John Shaqi

Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr

دمشق وآثارها

Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 102 of 130

ولهذه البلدة قلعة يسكنها السلطان منحازة في الجهة الغربية من البلد، وهي بإزاء باب الفرج من أبواب البلد، وبها جامع السلطان يجمع فيه، وعلى مقربة منها، خارج البلد في جهة الغرب، ميدانان كأنهما مبسوطان خزا لشدة خضرتهما، وعليهما حلق، والنهر بينهما، وغيضة عظيمة من لحور متصلة بهما، وهما من أبدع لمناظر، يخرج السلطان اليهما ويلعب فيهما بالصوالجة ويسابق بين الخيل فيهما، ولا مجال للعين كمجالها فيهما. وفي كل ليلة يخرج أبناء السلطان اليهما للرماية والمسابقة واللعب بالصوالجة.

وبهذه البلدة ايضا قرب مئة حمام فيها وفي ارباضها، وفيها نحو اربعين دارا للوضوء يجري الماء فيها كلها. وليس في هذه البلاد كلها بلدة أحسن منها للغريب، لأن المرافق بها كثيرة. وفي الذي ذكرناه من ذلك كفاية، والله يبقيها دار اسلام بمنه.

وأسواق هذه البلدة من أحفل اسواق البلاد وأحسنها انتظاما وابدعها وضعا، ولا سيما قيسارياتها، وهي مرتفعات كأنها الفناديق مثقفة كلها بأبواب حديد كأنها أبواب القصور، وكل قيسارية منفردة بضبتها واغلاقها الجديدة. ولها ايضا سوق، يعرف بالسوق الكبير، يتصل من باب الجابية الى باب شرقي. وفيه بيت صغير جدا قد اتخذ مصلى، وفي قبلته حجر يقال: ان ابراهيم، صلى الله عليه وسلم، كان يكسر عليه الآلهة التي كان يسوقها أبوه للبيع.

وحديث الدار المنسوبة لعمر بن عبد العزيز، التي هي اليوم خانقة للصوفية، وهي في الدهلير الذي في الباب الشمالي المعروف بباب الناطفيين، وقد تقدم التنبيه عليها قبل هذا، حديث عجيب، وذلك ان الذي اشتراها وبناها وجعل لها الأوقاف الواسعة وأمر بأن يدفن فيها وان يختم على قبره القرآن كل جمعة وعين من تلك الاوقاف لمن يحضر ذلك كل جمعة رطلا من خبز الحوارى، وهو ثلاثة أرطال من أرطال المغرب، رجل من العجم يعرف بالسميساطي، وسميساط بلدة من بلاد العجم، وكان موصوفا بالورع والزهد، وأصل يساره وتموله، فيما ذكر لنا، أنه الفى يوما من الأيام بالدهليز المذكور ازاء الدار المذكورة رجلا أسود مريضا مطروحا بموضعه غير ملتفت اليه ولا معتنى به، فتأجر فيه والتزم تمريضه وخدمته والنظر له اغتناما للثواب من الله عز وجل، فحانت وفاة الرجل، فاستدعى ممرضه السميساطي المذكور فقال له: انت قد احسنت الي وخدمتني ولطفت في تمريضي واشفقت لحالي وغربتي، فأنا اريد ان اكافئك على فعلك بي زائدا الى مكافأة الله عز وجل عني في الآجل، ان شاء الله؛ وذلك أني كنت من أحد فتيان الخليفة المعتضد العباسي، ومعروفا بزمام الدار، وكانت لي حظوة ومكانة، فعتب علي في بعض الامر، فخرجت طريدا، فانتهيت الى هذه البلدة، فأصابني فيها من امر الله ما اصابني، فسببك الله لي رحمة، فأنا اقلدك امانة واعهد اليك فيها عهدا، اذا انا مت وغسلتني فانهض على بركة الله تعالى الى بغداد وتلطف في السؤال عن دار صاحب الزمام فتى الخليفة، فاذا

ارشدت اليها فصرف الحيلة في اكترائها، وارجو ان الله يعينك على ذلك، واذا سكنتها فاعمد الى موضع، سماه له فيها وذكر له امارة عليه، فاحفر فيه مقدار كذا وانزع اللوح الذي تجده معترضا تحت الأرض وخذ الذي تجده مدفونا تحت الارض وصرفه في منافعك وما يوفقك الله اليه من وجوه البر والخير مباركا لك في ذلك، ان شاء الله.

ثم توفي الرجل الموصي، رحمه الله، وتوجه الموصى اليه بعهده الى بغداد، فيسر الله له في اكتراء الدار وانتهى الى الموضع المذكور فاستخرج منه ذخائر لا قيمة لها، عظيمة الشأن، كبيرة القدر، فدسها في احمال متاع ابتاعها وخرج الى دمشق من بغداد، فابتاع الدار المذكورة المنسوبة لعمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، وبناها خانقة للصوفية واحتفل فيها وابتاع لها الاوقاف ضياعا ورباعا وجعلها برسم الصوفية، واوصى بأن يدفن فيها وان يختم القرآن على قبره كل جمعة، وعين لكل من يحضر ذلك ما ذكرناه. فوجد الغرباء والفقراء في ذلك مرفقا كثيرا. فتغص الخانقة بالقرأة كل جمعة، فإذا ختموا القرآن دعوا له وانصرفوا واندفع لكل واحد منهم رطل من الخبز، على الصفة المذكورة. وبقي للمتوفي جميل الاثر والخير، رحمة الله ورضوانه عليه.

والكوثرية التي ذكرناها ايضا بالجامع المكرم، والمقروءة كل يوم بعد العصر، المعينة لمن لا يحفظ القرآن كان اصلها ايضا ان احد ذوي اليسار توفي واوصى بأن يدس قبره في الجامع المكرم واوقف وقفا يغل مئة وخمسين دينارا في السنة برسم من لا يحفظ القرآن ويقرأ من سورة الكوثر الى الخاتمة، فينقسم له اربعون دينارا، في كل ثلاثة اشهر من السنة. ويذكر ان احد الملوك السالفين توفي ايضا وأوصى بأن يجعل قبره في قبلة الجامع المكرم بحيث لا يظهر، وعين اوقافا عظيمة تغل نحو الالف دينار وأربع مئة دينار في السنة وزائد لقراء سبع القرآن كل يوم.

وموضع الاجتماع لقراءة هذا السبع المبارك كل يوم، اثر صلاة الصبح، بالجهة الشرقية من مقصورة الصحابة، رضي الله عنهم، ويقال: ان في ذلك الموضع

هو القبر المذكور. وقراءة السبع لا تتعدى ذلك الموضع متصلا مع جدار القبلة الى الجدار الشرقي، والله عز وجل لا يضيع اجر المحسنين. وبقيت هذه الرسوم الشريفة مخلدة مع الأيام، نفع الله بهار اسميها. وناميك فيها من بلاد يهدى فيها لهذه الصنائع المزلفة لرضوان الله، عز وجل، وللفقراء الملتزمين الجلوس في الجانب الشرقي من الجامع المكرم، الذين ليس لهم مأوى يأوون اليه، وقف وضعه بعض المتأجرين الموفقين برسمهم، الى ما يطول ذكره من المآثر الاخراوية الصدقية التي كفل الله بها غرباء هذه الجهات.

ومن عادة اهل دمشق وسائر تلك البلاد المستحسنة، المرجو لهم فيها من الله، عز وجل، قبول، انهم في كل سنة يتوخون الوقوف يوم عرفة بجوامعهم اثر صلاة العصر، يقف بهم ائمتهم كاشفي رؤوسهم داعين الى ربهم التماسا لبركة الساعة التي يقف فيها وفد الله عز وجل وحجيج بيته الحرام بعرفات، فلا يزالون واقفين داعين متضرعين الى الله عز وجل، وبحجاج بيته الحرام متوسلين، الى ان يسقط قرص الشمس ويقدروا نفر الحاج فينفصلوا باكين على ما حرموه من ذلك الموقف العظيم بعرفات وداعين الى الله عز وجل في ان يوصلهم اليها ولا يخليهم من بركة القبول في فعلهم ذلك.

Source. Rihla of Ibn Jubayr (رحلة ابن جبير), Ibn Jubayr (d. 1217) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0614IbnJubayr.Rihla.Shamela0010883-ara1 (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com