Islam · Chronicles · Futuh al-Buldan
يوم اليرموك
Futuh al-Buldan · Al-Baladhuri (d. 892) · chapter 31 of 90
قالوا: جمع هرقل جموعا كثيرة من الروم وأهل الشام وأهل الجزيرة وأرمينية تكون زهاء مائتي ألف وولى عليهم رجلا من خاصته، وبعث على مقدمته جبلة بن الأيهم الغساني في مستعربة الشام من لخم وجذام وغيرهم، وعزم على محاربة المسلمين فإن ظهروا وإلا دخل بلاد الروم، فأقام بالقسطنطينية واجتمع المسلمون فرجعوا إليهم فاقتتلوا على اليرموك أشد قتالا وأبرحه واليرموك نهر- وكان المسلمون يومئذ أربعة وعشرين ألفا وتسلسلت الروم وأتباعهم يومئذ لئلا يطعموا أنفسهم في الهرب، فقتل الله منهم زهاء سبعين ألفا وهرب فلهم فلحقوا بفلسطين وأنطاكية وحلب والجزيرة وأرمينية. وقاتل يوم اليرموك نساء من نساء المسلمين قتالا شديدا، وجعلت هند بنت عتبة أم معاوية بن أبي سفيان تقول: عضدوا الغلفان بسيوفكم.
وكان زوجها أبو سفيان خرج إلى الشام تطوعا وأحب مع ذلك أن يرى ولده وحملها معه، ثم أنه قدم المدينة فمات بها سنة إحدى وثلاثين وهو ابن ثمان وثمانين سنة، ويقال: إنه مات بالشام فلما أتى أم حبيبة بنته نعيه دعت في اليوم الثالث بصفرة فمسحت بها ذراعيها وعارضتها، وقالت: لقد كنت عن هذا غنية لولا أني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول «لاتحد امرأة على ميت سوى زوجها أكثر من ثلاث» ويقال: إنها فعلت هذا الفعل حين أتاها نعي أخيها يزيد والله أعلم.
وكان أبو سفيان بن حرب أحد العوران ذهبت عينه يوم الطائف، قالوا: وذهبت يوم اليرموك عين الأشعث بن قيس، وعين هاشم بن عتبة ابن أبى وقاص الزهري، وهو المرقال: وعين قيس بن مكشوح. واستشهد عامر بن أبي وقاص الزهري، وهو الذي كان قدم الشام بكتاب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بولايته الشام، ويقال: بل مات في الطاعون، وقال بعض الرواة استشهد يوم أجنادين وليس ذلك بثبت.
قال: وعقد أبو عبيدة لحبيب بن مسلمة الفهري على خيل الطلب فجعل يقتل من أدرك، وانحاز جبلة بن الأيهم إلى الأنصار فقال: أنتم أخوتنا وبنو أبينا وأظهر الإسلام، فلما قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشام سنة سبع عشرة لاحى جلة رجلا من مزينة فلطم عينه فأمره عمر بالاقتصاص منه، فقال: أو عينه مثل عيني والله لا أقيم ببلد على به سلطان، فدخل بلاد الروم مرتدا، وكان جبلة ملك غسان بعد الحارث بن أبي شمر، وروى أيضا أن جبلة أتى عمر بن الخطاب وهو على نصرانيته فعرض عمر عليه الإسلام وأداء الصدقة فأبى ذلك وقال: أقيم على ديني وأؤدي الصدقة.
فقال عمر: إن أقمت على دينك فأد الجزية فانف منها، فقال عمر: ما عندنا لك إلا واحدة من ثلاث، أما الإسلام، وأما أداء الجزية، وأما الذهاب إلى حيث شئت: فدخل بلاد الروم في ثلاثين ألفا، فلما بلغ ذلك عمر ندم وعاتبه عبادة بن الصامت فقال لو قبلت منه الصدقة ثم تألفته لأسلم، وأن عمر رضي الله عنه وجه في سنة إحدى وعشرين عمير بن سعد الأنصاري إلى بلاد الروم في جيش عظيم وولاه الصائفة- وهي أول صائفة كانت- وأمره أن يتلطف لجبلة بن الأيهم ويستعطفه بالقرابة بينهما ويدعوه إلى الرجوع إلى بلاد الإسلام على أن يؤدي ما كان بذل من الصدقة ويقيم على دينه، فسار عمير حتى دخل بلاد الروم وعرض على جبلة ما أمره عمر بعرضه عليه فأبى إلا المقام في بلاد الروم، وانتهى عمير إلى موضع يعرف بالحمار، وهو واد فأوقع بأهله، وأخربه فقيل أخرب من جوف حمار.
قالوا: ولما بلغ هرقل خبر أهل اليرموك وإيقاع المسلمين بجنده هرب من انطاكية إلى قسطنطينية، فلما جاوز الدرب قال: عليك يا سورية السلام ونعم البلد هذا للعدو يعني أرض الشام لكثرة مراعيها. وكانت وقعة اليرموك في رجب سنة خمس عشرة. قال هشام بن الكلبي: شهد اليرموك حباس بن قيس القشيري فقتل من العلوج خلقا وقطعت رجله وهو لا يشعر، ثم جعل ينشدها فقال سوار بن أوفى:
ومنا ابن عتاب وناشد رجله ومنا الذي أدى إلى الحي حاجبا
يعني ذا الرقيبة. وحدثني أبو حفص الدمشقي قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز، قال: بلغني أنه لما جمع هرقل للمسلمين الجموع وبلغ المسلمين إقبالهم إليهم لوقعة اليرموك ردوا على أهل حمص ما كانوا أخذوا منهم من الخراج وقالوا: قد شغلنا عن نصرتكم والدفع عنكم فأنتم على أمركم، فقال أهل حمص: لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم ولندفعن جند هرقل عن المدينة مع عملكم ونهض اليهود فقالوا. والتوراة لا يدخل عامل هرقل مدينة حمص إلا أن نغلب ونجهد، فأغلقوا الأبواب وحرسوها وكذلك فعل أهل المدن التي صولحت من النصارى واليهود، وقالوا: إن ظهر الروم وأتباعهم على المسلمين صرنا إلى ما كنا عليه وإلا فإنا على أمرنا ما بقي للمسلمين عدد، فلما هزم الله الكفرة وأظهر المسلمين فتحوا مدنهم وأخرجوا المقلسين فلعبوا وأدوا الخراج، وسار أبو عبيدة إلى جند قنسرين وأنطاكية ففتحها.
وحدثني العباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده، قال. أبلى السمط ابن الأسود الكندي بالشام وبحمص خاصة وفي يوم اليرموك وهو الذي قسم منازل حمص بين أهلها، وكان ابنه شرحبيل بن السمط بالكوفة مقاوما للأشعث بن قيس الكندي في الرياسة فوفد السمط إلى عمر، فقال له: يا أمير المؤمنين إنك لا تفرق بين السبي، وقد فرقت بيني وبين ولدي فحوله إلى الشام أو حولني إلى الكوفة فقال: بل أحوله إلى الشام فنزل حمص مع أبيه