Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr
رتبهم في جنائزهم
Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 104 of 130
ولأهل دمشق وغيرها من هذه البلاد في جنائزهم رتبة عجيبة، وذلك انهم يمشون أمام الجنائز بقراء يقرءون القرآن بأصوات شجية، وتلاحين مبكية، تكاد تنخلع لها النفوس شجوا وحنانا، يرفعون أصواتهم بها، فتتلقاها الآذان بأدمع الأجفان، وجنائزهم يصلى عليها في الجامع قبالة المقصورة، فلا بد لكل جنازة من الجامع،؟ انتهوا الى بابه قطعوا القراءة، ودخلوا الى موضع الصلاة عليها، الا ان يكون الميت من أئمة الجامع أو من سدنته، فان الحالة المميزة له في ذلك أن يدخلوه بالقراءة الى موضع الصلاة عليه. وربما اجتمعوا للعزاء بالبلاط الغربي من الصحن بإزاء باب البريد، فيصلون أفرادا أفرادا، ويجلسون وأمامهم ربعات من القرآن يقرءونها، ونقباء الجنائز يرفعون أصواتهم بالنداء لكل واصل للعزاء من محتشمي البلدة وأعيانهم ويحلونهم بخططهم الهائلة التي قد وضعوها لكل واحد منهم بالإضافة الى الدين، فتسمع ما شئت من صدر الدين أو شمسه أو بدره أو نجمه أو زينه أو بهائه أو جماله أو مجده أو فخره أو شرفه أو معينه أو محييه أو زكيه أو نجيبه، الى ما لا غاية له من هذه الألفاظ الموضوعة؛ وتتبعها، ولا سيما في الفقهاء بما شئت أيضا من سيد العلماء وجمال الأئمة وحجة الاسلام وفخر الشريعة وشرف الملة ومفتي الفريقين، الى ما لا نهاية له من هذه الألفاظ المحالية. فيصعد كل واحد منهم الى الشريعة ساحبا أذياله من الكبر، ثانيا عطفه وقذاله. فإذا استكملوا وفرغوا من القراءة وانتهى المجلس
بهم منتهاه قام وعاظهم واحدا واحدا بحسب رتبهم في المعرفة فوعظ وذكر ونبه على خدع الدنيا وحذر وأنشد في المعنى ما حضر من الأشعار ثم ختم بتعزية صاحب المصاب والدعاء له وللمتوفى ثم قعد، وتلاه آخر على مثل طريقته الى أن يفرغوا ويتفرقوا. فربما كان مجلسا نافعا لمن يحضره من الذكرى.
ومخاطبة أهل هذه الجهات قاطبة بعضهم لبعض بالتمويل والتسويد وبامتثال الخدمة وتعظيم الحضرة، واذا لقي أحد منهم آخر مسلما يقول: جاء المملوك أو الخادم برسم الخدمة، كناية عن السلام، فيتعاطون المحال تعاطيا، والجد عندهم عنقاء مغرب، وصفة سلامهم ايماء للركوع أو السجود، فترى الاعناق تتلاعب بين رفع وخفض، وبسط وقبض، وربما طالت بهم الحالة في ذلك، فواحد ينحط واخر يقوم، وعمائمهم تهوي بينهم هويا. وهذه الحالة من الانعكاف الركوعي في السلام كنا عهدناه لقينات النساء، وعند استعراض رقيق الإماء، فيا عجبا لهولاء الرجال، كيف تحلوا بسمات ربات الحجال، لقد ابتذلوا أنفسهم فيما تأنف النفوس الأبية منه، واستعملوا تكفير الذمي المنهي في الشرع عنه! لهم في الشأن طرائق عجيبة في الباطل. فيا للعجب منهم، اذا تعاملوا بهذه المعاملة وانتهوا الى هذه الغاية في الألفاظ بينهم فبماذا يخاطبون سلاطينهم ويعاملونهم؟! لقد تساوت الأذناب عندهم والرءوس، ولم يميز لديهم الرئيس والمرؤوس! فسبحان خالق الخلق أطوارا، لا شريك له، ولا معبود سواه.
ومن عجيب حال الصغير عندهم والكبير، بجميع هذه الجهات كلها، أنهم يمشون وأيديهم الى خلف قابضين بالواحدة على الأخرى، ويركعون للسلام على تلك الحالة المشبهة بأحوال العناة مهانة واستكانة، كأنهم قد سيموا تعنيفا، وأوثقوا تكتيفا، وهم يعتقدون تلك الهيئة لهم تمييزا لهم في ذوي الخصوصية وتشريفا، ويزعمون أنهم يجدون بها نشاطا في الأعضاء، وراحة من الاعياء، والمحتشم منهم من يسحب ذيله على الأرض شبرا أو يضع خلفه اليد الواحدة على الأخرى، قد اتخذوا هذه المشية بينهم سننا، وكل منهم قد زين له سوء عمله فرآه
حسنا، أستغفر الله منهم! فإن لهم من آداب المصافحة عوائد تجدد لهم الإيمان، وتستوهب لهم من الله الغفران، لما بشر به الحديث المأثور عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في المصافحة، فهم يستعملونها اثر الصلوات، ولا سيما اثر صلاة الصبح وصلاة العصر.
واذا سلم الإمام وفرغ من الدعاء أقبلوا عليه بالمصافحة، وأقبل بعضهم على بعض يصافح المرء عن يمينه وعن يساره، فيتفرقون عن مجلس مغفرة، بفضل الله عز وجل، وقد تقدم الذكر فيما سلف من هذا التقييد أنهم يستعملونها عند رؤية الأهلة، ويدعو بعضهم لبعض بتعرف بركة ذلك الشهر ويمنه واستصحاب السعادة والخير فيه وفيما يعود عليه من أمثاله، وتلك أيضا طريقة حسنة ينفعهم الله بها لما فيها من تعاطي الدعوات وتجديد المودات، ومصافحة المؤمنين بعضهم بعضا رحمة من الله تعالى ونعمة.