John Shaqi

Islam · Chronicles · Futuh al-Buldan

فتوح خراسان

Futuh al-Buldan · Al-Baladhuri (d. 892) · chapter 84 of 90

قالوا: وجه أبو موسى الأشعري عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي غازيا فأتى كرمان ومضى حتى بلغ الطبسين وهما حصنان يقال لأحدهما طبس وللآخر كرين، وهما جرم فيهما نخل وهما بابا خراسان، فأصاب مغنما وأتى قوم من أهل الطبسين عمر بن الخطاب فصالحوه على ستين ألفا، ويقال خمسة وسبعين ألفا وكتب لهم كتابا.

ويقال: بل توجه عبد الله بن بديل من أصبهان من تلقاء نفسه، فلما استخلف عثمان بن عفان ولى عبد الله بن عامر بن كريز البصرة في سنة ثمان وعشرين ويقال في سنة تسع وعشرين وهو ابن خمس وعشرين سنة فافتتح من أرض فارس ما افتتح ثم غزا خراسان في سنة ثلاثين واستخلف على البصرة زياد بن أبي سفيان وبعث على مقدمته الأحنف بن قيس، ويقال عبد الله ابن حازم بن أسماء بن الصلت بن حبيب السلمي، فأقر صلح الطبسين، وقدم ابن عامر الأحنف بن قيس إلى قوهستان، وذلك أنه سأل عن أقرب مدينة إلى الطبسين فدل عليها فلقيته الهياطلة وهم أتراك، ويقال بل هم قوم من أهل فارس كانوا يلوطون فنفاهم فيروز إلى هراة فصاروا مع الأتراك فكانوا معاونين لأهل قوهستان فهزمهم وفتح قوهستان عنوة، ويقال بل ألجأهم إلى حصنهم ثم قدم عليه ابن عامر فطلبوا الصلح فصالحهم على ستمائة ألف درهم.

وقال معمر بن المثنى: كان المتوجه إلى قوهستان أمير بن أحمر اليشكري وهي بلاد بكر بن وائل إلى اليوم، وبعث ابن عامر يزيد الجرشي أبا سالم بن يزيد إلى رستاق زام من نيسابور ففتحه عنوة، وفتح باخرز وهو رستاو من نيسابور، وفتح أيضا جوبن وسبى سبيا ووجه ابن عامر الأسود بن كلثوم العدوي عدي الرباب وكان ناسكا إلى بيهق وهو رستاق من نيسابور فدخل بعض حيطان أهله من ثلمة كانت فيه ودخلت معه طائفة من المسلمين وأخذ العدو عليهم تلك الثلمة فقاتل الأسود حتى قتل ومن معه، وقام بأمر الناس بعده أدهم بن كلثوم فظفر وفتح بيهق، وكان الأسود يدعو ربه أن يحشره من بطون السباع والطير فلم يواره أخوه ودفن من استشهد من أصحابه، وفتح ابن عامر بشت من نيسابور وأشبندورخ وزاوة وخواف وإسبرائن وأرغيان من نيسابور، ثم أتى أبر شهر وهي مدينة نيسابور فحصر أهلها أشهرا وكان على كل ربع منها رجل موكل به. وطلب صاحب ربع من تلك الأرباع الأمان على أن يدخل المسلمين المدينة فأعطيه وأدخلهم إياها ليلا ففتحوا الباب وتحصن مرزبانها في القهندز ومعه جماعة فطلب الأمان على أن يصالحه من جميع نيسابور على وظيفة يؤديها فصالحه على ألف ألف درهم ويقال سبعمائة ألف درهم. وولى نيسابور حين فتحها قيس بن الهيثم السلمي ووجه ابن عامر عبد الله بن خازم السلمي إلى حمراتدز من نسا وهو رستاق ففتحه، وأتاه صاحب نسا فصالحه على ثلاثمائة ألف درهم، ويقال على احتمال الأرض من الخراج على أن لا يقتل أحدا ولا يسبيه.

وقدم بهمنة عظيم أبيورد على ابن عامر فصالحه على أربعمائة ألف ويقال وجه إليها ابن عامر عبد الله بن خازم فصالح أهلها على أربعمائة ألف درهم، ووجه عبد الله بن عامر عبد الله بن خازم إلى سرخس فقاتلهم، ثم طلب زاذويه مرزبانها الصلح على إيمان مائة رجل، وأن يدفع إليه النساء فصارت ابنته في سهم ابن خازم واتخذها وسماها ميثاء، وغلب ابن خازم على أرض سرخس، ويقال أنه صالحه على أن يؤمن مائة نفس فسمى له المائة ولم يسم نفسه فقتله ودخل سرخس عنوة، ووجه ابن خازم من سرخس يزيد بن سالم مولى شريك بن الأعور إلى كيف وبينة ففتحها، وأنى كنازتك مرزبان طوس ابن عامر فصالحه عن طوس على ستمائة ألف درهم، ووجه ابن عامر جيشا إلى هراة عليه أوس بن ثعلبة بن رقى، ويقال خليد بن عبد الله الحنفي فبلغ عظيم هراة ذلك فشخص إلى ابن عامر وصالحه عن هراة وبادغيس وبوشنج غير طاغون وباغون فإنهما فتحا عنوة، وكتب له ابن عامر:

بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أمر به عبد الله بن عامر عظيم هراة وبوشنج وبادغيس، أمره بتقوى الله، ومناصحة المسلمين، وإصلاح ما تحت يديه من الأرضين، وصالحه عن هراة سهلها وجبلها على أن يؤدى من الجزية ما صالحه عليه، وأن يقسم ذلك على الأرضين عدلا بينهم، فمن منع ما عليه فلا عهد له ولا ذمة، وكتب ربيع بن نهشل وختم ابن عامر.

ويقال أيضا: أن ابن عامر سار بنفسه في الدهم إلى هراة فقاتل أهلها ثم صالحه مرزبانها عن هراة وبوشنج وبادغيس على ألف ألف درهم، وأرسل مرزبان مرو الشاهجان يسأل الصلح فوجه ابن عامر إلى مرو حاتم بن النعمان الباهلي فصالحه على ألفي ألف ومائتي ألف درهم، وقال بعضهم ألف ألف درهم ومائتي ألف جريب من بر وشعير، وقال بعضهم ألف ألف ومائة ألف أوقية وكان فى صلحم أن يوسعوا للمسلمين في منازلهم وأن عليهم قسمة المال وليس على المسلمين إلا قبض ذلك وكانت مرو صلحا كلها إلا قرية منها يقال لها السنج فإنها أخذت عنوة.

وقال أبو عبيدة صالحه على وصائف ووصفاء ودواب ومتاع، ولم يكن عند القوم يومئذ عين وكان الخراج كله على ذلك حتى ولى يزيد بن معاوية فصيره مالا، ووجه عبد الله بن عامر الأحنف بن قيس نحو طخارستان، فأتى الموضع الذي يقال له قصر الأحنف وهو حصن من مرو الروذ، وله رستاق عظيم يعرف برستاق الأحنف ويدعى بشق الجرذ فحصر أهله فصالحوه على ثلاثمائة ألف، فقال الأحنف أصالحكم على أن يدخل رجل منا القصر فيؤذن فيه ويقيم فيكم حتى انصرف فرضوا، وكان الصلح عن جميع الرستاق ومضى الأحنف إلى مرو الروذ فحصر أهلها وقاتلوهم قتالا شديدا فهزمهم المسلمون فاضطروهم إلى حصنهم، وكان المرزبان من ولد باذام صاحب اليمن أو ذا قرابة له، فكتب إلى الأحنف: أنه دعاني إلى الصلح إسلام باذام فصالحه على ستين ألفا، وقال المدائني: قال قوم ستمائة ألف، وقد كانت للأحنف خيل سارت وأخذت رستاقا يقال له بغ واستاقت منه مواشي فكان الصلح بعد ذلك.

وقال أبو عبيدة: قاتل الأحنف أهل مرو الروذ مرات، ثم أنه مر برجل يطبخ قدرا لأصحابه أو يعجن عجينا فسمعه يقول: إنما نبتغي للأمير أن يقاتلهم من وجه واحد من داخل الشعب، فقال في نفسه: الرأي ما قاله الرجل فقاتلهم وجعل المرغاب عن يمينه والجبل عن يساره، والمرغاب نهر يسيح بمرو الروذ ثم يغيض في رمل ثم يخرج بمرو الشاهجان فهزمهم ومن معهم من الترك ثم طلبوا الأمان فصالحه.

وقال غير أبي عبيدة: جمع أهل طخارستان للمسلمين فاجتمع أهل الجوزجان والطالقان والفارياب ومن حولهم فبلغوا ثلاثين ألفا وجاءهم أهل الصغانيان وهم في الجانب الشرقي من النهر فرجع الأحنف إلى قصره فوفى له أهله وخرج ليلا فسمع أهل خباء يتحدثون ورجلا يقول. الرأي للأمير أن يسير إليهم فيناجزهم حيث لقيهم فقال رجل يوقد تحت خزيرة أو يعجن. ليس هذا برأي ولكن الرأي أن ينزل بين المرغاب والجبل فيكون المرغاب عن يمينه والجبل عن يساره فلا يلقى من عدوه وان كثروا إلا مثل عدة أصحابه، فرأى ذلك صوابا ففعله وهو في خمسة آلاف من المسلمين أربعة آلاف من العرب وألف من مسلمي العجم فالتقوا وهز رايته وحمل وحملوا فقصد ملك الصغانيان للأحنف، فأهوى له بالرمح فانتزع الأحنف الرمح من يده، وقاتل قتالا شديدا، فقتل ثلاثة ممن معهم الطبول منهم كان يقصد قصد صاحب الطبل فيقتله، ثم أن الله ضرب وجوه الكفار فقتلهم المسلمون قتلا ذريعا ووضعوا السلاح أنى شاءوا منهم ورجع الأحنف إلى مرو الروذ، ولحق بعض العدو بالجوزجان فوجه إليهم الأحنف الأقرع بن حابس التميمي في خيل: وقال: يا بني تميم تحابوا وتبادلوا تعتدل أموركم وابدؤا بجهاد بطونكم وفروجكم يصلح لكم دينكم، ولا تغلوا يسلم لكم جهادكم، فسار الأقرع فلقي العدو بالجوزجان فكانت في المسلمين جولة، ثم كروا فهزموا الكفرة، وفتحوا الجوزجان عنوة، وقال ابن الغريزة النهشلي:

سقى صوب الصحاب إذا استهلت مصارع فتية بالجوزجان

إلى القصرين من رستاق حوف أفادهم هناك الأقرعان

وفتح الأحنف مطالقان صلحا وفتح الفارياب، ويقال بل فتحها أمير ابن أحمر، ثم سار الأحنف إلى بلخ وهي مدينة طخارى فصالحهم أهلها على أربعمائة ألف ويقال سبعمائة ألف، وذلك أثبت، فاستعمل على بلخ أسيد ابن المتشمس، ثم سار إلى خارزم وهي من سقى النهر جميعا ومدينتها شرقية فلم يقدر عليها فانصرف إلى بلخ وقد جبى أسيد صلحها.

وقال أبو عبيدة: فتح ابن عامر ما دون النهر، فلما بلغ أهل ما وراء النهر أمره طلبوا إليه أن يصالحهم ففعل، فيقال أنه عبر النهر حتى أتى موضعا موضعا وقيل بل أتوه فصالحوه وبعث من قبض ذلك، فأتته الدواب والوصفاء والوصائف والحرير والثياب، ثم أنه أحرم شكر الله ولم يذكر غيره عبوره النهر ومصالحته أهل الجانب الشرقي، وقالوا: أنه أهل بعمرة وقدم على عثمان واستخلف قيس بن الهيثم فسار قيس بعد شخوصه في أرض طخارستان فلم يأت بلدا منها إلا صالحه أهله فأذعنوا له حتى أتى سمنجان فامتنعوا فحصرهم حتى فتحها عنوة، وقد قيل أن ابن عامر جعل خراسان بين ثلاثة الأحنف ابن قيس وحاتم بن النعمان الباهلي وقيس بن الهيثم، والأول أثبت، ثم أن ابن خازم افتعل عهدا على لسان بن عامر وتولى خراسان فاجتمعت بها جموع الترك ففضهم ثم قدم البصرة قبل قتل عثمان.

وحدثني الحسين بن الأسود، قال: حدثنا وكيع بن الجراح عن ابن عون عن محمد بن سيرين أن عثمان بن عفان عقد لمن وراء النهر، قالوا وقدم ماهويه مرزبان مرو علي بن أبي طالب في خلافته وهو بالكوفة فكتب له إلى الدهاقين والأساورة والدهشلارين أن يؤدوا إليه الجزية فانتقضت عليهم خراسان فبعث جعدة بن هبيرة المخزومي وأمه أم هانئ بنت أبي طالب فلم يفتحها ولم تزل خراسان ملتاثة حتى قتل علي عليه السلام، قال أبو عبيدة أول عمال على خرسان عبد الرحمن بن أبزى مولى خزاعة ثم جعدة بن هبيرة بن أبي وهب ابن عمرو بن عائد بن عمران بن مخزوم.

قالوا: واستعمل معاوية بن أبي سفيان قيس بن الهيثم بن قيس بن الصلت السلمي على خراسان فلم يعرض لأهل النكث، وجبى أهل الصلح فكان عليها سنة أو قريبا منها، ثم عزله وولى خالد بن المعمر فمات بقصر مقاتل أو بعين التمر، ويقال أن معاوية ندم على توليته فبعث إليه بثوب مسموم ويقال بل دخلت في رجله زجاجة فنزف منها حتى مات، ثم ضم معاوية إلى عبد الله بن عامر مع البصرة خراسان، فولى بن عامر قيس بن الهيثم السلمي خراسان وكان أهل بادغيس وهراة وبوشنج وبلخ على نكثهم فسار إلى بلح فأخرب نوبهارها، وكان الذي تولى ذلك عطاء بن السائب مولى بني الليث وهو الخشل، وإنما سمي عطاء الخشل واتخذ قناطر على ثلاثة أنهار من بلخ على فرسخ فقيل قناطر عطاء، ثم أن أهل بلخ سألوا الصلح ومراجعة الطاعة فصالحهم قيس ثم قدم على ابن عامر فضربه مائة وحبسه.

واستعمل عبد الله بن خازم فأرسل إليه أهل هراة وبوشنج وبادغيس، فطلبوا الأمان والصلح فصالحهم، وحمل إلى بن عامر مالا وولى زياد بن أبي سفيان البصرة في سنة خمس وأربعين، فولى أمير بن أحمر مرو، وخليد بن عبد الله الحنفي أبر شهر، وقيس بن الهيثم مرو الروذ، والطالقان، والفارياب ونافع بن خالد الطاحي من الأزدهراة، وبادغيس، وبوشنج وقادس من أنواران فكان أمير أول من أسكن العرب مرو، ثم ولى زياد الحكم ابن عمرو الغفاري، وكان عفيفا وله صحبة وإنما قال لحاجبه فيل ايتني بالحكم وهو يريد الحكم بن أبى العاصي الثقفي، وكانت أم عبد الله بنت عثمان بن أبي العاصي عنده فأتاه بالحكم بن عمرو، فلما رآه تبرك به، وقال رجل صالح من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فولاه خراسان فمات بها فى سنة خمسين وكان الحكم أول من صلى من وراء النهر.

وحدثني أبو عبد الرحمن الجعفي، قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول لرجل من أهل الصغانيان كان يطلب معنا الحديث أتدري من فتح بلادك قال لا. قال: فتحها الحكم بن عمرو الغفاري، ثم ولى زياد بن أبي سفيان الربيع ابن زياد الحارثي سنة إحدى وخمسين خراسان، وحول معه من أهل المصريين زهاء وخمسين ألفا بعيالاتهم، وكان فيهم بريدة بن الحصيب الأسلمي أبو عبد الله وبمرو توفى أيام يزيد بن معاوية، وكان أيضا أبو برزة الأسلمى عبد الله ابن نضلة وبهامات وأسكنهم دون النهر، والربيع أول من أمر الجند بالتناهد ولما بلغه مقتل حجر بن عدي الكندي غمه ذلك، فدعا بالموت فسقط من يومه فمات، وذلك سنة ثلاث وخمسين واستخلف عبد الله ابنه فقاتل أهل آمل وهي آمويه وزم، ثم صالحهم ورجع إلى مرو فمكث بها شهرين ثم مات، ومات زياد فاستعمل معاوية عبيد الله بن زياد على خراسان وهو ابن خمس وعشرين سنة فقطع النهر في أربعة وعشرين ألفا فأتى بيكند، وكانت خاتون بمدينة بخارى، فأرسلت إلى الترك تستمدهم فجاءها منهم دهم فلقيهم المسلمون فهزموهم وحووا عسكرهم وأقبل المسلمون يخربون ويحرقون، فبعث إليهم خاتون تطلب الصلح والأمان فصالحها على ألف ألف ودخل المدينة، وفتح رامدين وبيكند وبينهما فرسخان، ورامدين تنسب إلى بيكند، ويقال إنه فتح الصغانيان وقدم معه البصرة بخلق من أهل بخارى ففرض لهم ثم ولى معاوية سعيد بن عثمان بن عفان خراسان فقطع النهر، وكان أول من قطعه بجنده فكان معه رفيع أبو العالية الرياحي وهو مولى لامرأة من بني رياح فقال رفيع أبو العالبة رفعة وعلو.

فلما بلغ خاتون عبوره النهر حملت إليه الصلح وأقبل أهل السغد والترك وأهل كش ونسف وهي نخشب إلى سعيد في مائة ألف وعشرين ألفا فالتقوا ببخارى وقد ندمت خاتون على أدائها الإتاوة ونكثت العهد، فحضر عبد لبعض أهل تلك الجموع فانصرف بمن معه فانكسر الباقون، فلما رأت خاتون ذلك أعطته الرهن وأعادت الصلح ودخل سعيد مدينة بخارى، ثم غزا سعيد ابن عثمان سمرقند فأعانته خاتون بأهل بخارى، فنزل على باب سمرقند وحلف أن لا يبرح أو يفتحها ويرمي قهندزها، فقاتل أهلها ثلاثة أيام وكان أشد قتالهم في اليوم الثالث ففقئت عينه وعين المهلب بن أبي صفرة، ويقال أن عين المهلب فقئت بالطالقان، ثم لزم العدو المدينة وقد فشت فيهم الجراح، وأتاه رجل فدله على قصر فيه أبناء ملوكهم وعظمائهم فسار إليهم وحصرهم، فلما خاف أهل المدينة أن يفتح القصر عنوة ويقتل من فيه طلبوا الصلح فصالحهم على سبعمائة ألف درهم وعلى أن يعطوه رهنا من أبناء عظمائهم، وعلى أن يدخل المدينة ومن شاء ويخرج من الباب الآخر فأعطوه خمسة عشر من أبناء ملوكهم، ويقال أربعين، ويقال ثمانين ورمى القهندز فثبت الحجر في كوته ثم انصرف، فلما كان بالترمذ حملت إليه خاتون الصلح وأقام على الترمذ حتى فتحها صلحا، ثم لما قتل عبد الله بن خازم السلمي أتى موسى ابنه ملك الترمذ فأجاره وألجأه وقوما كانوا معه فأخرجه عنها وغلب عليها وهو مخالف، فلما قتل صارت في أيدي الولاة ثم انتقض أهلها ففتحها قتيبة بن مسلم، وفي سعيد يقول مالك ابن الريب:

هبت شمال خريق أسقطت ورقا واصفر بالقاع بعد الخضرة الشيح

فارحل هديت ولا نجعل غنيمتنا ثلجا يصفقه بالترمذ الريح

إن الشتاء عدو ما نقاتله فاقفل هديت وثوب الدق مطروح

ويقال أن هذه الأبيات لنهار بن توسعة في قتيبة وأولها:

كانت خراسان أرضا إذ يزيد بها فكل باب من الخيرات مفتوح

فاستبدلت قتبا جعدا أنامله كأنما وجهه بالجل منضوح

وكان قثم بن العباس بن عبد المطلب مع سعيد بن عثمان فتوفي بسمرقند، ويقال استشهد بها، فقال عبد الله بن العباس حين بلغته وفاته شتان ما بين مولده ومقبره فأقبل يصلي فقيل له ما هذا، فقال: أما سمعتم الله يقول: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) 2: 45 وحدثني عبد الله بن صالح، قال: حدثنا شريك عن جابر عن الشعبي، قال: قدم قثم على سعيد بن عثمان بخراسان، فقال له سعيد: أعطيك من المغنم ألف سهم، فقال: لا ولكن أعطني سهما لي وسهما لفرسي، قال: ومضى سعيد بالرهن الذين أخذهم من السند حتى ورد بهم المدينة، فدفع ثيابهم ومناطقهم إلى مواليه وألبسهم جباب الصوف وألزمهم السقى والسواني والعمل فدخلوا عليه مجلسه ففتكوا به ثم قتلوا أنفسهم، وفي سعيد يقول مالك بن الريب:

وما زلت يوم السغد ترعد واقفا من الجبن حتى خفت أن تتنصرا

وقال خالد بن عقبة بن أبي معيط:

ألا إن خير الناس نفسا ووالدا سعيد بن عثمان قتيل الأعاجم

فإن تكن الأيام أردت صروفها سعيدا فمن هذا من الدهر سالم

وكان سعيد احتال لشريكه في خراج خراسان فأخذ منه مالا فوجه معاوية من لقيه بحلوان فأخذ المال منه، وكان شريكه أسلم بن زرعة، ويقال إسحاق بن طلحة بن عبيد الله، وكان معاوية قد خاف سعيدا على خلعه ولذلك عاجله بالعزل، ثم ولى معاوية عبد الرحمن بن زياد خراسان، وكان شريفا ومات معاوية وهو عليها، ثم ولى يزيد بن معاوية سلم بن زياد فصالحه أهل خارزم على أربعمائة ألف وحملوها إليه وقطع النهر ومعه امرأته أم محمد بنت عبد الله بن عثمان بن أبى العاصي الثقفي، وكانت أول عربية عبر بها النهر وأتى سمرقند فأعطاه أهلها ألف دية، وولد له ابن سماه السغدي، واستعارت امرأة من امرأة صاحب السغد حليها فكسرته عليها وذهبت به، ووجه سلم بن زياد وهو بالسغد جيشا إلى خجندة وفيهم أعشى همدان فهزموا فقال الأعشى:

ليت خيلي يوم الخجندة لم يه زم وغودرت في المكر سليبا

تحضر الطير مصرعي وتروح ت إلى الله في الدماء خضيبا

ثم رجع سلم إلى مرو ثم غزا منها فقطع النهر وقتل بندون السغدي، وقد كان السغد جمعت له فقاتلها، ولما مات يزيد بن معاوية التاث الناس على سلم وقالوا: بئس ما ظن ابن سمية أن ظن أنه يتأمر علينا في الجماعة والفتنة كما قيل لأخيه عبيد الله بالبصرة فشخص عن خراسان وأتى عبد الله بن الزبير فأغرمه أربعة آلاف ألف درهم وحبسه، وكان سلم يقول: ليتني أتيت الشام ولم آنف من حدمة أخي عبيد الله بن زياد، فكنت أغسل رجله ولم آت ابن الزبير فلم يزل بمكة حتى حصر ابن الزبير الحجاج بن يوسف فنقب السجن وصار إلى الحجاج ثم إلى عبد الملك، فقال له عبد الملك: أما والله لو أقمت بمكة ما كان لها وال غيرك، ولا كان بها عليك أمير وولاه خراسان، فلما قدم البصرة مات بها.

قالوا: وقد كان عبد الله بن خازم السلمي تلقى سلم بن زياد منصرفه من خراسان بنيسابور، فكتب له سلم عهدا على خراسان وأعانه بمائة ألف درهم، فاجتمع جمع كثير من بكر بن وائل وغيرهم، فقالوا: على ما يأكل هؤلاء خراسان دوننا فأغاروا على ثقل ابن خازم فقاتلوهم عنه فكفوا.

وأرسل سليمان بن مرثد أحد بني سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة ابن عكابة من المراثد بن ربيعة إلى ابن خازم أن العهد الذي معك لو استطاع صاحبه أن يقيم بخراسان لم يخرج عنها ويوجهك، وأقبل سليمان فنزل بمشرعة سليمان ونزل ابن خازم بمرو، واتفقا على أن يكتبا إلى ابن الزبير فأيهما أمره فهو الأمير ففعلا، فولى ابن الزبير عبد الله بن خازم خراسان فقدم إليه بعهده عروة بن قطبة بعد ستة أشهر فأبى سليمان أن يقبل ذلك، وقال: ما ابن الزبير بخليفة وإنما هو رجل عائذ بالبيت فحاربه ابن خازم وهو في ستة آلاف وسليمان في خمسة عشر ألفا فقتل سليمان قتله قيس بن عاصم السلمي واحتز رأسه وأصيب من أصحاب ابن خازم رجال، وكان شعار ابن خازم حمر لا ينصرون، وشعار سليمان يا نصر الله اقترب، واجتمع فل سليمان إلى عمر بن مرثد بالطالقان، فسار إليه ابن خازم فقاتله فقتله، واجتمعت ربيعة إلى أوس بن ثعلبة بهراة فاستخلف ابن خازم موسى ابنه وسار إليه، وكانت بين أصحابهما وقائع، واغتنمت الترك ذلك فكانت تغير حتى بلغت قرب نيسابور ودس ابن خازم إلى أوس من سمه فمرض، واجتمعوا للقتال فحض ابن خازم أصحابه فقال: اجعلوه يومكم واطعنوا الخيل من مناخرها فإنه لم يطعن فرس قط في منخره إلا أدبر فاقتتلوا قتالا شديدا، وأصابت أوسا جراحة وهو عليل فمات منها بعد أيام، وولى ابن خازم ابنه محمدا هراة، وجعل على شرطته بكير ابن وشاح وصفت له خراسان.

ثم أن بني تميم هاجوا بهراة وقتلوا محمدا فظفر أبوه بعثمان بن بشر بن المختفز فقتله صبرا، وقتل رجلا من بني تميم فاجتمع بنو تميم فتناظروا، وقالوا ما نرى هذا يقلع عنا فيصير جماعة منا إلى طوس فإذا خرج إليهم خلعه من بمرو منا، فمضى بجير بن وقاء الصريمي من بني تميم إلى طوس في جماعة فدخلوا الحصن ثم تحولوا إلى أبرشهر وخلعوا ابن خازم فوجه ابن خازم ثقله مع ابنه موسى إلى الترمذ، ولم يأمن عليه من بمرو من بني تميم، وورد كتاب عبد الملك بن مروان على ابن خازم بولاية خراسان فأطعم رسوله الكتاب، وقال: ما كنت لألقى الله وقد نكثت بيعة ابن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعت ابن طريدة، فكتب عبد الملك إلى بكير بن وشاح بولايته خراسان فخاف ابن خازم أن يأتيه في أهل مرو، وقد كان بكير خلع ابن خازم، وأخذ السلاح وبيت المال ودعى أهل مرو إلى بيعة عبد الملك فبايعوه، فمضى ابن خازم يريد ابنه موسى وهو بالترمذ في عياله وثقله فاتبعه بحير فقاتله بقرب مرو، ودعيا وكيف بن الدورقية القريعي، واسم أبيه عميرة وأمه من سبي دورق نسب إليه بدرعه وسلاحه فلبسه وخرج فحمل على ابن خازم ومعه بجير بن وقاء فطعناه وقعد وكيع على صدره، وقال: يا لثارات دويلة ودويلة أخو وكيع لأمه، وكان مولى لبني قريع قتله ابن خازم فتنخم ابن خازم في وجهه، وقال لعنك الله أتقتل كبش مضر بأخيك علج لا يساوي كفا من نوى، وقال وكيع:

ذق يا ابن عجلى مثل ما قد أذقتني ولا تحسبني كنت عن ذاك غافلا

عجلى أم ابن خازم وكان يكنى أبا صالح، وكنية وكيع بن الدورقية أبو ربيعة وقتل مع عبد الله بن خازم ابناه عنبسة ويحيى وطعن طهمان مولى ابن خازم، وهو جد يعقوب بن داود كاتب أمير المؤمنين المهدي بعد أبي عبيد الله، وأتى بكير بن وشاح برأس ابن خازم فبعث به إلى عبد الملك بن مروان فنصبه بدمشق، وقطعوا يده اليمنى وبعثوا بها إلى ولد عثمان بن بشر ابن المحتفز المزني.

وكان وكيع جافيا عظيم الخلقة صلى يوما وبين يديه نبت فجعل يأكل منه فقيل له: أتأكل وأنت تصلي، فقال: ما كان الله أحرم نبتا أنبته بماء السماء على طين الثرى، وكان يشرب الخمر فعوتب عليها، فقال: في الخمر تعاتبوني وهي تجلو بولي حتى تصيره كالفضة.

قالوا: وغضب قوم لابن خازم ووقع الاختلاف، وصارت طائفة مع بكير بن وشاح، وطائفة مع بجير، فكتب وجوه أهل خراسان وخيارهم إلى عبد الملك يعلمونه أنه لا تصلح خراسان بعد الفتنة إلا برجل من قريش، فولى أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية خراسان، فولى بكير ابن وشاح طخارستان، ثم ولاه غزو ما وراء النهر: ثم عزم أمية على غزو بخارى ثم إتيان موسى بن عبد الله بن خازم بالترمذ فانصرف بكير إلى مرو وأخذ ابن أمية فحبسه ودعى الناس إلى خلع أمية فأجابوه، وبلغ ذلك أمية فصالح أهل بخارى على فدية قليلة واتخذ السفن. وقد كان بكير أحرقها ورجع وترك موسى بن عبد الله فقدم فقاتله بكير. ثم صالحه على أن يوليه أي ناحية شاء، ثم بلغ أمية أنه يسعى في خلعه بعد ذلك، فأمر إذا دخل داره أن يأخذ فدخلها فأخذ وأمر بحبسه فوثب به بجير بن وقاء فقتله.

وغزا أمية الختل وقد نقضوا بعد أن صالحهم سعيد بن عثمان فافتتحها، أن الحجاج بن يوسف ولى خراسان مع العراقين، قولي خراسان المهلب بن أبي صفرة، واسمه ظالم بن سراق بن صبح بن العتيك من الأزد، ويكنى أبا سعيد سنة تسع وتسعين فغزى كثيرة، وفتح الختل وقد انتقضت، وفتح خجندة فأدت إليه السغد الأتاوة، وغزاكش ونسف ورجع فمات بزاغول من مرو الروذ بالشوصة، وكان بدء علته الحزن على ابنه المغيرة بن المهلب واستخلف المهلب ابنه يزيد بن المهلب فغازا مغازي كثيرة وفتح البتم على يد مخلد بن يزيد بن المهلب.

وولى الحجاج يزيد بن المهلب وصار عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة ابن الحارث بن عبد المطلب إلى هراة في فل ابن الأشعث وغيرهم، وكان خرج مع ابن الأشعث فقتل الرقاد العتكي وجبى الخراج فسار إليه يزيد فاقتتلوا فهزمهم يزيد وأمر بالكف عن اتباعهم ولحق الهاشمي بالسند، وغزا يزيد خارزم وأصاب سبيا فلبس الجند ثياب السبي فماتوا من البرد، ثم ولى الحجاج المفضل بن المهلب بن أبي صفرة ففتح بادغيس وقد انتقضت وشومان وآخرون وأصاب غنائم قسمها بين الناس.

قالوا: وكان موسى بن عبد الله بن خازم السلمي بالترمذ، فأتى سمرقند فأكرمه ملكها طرخون، فوثب رجل من أصحابه على رجل من السغد فقتله فأخرجه ومن معه وأتى صاحب كش. ثم أتى الترمذ وهو حصن فنزل على دهقان الترمذ وهيأ له طعاما فلما أكل اضطجع. فقال له الدهقان: أخرج فقال: لست أعرف منزلا مثل هذا. وقاتل أهل الترمذ حتى غلب عليها. فخرج دهقانها وأهلها إلى الترك يستنصرونهم فلم ينصروهم. وقالوا: لعنكم الله فما ترجون بجبر أتاكم رجل في مائة وأخرجكم عن مدينتكم وغلبكم عليها.

ثم تتام أصحاب موسى إليه ممن كان مع أبيه وغيرهم، ولم يزل صاحب الترمذ وأهلها بالترك حتى أعانوا وأطافوا جميعا بموسى ومن معه فبيتهم موسى وحوى عسكرهم وأصيب من المسلمين ستة عشر رجلا، وكان ثابت وحريث ابنا قطبة الخزاعيان مع موسى فاستجاشا طرخون وأصحابه لموسى فأنجده وأنهض إليه بشرا كثيرا فعظمت دالتهما عليه وكانا الآمرين والناهيين في عسكره فقيل له إنما لك الاسم وهذان صاحبا العسكر والأمر، وخرج إليه من أهل الترمذ خلق من الهياطلة والترك واقتلوا قتالا شديدا فغلبهم المسلمون ومن معهم فبلغ ذلك الحجاج، فقال: احمد لله الذي نصر المنافقين على المشركين، وجعل موسى من رؤس من قاتله جوسقين عظيمين، وقتل حريث بن قطبة بنشابة أصابته فقال أصحاب موسى لموسى: قد أراحنا الله من حريث فأرحنا من ثابت فإنه لا يصفو عيش معه، وبلغ ثابتا ما يخوضون فيه فلما استثبته لحق بحشورا واستنجد طرخون فأنجده، فنهض إليه موسى فغلب على ربض المدينة، ثم كبرت أمداد السغد فرجع إلى الترمذ فتحصن بها وأعانه أهل كش ونسف وبخارى فحصر ثابت موسى وهو في ثمانين ألفا فوجه موسى يزيد بن هزيل كالمعزي لزياد القصير الخزاعي وقد أصيب بمصيبة فالتمس الغرة من ثابت فضربه بالسيف على رأسه ضربة عاش بعدها سبعة أيام ثم مات وألقى يزيد نفسه في نهر الصغانيان فنجا وقام طرخون بأمر أصحابه فبيتهم موسى فرجعت الأعاجم إلى بلادها، وكان أهل خراسان يقولون: ما رأينا مثل موسى قاتل مع أبيه سنتين لم يفل، ثم أتى الترمذ فغلب عليها وهو في عدة يسيرة وأخرج ملكها عنها ثم قاتل الترك والعجم فهزمهم وأوقع بهم فلما عزل يزيد ابن المهلب وتولى المفضل بن المهلب خراسان وجه عثمان بن مسعود، فسار حتى نزل جزيرة بالترمذ تدعى اليوم جزيرة عثمان، وهو في خمسة عشر ألفا فضيق على موسى وكتب إلى طرخون فقدم عليه، فلما رأى موسى الذي ورد عليه خرج من المدينة وقال لأصحابه الذين خلفهم فيها: إن قتلت فادفعوا المدينة إلى مدرك بن المهلب ولا تدفعوها إلى ابن مسعود، وحال الترك والسغد بين موسى والحصن وعثر به فرسه فسقط فارتدف خلف مولى له، وجعل يقول: الموت كريه فنظر إليه عثمان فقال وثبة موسى ورب الكعبة وقصد له حتى سقط ومولاه فانطووا عليه فقتلوه وقتل أصحابه فلم ينج منهم إلا رقية بن الحرفانة دفعه إلى خالد بن أبي برزة الأسلمي، وكان الذي أجهز على موسى بن عبد الله واصل بن طيسلة العنبري، ودفعت المدينة إلى مدرك ابن المهلب وكان قتله في آخر سنة خمس وثمانين وضرب رجل ساق موسى وهو قتيل فلما ولى قتيبة قتله.

قالوا: ثم ولى الحجاج قتيبة بن مسلم الباهلي خراسان، فخرج يريد آخرون فلما كان بالطالقاه تلقاه دهاقين بلخ فعبروا معه النهر فأتاه حين عبر النهر ملك الصغانيان بهدايا ومفتاح من ذهب وأعطاه الطاعة ودعاه إلى نزول بلاده وكان ملك آخرون وشومان قد ضيق على ملك الصغانيان وغزاه فلذلك أعطي قتيبة ما أعطاه ودعاه إلى ما دعاه إليه، وأتى قتيبة ملك كفيان بنحو ما أتاه به ملك الصغانيان وسلما إليه، بلديهما، فانصرف قتيبة إلى مرو وخلف أخاه صالحا على ما وراء النهر ففتح صالح كاسان وأورشت، وهي من فرغانة وكان نصر بن سيار معه في جيشه وفتح بيعنخر وفتح خشكت من فرغانة وهي مدينتها القديمة، وكان آخر من فتح كاسان وأورشت، وقد انتقض أهلها نوح بن أسد في خلافة أمير المؤمنين المنتصر بالله رحمه الله.

قالوا: وأرسل ملك الجوزجان إلى قتيبة فصالحه على أن يأتيه فصار إليه، ثم رجع فمات بالطالقان. ثم غزا قتيبة بيكند سنة سبع وثمانين ومعه نيزك فقطع النهر من زم إلى بيكند، وهي أدنى مدائن بخارى إلى النهر فغدروا واستنصروا السغد فقاتلهم وأغار عليهم وحصرهم فطلبوا الصلح ففتحها عنوة وغزا قتيبة تومشكت وكرمينية سنة ثمان وثمانين واستخلف على مرو بشار بن مسلم أخاه فصالحهم وافتتح حصونا صغارا وغزا قتيبة بخارى ففتحها على صلح، وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى أتى قتيبة بخارى فاحترسوا منه، فقال دعوني أدخلها فأصلي ركعتين فأذنوا له في ذلك فأكمن لهم قوما، فلما دخلوا كاثروا أهل الباب ودخلوا فأصاب فيها مالا عظيما وغدر بأهلها، قال: وأوقع قتيبة بالسغد وقتل نيزك بطخارستان وصلبه وافتتح كش ونسف وهي نخشب صلحا.

قالوا: وكان ملك خارزم ضعيفا، وكان أخوه خر زاد قد ضاده وقوي عليه، فبعث ملك خارزم إلى قتيبة أني أعطيك كذا وكذا وأدفع إليك المفاتيح على أن تملكني على بلادي دون أخي، وخارزم ثلاث مدائن يحاط بها فارقين ومدينة الفيل أحصنها.

وقال علي بن مجاهد إنما مدينة الفيل سمرقند، فنزل الملك أحصن المدائن وبعث إلى قتيبة بالمال الذي صالحه عليه وبالمفاتيح فوجه قتيبة أخاه عبد الرحمن بن مسلم إلى خرزاد فقاتله وظفر بأربعة آلاف أسير فقتلهم، وملك ملك خارزم الأول على ما شرط له، فقال له أهل مملكته: أنه ضعيف ووثبوا عليه فقتلوه، فولى قتيبة أخاه عبيد الله بن مسلم خوارزم، وغزا قتيبة سمرقند، وكانت ملوك السغد تنزلها قديما، ثم نزلت أشتيخن، فحصر قتيبة أهل سمرقند والتقوا مرارا فاقتتلوا، وكتب ملك السغد إلى ملك الشاش وهو مقيم بالطاربند، فأتاه في خلق من مقاتلته فلقيهم المسلمون فاقتتلوا أشد قتال، ثم أن قتيبة أوقع بهم وكسرهم فصالحه غوزك على ألفي ألف ومائتي ألف درهم في كل عام وعلى أن يصلي في المدينة فدخلها وقد اتخذ له غوزك طعاما فأكل وصلى واتخذ مسجدا وخلف بها جماعة من المسلمين فيهم الضحاك بن مزاحم صاحب التفسير، ويقال: أنه صالح قتيبة على سبعمائة ألف درهم وضيافة المسلمين ثلاثة أيام، وكان في صلحه بيوت الأصنام والنيران فأخرجت الأصنام فسلبت حليتها وأحرقت، وكانت الأعاجم تقول أن فيها أصناما من استخف بها هلك فلما حرقها قتيبة بيده أسلم منهم خلق، فقال المختار بن كعب الجعفي في قتيبة:

دوخ السغد بالقبائل حتى ترك السغد بالعراء قعودا

وقال أبو عبيدة وغيره لما استخلف عمر بن عبد العزيز وفد عليه قوم من أهل سمرقند فرفعوا إليه أن قتيبة دخل مدينتهم وأسكنها المسلمين على غدر فكتب عمر إلى عامله يأمره أن ينصب لهم قاضيا ينظر فيما ذكروا فإن قضى بإخراج المسلمين أخرجوا فنصب لهم جميع بن حاضر الباجي فحكم بإخراج المسلمين على أن ينابذوهم على سواء فكره أهل مدينة سمرقند الحرب وأقروا المسلمين فأقاموا بين أظهرهم.

وقال الهيثم بن عدي: حدثني ابن عياش الهمذاني، قال: فتح قتيبة عامة الشاش وبلغ أسبيجاب، وقيل كان فتح حصن أسبيجاب قديما ثم غلب عليه الترك ومعهم قوم من أهل الشاش، ثم فتحه نوح بن أسد في خلافة أمير المؤمنين المعتصم بالله وبنى حوله سورا يحيط بكروم أهله ومزارعهم.

وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى فتح قتيبة خارزم وفتح سمرقند عنوة، وقد كان سعيد بن عثمان صالح أهلها ففتحها قتيبة بعده ولم يكونوا نقضوا ولكنه استقل صلحهم، قال: وفتح بيكند وكش ونسف والشاش، وغزا فرغانة ففتح بعضها وغزا السغد وأشر وسنة، قالوا: وكان قتيبة مستوحشا من سليمان بن عبد الملك وذلك أنه سعى في بيعة عبد العزيز بن الوليد فأراد دفعها عن سليمان، فلما مات الوليد. وقام سليمان خطب الناس فقال أنه قد وليكم هبنقة العائشي، وذلك أن سليمان كان يعطي ويصطنع أهل النعم واليسار ويدع من سواهم، وكان هبنقة وهو يزيد بن ثروان يؤثر سمان ابله بالعلف والمرعى، ويقول: أنا لا أصلح ما أفسد الله ودعا الناس إلى خلعه فلم يجبه أحد إلى ذلك فشتم بني تميم ونسبهم إلى الغدر، وقال لستم بني تميم ولكنكم بني ذميم، وذم بني بكر بن وائل، وقال: يا أخوة مسلمة، وذم الأزد فقال بدلتم الرماح بالمراد وبالسفن أعنة الحصن، وقال: يا أهل السافلة ولا أقول أهل العالية لأضعنكم بحيث وضعكم الله، قال: فكتب سليمان إلى قتيبة بالولاية وأمره بإطلاق كل من في حبسه وأن يعطي الناس أعطياتهم ويأذن لمن أراد القفول في القفول وكانوا متطلعين إلى ذلك وأمر رسوله بإعلام الناس ما كتب به، فقال قتيبة: هذا من تدبيره علي وقام فقال: أيها الناس إن سليمان قد مناكم مخ أعضاد البعوض وأنكم ستدعون إلى بيعة أنور صبي لا تحل ذبيحته وكانوا حنقين عليه لشتمه إياهم فاعتذر من ذلك، وقال: إني غضبت فلم أدر ما قلت وما أردت لكم إلا الخير فتكلموا، وقالوا: إن أذن لنا في القفول كان خيرا له. وإن لم يفعل فلا يلومن إلا نفسه، وبلغه ذلك فخطب الناس فعدد إحسانه إليهم وذم قلة وفائهم له وخلافهم عليه وخوفهم بالأعاجم الذين استظهر بهم عليهم، فأجمعوا على حربه ولم يجيبوه بشيء وطلبوا إلى الحصين بن المنذر أن يولوه أمرهم فأبى وأشار عليهم بوكيع بن حسان بن قيس بن أبي سود بن كلب بن عوف بن مالك بن غدانة بن يربوع بن حنظلة التميمي، وقال: لا يقوى على هذا الأمر غيره لأنه أعرابي جاف تطيعه عشيرته وهو من بني تميم وقد قتل قتيبة بني الأهتم فهم يطلبونه بدمائهم فسعوا إلى وكيع فأعطاهم يده فبايعوه، وكان السفير بينه وبينهم قبل ذلك حيان مولى مصقلة وبخراسان يومئذ من مقاتلة أهل البصرة أربعون ألفا ومن أهل الكوفة سبعة آلاف ومن الموالي سبعة آلاف، وإن وكيعا تمارض ولزم منزله فكان قتيبة يبعث إليه وقد طلى رجليه وساقه بمغرة فيقول أنا عليل لا تمكنني الحركة، وكان إذا أرسل إليه قوما يأتونه به تسللوا وأتوا وكيعا فأخبروه فدعا وكيع بسلاحه وبرمح وأخذ خمار أم ولده فعقده عليه، ولقيه رجل يقال له إدريس فقال له يا أبا مطرف إنك تريد أمرا وتخاف ما قد أمنك الرجل منه فالله الله، فقال وكيع: هذا إدريس رسول إبليس أقتيبة يؤمنني والله لا آتيه حتى أوتى برأسه، ودلف نحو فسطاط قتيبة وتلاحق به وقتيبة في أهل بيته وقوم وفوا له فقال صالح أخوه لغلامه: هات قوسي، فقال له بعضهم وهو يهزأ به: ليس هذا يوم قوس ورماه رجل من بني ضبة فأصاب رهابته فصرع وأدخل الفسطاط فقضى وقتيبة عند رأسه وكان قتيبة يقول لحيان وهو على الأعاجم أحمل فيقول لم يأن ذلك بعد وحملت العجم على العرب، فقال حيان: يا معشر العجم لم تقتلون أنفسكم لقتيبة ألحسن بلائه عندكم فانحاز بهم إلى بني تميم وتهايج الناس وصبر مع قتيبة أخوته وأهل بيته وقوم من أبناء ملوك السغد أنفوا من خذلانه وقطعت أطناب الفسطاط وأطناب الفازة فسقطت على قتيبة وسقط عمود الفازة على هامته فقتله فاحتز رأسه عبد الله بن علوان، وقال قوم منهم هشام بن الكلبي: بل دخلوا عليه فسطاطه فقتله جهم بن زحر الجعفي وضربه سعد بن مجد واحتز رأسه بن علوان، قالوا: وقتل معه جماعة من أخوته وأهل بيته وأم ولده الصماء ونجا ضرار بن مسلم أمنه بنو تميم، وأخذت الأزد رأس قتيبة وخاتمه وأتى وكيع برأس قتيبة فبعث به إلى سليمان مع سليط بن عطية الحنفي. وأقبل الناس يسلبون باهلة فمنع من ذلك، وكتب وكيع إلى أبى مجاز لاحق بن حميدة بعهده على مرو فقبله ورضي الناس به، وكان قتيبة يوم قتل ابن خمس وخمسين سنة، ولما قبل وكيع بن أبي سود بصارم بخراسان وضبطها فأراد سليمان توليته إياها فقيل له أن وكيعا ترفعه الفتنة وتضعه الجماعة وفيه جفاء وأعرابية، وكان وكيع يدعو بطست فيبول والناس ينظرن إليه فمكث تسعة أشهر حتى قدم عليه يزيد بن المهلب، وكان بالعراق، فكتب إليه سليمان أن يأتي خراسان وبعث إليه بعهده فقدم يزيد مخلدا ابنه فحاسب وكيعا وحبسه، وقال له: أد مال الله فقال: أو خازنا لله كنت، وغزا مخلد البتم ففتحها ثم نقضوا بعده فتركهم ومال عنهم فطمعوا في انصرافه، ثم كر عليهم حتى دخلها ودخلها جهم بن زحر وأصاب بها مالا وأصناما من ذهب فأهل البتم ينسبون إلى ولائه، قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: كانوا يرون أن عبد الله بن عبد الله بن الأهتم أبا خاقان قد كتب إلى الحجاج يسعى بقتيبة ويخبر بما صار إليه من المال وهو يومئذ خليفة قتيبة على مرو، وكان قتيبة إذا غزا استخلفه على مرو، فلما كانت غزوة بخارى وما يليها واستخلفه أتاه بشير أحد بني الأهتم، فقال له: أنك قد انبسطت إلى عبد الله وهو ذو غوائل حسود فلا نأمنه أن يعزلك فيستفسدنا قال إنما قلت هذا حسدا لابن عمك، قال فليكن عذري عندك فإن كان ذلك عذرتني وغزا، فكتب بما كتب به إلى الحجاج فطوى الحجاج كتابه في كتابه إلى قتيبة، فجاء الرسول حتى نزل السكة بمرو وجاوزها، ولم يأت عبد الله فأحس بالشر فهرب فلحق بالشام فمكث زمنا يبيع الخمر والكتانيات في رزمة على عنقه يطوف بها، ثم أنه وضع خرقة وقطنة على إحدى عينيه ثم عصبها واكتنى بأبي طينة، وكان يبيع الزيت فلم يزل على هذه الحال حتى هلك الوليد بن عبد الملك، وقام سليمان فألقى عنه ذاك الدنس والخرقة وقام بخطبة تهنئة لسليمان ووقوعا في الحجاج وقتيبة، وكان قد بايع لعبد العزيز بن الوليد وخلع سليمان فتفرق الناس وهم يقولون: أبو طينة الزيات أبلغ الناس، فلما انتهى إلى قتيبة كتاب ابن الأهتم إلى الحجاج وقد فاته عكر على بني عمه وبنيه، وكان أحدهم شيبة أبو شبيب فقتل تسعة أناسي منهم أحدهم بشير: فقال له بشير: اذكر عذري عندك فقال قدمت رجلا وأخرت رجلا يا عدو الله فقتلهم جميعا، وكان وكيع بن أبي سود قبل ذلك على بني تميم بخراسان فعزله عنهم قتيبة واستعمل رجلا من بني ضرار الضبي، فقال حين قتلهم: قتلني الله أنا أقتله ويفقدوه فلم يصل الظهر ولا العصر، فقالوا له: إنك لم تصل، فقال: وكيف أصلي لرب قتل منا عامتهم صبيان ولم يغضب لهم.

وقال أبو عبيدة: غزا قتيبة مدينة فيل ففتحها، وقد كان أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد فتحها ثم نكثوا ورامهم يزيد بن المهلب فلم يقدر عليها، فقال كعب الأشقري:

أعطتك فيل بأيديها وحق لها ورامها قبلك الفجاجة الصلف

يعني يزيد بن المهلب، قالوا: ولما استخلف عمر بن عبد العزيز كتب إلى ملوك ما وراء النهر يدعوهم إلى الإسلام فأسلم بعضهم، وكان عامل عمر على خراسان الجراح بن عبد الله الحكمي فأخذ مخلد بن يزيد وعمال يزيد فحبسهم ووجه الجراح عبد الله بن معمر اليشكري إلى ما وراء النهر فأوغل في بلاد العدو وهم بدخول الصين فأحاطت به الترك حتى افتدى منهم وتخلص وصار إلى الشاش، ورفع عمر الخراج على من أسلم بخراسان وفرض لمن أسلم وابتنى الخانات، ثم بلغ عمر عن الجراح عصبية وكتب إليه أنه لا يصلح أهل خراسان إلا السيف فأنكر ذلك وعزله وكان عليه دين فقضاه، وولى عبد الرحمن بن نعيم الغامدي حرب خراسان وعبد الرحمن بن عبد الله القشيري خراجها.

قال وكان الجراح بن عبد الله يتخذ نقرا من فضة وذهب ويصيرها تحت بساط في مجلسه على أوزان مختلفة، فإذا دخل عليه الداخل من أخوته والمعتزين به رمى إلى كل امرئ منهم مقدار ما يؤهل له، ثم ولى يزيد بن عبد الملك فولى مسلمة بن عبد الملك العراق وخراسان، فولى مسلمة سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص بن أمية خراسان وسعيد هذا يلقب حذيفة، وذلك أن بعض دهاقين ما وراء النهر دخل عليه وعليه معصفر وقد رجل شعره، فقال: هذا حذيفة يعني دهقانه، وكان سعيد صهر مسلمة على ابنته فقدم سعيد سورة بن الحر الحنظلي، ثم ابنه فتوجه إلى ما وراء النهر فنزل اشتيخن وقد صارت الترك إليها فحاربهم وهزمهم ومنع الناس من طلبهم حينا، ثم لقي الترك ثانية فهزموهم وأكثروا القتل في أصحابه وولى سعيد نصر بن سيار وفي سعيد يقول الشاعر:

فسرت إلى الأعداء تلهو بلعبة فأيرك مشهور وسيفك مغمد

وشخص قوم من وجوه أهل خراسان إلى مسلمة يشكون سعيدا فعزله وولى سعيد بن عمر الجرشي خراسان، فلما قدمها أمر كاتبه بقراءة عهده وكان لحانا، فقال سعيد: أيها الناس إن الأمير بريء مما تسمعون من هذا اللحن ووجه إلى السغد يدعوهم إلى الفئة والمراجعة وكف عن مهايجتهم حتى أنته رسله بإقامتهم على خلافة فزحف إليهم فانقطع عن عظيمهم زهاء عشرة آلاف رجل، وفارقوهم مائلين إلى الطاعة، وافتتح الجرشي عامة حصون السغد ونال من العدو نيلا شافيا.

وكان يزيد بن عبد الملك ولى عهده هشام بن عبد الملك والوليد بن يزيد بعده، فلما مات يزيد بن عبد الملك قام هشام فولى عمر بن هبيرة الفزاري العراق فعزل الجرشي واستعمل على خراسان مسلم بن سعيد فغزا أفشين فصالحه على ستة آلاف رأس ودفع إليه قلعته ثم انصرف إلى مرو، وولى طخارستان نصر بن سيار فخالفه خلق من العرب فأوقع بهم ثم سفرت بينهم السفراء فاصطلحوا.

واستعمل هشام خالد بن عبد الله القسري على العراق فولى أسد بن عبد الله أخاه خراسان وبلغ ذلك مسلم بن سعيد، فسار حتى أتى فرغانة فأناخ على مدينتها فقطع الشجر وأخرب العمارة وانحدر عليه خاقان الترك في عسكره فارتحل عن فرغانة وسار في يوم واحد ثلاث مراحل حتى قامت دوابه وتطرفت الترك عسكره فقاب بعض الشعراء:

غزوت بنا من خشية العزل عاصيا فلم تنج من دنيا معن غرورها

وقدم أسد سمرقند فاستعمل عليها الحسن بن أبي العمرطة، فكانت الترك تطرف سمرقند وتغير، وكان الحسن ينفر كلما أغاروا فلا يلحقهم، فخطب ذات يوم فدعا على الترك في خطبته، فقال: اللهم أقطع آثارهم وعجل أقدارهم وأنزل عليهم الصبر فشتمه أهل سمرقند، وقالوا: لا بل أنزل الله علينا الصبر وزلزل أقدامهم.

وغزا أسد جبال نمرود فصالحه نمرود وأسلم وغزا الختل، فلما قدم بلخ أمر ببناء مدينتها ونقل الدواوين إليها وصار إلى الختل فلم يقدر منها على شيء وأصاب الناس ضر وجوع وبلغه عن نصر بن سيار كلام فضربه وبعث به إلى خالد مع ثلاثة نفر اتهموا بالشغب، ثم شخص أسد عن خراسان وخلف عليها الحكم بن عوانة الكلبي، واستعمل هشام أشرس بن عبد الله السلمي على خراسان، وكان معه كاتب نبطي يسمى عميرة ويكنى أبا أمية فزين له الشر فزاد أشرس وظائف خراسان واستخف بالدهاقين، ودعا أهل ما وراء النهر إلى الإسلام وأمر بطرح الجزية عمن أسلم فسارعوا إلى الإسلام وانكسر الخراج، فلما رأى أشرس ذلك أخذ المسألة فأنكروا ذلك وألاحوا منه وغضب لهم ثابت قطنة الأزدي، وإنما قيل له قطنة لأن عينه فقئت فكان يضع عليها قطنة فبعث إليهم أشرس من فرق جمعهم وأخذ ثابتا فحبسه ثم خلاه بكفالة ووجهه فى وجه فخرجت عليه الترك فقتلته.

واستعمل هشام في سنة اثنتي عشرة ومائة الجنيد بن عبد الرحمن المرى على خراسان فلقي الترك فحاربهم ووجه طلائع له فظفروا بابن خاقان وهو سكران يتصيد، فأخذوه فأتوا به الجنيد بن عبد الرحمن فبعث به إلى هشام، ولم يزل يقاتل الترك حتى دفعهم، فكتب إلى هشام يستمده فأمده بعمرو بن مسلم في عشرة آلاف رجل من أهل البصرة وبعبد الرحمن بن نعيم في عشرة آلاف من أهل الكوفة وحمل إليه ثلاثين ألف قناة وثلاثين ألف ترس وأطلق يده في الفريضة ففرض لخمسة عشر ألف رجل، وكانت للجنيد مغاز وانتشرت دعاة بني هشام في ولايته وقوي أمرهم وكانت وفاة الجنيد بمرو، وولى هشام خراسان عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي، وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى التاثت نواح من طخارستان ففتحها الجنيد بن عبد الرحمن وردها إلى صلحها ومقاطعتها.

قال: وكان نصر بن سيار غزا اشر وسنة أيام مروان بن محمد فلم يقدر على شيء منها، فلما استخلف أمير المؤمنين العباس رحمه الله ومن بعده من الخلفاء كانوا يولون عمالهم فينقصون حدود أرض العدو وأطرافها ويحاربون من نكث البيعة ونقض العهد من أهل القبالة ويعيدون مصالحة من امتنع من الوفاء بصلحه بنصب الحرب له.

قالوا: ولما استخلف المأمون أمير المؤمنين أغزى السغد وأشروسنة ومن انتقض عليه من أهل فرغانة الجند وألح عليهم بالحروب وبالغارات أيام مقامه بخراسان وبعد ذلك، وكان مع تسريته الخيول إليهم يكاتبهم بالدعاء إلى الإسلام والطاعة والترغيب فيهما.

ووجه إلى كابل شاه جيشا فأدى الإتاوة وأذعن بالطاعة واتصل إليها البريد حتى حمل إليها منها إهليلج وصل رطبا، وكان كاوس ملك أشروسنة كتب إلى الفضل بن سهل المعروف بذي الرياستين، وهو وزير المأمون وكاتبه يسأله الصلح على مال يؤديه على أن لا يغزي المسلمين بلده فأجيب إلى ذلك، فلما قدم المأمون رحمه الله إلى مدينة السلام امتنع كاوس من الوفاء بالصلح، وكان له قهرمان أثير عنده قد زوج ابنته من الفضل بن كاوس فكان يفرط الفضل عنده ويقربه من قبله ويذم حيدر بن كاوس المعروف بالأفشين ويشنعه، فوثب حيدر على القرمان فقتله على باب كنب مدينتهم وهرب إلى هاشم بن محوز الختلي، وكان هاشم ببلده مملكا عليه، فسأله أن يكتب إلى أبيه فى الرضى عليه، وكان كاوس قد زوج أم جنيد حين قتل قهرمانة طراديس وهرب ببعض دهاقينه.

فلما بلغ حيدر ذلك أظهر الإسلام وشخص إلى مدينة السلام، فوصف للمأمون سهولة الأمر فى أشر وسنة وهون عليه ما يهوله الناس من خبروها ووصف له طريقا مختصرة إليها، فوجه المأمون أحمد بن أبي خالد الأحول الكاتب لغزوها في جيش عظيم، فلما بلغ كاوس إقباله نحوه بعث الفضل ابن كاوس إلى الترك يستنجدهم فأنجده منهم الدهم، وقدم أحمد بن أبى خالد بلد أشر وسنة فأناخ على مدينتها قبل موافاة الفضل بالأتراك فكان تقدير كاوس فيه أن يسلك الطريق البعيدة وأنه لا يعرف هذه الطريق المختصرة فسقط في يده ونخب قلبه فاستسلم وخرج في الطاعة وبلغ الفضل خبره فانحاز بالأتراك إلى مفازة هناك ثم فارقهم وسار جلدا حتى أتى أباه فدخل في أمانه وهلك الأتراك عطشا، وورد كاوس مدينة السلام فأظهر الإسلام وملكه المأمون على بلاده، ثم ملك حيدر ابنه وهو الأفشين بعده، وكان المأمون رحمه الله يكتب إلى عماله على خراسان في غزو من لم يكن على الطاعة والإسلام من أهل ما وراء النهر، ويوجه رسله فيفرضون لمن رغب في الديوان وأراد الفريضة من أهل تلك النواحي وأبناء ملوكهم ويستميلهم بالرغبة فإذا وردوا بابه شرفهم وأسنى صلاتهم وأرزاقهم، ثم استخلف المعتصم بالله فكان على مثل ذلك حتى صار حل شهود عسكره من جند أهل ما وراء النهر من السغد والفراعنة والأشروسنة وأهل الشاش وغيرهم، وحضر ملوكهم بابه وغلب الإسلام على ما هناك، وصار أهل تلك البلاد يغزون من وراءهم من الترك، وأعزى عبد الله بن طاهر ابنه طاهر بن عبد الله بلاد الغوزية، ففتح مواضع لم يصل إليها أحد قبله.

وحدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش أن قتيبة أسكن العرب ما وراء النهر حتى أسكنهم أرض فرغانة والشاش.

Source. Futuh al-Buldan (فتوح البلدان), Al-Baladhuri (d. 892) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0279Baladhuri.FutuhBuldan.Shamela0012221-ara1.mARkdown (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com