Islam · Chronicles · Futuh al-Buldan
فتح كور فارس وكرمان
Futuh al-Buldan · Al-Baladhuri (d. 892) · chapter 82 of 90
قالوا: كان العلاء بن الحضرمي وهو عامل عمر بن الخطاب على البحرين وجه هرثمة بن عرفجة البارقي من الأزد، ففتح جزيرة في البحر مما يلي فارس، ثم كتب عمر إلى العلاء أن يمد به عتبة بن فرقد السلمي ففعل، ثم لما ولى عمر عثمان بن أبى العاصي الثقفي البحرين وعمان فدوخهما واتسقت له طاعة أهلهما وجه أخاه الحكم بن أبى العاصي في البحر إلى فارس في جيش عظيم من عبد القيس والأزد وتميم وبني ناجية وغيرهم، ففتح جزيرة أبر كاوان، ثم صار إلى توج وهي من أرض أردشير خره، ومعنى أردشير خره بهاء أردشير، وفي رواية أبي مخنف: أن عثمان بن أبى العاصي نفسه قطع البحر إلى فارس فنزل توج ففتحها وبنى بها المساجد وجعلها دارا للمسلمين وأسكنها عبد القيس وغيرهم فكان يغير منها على أرجان وهي متاخمة لها، ثم أنه شخص عن فارس إلى عمان والبحرين لكتاب عمر إليه في ذلك واستخلف أخاه الحكم، وقال غير أبي مخنف: أن الحكم فتح توج وأنزلها المسلمين من عبد القيس وغيرهم سنة تسع عشرة، وقالوا: أن شهرك مرزبان فارس وواليها أعظم ما كان من قدوم العرب فارس واشتد عليه وبلغته نكايتهم وبأسهم وظهورهم على كل من لقوه من عدوهم فجمع جمعا عظيما وسار بنفسه حتى أتى راشهر من أرض سابور وهي بقرب توج، فخرج إليه الحكم بن أبى العاصي وعلى مقدمته سوار بن همام العبدي فاقتتلوا قتالا شديدا وكان هناك واد قد وكل به شهرك رجلا من نقابه في جماعة وأمره أن لا يجتازه هارب من أصحابه إلا قتله فأقبل رجل من شجعاء الأساورة موليا من المعركة، فأراد الرجل قتله، فقال له: لا تقتلني فإنما نقاتل قوما منصورين: الله معهم، ووضع حجرا فرماه ففلقه، ثم قال: أترى هذا السهم الذي فلق الحجر والله ما كان ليخدش بعضهم لو رمي به، قال: لا بد من قتلك: فبينا هو في ذلك إذ أتاه الخبر بقتل شهرك وكان الذي قتله سوار ابن همام العبدي حمل عليه فطعنه فأرداه عن فرسه وضربه بسيفه حتى فاضت نفسه وحمل ابن شهرك على سوار فقتله، وهزم الله المشركين وفتحت راشهر عنوة، وكان يومها في صعوبته وعظيم النعمة على المسلمين فيه كيوم القادسية وتوجه بالفتح إلى عمر بن الخطاب عمرو بن الأهتم التميمي، فقال:
جئت الإمام بإسراع لأخبره بالحق من خبر العبدي سوار
أخبار أروع ميمون نقيبته مستعمل في سبيل الله مغوار
وقال بعض أهل توج: أن توج مصرت بعد مقتل شهرك والله أعلم، قالوا: ثم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عثمان بن أبى العاصي في إتيان فارس فخلف على عمله أخاه المغيرة، ويقال: هو حفص بن أبى العاصي وكان جزلا وقدم توج فنزلها فكان يغزو منها ثم يعود إليها، وكتب عمر إلى أبي موسى وهو بالبصرة يأمره أن يكانف عثمان بن أبى العاصي ويعاونه فكان يغزو فارس من البصرة ثم يعود إليها، وبعث عثمان بن أبى العاصي هرم بن حيان العبدي إلى قلعة يقال لها شبير ففتحها عنوة بعد حصار وقتال. وقال بعضهم: فتح هرم قلعة الستوج عنوة وأتى عثمان جره من سابور ففتحها وأرضها بعد أن قاتله أهلها صلحا على أداء الجزية والخراج ونصح المسلمين، وفتح عثمان بن أبى العاصي كازرون من سابور وغلب على أرضها، وفتح عثمان النوبندجان من سابور أيضا وغلب عليها واجتمع أبو موسى وعثمان بن أبى العاصي في آخر خلافة عمر رضي الله عنه ففتحا أرجان صلحا على الجزية والخراج وفتحا شيراز وهي من أرض أردشير خره على أن يكونوا ذمة يؤدون الخراج إلا من أحب منهم الجلاء ولا يقتلوا ولا يستعبدوا، وفتحا سينيز من أرض أردشير خره وترك أهلها عمارا للأرض، وفتح عثمان حصن جنابا بأمان، وأتى عثمان بن أبى العاصي درابجرد، وكانت شادر وأن علمهم ودينهم وعليها الهربذ فصالحه الهربذ على مال أعطاه إياه وعلى أن أهل درابجرد كلهم أسوة من فتحت بلاده من أهل فارس، واجتمع له جمع بناحية جهرم ففضهم، وفتح أرض جهرم، وأتى عثمان فصالحه عظيمها على مثل صلح درابجرد، ويقال أن الهربذ صالح عليها أيضا، وأتى عثمان بن أبى العاصي مدينة سابور في سنة ثلاث وعشرين ويقال فى سنة أربع وعشرين قبل أن تأنى أبا موسى ولايته البصرة من قبل عثمان بن عفان فوجد أهلها هائبين للمسلمين ورأى أخو شهرك في منامه كأن رجلا من العرب دخل عليه فسلبه قميصه فنخب ذلك قلبه فامتنع قليلا ثم طلب الأمان والصلح، فصالحه عثمان على أن لا يقتل أحدا ولا يسبيه، وعلى أن تكون له ذمة ويعجل مالا. ثم أن أهل سابور نقضوا وغدروا ففتحت في سنة ست وعشرين فتحها عنوة أبو موسى وعلى مقدمته عثمان ابن أبى العاصي.
وقال معمر بن المثنى وغيره: كان عمر بن الخطاب أمر أن يوجه الجارود العبدي سنة اثنتين وعشرين إلى قلاع فارس فلما كان بين جره وشيراز تخلف عن أصحابه فى عقبة هناك سحرا لحاجته ومعه أدوات فأحاطت به جماعة من الأكراد فقتلوه فسميت تلك العقبة عقبة الجارود.
قالوا: ولما ولي عبد الله بن عامر بن كريز البصرة من قبل عثمان بن عفان بعد أبي موسى الأشعري سار إلى اصطخر في سنة ثمان وعشرين فصالحه ماهك عن أهلها، ثم خرج يريد جور، فلما فارقها نكثوا وقتلوا عامله عليهم، ثم لما فتح جور كر عليهم ففتحها، قالوا: وكان هرم بن حيان مقيما على جور وهي مدينة أردشير خره، وكان المسلمون يعانونها ثم ينصرفون عنها فيعاونون إصطخر ويفزون نواحي كانت تنتقض عليهم، فلما نزل ابن عامر بها قاتلوه ثم تحصنوا ففتحها بالسيف عنوة، وذلك في سنة تسع وعشرين وفتح ابن عامر أيضا السكاريان وفشجاتن، وهي الفيشجان من درابجرد ولم تكونا دخلتا في صلح الهربذ وانتقضتا.
وحدثني جماعة من أهل العلم: أن جور غزيت عدة سنين فلم يقدر عليها حتى فتحها ابن عامر، وكان سبب فتحها أن بعض المسلمين قام يصلي ذات ليلة وإلى جانبه جراب له فيه خبز ولحم، فجاء كلب فجره وعدا به حتى دخل المدينة من مدخل لها خفى فظاهر المسلمون بذلك المدخل حتى دخلوا منه وفتحوها، قالوا: ولما فرغ عبد الله بن عامر من فتح جور كر على أهل اصطخر وفتحها عنوة بعد قتال شديد ورمى بالمناجيق وقتل بها من الأعاجم أربعين ألفا وأفنى أكثر أهل البيوتات ووجوه الأساورة، وكانوا قد لجأوا إليها، وبعض الرواة يقول أن ابن عامر رجع إلى اصطخر حين بلغه نكثهم ففتحها ثم صار إلى جور وعلى مقدمته هرم بن حيان ففتحها، وروى الحسن بن عثمان الزيادي أن أهل اصطخر غدروا في ولاية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما العراق لعلي رضي الله عنه ففتحها.
وحدثني العباس بن هشام عن أبيه عن أبي مخنف، قال: توجه ابن عامر إلى اصطخر، ووجه على مقدمته عبيد الله بن معمر التيمي فاستقبله أهل اصطخر برامجرد فقاتلهم فقتلوه فدفن فى بستان برامجرد، وبلغ ابن عامر الخبر فأقبل مسرعا حتى واقعهم وعلى ميمنته أبو برزة نضلة بن عبد الله الأسلمي، وعلى ميسرته معقل بن يسار المزني، وعلى الخيل عمران بن الحصين الخزاعي وعلى الرجال خالد بن المعمر الذهبي فقاتلهم فهزمهم حتى أدخلهم اصطخر وفتحها الله عنوة، فقتل فيها نحوا من مائة ألف وأتى درابجرد ففتحها وكانت منتقضة ثم وجه إلى كرمان.
حدثني عمر الناقد، قال: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري عن عاصم الأحول عن فضيل بن زيد الرقاشي، قال: حاصرنا شهرياج شهرا جرارا وكنا ظننا إنا سنفتحها في يومنا فقاتلنا أهلها ذات يوم ورجعنا إلى معسكرنا وتخلف عبد مملوك منافرا ظنوه فكتب لهم أمانا ورمى به إليهم في سهم، قال: فرحنا للقتال وقد خرجوا من حصنهم، فقالوا: هذا أمانكم، فكتبنا بذلك إلى عمر فكتب إلينا أن العبد المسلم من المسلمين ذمته كذمتهم فلينفذ أمانه فأنفذناه.
وحدثني القاسم بن سلام، قال: حدثنا أبو النضر عن شعبة عن عاصم عن الفضيل، قال: كنا مصافي العدو بسيراف ثم ذكر نحو ذلك. وحدثنا سعدويه، قال: حدثنا عباد بن العوام عن عاصم الأحول عن الفضيل بن زيد الرقاشي، قال: حاصر المسلمون حصنا فكتب عبد أمانا ورمى به إليهم في مشقص فقال المسلمون: ليس أمانه بشيء، فقال القوم: لسنا نعرف الحر من العبد، فكتاب بذلك إلى عمر، فكتب أن عبد المسلمين منة ذمته ذمتهم.
وأخبرني بعض أهل فارس: أن حصن سيراف يدعى سوريانج فسمته العرب شهرياج، وبفسا قلعة تعرف بخرشة بن مسعود من بني تميم، ثم من بني شقرة كان مع ابن الأشعث فتحصن في هذه القلعة، ثم أو من فمات بواسط وله عقب بفسا.
وأما كرمان فام عثمان بن أبى العاصي الثقفي لقي مرزبانها في جزيرة ابركاوان وهو في خف فقتله فوهن أمر أهل كرمان ونخبت قلوبهم فلما صارا ابن عامر إلى فارس وجه مجاشع بن مسعود السلمي إلى كرمان في طلب يزدجرد، فأتى بيمنذ فهلك جيشه بها، ثم لما توجه ابن عامر يريد خراسان ولى مجاشعا كرمان ففتج بيمنذ عنوة واستبقى أهلها وأعطاهم أمانا وبها قصر يعرف بقصر مجاشع، وفتح مجاشع بروخروة وأتى الشيرجان وهي مدينة كرمان وأقام عليها أياما يسيرة وأهلها متحصنون وقد خرجت لهم خيل فقاتلهم ففتحها عنوة وخلف بها رجلا، ثم أن كثيرا من أهلها جلوا عنها، وقد كان أبو موسى الأشعري وجه الربيع بن زياد ففتح ما حول الشيرجان وصالح أهل بم والاندغار، فكفر أهلها ونكثوا، فافتتحها مجاشع بن مسعود وفتح جيرفت عنوة وسار في كرمان فدوخها، وأتى القفص وتجمع له بهرموز خلق ممن جلا من الأعاجم فقاتلهم فظفر بهم وظهر عليهم، وهرب كثير من أهل كرمان فركبوا البحر ولحق بعضهم بمكران وأتى بعضهم سجستان، فأقطعت العرب منازلهم وارضيهم فعمروها وأدوا العشر فيها واحتفروا القنى في مواضع منها، وولى الحجاج قطعن بن قبيصة بن مخارق الهلالي فارس وكرمان وهو الذي انتهى إلى نهر فلم يقدر أصحابه على إجازته، فقال: من جاز فله ألف درهم فجازوه فوفى لهم فكان ذلك أول يوم سميت الجائزة فيه، قال الشاعر وهو الجحاف بن حكيم:
فدى للأكرمين بني هلال على علاتهم أهلي ومالي
هم سنوا الجوائز في معد فصارت سنة أخرى الليالي
رماحهم تزيد على ثمان وعشر حين تختلف العوالي
وكان قبيصة بن مخارق من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفي قطن يقول الشاعر:
كم من أمير قد أصبت حباءه وآخر حظي من إمارته الحزن
فهل قطن إلا كمن كان قبله فصبرا على ما جاء يوما به قطن
قالوا: وكان ابن زياد ولى شريك بن الأعور الحارثي- وهو شريك بن الحارث- كرمان، وكتب ليزيد بن زياد بن ربيعة بن مفرغ الحميري إليه فأقطعه أرضا بكرمان فباعها بعد هرب بن زياد من البصرة، وولى الحجاج الحكم بن نهيك الهجيمي كرمان بعد أن كان ولاه فارس فبنى مسجد أرجان ودار أمارتها