشطون، فارفق بهم يا أمير المؤمنين، وداجنهم ومنهم، واستعن بالله عليهم، كفاك الله ألمهم والسلام.
قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج، عن مالك بن الحور، [أن عليا قال رحم الله محمدا! كان غلاما حدثا، أما والله لقد كنت على أن أولي المرقال هاشم بن عتبة مصر، أما والله لو أنه وليها ما خلى لعمرو بن العاص وأعوانه الفجرة العرصة، ولما قتل إلا وسيفه في يده، لا بلا دم كمحمد فرحم الله محمدا، فقد اجتهد نفسه، وقضى ما عليه] .
وفي هذه السنة وجه معاوية بعد مقتل محمد بن أبي بكر عبد الله بن عمرو ابن الحضرمي إلى البصرة للدعاء إلى الإقرار بحكم عمرو بن العاص فيه.
وفيها قتل أعين بن ضبيعة المجاشعي، وكان علي وجهه لإخراج ابن الحضرمي من البصرة
** ذكر الخبر عن أمر ابن الحضرمي وزياد وأعين وسبب قتل من قتل منهم **
حدثني عمر بن شبة، قال: حدثني علي بن محمد، قال: حدثنا أبو الذيال، عن أبي نعامة، قال: لما قتل محمد بن أبي بكر بمصر، خرج ابن عباس من البصرة إلى علي بالكوفة، واستخلف زيادا، وقدم ابن الحضرمي من قبل معاوية، فنزل في بني تميم، فأرسل زياد إلى حضين بن المنذر ومالك بن مسمع، فقال: أنتم يا معشر بكر بن وائل من أنصار أمير المؤمنين وثقاته، وقد نزل ابن الحضرمي حيث ترون، وأتاه من أتاه، فامنعوني حتى يأتيني رأي أمير المؤمنين فقال حضين: نعم، وقال مالك- وكان رايه مائلا إلى بني أمية، وكان مروان لجأ إليه يوم الجمل: هذا أمر لي فيه شركاء، أستشير وأنظر فلما رأى زياد تثاقل مالك خاف أن تختلف ربيعة، فأرسل إلى نافع أن أشر علي، فأشار عليه نافع بصبرة بن شيمان الحداني، فأرسل إليه زياد، فقال: الا تجيرني! وبيت مال المسلمين فانه فيئكم، وأنا أمين أمير المؤمنين قال: بلى إن حملته إلي ونزلت داري.
قال: فإني حامله، فحمله، وخرج زياد حتى أتى الحدان، ونزل في دار صبرة بن شيمان، وحول بيت المال والمنبر، فوضعه في مسجد الحدان، وتحول مع زياد خمسون رجلا، منهم أبو أبي حاضر- وكان زياد يصلي الجمعة في مسجد الحدان، ويطعم الطعام- فقال زياد لجابر بن وهب الراسبي:
يا أبا محمد، إني لا أرى ابن الحضرمى يكف، لا أراه إلا سيقاتلكم، ولا أدري ما عند أصحابك فآمرهم، وانظر ما عندهم فلما صلى زياد جلس في المسجد، واجتمع الناس إليه، فقال جابر: يا معشر الأزد، تميم تزعم أنهم هم الناس، وأنهم أصبر منكم عند البأس، وقد بلغني أنهم يريدون أن يسيروا إليكم حتى يأخذوا جاركم، ويخرجوه من المصر قسرا، فكيف أنتم إذا فعلوا ذلك وقد أجرتموه وبيت مال المسلمين! فقال صبرة بن شيمان- وكان مفخما: إن جاء الأحنف جئت، وإن جاء الحتات جئت، وإن جاء شبان ففينا شبان فكان زياد يقول: إنني استضحكت ونهضت، وما كدت مكيدة قط كنت إلى الفضيحة بها أقرب مني للفضيحة يومئذ، لما غلبني من الضحك قال: ثم كتب زياد إلى علي: أن ابن الحضرمي أقبل من الشام فنزل في دار بني تميم، ونعى عثمان، ودعا إلى الحرب، وبايعته تميم وجل أهل البصرة، ولم يبق معي من أمتنع به، فاستجرت لنفسي ولبيت المال صبرة بن شيمان، وتحولت فنزلت معهم، فشيعة عثمان يختلفون إلى ابن الحضرمي، فوجه علي أعين بن ضبيعة المجاشعي ليفرق قومه عن ابن الحضرمي، فانظر ما يكون منه، فإن فرق جمع ابن الحضرمي فذلك ما تريد، وإن ترقت بهم الأمور إلى التمادي في العصيان فانهض إليهم فجاهدهم، فإن رأيت ممن قبلك تثاقلا، وخفت ألا تبلغ ما تريد، فدارهم وطاولهم، ثم تسمع وأبصر، فكأن جنود الله قد أظلتك، تقتل الظالمين فقدم أعين فأتى زيادا، فنزل عنده، ثم أتى قومه، وجمع رجالا ونهض إلى ابن الحضرمي، فدعاهم، فشتموه وناوشوه، فانصرف عنهم، ودخل عليه قوم فقتلوه، فلما قتل اعين ابن ضبيعة، أراد زياد قتالهم، فأرسلت بنو تميم إلى الأزد: إنا لم نعرض لجاركم، ولا لأحد من أصحابه، فماذا تريدون إلى جارنا وحربنا! فكرهت الأزد القتال، وقالوا: إن عرضوا لجارنا منعناهم، وإن يكفوا عن جارنا كففنا عن جارهم فأمسكوا وكتب زياد إلى علي: أن أعين بن ضبيعة قدم فجمع من أطاعه من عشيرته، ثم نهض بهم بجد وصدق نية إلى ابن الحضرمي، فحثهم على الطاعة، ودعاهم إلى الكف والرجوع عن شقاقهم، ووافقتهم عامة قوم، فهالهم ذلك، وتصدع عنهم كثير ممن كان معهم، يمنيهم نصرته، وكانت بينهم مناوشة ثم انصرف إلى أهله، فدخلوا عليه فاغتالوه فأصيب، رحم الله أعين! فأردت قتالهم عند ذلك، فلم يخف معي من أقوى به عليهم، وتراسل الحيان، فأمسك بعضهم عن بعض.
فلما قرأ علي كتابه دعا جارية بن قدامة السعدي، فوجهه في خمسين رجلا من بني تميم، وبعث معه شريك بن الأعور- ويقال بعث جاريه خمسمائة رجل- وكتب إلى زياد كتابا يصوب رأيه فيما صنع، وامره بمعونة جاريه ابن قدامة والإشارة عليه، فقدم جارية البصرة، فأتى زيادا فقال له: احتفز واحذر أن يصيبك ما أصاب صاحبك، ولا تثقن بأحد من القوم فسار جارية إلى قومه فقرأ عليهم كتاب علي، ووعدهم، فأجابه أكثرهم، فسار إلى ابن الحضرمي فحصره في دار سنبيل، ثم أحرق عليه الدار وعلى من معه، وكان معه سبعون رجلا- ويقال أربعون- وتفرق الناس، ورجع زياد إلى دار الإمارة، وكتب إلى علي مع ظبيان بن عمارة، وكان ممن قدم مع جارية وإن جارية قدم علينا فسار إلى ابن الحضرمي فقتله حتى اضطره إلى دار من دور بني تميم، في عدة رجال من أصحابه بعد الإعذار والإنذار، والدعاء إلى الطاعة، فلم ينيبوا ولم يرجعوا، فأضرم عليهم الدار فأحرقهم فيها، وهدمت عليهم، فبعدا لمن طغى وعصى! فقال عمرو بن العرندس العودي:
رددنا زيادا إلى داره وجار تميم دخانا ذهب
لحى الله قوما شووا جارهم وللشاء بالدرهمين الشصب
ينادي الخناق وخمانها وقد سمطوا رأسه باللهب
ونحن أناس لنا عادة نحامي عن الجار أن يغتصب
حميناه إذ حل أبياتنا ولا يمنع الجار إلا الحسب
ولم يعرفوا حرمة للجوار إذ أعظم الجار قوم نجب
كفعلهم قبلنا بالزبير عشية إذ بزه يستلب
وقال جرير بن عطية بن الخطفي:
غدرتم بالزبير فما وفيتم وفاء الأزد إذ منعوا زيادا
فأصبح جارهم بنجاة عز وجار مجاشع أمسى رمادا
فلو عاقدت حبل أبي سعيد لذاد القوم ما حمل النجادا
وأدنى الخيل من رهج المنايا واغشاها الأسنة والصعادا
** الخريت بن راشد واظهاره الخلاف على على **
ومما كان في هذه السنة- أعني سنة ثمان وثلاثين- إظهار الخريت بن راشد في بني ناجية الخلاف على علي وفراقه إياه، كالذي ذكر هشام بن محمد، عن أبي مخنف، عن الحارث الأزدي، عن عمه عبد الله بن فقيم، قال: جاء الخريت بن راشد الى على- وكان مع الخريت ثلاثمائة رجل من بني ناجية مقيمين مع علي بالكوفة، قدموا معه من البصرة، وكانوا قد خرجوا إليه يوم الجمل، وشهدوا معه صفين والنهروان- فجاء إلى علي في ثلاثين راكبا من أصحابه يسير بينهم حتى قام بين يدي علي، فقال له: والله يا علي لا أطيع أمرك، ولا أصلي خلفك، وإني غدا لمفارقك وذلك بعد تحكيم الحكمين [فقال له علي: ثكلتك أمك! إذا تعصي ربك، وتنكث عهدك، ولا تضر إلا نفسك خبرني لم تفعل ذلك؟ قال: لأنك حكمت في الكتاب، وضعفت عن الحق إذ جد الجد، وركنت إلى القوم الذين ظلموا أنفسهم، فأنا عليك زار، وعليهم ناقم، ولكم جميعا مباين.
فقال له علي: هلم أدارسك الكتاب، وأناظرك في السنن، وأفاتحك أمورا من الحق أنا أعلم بها منك، فلعلك تعرف ما أنت له الآن منكر، وتستبصر ما أنت عنه الآن جاهل قال: فإني عائد إليك، قال: لا يستهوينك الشيطان، ولا يستخفنك الجهل، وو الله لئن استرشدتني واستنصحتني وقبلت مني لأهدينك سبيل الرشاد] .
فخرج من عنده منصرفا إلى أهله، فعجلت في أثره مسرعا وكان لي من بني عمه صديق، فأردت أن ألقى ابن عمه ذلك فأعلمه بشأنه، ويأمره بطاعة أمير المؤمنين ومناصحته، ويخبره أن ذلك خير له في عاجل الدنيا وآجل الآخرة فخرجت حتى انتهيت إلى منزله وقد سبقني، فقمت عند باب داره، وفي داره رجال من أصحابه لم يكونوا شهدوا معه دخوله على علي.
قال: فو الله ما جزم شيئا مما قال، ومما رد عليه، ثم قال لهم: يا هؤلاء، إني قد رأيت أن أفارق هذا الرجل، وقد فارقته على أن أرجع إليه من غد، ولا أراني إلا مفارقه من غد فقال له أكثر أصحابه: لا تفعل حتى تأتيه، فإن أتاك بأمر تعرفه قبلت منه، وإن كانت الأخرى فما أقدرك على فراقه.
فقال لهم: فنعم ما رأيتم قال: ثم إني استأذنت عليه، فأذنوا لي، فدخلت فقلت: أنشدك الله أن تفارق أمير المؤمنين، وجماعة المسلمين، وأن تجعل على نفسك سبيلا، وأن تقتل من أرى من عشيرتك! أن عليا لعلى الحق.
قال: فأنا أغدو إليه فأسمع منه حجته، وأنظر ما يعرض علي به ويذكر، فإن رأيت حقا ورشدا قبلت، وإن رأيت غيا وجورا تركت قال: فخلوت بابن عمه ذلك- قال: وكان أحد نفره الأدنين، وهو مدرك بن الريان، وكان من رجال العرب- فقلت له: إن لك علي حقا لإخائك وودك ذلك علي بعد حق المسلم على المسلم إن ابن عمك كان منه ما قد ذكر لك، فأجد به، فاردد عليه رأيه، وعظم عليه ما أتى، فإني خائف إن فارق أمير المؤمنين أن يقتله نفسه وعشيرته فقال: جزاك الله خيرا من أخ! فقد نصحت وأشفقت، إن أراد صاحبي فراق أمير المؤمنين فارقته وخالفته، وكنت أشد الناس عليه.
وأنا بعد فإني خال به، ومشير عليه بطاعة أمير المؤمنين ومناصحته والإقامة معه، وفي ذلك حظه ورشده.
فقمت من عنده، وأردت الرجوع إلى أمير المؤمنين لا علمه بالذي كان، ثم اطمأننت إلى قول صاحبي، فرجعت إلى منزلي فبت به ثم أصبحت، فلما ارتفع الضحى أتيت أمير المؤمنين، فجلست عنده ساعة وأنا أريد أن أحدثه بالذي كان من قوله لي على خلوة، فأطلت الجلوس، فلم يزدد الناس إلا كثرة، فدنوت منه، فجلست وراءه، فاصغى الى باذنيه، فخبرته بما سمعت من الخريت بن راشد، وبما قلت له، وبما رد علي، وبما كان من مقالتي لابن عمه، وبما رد علي، فقال: دعه، فإن عرف الحق واقبل إليه عرفنا ذلك وقبلنا منه، وإن أبى طلبناه فقلت: يا أمير المؤمنين، ولم لا تأخذه الآن وتستوثق منه وتحبسه؟ فقال: إنا لو فعلنا هذا بكل من نتهمه من الناس ملأنا سجننا منهم، ولا أراه- يعني الوثوب على الناس والحبس والعقوبة- حتى يظهروا لنا الخلاف قال: فسكت عنه، وتنحيت، فجلست مع القوم.
ثم مكث ما شاء الله ثم إنه قال: ادن مني، فدنوت منه، فقال لي مسرا: اذهب إلى منزل الرجل فاعلم لي ما فعل، فإنه كل يوم لم يكن يأتيني فيه إلا قبل هذه الساعة فأتيت منزله، فإذا ليس في منزله منهم ديار، فدعوت على أبواب دور أخرى كان فيها طائفة من أصحابه، فإذا ليس فيها داع ولا مجيب، فرجعت فقال لي حين رآني: وطنوا فأمنوا، أم جنبوا فظعنوا! [فقلت: بل ظعنوا فأعلنوا، فقال: قد فعلوها! بعدا لهم كما بعدت ثمود! أما لو قد أشرعت لهم الأسنة وصببت على هامهم السيوف، لقد ندموا أن الشيطان اليوم قد استهواهم وأضلهم، وهو غدا متبرئ منهم، ومخل عنهم] .
فقام إليه زياد بن خصفة، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه لو لم يكن من مضرة هؤلاء إلا فراقهم إيانا لم يعظم فقدهم فنأسى عليهم، فإنهم قلما يزيدون في عددنا لو أقاموا معنا، وقلما ينقصون من عددنا بخروجهم عنا، ولكنا نخاف أن يفسدوا علينا جماعة كثيرة ممن يقدمون عليه من أهل طاعتك، فأذن لي في اتباعهم حتى أردهم عليك إن شاء الله فقال له علي:
وهل تدري أين توجه القوم؟ فقال: لا، ولكني أخرج فأسأل وأتبع الأثر.
فقال له: اخرج رحمك الله حتى تنزل دير أبي موسى، ثم لا تتوجه حتى يأتيك أمري، فإنهم إن كانوا خرجوا ظاهرين للناس في جماعة، فإن عمالي ستكتب إلي بذلك، وإن كانوا متفرقين مستخفين فذلك أخفى لهم، وسأكتب إلى عمالي فيهم فكتب نسخة واحدة فأخرجها إلى العمال:
أما بعد، فإن رجالا خرجوا هرابا ونظنهم وجهوا نحو بلاد البصرة، فسل عنهم أهل بلادك، واجعل عليهم العيون في كل ناحية من أرضك، واكتب إلي بما ينتهي إليك عنهم، والسلام.
فخرج زياد بن خصفة حتى أتى داره، وجمع أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد يا معشر بكر بن وائل، فإن أمير المؤمنين ندبني لأمر من أمره مهم له، وأمرني بالانكماش فيه، وأنتم شيعته وأنصاره، وأوثق حي من الأحياء في نفسه، فانتدبوا معى الساعة، واعجلوا.
قال: فو الله ما كان إلا ساعة حتى اجتمع له منهم مائة وعشرون رجلا أو ثلاثون، فقال: اكتفينا، لا نريد أكثر من هذا، فخرجوا حتى قطعوا الجسر، ثم دير أبي موسى، فنزله، فأقام فيه بقية يومه ذلك ينتظر أمر أمير المؤمنين
قال أبو مخنف: فحدثني أبو الصلت الأعور التيمي، عن أبي سعيد العقيلي، عن عبد الله بن وأل التيمي، قال: والله إني لعند أمير المؤمنين إذ جاءه فيج، كتاب بيديه، من قبل قرظة بن كعب الأنصاري:
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني أخبر أمير المؤمنين أن خيلا مرت بنا من قبل الكوفة متوجهة نحو نفر، وإن رجلا من دهاقين أسفل الفرات قد صلى يقال له: زاذان فروخ، أقبل من قبل أخواله بناحية نفر، فعرضوا له، فقالوا: أمسلم أنت أم كافر؟ فقال: بل أنا مسلم، قالوا: فما قولك في علي؟ قال: أقول فيه خيرا، أقول: إنه أمير المؤمنين، وسيد البشر، فقالوا له: كفرت يا عدو الله! ثم حملت عليه عصابة منهم فقطعوه، ووجدوا معه رجلا من أهل الذمة، فقالوا: ما أنت؟ قال: رجل من أهل الذمة، قالوا: أما هذا فلا سبيل عليه، فأقبل إلينا ذلك الذمي فأخبرنا هذا الخبر، وقد سألت عنهم فلم يخبرني أحد عنهم بشيء، فليكتب إلي أمير المؤمنين برأيه فيهم أنته إليه والسلام.
فكتب إليه:
أما بعد، فقد فهمت ما ذكرت من العصابة التي مرت بك فقتلت البر المسلم، وأمن عندهم المخالف الكافر، وإن أولئك قوم استهواهم الشيطان فضلوا وكانوا كالذين حسبوا الا تكون فتنة فعموا وصموا، فأسمع بهم وأبصر يوم تخبر أعمالهم والزم عملك، وأقبل على خراجك فإنك كما ذكرت في طاعتك ونصيحتك، والسلام
قال أبو مخنف: وحدثني أبو الصلت الأعور التيمي عن أبي سعيد العقيلي، عن عبد الله بن وأل، قال: كتب علي ع معي كتابا إلى زياد بن خصفة، وأنا يومئذ شاب حدث:
أما بعد، فإني كنت أمرتك أن تنزل دير أبي موسى حتى يأتيك أمري وذلك لأني لم أكن علمت إلى أي وجه توجه القوم، وقد بلغني أنهم أخذوا نحو قرية يقال لها نفر، فاتبع آثارهم، وسل عنهم، فإنهم قد قتلوا رجلا من أهل السواد مصليا، فإذا أنت لحقتهم فارددهم إلي، فإن أبوا فناجزهم، واستعن بالله عليهم، فإنهم قد فارقوا الحق، وسفكوا الدم الحرام، وأخافوا السبيل والسلام.
[قال: فأخذت الكتاب منه، فمضيت به غير بعيد، ثم رجعت به، فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا أمضي مع زياد بن خصفة إذا دفعت إليه كتابك إلى عدوك؟ فقال: يا بن أخي، افعل، فو الله إني أرجو أن تكون من أعواني على الحق، وأنصاري على القوم الظالمين، فقلت له: أنا والله يا أمير المؤمنين كذلك ومن أولئك، وأنا حيث تحب] .
قال ابن وأل: فو الله ما أحب أن لي بمقالة علي تلك حمر النعم.
قال: ثم مضيت إلى زياد بن خصفة بكتاب علي وأنا على فرس لي رائع كريم، وعلي السلاح، فقال لي زياد: يا بن أخي، والله ما لي عنك من غناء، وإني لأحب أن تكون معي في وجهي هذا، فقلت له: قد استأذنت في ذلك أمير المؤمنين فأذن لي، فسر بذلك.
قال: ثم خرجنا حتى أتينا نفر، فسألنا عنهم، فقيل لنا: قد ارتفعوا نحو جرجرايا، فأتبعناهم، فقيل لنا: قد أخذوا نحو المذار، فلحقناهم وهم نزول بالمذار، وقد أقاموا به يوما وليلة، وقد استراحوا وأعلفوا وهم جامون، فأتيناهم وقد تقطعنا ولغبنا وشقينا ونصبنا، فلما رأونا وثبوا على خيولهم فاستووا عليها، وجئنا حتى انتهينا إليهم، فواقفناهم، ونادانا صاحبهم الخريت بن راشد: يا عميان القلوب والأبصار، أمع الله أنتم وكتابه وسنة نبيه، أم مع الظالمين؟ فقال له زياد بن خصفة: بل نحن مع الله ومن الله وكتابه ورسوله آثر عنده ثوابا من الدنيا منذ خلقت إلى يوم تفنى، أيها العمي الأبصار، الصم القلوب والأسماع فقال لنا: أخبروني ما تريدون؟
فقال له زياد- وكان مجربا رفيقا: قد ترى ما بنا من اللغوب والسغوب، والذي جئنا له لا يصلحه الكلام علانية على رءوس أصحابي وأصحابك، ولكن أنزل وتنزل، ثم نخلو جميعا فنتذاكر أمرنا هذا جميعا وننظر، فإن رأيت ما جئناك فيه حظا لنفسك قبلته، وإن رأيت فيما أسمعه منك أمرا أرجو فيه العافية لنا ولك لم أردده عليك قال: فانزل بنا، قال: فأقبل إلينا زياد فقال: انزلوا بنا على هذا الماء، قال: فأقبلنا حتى إذا انتهينا إلى الماء، نزلناه فما هو إلا أن نزلنا فتفرقنا، ثم تحلقنا من عشرة وتسعة وثمانية وسبعة، يضعون طعامهم بين أيديهم فيأكلون، ثم يقومون إلى ذلك الماء فيشربون وقال لنا زياد: علقوا على خيولكم، فعلقنا عليها مخاليها، ووقف زياد بيننا وبين القوم، وانطلق القوم فتنحوا ناحية، ثم نزلوا، وأقبل إلينا زياد، فلما رأى تفرقنا وتحلقنا قال: سبحان الله، أنتم هل حرب؟ والله لو أن هؤلاء جاءوكم الساعة على هذه الحال ما أرادوا من غيركم أفضل من حالكم التي أنتم عليها.
اعجلوا، قوموا إلى خيلكم، فأسرعنا، فتحشحشنا فمنا من يتنفض، ثم يتوضأ، ومنا من يشرب، ومنا من يسقي فرسه، حتى إذا فرغنا من ذلك كله، أتانا زياد وفي يده عرق ينهشه، فنهش منه نهشتين أو ثلاثا، وأتى بإداوة فيها ماء، فشرب منه، ثم ألقى العرق من يده ثم قال: يا هؤلاء، انا قد لقينا القوم، وو الله إن عدتكم كعدتهم، ولقد حزرتكم وإياهم فما أظن أحد الفريقين يزيد على الآخر بخمسة نفر، وإني والله ما أرى أمرهم وأمركم إلا يرجع إلى القتال، فإن كان إلى ذلك ما يصير بكم وبهم الأمور فلا تكونوا أعجز الفريقين ثم قال لنا: ليأخذ كل امرئ منكم بعنان فرسه حتى أدنو منهم، وادعوا إلي صاحبهم فأكلمه، فإن بايعني على ما أريد وإلا فإذا دعوتكم فاستووا على متون الخيل، ثم أقبلوا إلي معا غير متفرقين.
قال: فاستقدم أمامنا وأنا معه، فأسمع رجلا من القوم يقول: جاءكم القوم وهم كالون معيون، وأنتم جامون مستريحون، فتركتموهم حتى نزلوا وأكلوا وشربوا واستراحوا، هذا والله سوء الرأي! والله لا يرجع الأمر بكم وبهم إلا إلى القتال فسكتوا، وانتهينا إليهم، فدعا زياد بن خصفة صاحبهم، فقال:
اعتزل بنا فلننظر في امرنا هذا، فو الله لقد أقبل إلي زياد في خمسة، فقلت لزياد: ادع ثلاثة من أصحابنا حتى نلقاهم في عدتهم، فقال لي: ادع من أحببت منهم، فدعوت من أصحابنا ثلاثا، فكنا خمسة وخمسة فقال له زياد: ما الذي نقمت على أمير المؤمنين وعلينا إذ فارقتنا؟ فقال: لم أرض صاحبكم إماما، ولم أرض سيرتكم سيرة، فرأيت أن أعتزل وأكون مع من يدعو إلى الشورى من الناس، فإذا اجتمع الناس على رجل لجميع الأمة رضا كنت مع الناس فقال له زياد: ويحك! وهل يجتمع الناس على رجل منهم يداني صاحبك الذي فارقته علما بالله وبسنن الله وكتابه، مع قرابته من الرسول ص وسابقته في الإسلام! فقال له:
ذلك ما أقول لك، فقال له زياد: ففيم قتلت ذلك الرجل المسلم؟ قال: ما أنا قتلته، إنما قتلته طائفة من أصحابي، قال: فادفعهم إلينا، قال: ما إلى ذلك سبيل، قال: كذلك أنت فاعل؟ قال: هو ما تسمع، قال: فدعونا أصحابنا ودعا أصحابه، ثم أقبلنا، فو الله ما رأينا قتالا مثله منذ خلقني ربي، قال: اطعنا والله بالرماح حتى لم يبق في أيدينا رمح، ثم اضطربنا بالسيوف حتى انحنت وعقر عامة خيلنا وخيلهم، وكثرت الجراح فيما بيننا وبينهم، وقتل منا رجلان: مولى زياد كانت معه رايته يدعى سويدا ورجل من الأبناء يدعى وافد بن بكر، وصرعنا منهم خمسة، وجاء الليل يحجز بيننا وبينهم، وقد والله كرهونا وكرهناهم، وقد جرح زياد وجرحت.
قال: ثم إن القوم تنحوا وبتنا في جانب، فمكثوا ساعة من الليل، ثم انهم ذهبوا واتبعناهم حتى أتينا البصرة، وبلغنا أنهم أتوا الأهواز، فنزلوا بجانب منها، وتلاحق بهم أناس من أصحابهم نحو من مائتين كانوا معهم بالكوفة، ولم يكن لهم من القوة ما ينهضهم معهم حتى نهضوا فاتبعوهم فلحقوهم بأرض الأهواز، فأقاموا معهم وكتب زياد بن خصفة إلى علي:
أما بعد، فإنا لقينا عدو الله الناجي بالمذار، فدعوناهم إلى الهدى والحق وإلى كلمة السواء، فلم ينزلوا على الحق، وأخذتهم العزة بالإثم، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل، فقصدوا لنا، وصمدنا صمدهم، فاقتتلنا قتالا شديدا ما بين قائم الظهيرة إلى دلوك الشمس، فاستشهد منا رجلان صالحان، وأصيب منهم خمسة نفر، وخلوا لنا المعركة، وقد فشت فينا وفيهم الجراح ثم إن القوم لما لبسهم الليل خرجوا من تحته متنكبين إلى أرض الأهواز، فبلغنا أنهم نزلوا منها جانبا ونحن بالبصرة نداوي جراحنا، وننتظر أمرك رحمك الله، والسلام عليك.
فلما أتيته بكتابه قرأه على الناس، فقام إليه معقل بن قيس، فقال:
أصلحك الله يا أمير المؤمنين! إنما كان ينبغي أن يكون مع من يطلب هؤلاء مكان كل رجل منهم عشرة من المسلمين، فإذا لحقوهم استأصلوهم وقطعوا دابرهم، فأما أن يلقاهم أعدادهم فلعمري ليصبرن لهم، هم قوم عرب، والعدة تصبر للعدة، وتنتصف منها فقال: تجهز يا معقل بن قيس إليهم وندب معه ألفين من أهل الكوفة منهم يزيد بن المغفل الأزدي وكتب إلى ابن عباس: أما بعد، فابعث رجلا من قبلك صليبا شجاعا معروفا بالصلاح في ألفي رجل، فليتبع معقلا، فإذا مر ببلاد البصرة فهو أمير أصحابه حتى يلقى معقلا، فإذا لقي معقلا فمعقل أمير الفريقين، وليسمع من معقل وليطعه، ولا يخالفه، ومر زياد بن خصفة فليقبل، فنعم المرء زياد، ونعم القبيل قبيله!
قال أبو مخنف: وحدثني أبو الصلت الأعور، عن أبي سعيد العقيلي، قال: كتب علي إلى زياد بن خصفة:
أما بعد، فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت من أمر الناجي وإخوانه الذين طبع الله على قلوبهم، * وزين لهم الشيطان أعمالهم* فهم يعمهون، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا،
ووصفت ما بلغ بك وبهم الأمر، فأما أنت وأصحابك فلله سعيكم، وعلى الله تعالى جزاؤكم! فأبشر بثواب الله خير من الدنيا التي يقتل الجهال أنفسهم عليها، فإن ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون وأما عدوكم الذين لقيتموهم فحسبهم بخروجهم من الهدى إلى الضلال، وارتكابهم فيه، وردهم الحق، ولجاجهم في الفتنة، فذرهم وما يفترون، ودعهم في طغيانهم يعمهون، فتسمع وتبصر، كأنك بهم عن قليل بين أسير وقتيل أقبل إلينا أنت وأصحابك مأجورين، فقد أطعتم وسمعتم، وأحسنتم البلاء، والسلام.
ونزل الناجي جانبا من الأهواز، واجتمع إليه علوج من أهلها كثير أرادوا كسر الخراج، ولصوص كثيرة، وطائفة أخرى من العرب ترى رأيه.
حدثني عمر بن شبة، قال: حدثنا أبو الحسن، عن علي بن مجاهد، قال: قال الشعبي: لما قتل على ع أهل النهروان، خالفه قوم كثير، وانتقضت عليه أطرافه، وخالفه بنو ناجية، وقدم ابن الحضرمي البصرة، وانتقض أهل الأهواز، وطمع أهل الخراج في كسره، ثم أخرجوا سهل بن حنيف من فارس، وكان عامل علي عليها، فقال ابن عباس لعلي: أكفيك فارس بزياد، فأمره علي أن يوجهه إليها، فقدم ابن عباس البصرة، ووجهه إلى فارس في جمع كثير، فوطئ بهم أهل فارس، فأدوا الخراج.
رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف قال أبو مخنف: وحدثني الحارث بن كعب، عن عبد الله بن فقيم الأزدي، قال: كنت أنا وأخي كعب في ذلك الجيش مع معقل بن قيس، [فلما أراد الخروج أقبل إلى علي فودعه فقال: يا معقل، اتق الله ما استطعت، فإنها وصية الله للمؤمنين، لا تبغ على أهل القبلة، ولا تظلم أهل الذمة، ولا تتكبر فإن الله لا يحب المتكبرين فقال: الله المستعان، فقال له علي: خير مستعان،] قال: فخرج وخرجنا معه حتى نزلنا الأهواز، فأقمنا ننتظر أهل البصرة، وقد أبطئوا علينا، فقام فينا معقل بن قيس فقال: يا أيها الناس، إنا قد انتظرنا أهل البصرة، وقد أبطئوا علينا، وليس بحمد الله بنا قلة ولا وحشة إلى الناس، فسيروا بنا إلى هذا العدو القليل الذليل، فإني أرجو أن ينصركم الله وأن يهلكهم
قال: فقام إليه أخي كعب بن فقيم، فقال: اصبت- ارشدك الله- رأيك! فو الله إني لأرجو أن ينصرنا الله عليهم، وإن كانت الأخرى فإن في الموت على الحق تعزية عن الدنيا فقال: سيروا على بركة الله، قال: فسرنا وو الله ما زال معقل لي مكرما وادا، ما يعدل بي من الجند أحدا، قال ولا يزال يقول: وكيف قلت: إن في الموت على الحق تعزيه عن الدنيا؟
صدقت والله واحسنت ووفقت! فو الله ما سرنا يوما حتى أدركنا فيج يشتد بصحيفة في يده من عند عبد الله بن عباس: أما بعد، فإن أدركك رسولي بالمكان الذي كنت فيه مقيما، أو أدركك وقد شخصت منه، فلا تبرح المكان الذي ينتهي فيه إليك رسولي، واثبت فيه حتى يقدم عليك بعثنا الذي وجهناه إليك، فإني قد بعثت إليك خالد بن معدان الطائي، وهو من أهل الإصلاح والدين والبأس والنجدة، فاسمع منه، واعرف ذلك له، والسلام.
فقرأ معقل الكتاب على الناس، وحمد الله، وقد كان ذلك الوجه هالهم.
قال: فأقمنا حتى قدم الطائي علينا، وجاء حتى دخل على صاحبنا، فسلم عليه بالإمرة، واجتمعا جميعا في عسكر واحد قال: ثم إنا خرجنا فسرنا إليهم، فأخذوا يرتفعون نحو جبال رامهرمز يريدون قلعة بها حصينة وجاءنا أهل البلد فأخبرونا بذلك، فخرجنا في آثارهم نتبعهم، فلحقناهم وقد دنوا من الجبل، فصففنا لهم، ثم أقبلنا إليهم، فجعل معقل على ميمنته يزيد بن المغفل، وعلى ميسرته منجاب بن راشد الضبي من أهل البصرة، وصف الخريت بن راشد الناجي من معه من العرب، فكانوا ميمنة، وجعل أهل البلد والعلوج ومن أراد كسر الخراج وأتباعهم من الأكراد ميسرة.
قال: وسار فينا معقل بن قيس يحرضنا ويقول لنا: عباد الله! لا تعدلوا القوم بأبصاركم، غضوا الأبصار، وأقلوا الكلام، ووطنوا أنفسكم على الطعن والضرب، وأبشروا في قتالهم بالأجر العظيم، إنما تقاتلون مارقة مرقت من الدين، وعلوجا منعوا الخراج وأكرادا، انظروني فإذا حملت فشدوا شدة رجل واحد فمر في الصف كله يقول لهم هذه المقالة، حتى إذا مر بالناس كلهم أقبل حتى وقف وسط الصف في القلب، ونظرنا إليه ما يصنع! فحرك رايته تحريكتين، فو الله ما صبروا لنا ساعة حتى ولوا، وشدخنا منهم سبعين عربيا من بني ناجية، ومن بعض من اتبعهم من العرب، وقتلنا نحوا من ثلاثمائة من العلوج والأكراد قال كعب بن فقيم: ونظرت فيمن قتل من العرب، فإذا أنا بصديقي مدرك بن الريان قتيلا، وخرج الخريت ابن راشد وهو منهزم حتى لحق بأسياف البحر، وبها جماعة من قومه كثير، فما زال بهم يسير فيهم ويدعوهم إلى خلاف علي، ويبين لهم فراقه، ويخبرهم أن الهدى في حربه، حتى اتبعه منهم ناس كثير، وأقام معقل بن قيس بأرض الأهواز، وكتب إلى علي معي بالفتح، وكنت أنا الذي قدمت عليه، فكتب إليه:
بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله علي أمير المؤمنين، من معقل بن قيس سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنا لقينا المارقين، وقد استظهروا علينا بالمشركين، فقتلناهم قتل عاد وإرم، مع أنا لم نعد فيهم سيرتك، ولم نقتل من المارقين مدبرا ولا أسيرا، ولم نذفف منهم على جريح، وقد نصرك الله والمسلمين، والحمد لله رب العالمين.
قال: فقدمت عليه بهذا الكتاب، فقرأه على أصحابه، واستشارهم في الرأي، فاجتمع رأي عامتهم على قول واحد، فقالوا له: نرى أن تكتب إلى معقل ابن قيس فيتبع أثر الفاسق، فلا يزال في طلبه حتى يقتله أو ينفيه، فإنا لا نأمن أن يفسد عليك الناس قال: فردني إليه، وكتب معي:
أما بعد، فالحمد لله على تأييد أوليائه، وخذلان أعدائه، جزاك الله والمسلمين خيرا، فقد أحسنتم البلاء، وقضيتم ما عليكم، وسل عن أخي بني ناجية، فإن بلغك أنه قد استقر ببلد من البلدان فسر إليه حتى تقتله أو تنفيه، فإنه لن يزال للمسلمين عدوا، وللقاسطين وليا، ما بقي، والسلام عليك.
فسأل معقل عن مستقره، والمكان الذي انتهى إليه، فنبئ بمكانه بالأسياف، وأنه قد رد قومه عن طاعة علي، وأفسد من قبله من عبد القيس ومن والاهم من سائر العرب، وكان قومه قد منعوا الصدقة عام صفين ومنعوها في ذلك العام أيضا، فكان عليهم عقالان، فسار إليهم معقل بن قيس في ذلك الجيش من أهل الكوفة وأهل البصرة، فأخذ على فارس حتى انتهى إلى أسياف البحر، فلما سمع الخريت بن راشد بمسيره إليه أقبل على من كان معه من أصحابه ممن يرى رأي الخوارج، فأسر لهم: إني أرى رأيكم، فإن عليا لن ينبغي له أن يحكم الرجال في أمر الله وقال للآخرين منددا لهم:
إن عليا حكم حكما ورضي به، فخلعه حكمه الذي ارتضاه لنفسه، فقد رضيت أنا من قضائه وحكمه ما ارتضاه لنفسه، وهذا كان الرأي الذي خرج عليه من الكوفة وقال سرا لمن يرى رأي عثمان: أنا والله على رأيكم، قد والله قتل عثمان مظلوما، فأرضى كل صنف منهم، وأراهم أنه معهم، وقال لمن منع الصدقة: شدوا أيديكم على صدقاتكم، وصلوا بها أرحامكم، وعودوا بها إن شئتم على فقرائكم، وقد كان فيهم نصارى كثير قد أسلموا، فلما اختلف الناس بينهم قالوا: والله لديننا الذي خرجنا منه خير وأهدى من دين هؤلاء الذي هم عليه، ما ينهاهم دينهم عن سفك الدماء، وإخافة السبيل، وأخذ الأموال فرجعوا إلى دينهم، فلقي الخريت أولئك، فقال لهم: ويحكم! أتدرون حكم علي فيمن أسلم من النصارى، ثم رجع إلى نصرانيته؟ لا والله ما يسمع لهم قولا، ولا يرى لهم عذرا، ولا يقبل منهم توبة ولا يدعوهم إليها، وإن حكمه فيهم لضرب العنق ساعة يستمكن منهم.
فما زال حتى جمعهم وخدعهم، وجاء من كان من بني ناجية ومن كان في تلك الناحية من غيرهم، واجتمع إليهم ناس كثير.
فحدثني علي بن الحسن الأزدي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن سليمان، عن عبد الملك بن سعيد بن حاب، عن الحر، عن عمار الدهني، قال: حدثني أبو الطفيل، قال: كنت في الجيش الذين بعثهم علي بن أبي طالب إلى بني ناجية، فقال: فانتهينا إليهم، فوجدناهم على ثلاث فرق، فقال أميرنا لفرقة منهم: ما أنتم؟ قالوا: نحن قوم نصارى، لم نر دينا افضل من ديننا، فثبتنا عليه، فقال لهم: اعتزلوا، وقال للفرقة الأخرى: ما أنتم؟
قالوا: نحن كنا نصارى فأسلمنا، فثبتنا على إسلامنا، فقال لهم: اعتزلوا، ثم قال للفرقة الأخرى الثالثة: ما أنتم؟ قالوا: نحن قوم كنا نصارى، فأسلمنا، فلم نر دينا هو أفضل من ديننا الأول، فقال لهم: أسلموا، فأبوا، فقال لأصحابه: إذا مسحت رأسي ثلاث مرات فشدوا عليهم، فاقتلوا المقاتلة، واسبوا الذرية فجيء بالذرية إلى علي، فجاء مصقلة بن هبيرة، فاشتراهم بمائتي ألف، فجاء بمائة ألف فلم يقبلها علي، فانطلق بالدراهم، وعمد إليهم مصقلة فأعتقهم ولحق بمعاوية، فقيل لعلي: ألا تأخذ الذرية؟
فقال: لا، فلم يعرض لهم.
رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف قال أبو مخنف: وحدثنى الحارث ابن كعب، قال: لما رجع إلينا معقل بن قيس قرأ علينا كتابا من علي:
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من يقرأ عليه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين، والنصارى والمرتدين سلام عليكم وعلى من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وكتابه والبعث بعد الموت وأوفى بعهد الله ولم يكن من الخائنين أما بعد، فإني أدعوكم إلى كتاب الله، وسنة نبيه، والعمل بالحق، وبما أمر الله في الكتاب، فمن رجع إلى أهله منكم وكف يده واعتزل هذا الهالك الحارب الذي جاء يحارب الله ورسوله والمسلمين، وسعى في الأرض فسادا، فله الأمان على ماله ودمه، ومن تابعه على حربنا والخروج من طاعتنا، استعنا بالله عليه، وجعلنا الله بيننا وبينه، وكفى بالله نصيرا! وأخرج معقل راية أمان فنصبها، وقال: من أتاها من الناس فهو آمن.
إلا الخريت وأصحابه الذين حاربونا وبدءونا أول مرة فتفرق عن الخريت جل من كان معه من غير قومه، وعبأ معقل بن قيس أصحابه، فجعل على ميمنته يزيد بن المغفل الأزدي، وعلى ميسرته المنجاب بن راشد الضبي، ثم زحف بهم نحو الخريت، وحضر معه قومه مسلموهم ونصاراهم ومانعة الصدقة منهم.
قال أبو مخنف: وحدثني الحارث بن كعب، عن أبي الصديق الناجي، أن الخريت يومئذ كان يقول لقومه: امنعوا حريمكم، وقاتلوا عن نسائكم وأولادكم، فو الله لئن ظهروا عليكم ليقتلنكم وليسبنكم.
فقال له رجل من قومه: هذا والله ما جنته علينا يداك ولسانك.
فقال: قاتلوا لله أنتم! سبق السيف العذل، إيها والله لقد أصابت قومي داهية!
قال أبو مخنف: وحدثني الحارث بن كعب، عن عبد الله بن فقيم، قال: سار فينا معقل فحرض الناس فيما بين الميمنة والميسرة يقول: أيها الناس المسلمون، ما تزيدون أفضل مما سيق لكم في هذا الموقف من الأجر العظيم، إن الله ساقكم إلى قوم منعوا الصدقة، وارتدوا عن الإسلام، ونكثوا البيعة ظلما وعدوانا، فأشهد لمن قتل منكم بالجنة، ومن عاش فإن الله مقر عينه بالفتح والغنيمة ففعل ذلك حتى مر بالناس كلهم ثم إنه جاء حتى وقف في القلب برايته، ثم إنه بعث إلى يزيد بن المغفل وهو في الميمنة:
أن أحمل عليهم، فحمل عليهم، فثبتوا وقاتلوا قتالا شديدا ثم إنه انصرف حتى وقف موقفه الذي كان به في الميمنة، ثم انه بعث الى منجاب ابن راشد الضبي وهو في الميسرة ثم إن منجابا حمل عليهم فثبتوا وقاتلوا قتالا شديدا طويلا، ثم إنه رجع حتى وقف في الميسرة، ثم إن معقلا بعث إلى الميمنة والميسرة: إذا حملت فاحملوا بأجمعكم فحرك رايته وهزها، ثم إنه حمل وحمل أصحابه جميعا، فصبروا ساعه لهم ثم إن النعمان بن صهبان الراسبي من جرم بصر بالخريت بن راشد فحمل عليه، فطعنه فصرعه عن دابته، ثم نزل وقد جرحه فأثخنه، فاختلفا ضربتين، فقتله النعمان بن صهبان، وقتل معه في المعركة سبعون ومائة، وذهبوا يمينا وشمالا، وبعث معقل بن قيس الخيل إلى رحالهم، فسبى من أدرك منهم، فسبى رجالا كثيرا ونساء وصبيانا ثم نظر فيهم، فأما من كان مسلما فخلاه وأخذ بيعته وترك له عياله، وأما من كان ارتد فعرض عليهم الإسلام فرجعوا وخلى سبيلهم وسبيل عيالهم إلا شيخا منهم نصرانيا يقال له: الرماحس بن منصور، قال: والله ما زللت منذ عقلت إلا في خروجي من ديني، دين الصدق إلى دينكم دين السوء، لا والله لا أدع ديني، ولا أقرب دينكم ما حييت فقدمه فضرب عنقه، وجمع معقل الناس فقال: أدوا ما عليكم في هذه السنين من الصدقة فأخذ من المسلمين عقالين، وعمد إلى النصارى وعيالهم فاحتملهم مقبلا بهم، وأقبل المسلمون معهم يشيعونهم، فأمر معقل بردهم، فلما انصرفوا تصافحوا فبكوا، وبكى الرجال والنساء بعضهم إلى بعض قال: فأشهد أني رحمتهم رحمة ما رحمتها أحدا قبلهم ولا بعدهم قال: وكتب معقل بن قيس إلى علي: أما بعد، فإني أخبر أمير المؤمنين عن جنده وعدوه، أنا دفعنا إلى عدونا بالأسياف فوجدنا بها قبائل ذات عدة وحدة وجد، وقد جمعت لنا، وتحزبت علينا، فدعوناهم إلى الطاعة والجماعة، وإلى حكم الكتاب والسنة، وقرأنا عليهم كتاب أمير المؤمنين، ورفعنا لهم راية أمان، فمالت إلينا منهم طائفة، وبقيت طائفة أخرى منابذة، فقبلنا من التي أقبلت، وصمدنا صمدا للتي أدبرت، فضرب الله وجوههم ونصرنا عليهم، فأما من كان مسلما فإنا مننا عليه وأخذنا بيعته لأمير المؤمنين، وأخذنا منهم الصدقة التي كانت عليهم، وأما من ارتد فإنا عرضنا عليه الرجوع إلى الإسلام وإلا قتلناه فرجعوا غير رجل واحد، فقتلناه، وأما النصارى فإنا سبيناهم، وقد أقبلنا بهم ليكونوا نكالا لمن بعدهم من أهل الذمة، لكيلا يمنعوا الجزية، ولكيلا يجترئوا على قتال أهل القبلة، وهم أهل الصغار والذل، رحمك الله يا أمير المؤمنين، وأوجب لك جنات النعيم، والسلام عليك! ثم أقبل بهم حتى مر بهم على مصقلة بن هبيرة الشيباني، وهو عامل على على أردشير خره، وهم خمسمائة إنسان، فبكى النساء والصبيان، وصاح الرجال: يا أبا الفضل، يا حامي الرجال، وفكاك العناة، أمنن علينا فاشترنا وأعتقنا، فقال مصقله: اقسم بالله لا تصدقن عليهم، إن الله يجزي المتصدقين فبلغها عنه معقل، فقال: والله لو أعلم أنه قاله توجعا لهم، وزراء عليكم، لضربت عنقه، ولو كان في ذلك تفاني تميم وبكر بن وائل ثم إن مصقلة بعث ذهل بن الحارث الذهلي إلى معقل بن قيس فقال له: بعني بني ناجية، فقال: نعم، أبيعكم بألف ألف، ودفعهم إليه، وقال له: عجل بالمال إلى أمير المؤمنين، فقال: أنا باعث الآن بصدر، ثم أبعث بصدر آخر كذلك، حتى لا يبقى منه شيء إن شاء الله تعالى وأقبل معقل بن قيس إلى أمير المؤمنين، وأخبره بما كان منه في ذلك، فقال له: أحسنت وأصبت، وانتظر علي مصقلة أن يبعث إليه بالمال، وبلغ عليا أن مصقلة خلى سبيل الأسارى ولم يسألهم أن يعينوه في فكاك أنفسهم بشيء، فقال: ما أظن مصقلة إلا قد تحمل حمالة، ألا أراكم سترونه عن قريب ملبدا ثم إنه كتب إليه: أما بعد، فإن من أعظم الخيانة خيانة الأمة، وأعظم الغش على أهل المصر غش الامام، وعندك من حق المسلمين خمسمائة ألف، فابعث بها إلي ساعة يأتيك رسولي، وإلا فأقبل حين تنظر في كتابي، فإني قد تقدمت إلى رسولي إليك ألا يدعك أن تقيم ساعة واحدة بعد قدومه عليك إلا أن تبعث بالمال، والسلام عليك.
وكان الرسول أبو جرة الحنفي، فقال له أبو جرة: إن يبعث بالمال الساعة وإلا فاشخص إلى أمير المؤمنين فلما قرأ كتابه أقبل حتى نزل البصرة، فمكث بها أياما ثم إن ابن عباس سأله المال، وكان عمال البصرة يحملون من كور البصرة إلى ابن عباس، ويكون ابن عباس هو الذي يبعث به إلى علي، فقال له: نعم، أنظرني أياما، ثم اقبل حتى اتى عليا فأقره أياما، ثم سأله المال، فأدى إليه مائتي ألف، ثم إنه عجز فلم يقدر عليه.
قال أبو مخنف: وحدثني أبو الصلت الأعور، عن ذهل بن الحارث قال: دعاني مصقلة إلى رحله فقدم عشاؤه، فطعمنا منه، ثم قال: والله إن أمير المؤمنين يسألني هذا المال، ولا أقدر عليه، فقلت: والله لو شئت ما مضت عليك جمعة حتى تجمع جميع المال، فقال: والله ما كنت لأحملها قومي، ولا أطلب فيها إلى أحد ثم قال: أما والله لو أن ابن هند هو طالبني بها أو ابن عفان لتركها لي، ألم تر إلى ابن عفان حيث أطعم الأشعث من خراج أذربيجان مائة ألف في كل سنة! فقلت له: إن هذا لا يرى هذا الرأي، لا والله ما هو بباذل شيئا كنت أخذته، فسكت ساعة، وسكت عنه، [فلا والله ما مكث إلا ليلة واحدة بعد هذا الكلام حتى لحق بمعاوية وبلغ ذلك عليا فقال: ما له برحه الله، فعل فعل السيد، وفر فرار العبد، وخان خيانة الفاجر! أما والله لو أنه أقام فعجز ما زدنا على حبسه، فإن وجدنا له شيئا أخذناه، وإن لم نقدر على مال تركناه] ثم سار إلى داره فنقضها وهدمها، وكان أخوه نعيم بن هبيرة شيعيا، ولعلي مناصحا، فكتب إليه مصقلة من الشام مع رجل من النصارى من بني تغلب يقال له حلوان:
أما بعد، فإني كلمت معاوية فيك، فوعدك الإمارة، ومناك الكرامة، فأقبل إلي ساعة يلقاك رسولي إن شاء الله، والسلام.
فأخذه مالك بن كعب الأرحبي، فسرح به إلى علي، فأخذ كتابه فقرأه، فقطع يد النصراني، فمات، وكتب نعيم إلى أخيه مصقلة:
لا ترمين هداك الله معترضا بالظن منك فما بالي وحلوانا!
ذاك الحريص على ما نال من طمع وهو البعيد فلا يحزنك إذ خانا
ماذا أردت إلى إرساله سفها ترجو سقاط امرى لم يلف وسنانا
عرضته لعلي إنه أسد يمشي العرضنة من آساد خفانا
قد كنت في منظر عن ذا ومستمع تحمي العراق وتدعى خير شيبانا
حتى تقحمت أمرا كنت تكرهه للراكبين له سرا وإعلانا
لو كنت أديت ما للقوم مصطبرا للحق أحييت أحيانا وموتانا
لكن لحقت باهل الشام ملتمسا فضل ابن هند وذاك الرأي أشجانا
فاليوم تقرع سن الغرم من ندم ماذا تقول وقد كان الذي كانا!
أصبحت تبغضك الأحياء قاطبة لم يرفع الله بالبغضاء إنسانا
فلما وقع الكتاب إليه علم أن رسوله قد هلك، ولم يلبث التغلبيون إلا قليلا حتى بلغهم هلاك صاحبهم حلوان، فأتوا مصقلة فقالوا: إنك بعثت صاحبنا فأهلكته، فإما أن تحييه وإما أن تديه، فقال: أما أن أحييه فلا استطيع، ولكنى ساديه، فواداه.
قال أبو مخنف: وحدثني عبد الرحمن بن جندب، قال: حدثني أبي، قال: لما بلغ عليا مصاب بني ناجية وقتل صاحبهم قال: هوت أمه! ما كان أنقص عقله، وأجرأه على ربه! فإن جائيا جاءني مرة فقال لي:
في أصحابك رجال قد خشيت أن يفارقوك، فما ترى فيهم؟ فقلت له:
إني لا آخذ على التهمة، ولا أعاقب على الظن، ولا أقاتل إلا من خالفني وناصبني وأظهر لي العداوة، ولست مقاتله حتى أدعوه وأعذر إليه، فإن تاب ورجع إلينا قبلنا منه، وهو أخونا، وإن أبى إلا الاعتزام على حربنا استعنا عليه الله، وناجزناه فكف عني ما شاء الله ثم جاءني مرة أخرى فقال لي: قد خشيت أن يفسد عليك عبد الله بن وهب الراسبي وزيد بن حصين، انى سمعتهما يذكر انك بأشياء لو سمعتها لم تفارقهما عليها حتى تقتلهما أو توبقهما، فلا تفارقهما من حبسك أبدا، فقلت: إني مستشيرك فيهما، فماذا تأمرني به؟ قال: فإني آمرك أن تدعو بهما، فتضرب رقابهما، فعلمت أنه لا ورع ولا عاقل، فقلت: والله ما أظنك ورعا ولا عاقلا نافعا، والله لقد كان ينبغي لك لو أردت قتلهم أن تقول: اتق الله، لم تستحل قتلهم ولم يقتلوا أحدا، ولم ينابذوك، ولم يخرجوا من طاعتك! وحج بالناس في هذه السنة قثم بن العباس من قبل على ع.
حدثني بذلك أحمد بن ثابت، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر.
وكان قثم يومئذ عامل علي على مكة، وكان على اليمن عبيد الله بن العباس، وعلى البصرة عبد الله بن العباس.
واختلف في عامله على خراسان فقيل: كان خليد بن قرة اليربوعي، وقيل: كان ابن أبزى، وأما الشام ومصر فانه كان بهما معاويه وعماله