John Shaqi

Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr

من أعظم المناظر في الدنيا

Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 103 of 130

ومن أعظم ما شاهدناه من مناظر الدنيا الغريبة الشأن، وهياكلها الهائلة البنيان، المعجزة الصنعة والاتقان، المعترف لوصفها بالتقصير لسان كل بيان:

الصعود الى أعلى قبة الرصاص المذكورة في هذا التقييد، القائمة وسط الجامع المكرم، والدخول في جوفها، واحالة لحظ الاعتبار في بديع وضعها، مع القبة التي في وسطها كأنها كرة مجوفة داخلة وسط كرة أخرى أعظم منها؛ صعدنا اليه في جملة من الأصحاب المغاربة ضحوة يوم الاثنين الثامن عشر لجمادى الاولى

المذكورة من مرقى في الجانب الغربي من بلاط الصحن كان صومعة في القديم، وتمشينا على سطح الجامع المكرم، وكله ألواح رصاص منتظمة، كما قد تقدم الذكر لذلك، وطول كل لوح أربعة أشبار، وعرضه ثلاثة أشبار، وربما اعترض في الالواح نقص أو زيادة، حتى انتهينا الى القبة المذكورة، فصعدنا اليها على سلم منصوب، وريح الميد تكاد تطير بنا، فحبونا في الممشى المطيف بها، وهو من رصاص، وسعته ستة اشبار، فلم نستطع القيام عليه لهول الموقف فيه، فأسرعنا الولوج في جوف القبة على أحد شراجيبها المفتحة في الرصاص، فأبصرنا مرأى تحار فيه العقول، وتقف دون ادراك هيبة وصفه الافهام، وجلنا في فرش من الخشب العظام حول القبة الصغيرة الداخلة في جوف القبة الرصاصية على الصفة التي ذكرناها، ولها طيقان يبصر منها الجامع ومن فيه، فكنا نبصر الرجال فيه كأنهم الصبيان في المحاضر.

وهذه القبة مستديرة كالكرة، وظاهرها من خشب قد شد باضلاع من الخشب الضخام موثقة بنطق من الحديد، ينعطف كل ضلع عليها كالدائرة وتجتمع الأضلاع كلها في مركز دائرة من الخشب أعلاها. وداخل هذه القبة، وهو ما يلي الجامع المكرم، خواتيم من الخشب منتظم بعضها ببعض قد اتصل اتصالا عجيبا، وهي كلها مذهبة بأبدع صنعة من التذهيب، مزخرفة التلوين، بديعة القرنصة، ويرتمي الأبصار شعاع ذهبها، وتتحير الألباب في كيفية عقدها ووضعها لإفراط سموها؛ أبصرنا من تلك الخواتيم الخشبية خاتما مطروحا جوف القبة، لم يكن طوله أقل من ستة اشبار في عرض اربعة. وهي تلوح في انتظامها للعين كأن دور كل واحدة منها شبر أو شبران الغاية لعظم سموها.

والقبة الرصاص محتوية على هذه القبة المذكورة وقد شدت أيضا بأضلاع عظيمة من الخشب الضخام، موثقة الاوساط بنطق الحديد، وعددها ثمان واربعون ضلعا، بين كل ضلع وضلع اربعة اشبار، قد انعطفت انعطافا عجيبا، واجتمعت أطرافها في مركز دائرة من الخشب أعلاها، ودور هذه القبة

الرصاصية ثمانون خطوة، وهي مئتا شبر وستون شبرا، والحال فيها أعظم من أن يبلغ وصفها، وانما هذا الذي ذكرناه نبذة يستدل بها على ما وراءها.

وتحت الغارب المستطيل المسمى النسر، الذي تحت هاتين القبتين، مدخل عظيم هو سقف للمقصورة، بينه وبينها سماء جص مزينة، وقد انتظم فيه من الخشب ما لا يحصى عدده، وانعقد بعضها ببعض، وتقوس بعضها على بعض، وتركبت تركيبا هائلا منظره. وقد أدخلت في الجدار كله دعائم للقبتين المذكورتين.

وفي ذلك الجدار حجارة، كل واحد منها يزن قناطير مقنطرة، لا تنقلها الفيلة فضلا عن غيرها. فالعجب كل العجب من تطليعها الى ذلك الموضع المفرط السمو، وكيف تمكنت القدرة البشرية لذلك، فسبحان من ألهم عباده الى هذه الصنائع العجيبة، ومعينهم على التأتي لما ليس موجودا في طبائعهم البشرية، ومظهر آياته على ايدي من يشاء من خلقه، لا اله سواه؟

والقبتان على قاعدة مستديرة من الحجارة العظيمة قد قامت فوقها أرجل قصار ضخام من الحجارة الصم الكبار، وقد فتح بين كل رجل ورجل شمسية، واستدارت الشمسيات باستدارتها، والقبتان في رأي العين واحدة، وكنينا عنها باثنين لكون الواحدة في جوف الاخرى، والظاهر منها قبة الرصاص.

ومن جملة عجائب ما عايناه في هاتين القبتين أن لم نجد فيهما عنكبوتا ناسجا على بعد العهد من التفقد لهما من أحد والتعاهد لتنظيف مساحتهما، والعنكبوت في أمثالهما موجود كثير. وقد كان حقق عندنا أن الجامع المكرم لا تنسج فيه العنكبوت، ولا يدخله الطير المعروف بالخطاف، وقد تقدم ذكرنا لذلك في هذا التقييد. فانصرفنا منحدرين، وقد قضينا عجبا عجابا من هذا المنظر العظيم شأنه، المعجز وضعه، المرتفع عن الادراك وصفه، ويقال: انه ما على ظهر المعمور أعجب منظرا ولا أبعد سموا ولا أغرب بنيانا

من هذه القبة الا ما يحكى عن قبة بيت المقدس، فانها يحكى أنها أبعد في الارتفاع والسمو من هذه وجملة الأمر أن منظرها والوقوف على هيئة وضعها وعظيم الاستقدار فيها عند معاينها بالصعود اليها والولوج داخلها من أغرب ما يحدث به من عجائب الدنيا، والقدرة لله الواحد القهار، لا اله سواه.

Source. Rihla of Ibn Jubayr (رحلة ابن جبير), Ibn Jubayr (d. 1217) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0614IbnJubayr.Rihla.Shamela0010883-ara1 (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com