John Shaqi

Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr

ذكر مدينة بانياس

Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 107 of 130

هذه المدينة ثغر بلاد المسلمين، وهي صغيرة، ولها قلعة يستدير بها تحت السور نهر ويقضي الى أحد أبواب المدينة، وله مصب تحت أرحاء. وكانت بيد الافرنج فاسترجعها نور الدين، رحمه الله. ولها محرث واسع في بطحاء متصلة يشرف عليها حصن للافرنج يسمى هونين، بينه وبين بانياس مقدار ثلاثة فراسخ.

وعمالة تلك البطحاء بين الافرنج والمسلمين، لهم في ذلك حد يعرف بحد المقاسمة، فهم يتشاطرون الغلة على استواء، ومواشيهم مختلطة، ولا حيف يجري بينهما فيها. فرحلنا عنها عشي يوم السبت المذكور الى قرية تعرف بالمسية بمقربة من حصن الافرنج المذكور فكان مبيتنا بها، ثم رحلنا منها يوم الاحد سحرا، واجتزنا في طريقنا بين هونين وتبنين بواد ملتف الشجر، وأكثر شجره الرند،

بعيد العمق كأنه الخندق السحيق المهوى، تلتقي حافتاه، ويتعلق بالسماء أعلاه، يعرف بالاسطيل لو ولجته العساكر لغابت فيه، لا منجى ولا مجال لسالكه عن يد الطالب فيه؛ المهبط اليه والمطلع عنه عقبتان كؤودان، فعجبنا من أمر ذلك المكان. فأجزناه ومشينا عنه يسيرا وانتهينا الى حصن كبير من حصون الافرنج يعرف بتبنين، وهو موضع تمكيس القوافل، وصاحبته خنزيرة تعرف بالملكة، وهي أم الملك الخنزير صاحب عكة، دمرها الله، فكان مبيتنا أسفل ذلك الحصن، ومكس الناس تمكيسا غير مستقصى، والضريبة فيه دينار وقيراط من الدنانير الصورية على الرأس، ولا اعتراض على التجار فيه لأنهم يقصدون موضع الملك الملعون، وهو محل التعشير، والضريبة فيه قيراط من الدينار، والدينار أربعة وعشرون قيراطا.

وأكثر المعترضين في هذا المكس المغاربة، ولا اعتراض على غيرهم من جميع بلاد المسلمين، وذلك لمقدمة منهم أحفظت الافرنج عليهم، سببها أن طائفة من أنجادهم غزت مع نور الدين، رحمه الله، أحد الحصون فكان لهم في أخذه غنى ظهر واشتهر، فجازاهم الافرنج بهذه الضريبة المكسية ألزموها رؤوسهم، فكل مغربي يزن على رأسه الدينار المذكور في اختلافه على بلادهم. وقال الافرنج:

ان هؤلاء المغاربة كانوا يختلفون على بلادنا ونسالمهم ولا نرزأهم شيئا، فلما تعرضوا لحربنا وتألبوا مع اخوانهم المسلمين علينا وجب أن نضع هذه الضريبة عليهم، فللمغاربة في أداء هذا المكس سبب من الذكر الجميل في نكايتهم العدو يسهله عليهم ويخفف عنتهم عنهم.

ورحلنا من تبنين، دمرها الله، سحر يوم الاثنين، وطريقنا كله على ضياع متصلة وعمائر منتظمة، سكانها كلها مسلمون، وهم مع الافرنج على حالة ترفيه، نعوذ بالله من الفتنة، وذلك أنهم يؤدون لهم نصف الغلة عند أوان ضمها وجزية على كل رأس دينار وخمسة قراريط ولا يعترضونهم في غير ذلك، ولهم على ثمر الشجر ضريبة خفيفة يؤدونها ايضا. ومساكنهم بأيديهم وجميع أحوالهم

متروكة لهم. وكل ما بأيدي الافرنج من المدن بساحل الشام على هذه السبيل، رساتيقهم كلها للمسلمين، وهي القرى والضياع، وقد اشربت الفتنة قلوب اكثرهم لما يبصرون عليه اخوانهم من أهل الرساتيق المسلمين وعمالهم، لانهم على ضد أحوالهم من الترفيه والرفق. وهذه من الفجائع الطارئة على المسلمين: أن يشتكي الصنف الاسلامي جور صنفه المالك له، ويحمد سيرة ضده وعدوه المالك له من الافرنج، ويأنس بعدله، فالى الله المشتكى من هذه الحال، وحسبنا تعزية وتسلية ما جاء في الكتاب العزيز: «ان هي الا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء» .

فنزلنا يوم الاثنين المذكور بضيعة من ضياع عكة، على مقدار فرسخ، ورئيسها الناظر فيها من المسلمين مقدم من جهة الافرنج على من فيها من عمارها من المسلمين. فأضاف جميع أهل القافلة ضيافة حفيلة وأحضرهم صغيرا وكبيرا في غرفة متسعة بمنزله وأنالهم ألوانا من الطعام قدمها لهم، فعمهم بتكرمته. وكنا فيمن حضر هذه الدعوة.

وبتنا تلك الليلة وصبحنا يوم الثلاثاء العاشر من الشهر المذكور، وهو الثامن عشر لشتنبر، مدينة عكة، دمرها الله، وحملنا الى الديوان، وهو خان معد لنزول القافلة، وأمام بابه مصاطب مفروشة فيها كتاب الديوان من النصارى بمحابر الآبنوس المذهبة الحلى، وهم يكتبون بالعربية ويتكلمون بها، ورئيسهم صاحب الديوان والضامن له يعرف بالصاحب، لقب وقع عليه لمكانه من الخطة، وهم يعرفون به كل محتشم متعين عندهم من غير الجند. وكل ما يجبى عندهم راجع الى الضمان، وضمان هذا الديوان بمال عظيم. فأنزل التجار رحالهم به ونزلوا في أعلاه، وطلب رحل من لا سلعة له لئلا يحتوي على سلعة مخبؤءة فيه وأطلق سبيله فنزل حيث شاء. وكل ذلك برفق وتؤدة دون تعنيف ولا حمل. فنزلنا بها في بيت اكتريناه من نصرانية بإزاء البحر، وسألنا الله تعالى حسن الخلاص وتيسير السلامة.

Source. Rihla of Ibn Jubayr (رحلة ابن جبير), Ibn Jubayr (d. 1217) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0614IbnJubayr.Rihla.Shamela0010883-ara1 (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com