John Shaqi

Islam · Chronicles · Rihla of Ibn Jubayr

عدل صلاح الدين

Rihla of Ibn Jubayr · Ibn Jubayr (d. 1217) · chapter 16 of 130

ومن مفاخر هذا السلطان المزلفة من الله تعالى وآثاره التي أبقاها ذكرا جميلا للدين والدنيا: إزالته رسم المكس المضروب وظيفة على الحجاج مدة دولة العبيديين. فكان الحجاج يلاقون من الضغط في استيدائها عنتا مجحفا ويسامون فيها خطة خسف باهظة. وربما ورد منهم من لا فضل لديه على نفقته أو لا نفقة عنده فيلزم أداء الضريبة المعلومة، وكانت سبعة دنانير ونصف دينار من الدنانير المصرية التي هي خمسة عشر دينارا مؤمنية على كل رأس، ويعجز عن ذلك، فيتناول بأليم العذاب بعيذاب. فكانت كاسمها مفتوحة العين.

وربما اخترع له من أنواع العذاب التعليق من الأنثيين أو غير ذلك من الأمور الشنيعة، نعوذ بالله من سوء قدره. وكان بجدة أمثال هذا التنكيل وأضعافه لمن لم يؤد مكسه بعيذاب ووصل اسمه غير معلم عليه علامة الأداء. فمحا هذا

السلطان هذا الرسم اللعين ودفع عوضا منه ما يقوم مقامه من أطعمة وسواها، وعين مجبى موضع معين بأسره لذلك، وتكفل بتوصيل جميع ذلك الى الحجاز لأن الرسم المذكور كان باسم ميرة مكة والمدينة، عمرهما الله، فعوض من ذلك أجمل عوض، وسهل السبيل للحجاج، وكانت في حيز الانقطاع وعدم الاستطلاع، وكفى الله المؤمنين على يدي هذا السلطان العادل حادثا عظيما وخطبا أليما. فترتب الشكر له على كل من يعتقد من الناس أن حج البيت الحرام احدى القواعد الخمس من الإسلام، حتى يعم جميع الآفاق ويوجب الدعاء له في كل صقع من الأصقاع وبقعة من البقاع، والله من وراء مجازاة المحسنين، وهو، جلت قدرته، لا يضيع أجر من أحسن عملا. الى مكوس كانت في البلاد المصرية وسواها ضرائب على كل ما يباع ويشترى مما دق أو جل، حتى كان يؤدى على شرب ماء النيل المكس فضلا عما سواه. فمحا هذا السلطان هذه البدع اللعينة كلها وبسط العدل ونشر الأمن.

ومن عدل هذا السلطان وتأمينه للسبل أن الناس في بلاده لا يخلعون لباس الليل تصرفا فيما يعنيهم، ولا يستشعرون لسواده هيبة تثنيهم. على مثل ذلك شاهدنا أحوالهم بمصر والإسكندرية حسبما تقدم ذكره.

شهر محرم سنة تسع وسبعين

استهل هلاله ليلة الثلاثاء، وهو اليوم السادس والعشرون من أبريل، ونحن بمصر، يسر الله علينا مرامنا.

وفي صبيحة يوم الأحد السادس من محرم المذكور كان انفصالنا من مصر وصعودنا في النيل على الصعيد قاصدين الى قوص. عرفنا الله عادته الجميلة من التيسير وحسن المعونة بمنه، ووافق يوم اقلاعنا المذكور أول يوم من مايه «1»

بحول الله عز وجل. والقرى في طريقنا متصلة في شطي النيل والبلاد الكبار حسبما يأتي ذكره، ان شاء الله. فمنها قرية تعرف بأسكر في الضفة الشرقية من النيل مياسرة للصاعد فيه. ويذكر أن فيها كان مولد النبي موسى الكليم، صلى الله على نبينا وعليه، ومنها القته أمه في اليم، وهو النيل حسبما ذكر.

وعاينا أيضا بغربي النيل ميامنا لنا، وذلك كله يوم اقلاعنا المذكور وفي الثاني منه، المدينة القديمة المنسوبة ليوسف الصديق صلى الله عليه وسلم، وبها موضع السجن الذي كان فيه، وهو الآن ينقض وينقل أحجاره الى القلعة المبتناة الآن على القاهرة، وهو حصن حصين المنعة.

وبهذه المدينة المذكورة مخازن الطعام التي اختزنها يوسف، صلى الله عليه وسلم، وهي مجوفة على ما يذكر.

ومنها الموضع المذكور بمنية ابن الخصيب وهو بلد على شط النيل ميامنا للصاعد فيه كبير فيه الأسواق والحمامات وسائر مرافق المدن، اجتزنا عليه ليلة الأحد الثالث عشر لمحرم المذكور، وهو الثامن من يوم اقلاعنا من مصر، لأن الريح سكنت عنا فتربصنا في الطريق.

ولو ذهبنا الى رسم كل موضع يعترضنا في شطي النيل يمينا وشمالا لضاق الكتاب عنه، لكن نقصد من ذلك الى الأكبر الأشهر.

وقابلنا على مقربة من هذا الموضع مياسرا لنا المسجد المبارك المنسوب لإبراهيم خليل الرحمن، صلوات الله عليه وعلى نبينا، وهو مسجد مذكور مشهور معلوم بالبركة مقصود، ويقال: إن بفنائه أثر الدابة التي كان يركبها الخليل، صلى الله عليه وسلم.

ومنها موضع يعرف بأنصنا مياسرا لنا، وهي قرية فسيحة جميلة بها آثار قديمة، وكانت في السالف مدينة عتيقة، وكان لها سور عتيق هدمه صلاح الدين وجعل على كل مركب منحدر في النيل وظيفة من حمل صخره الى القاهرة، فنقل

بأسره اليها.

وفي صبيحة يوم الاثنين الرابع عشر من محرم المذكور، وهو التاسع من اقلاعنا من مصر، اجتزنا بالجبل المعروف بجبل المقلة وهو بالشط الشرقي من النيل مياسرا للصاعد فيه، وهو نصف الطريق الى قوص، من مصر اليه ثلاثة عشر بريدا، ومنه الى قوص مثلها.

ومما يجب ذكره على جهة التعجب أن من حيز مصر في شط النيل الشرقي مياسرا للصاعد فيه حائطا متصلا قديم البنيان، منه ما قد تهدم ومنه ما بقي أثره، يتمادى على الشط المذكور الى أسوان آخر صعيد مصر، وبين أسوان وبين قوص ثمانية برد. والأقوال في أمر هذا الحائط تتشعب وتختلف، وبالجملة فشأنه عجيب ولا يعلم سره الا الله عز وجل. وهو يعرف بحائط العجوز، ولها خبر مذكور، أظن هذه العجوز هي الساحرة المذكور خبرها في المسالك والممالك التي كانت لها المملكة بها مدة.

Source. Rihla of Ibn Jubayr (رحلة ابن جبير), Ibn Jubayr (d. 1217) — public-domain original. Digital text: OpenITI corpus, version 0614IbnJubayr.Rihla.Shamela0010883-ara1 (from al-Maktaba al-Shamela). Structural markers cleaned; the text itself is unaltered. Authorship belongs to the historian.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com