John Shaqi

Islam · Chronicles · Futuh al-Buldan

يوم القادسية

Futuh al-Buldan · Al-Baladhuri (d. 892) · chapter 58 of 90

قالوا: كتب المسلمون إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعلمونه كثرة من تجمع لهم من أهل فارس ويسألونه المدد، فأراد أن يغزو بنفسه وعسكر لذلك، فأشار عليه العباس بن عبد المطلب، وجماعة من مشايخ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمقام وتوجيه الجيوش والبعوث ففعل ذلك، وأشار عليه علي بن أبي طالب بالمسير، فقال له: إني قد عزمت على المقام وعرض على علي رضي الله عنه الشخوص فأباه فأراد عمر توجيه سعيد بن زيد بن عمرو ابن نفيل العدوي، ثم بدا له فوجه سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص مالك ابن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وقال: أنه رجل شجاع رام ويقال: إن سعيد بن زيد بن عمرو كان يومئذ بالشام غازيا، قالوا: وسار إلى العراق فأقام بالثعلبية ثلاثة أشهر حتى تلاحق به الناس، ثم قدم العزيب في سنة خمس عشرة، وكان المثنى بن حارثة مريضا فأشار عليه بأن يحارب العدو بين القادسية والعذيب ثم اشتد وجعه فحمل إلى قومه فمات فيهم، وتزوج سعد امرأته.

قال الواقدي: توفي المثنى قبل نزول رستم القادسية، قالوا: وأقبل رستم وهو من أهل الري، ويقال بل هو من أهل همذان فنزل برس، ثم سار فأقام بين الحيرة والسيلحين أربعة أشهر لا يقدم على المسلمين ولا يقاتلهم والمسلمون معسكرون بين العذيب والقادسية، وقدم رستم ذا الحاجب فكان معسكرا بطيزناباذ، وكان المشركون زهاء مائة ألف وعشرين ألفا ومعهم ثلاثون فيلا وروايتهم العظمى التي تدعى درفش كابيان، وكان جمع المسلمون ما بين تسعة آلاف إلى عشرة آلاف فإذا احتاجوا إلى العلف والطعام أخرجوا خيولا في البر فأغارت على أسفل الفرات، وكان عمر يبعث إليهم من المدينة الغنم والجزر، قالوا: وكانت البصرة قد مصرت فيما بين يوم النخيلة ويوم القادسية مصرها عتبة بن غزوان، ثم استأذن للحج وخلف المغيرة بن شعبة فكتب عمر بعهده فلم يلبث أن قرف بما قرف به فولى أبا موسى البصرة وأشخص المغيرة إلى المدينة، ثم أن عمر رده ومن شهد عليه إلي البصرة، فلما حضر يوم القادسية كتب عمر إلى أبي موسى يأمره بإمداد سعد فأمده بالغيرة في ثمانمائة ويقال في أربعمائة فشهدها ثم شخص إلى المدينة فكتب عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح فأمد سعدا بقيس ابن هبيرة بن المكشوح المرادي، فيقال: أنه شهد القادسية، ويقال: بل قدم على المسلمين وقد فرغ من حربها وكان قيس في سبعمائة.

وكان يوم القادسية في آخر سنة ست عشرة، وقد قبل أن الذي أمدي سعدا بالمغيرة عتبة بن غزوان وأن المغيرة إنما ولى البصرة بعد قدومه من القادسية وأن عمر لم يخرجه من المدينة حين أشخصه إليها لما قرف به إلا واليا على الكوفة.

وحدثني العباس بن الوليد النرسي، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد عن مجلد عن الشعبي، قال: كتب عمر إلى أبي عبيدة ابعث قيس بن مكشوح إلى القادسية فيمن انتدب معه فانتدب معه خلق فقدم متعجلا في سبعمائة، وقد فتح على سعد فسألوه الغنيمة فكتب إلى عمر في ذلك فكتب إليه عمر إن كان قيس قدم قبل دفن القتلى فاقسم له نصيبه، قالوا: وأرسل رستم إلى سعد يسأله توجيه بعض أصحابه إليه فوجه المغيرة بن شعبة فقصد قصد سريره ليجلس معه وعليه فمنعته الأساورة من ذلك، وكلمه رستم بكلام كثير، ثم قال له: قد علمت أنه لم يحملكم على ما أنتم فيه إلا ضيق المعاش وشدة الجهد ونحن نعطيكم ما تتشبعون به ونصرفكم ببعض ما تحبون، فقال المغيرة. إن الله بعث إلينا نبيه صلى الله عليه وسلم فسعدنا بإجابته واتباعه، وأمرنا بجهاد من خالف ديننا (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) 9: 29، ونحن ندعوك إلى عبادة الله وحده، والإيمان بنبيه صلى الله عليه وسلم فإن فعلت وإلا فالسيف بيننا وبينكم، فنحر رستم غضبا، ثم قال. والشمس والقمر لا يرتفع الضحى غدا حتى نقتلكم أجمعين، فقال المغيرة: لا حول ولا قوة إلا بالله وانصرف عنه، وكان على فرس له مهزول وعليه سيف معلوب ملفوف عليه الخرق.

وكتب عمر إلى سعد يأمره بأن يبعث إلى عظيم الفرس قوما يدعونه إلى الإسلام، فوجه عمرو بن معدي كرب الزبيدي، والأشعث بن قيس الكندي في جماعة فمروا برستم فأتى بهم، فقال. أين تريدون، قالوا صاحبكم فجرى بينهم كلام كثير حتى قالوا إن نبينا قد وعدنا أن نغلب على أرضكم فدعا بزبيل من تراب، فقال: هذا لكم من أرضنا، فقام عمرو ابن معدي كرب مبادرا فبسط رداءه وأخذ من ذلك التراب فيه وانصرف، فقيل له ما دعاك إلى ما صنعت قال تفاءلت بأن أرضهم تصير إلينا ونغلب عليها، ثم أتوا الملك ودعوه إلى الإسلام فغضب وأمرهم بالانصراف، وقال: لولا أنكم رسل لقتلتكم، وكتب إلى رستم يعنفه على إنفاذهم إليه.

ثم أن علافة المسلمين وعليها زهرة بن حوية بن عبد الله بن قتادة التميمي ثم السعدي، ويقال: كان عليها قتادة بن حويه لقيت خيلا للأعاجم فكان ذلك سبب الوقعة أغاثت الأعاجم خيلها وأغاث المسلمون علافتهم فالتحمت الحرب بينهم وذلك بعد الظهر، وحمل عمرو بن معدي كرب الزبيدي فاعتنق عظيما من الفرس فوضعه بين يديه في السرج، وقال: أنا أبو ثور افعلوا كذا ثم حطم فيلا من الفيلة، وقال الزموا سيوفكم خراطيمها فإن مقتل الفيل خرطومه، وكان سعد قد استخلف على العسكر والناس خالد بن عرفطة العذري حليف بني زهرة لعلة وجدها، وكان مقيما في قصر العذيب فجعلت امرأته وهي سلمى بنت حفصة من بني تيم الله بن ثعلبة امرة المثنى بن حارثة تقول: وا مثنياه ولا مثنى للخيل فلطمها، فقالت يا سعد: أغيرة وجبنا، وكان أبو محجن الثقفي بباضع غربه إليها عمر بن الخطاب رضي الله عنه لشربه الخمر فتخلص حتى لحق بسعد ولم يكن فيمن شخص معه فيما ذكر الواقدي وشرب الخمر في عسكر سعد فضربه وحبسه في قصر العذيب فسأل زبراء أم ولد سعد أن تطلقه ليقاتل ثم يعود إلى حديده فأحلفته بالله ليفعلن إن أطلقته، فركب فرس سعد وحمل على الأعاجم فخرق صفهم وحطم الفيل الأبيض بسيفه وسعد يراه، فقال: أما الفرس ففرسي: وأما الحملة فحملة أبي محجن، ثم أنه رجع إلى حديده، ويقال: إن سلمى بنت حفصة أعطته الفرس. والأول أصح وأثبت.

فلما انقضى أمر رستم، قال له سعد: والله لأضربتك في الخمر بعد ما رأيت منك أبدا، قال: وأنا والله فلا شربتها أبد، وأبلى طليحة بن خويلد الأسدي يومئذ وضرب الجالينوس ضربة قدت مغفره ولم تعمل في رأسه، وقال قيس بن مكشوح: يا قوم إن منايا الكرام القتل فلا يكونن هؤلاء القلف أولى بالصبر وأسخى نفسا بالموت منكم، ثم قاتل قتالا شديدا وقتل الله رستم فوجد بدنه مملوءا ضربا وطعنا فلم يعلم من قاتله، وقد كان مشى إليه عمرو بن معدى كرب، وطليحة بن خويلد الأسدي، وقرط بن جماح العبدي وضرار بن الأزور الأسدي، وكان الواقدي يقول: قتل ضرار يوم اليمامة وقد قيل أن زهير بن عبد شمس البجلي قتله وقيل أيضا أن قاتله عوام بن عبد شمس وقيل أن قاتله هلال بن علفة التيمي، فكان قتال القادسية يوم الخميس والجمعة وليلة السبت وهي ليلة الهرير، وإنما سميت ليلة صفين بها ويقال: أن قيس بن مكشوح لم يحضر القتال بالقادسية ولكنه قدمها وقد فرغ المسلمون من القتال.

وحدثني أحمد بن سلمان الباهلي عن السهمي عن أشياخه أن سلمان بن ربيعة غزا الشام مع أبي أمامة الصدى بن عجلان الباهلي فشهد مشاهد المسلمين هناك ثم خرج إلى العراق فيمن خرج من المدد إلى القادسية متعجلا فشهد الوقعة وأقام بالكوفة وقتل ببلنجر.

وقال الواقدي في إسناده. خد قوم من الأعاجم لرايتهم وقالوا لا نبرح موضعنا حتى نموت فحمل عليهم سلمان بن ربيعة الباهلي فقتلهم وأخذ الراية، قالوا: وبعث سعد خالد بن عرفطة على خيل الطلب فجعلوا يقتلون من لحقوا حتى انتهوا إلى برس ونزل خالد على رجل له بسطام فأكرمه وبره وسمى نهر هناك نهر بسطام واجتاز خالد بالصراة فلحق جالينوس فحمل عليه كثير بن شهاب الحارثي فطعنه ويقال قتله، وقال ابن الكلبي. قتله زهرة بن حويه السعدي وذلك أثبت، وهرب الفرس إلى المدائن ولحقوا بيزدجرد وكتب سعد إلى عمر بالفتح وبمصاب من أصيب.

وحدثني أبو رجاء الفارسي عن أبيه عن جده، قال: حضرت وقعة القادسية وأنا مجوسي، فلما رمتنا العرب بالنبل جعلنا نقول دوك دوك نعني مغازل فما زالت بنا تلك المغازل حتى أزالت أمرنا، لقد كان الرجل منا يرمي عن القوس الناوكية فما يزيد سهما على أن يتعلق بثوب أحدهم، ولقد كانت النبلة من نبالهم تهتك الدرع الحصينة والجوسن المضاعف مما علينا.

وقال هشام بن الكلبي: كان أول من قتل أعجميا يوم القادسية ربيعة بن عثمان بن ربيعة أحد بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور وقال طليحة في يوم القادسية:

أنا ضربت الجالينوس ضربة حين جياد الخيل وسط الكبة

وقال أبو محجن الثقفي حين رأى الحرب:

كفى حزنا أن تدعس الخيل بالفنا وأترك قد شدوا علي وثاقيا

إذا قمت عناني الحديد وغلقت مصاريع من دوني تصم المناديا

وقال زهير بن عبد شمس بن عوف البجلي:

أنا زهير وابن عبد شمس أرديت بالسيف عظيم الفرس

رستم ذا النخوة والدمقس أطعت ربي وشفيت نفسي

وقال الأشعث بن عبد الحجر بن سراقة الكلابي وشهد الحيرة والقادسية:

وما عقرت بالسيلحين مطيتي وبالقصر إلا خيفة أن أعيرا

فبئس امرؤ يبأى على برهطه وقد ساد أشياخي معدا وحميرا

وقال بعض المسلمين يومئذ:

وقاتلت حتى أنزل الله نصره وسعد بباب القادسية معصم

فرحنا وقد آمت نساء كثيرة ونسوة سعد ليس منهن أيم

وقال قيس بن المكشوح ويقال أنها لغيره:

جلبت الخيل من صنعا تردى بكل مدجج كالليث سام

إلى وادي القرى فديار كلب إلى اليرموك فالبلد الشآمي

وجئنا القادسية بعد شهر مسومة دوابرها دوامي

فناهضنا هنالك جمع كسرى وأبناء المرازنة الكرام

فلما أن رأيت الخيل جالت قصدت لموقف الملك الهمام

فأضرب رأسه فهوى صريعا بسيف لا أقل ولا كهام

وقد أبلى الإله هناك خيرا وفعل الخير عند الله نام

وقال عصام بن المقشعري:

فلو شهدتني بالقوادس أبصرت جلاد امرئ ماض إذا القوم أحجموا

أضارب بالمخشوب حتى أفله وأطعن بالرمح المتل وأقدم

وقال طليحة بن خويلد:

طرقت سليمي أرحل الركب إني اهتديت بسبسب سهب

إني كلفت سلام بعدكم بالغارة الشعواء والحرب

لو كنت يوم القادسية إذ نازلتهم بمهند عضب

أبصرت شداتي ومنصرفي وإقامتي للطعن والضرب

وقال بشر بن ربيعة بن عمرو الخثعمي:

ألم خيال من أميمة موهنا وقد جعلت أولى النجوم تغور

ونحن بصحراء العذيب ودارها حجازية أن المحلى شطير

ولا غرو إلا جوبها البيد في الدجى ومن دوننا وعن أشم وقور

تحن بباب القادسية ناقتي وسعد بن وقاص على أمير

وسعد أمير شره دون خيره طويل الشذمى كأبي الزناد قصير

تذكر هداك الله وقع سيوفنا بباب قديس والمكر عسير

عشية ود القوم لو أن بعضهم يعار جناحي طائر فيطير

قال: واستشهد يومئذ سعد بن عبيد الأنصاري فاغتم عمر لمصابه وقال: لقد كان قتله ينغص على هذا الفتح.

Source. Futuh al-Buldan (فتوح البلدان), Al-Baladhuri (d. 892) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0279Baladhuri.FutuhBuldan.Shamela0012221-ara1.mARkdown (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com